دولة لا تنام: كيف بنت الصين إمبراطورية مراقبة
كيف حول الحزب الشيوعي الخوف إلى نظام حكم يكلفه أكثر من ميزانية جيشه

حين سقط جدار برلين، وتهاوت الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية كأحجار الدومينو، بدا أن التاريخ يسير في اتجاه واحد. كان ثمة يقين شبه جماعي في دوائر العلوم السياسية الغربية مفاده أن الأنظمة الاستبدادية التي تعتمد على القمع العاري والسيطرة الأيديولوجية لن تستطيع الصمود طويلاً في وجه العولمة والانفتاح المعلوماتي ونمو الطبقة الوسطى. وكانت الصين هي الاختبار الأكبر لهذا اليقين. ففي عام 1989، اهتزت ساحة تيانانمن، وخرج الطلاب والعمال يطالبون بالإصلاح، وواجهت قيادة الحزب الشيوعي الصيني لحظة وجودية حقيقية. لكن الحزب لم يسقط. بل على العكس، خرج من الأزمة أكثر تصميماً على البقاء، وأكثر ذكاءً في بناء أدوات بقائه. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، لا تبدو الصين دولة على وشك الانهيار، بل قوة عظمى تزداد قدرتها على ضبط مجتمع يضم ملياراً وأربعمئة مليون نسمة بدقة مذهلة.
هنا يأتي كتاب الباحث الأمريكي من أصل صيني بيي مينشين Pei Minxin الصادر عن مطبعة جامعة هارفرد عام 2024 بعنوان “دولة الحراسة: المراقبة وبقاء الاستبداد في الصين The Sentinel State: Surveillance and the Survival of Dictatorship in China”. هذا الكتاب محاولة للإجابة عن اللغز الأهم في السياسة المقارنة المعاصرة: كيف نجا الحزب الشيوعي الصيني؟ وما هو الثمن الحقيقي لهذا النجاة؟
بيي مينشين ليس مراقباً عابراً للشأن الصيني. هو أستاذ العلوم السياسية في كلية كليرمونت ماكينا، ومؤلف كتاب “صين في انتقال” و”استبداد الصين الرأسمالي”، وقد عُرف بنزعته النقدية الهادئة التي لا تنجرف وراء خطاب “صعود الصين” المتفائل، ولا وراء خطاب “انهيار الصين” الحتمي. في هذا العمل الأخير، الذي استغرق سنوات من البحث المضني في وثائق الحزب، والإحصاءات المالية المحلية، ومئات المقابلات، يقدم بيي مفهوماً جديداً يسميه “دولة الحراسة” Sentinel State. وهو مفهوم يتجاوز الصورة النمطية الرائجة عن الصين كدولة مراقبة رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعرف على الوجه فحسب.
إن الصورة التي يرسمها الإعلام الغربي عادةً هي صورة أورويلية صرفة: كاميرات في كل زاوية، وخوارزميات تتعقب كل نقرة، ونظام ائتمان اجتماعي يصنف المواطنين. هذه الصورة ليست خاطئة، لكنها، كما يجادل بيي، غير مكتملة ومضللة بشكل خطير. فالابتكار الحقيقي الذي أنقذ الحزب الشيوعي الصيني بعد عام 1989 لم يكن تكنولوجياً بالدرجة الأولى، بل كان بيروقراطياً وتنظيمياً وبشرياً. لقد بنى الحزب آلة مراقبة هجينة، تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة وبين جيش هائل من البشر منخفضي التقنية: رجال أمن الحي، ومتطوعو لجان الأحياء، ومخبرو الشبكة، ومسؤولو الاستقرار في المصانع والجامعات.
جوهر أطروحة الكتاب يكمن في أن الحزب الشيوعي فهم الدرس الأهم من تيانانمن: أن القمع الدموي العنيف، رغم فعاليته على المدى القصير، مكلف سياسياً ودولياً، وغير قابل للاستدامة. لذلك، انتقل من استراتيجية “القمع التفاعلي” الذي ينتظر الانفجار ثم يسحقه بالدبابات، إلى استراتيجية “الوقاية الاستباقية” التي ترصد بوادر الغضب وتخنقه في المهد. هذه هي دولة الحراسة: دولة لا تنام، عيونها مفتوحة في كل زقاق، ووظيفتها الأساسية ليست الحكم أو التنمية، بل الرصد المبكر والاحتواء المبكر.
ولفهم كيف تعمل هذه الدولة، يأخذنا بيي في رحلة تشريحية دقيقة لجهاز الحزب الأمني. وهو جهاز لا يُرى عادة في التحليلات السطحية. يشرح كيف أن لجنة الشؤون السياسية والقانونية المركزية (CPLC)، التي كانت مجرد مجموعة صغيرة هامشية في الثمانينيات، تحولت بعد 1989 إلى إمبراطورية بيروقراطية موازية لوزارة الأمن العام، تشرف على الشرطة والمحاكم والنيابة العامة وحتى السجون. هذه اللجنة، وفروعها المحلية التي تصل اليوم إلى مستوى البلدة والقرية، هي العقل المدبر لدولة الحراسة. هي التي تترجم أوامر اللجنة الدائمة للمكتب السياسي إلى خطط عمل يومية: من هي الفئات الخطرة التي يجب مراقبتها هذا الشهر؟ وكيف يتم تحييد محتج محتمل قبل أن يصل إلى بكين لتقديم شكوى؟
إن ما يميز الكتاب هو إصراره على الأرقام والوقائع المادية. بيي لا يكتفي بالتحليل النظري، بل يحفر في الميزانيات. فيكشف أن ميزانية “الاستقرار الداخلي” التي تمول هذه الآلة قد تجاوزت ميزانية الدفاع الوطني الرسمية منذ عام 2010، ووصلت إلى أرقام فلكية تُقدر بمئات المليارات من الدولارات سنوياً. هذا الإنفاق الهائل لم يذهب فقط لشراء كاميرات، بل لتوظيف الملايين. ففي مدينة واحدة متوسطة الحجم، قد تجد عشرات الآلاف من “حراس الشبكة” Grid Workers، وكل واحد مسؤول عن مراقبة بضع مئات من الأسر، وتسجيل تحركاتهم، ومزاجهم، وشكاواهم.
هذه هي المفارقة التي يضعها الكتاب أمام القارئ منذ صفحاته الأولى: إن أكثر أنظمة المراقبة تطوراً في القرن الحادي والعشرين لا يزال يعتمد بشكل أساسي على أكثر أدوات المراقبة بدائية: الإنسان يراقب الإنسان. التكنولوجيا لم تلغِ الحاجة إلى المخبر، بل جعلته أكثر فعالية. فالبيانات التي تجمعها الكاميرا لا قيمة لها دون موظف الحي الذي يعرف أن فلاناً عاطل عن العمل ويتردد على المسجد أو الكنيسة أو يلتقي بصحفيين أجانب.
بهذا المعنى، فإن كتاب “دولة الحراسة” هو كتاب عن تحول جذري في طبيعة الدولة اللينينية. فالدولة اللينينية التقليدية كانت تعتمد على التعبئة الجماهيرية والحملات السياسية. أما الدولة الصينية الجديدة فتعتمد على البيروقراطية الصامتة والوقاية الروتينية. لم يعد الحزب يريد حشد الملايين في الساحات لتهتف باسمه، بل يريد فقط أن يعرف أين هم، وماذا يفكرون، وكيف يمنعهم من التجمع أصلاً.
هذه المقدمة الطويلة ضرورية لفهم حجم الإنجاز الذي يقدمه بيي مينشين. فهو لا يكتب عن الصين كحالة غريبة أو استثنائية، بل يكتب عن نموذج جديد لبقاء الاستبداد في عصر المعلومات. نموذج قد يجد من يقلده في عواصم أخرى. ولذلك، فإن قراءة هذا الكتاب ضرورة لفهم مستقبل العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة والحرية في كل مكان.
قلب الكتاب يكمن في تشريحه للآلة البيروقراطية التي تجعل هذه الدولة ممكنة. هنا يتجلى بيي مينشين كباحث ميداني لا يكتفي بالشعارات الكبرى، بل ينزل إلى دهاليز التنظيم الحزبي ليكشف كيف تحولت لجنة هامشية إلى العمود الفقري لنظام الحكم في الصين.
تبدأ الحكاية من لجنة الشؤون السياسية والقانونية، أو ما يُعرف اختصاراً بـ CPLC في المركز، وPLCs في الأقاليم والمقاطعات. قبل عام 1989، كانت هذه اللجنة مجرد هيئة تنسيقية ضعيفة، بالكاد تملك صلاحيات حقيقية. لكن بعد صدمة تيانانمن، أدركت قيادة الحزب أن أجهزتها الأمنية المتشظية – الشرطة، أمن الدولة، القضاء، الادعاء – تعمل كجزر معزولة، كل منها يغني على ليلاه، ولا يوجد من يربطها بخيط استراتيجي واحد يضمن أمن النظام. من هنا جاء قرار التضخيم. تحولت اللجنة المركزية من منسق إلى قائد، ومن مستشار إلى مشرف يملك حق تعيين وترقية وعزل كل ضباط الأمن والقضاء في البلاد. رئيسها، الذي كان حتى وقت قريب عضواً في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، أعلى هيئة حكم في الصين، أصبح عملياً الرجل الثاني في الدولة البوليسية، يليه رؤساء اللجان المحلية الذين هم في الوقت نفسه أعضاء في اللجان الحزبية الدائمة في مقاطعاتهم.
ما يدهش في وصف بيي هو تفصيل عمل هذه اللجان. ففي مقاطعة قويتشو الفقيرة، على سبيل المثال، وجد أن لجنتها المحلية تتكون من خمسة عشر قسماً ومكتباً: قسم للكادر، وقسم للدعاية وإدارة الفضاء السيبراني، وقسمان للإشراف على تطبيق القانون، وأربعة أقسام للإدارة الشاملة، وقسمان لصيانة الاستقرار، وقسم للإشراف والتحقيق في المعلومات، وقسم لمكافحة الجريمة، وقسم لمكافحة ما يسميه الحزب “الطوائف الشريرة”، ومكتب عام ومكتب أبحاث. هذه التقسيمات ليست مجرد بيروقراطية عبثية، بل هي خريطة دقيقة لوظائف دولة الحراسة الخمس: إدارة وتدقيق ولاء العاملين في القطاع السياسي القانوني، وإنفاذ القانون التقليدي، وأمن النظام وصيانة الاستقرار، وتنسيق العمل السياسي القانوني، وقمع الجماعات الدينية المحظورة.
لكن القصة لا تتوقف عند المركز. العبقرية الشيطانية للنظام، كما يصفها بيي، تكمن في قدرته على نسخ نفسه حتى مستوى الحي والقرية. فبحلول نهاية كل شهر فبراير من كل عام، تكون الأجندة الأمنية السنوية للحزب قد انتقلت من بكين إلى المقاطعة، ومن المقاطعة إلى المدينة، ومن المدينة إلى الحي. وهناك، في لجنة الحي، يجلس موظف صغير لكنه خطير، هو مسؤول الاستقرار. هذا الموظف ليس شرطياً بالزي الرسمي، لكنه يملك قائمة بأسماء “الأشخاص الرئيسيين” الذين يجب مراقبتهم: قدامى محاربي جيش التحرير الشعبي الذين يطالبون بمعاشات أفضل، وأتباع حركة فالون غونغ المحظورة، و”المشتكين” أو الشانغ فانغ Zhe الذين يسافرون إلى العاصمة لتقديم شكاوى ضد فساد محلي، والعمال المسرحين، وحتى الجيران كثيري الشكوى.
ولكي نفهم كيف تعمل هذه الآلة على الأرض، يقدم الكتاب وثيقة نادرة: سجل عمل أسبوع كامل للجنة حي فوتيان في مدينة شنتشن، إحدى أكثر مدن الصين حداثة، خلال الأسبوع الأخير من ديسمبر 2015. لا شيء استثنائي في ذلك الأسبوع، وهذا ما يجعله كاشفاً. مكتب صيانة الاستقرار في الحي كان يعمل مع مكتب الرسائل والزيارات البلدي لحل قضية مشتكين خدعتهم منصة تمويل جماعي عبر الإنترنت، وفي نفس الوقت كان ينسق كيفية التعامل مع مجموعة من قدامى المحاربين الذين يخططون لنشاط قد يثير اضطراباً، ويراقب نزاعاً عمالياً في مصنعين محليين. في الوقت ذاته، كان مكتب الإدارة الاجتماعية الشاملة يفتش على تطبيق إجراءات مكافحة الإرهاب، ويأمر بحملة على الاتجار بالحيوانات البرية، ويجهز لحدث دعائي عن السلامة المرورية. أما مكتب 610 سيئ السمعة، المكلف بمطاردة فالون غونغ، فكان يساعد رئيس فرع أمن الدولة في شنتشن خلال زيارته البحثية، ويشرف على تحقيقين في أنشطة “طائفية”، ويصدر وثيقتين تثبتان أن مواطنين معينين غير مرتبطين بـ “الطوائف الشريرة”، وهي وثائق يحتاجانها للحصول على وظيفة.
هذه اللوحة اليومية تكشف جوهر دولة الحراسة: إنها ليست دولة تعيش في حالة طوارئ دائمة، بل دولة روتين، دولة بيروقراطية مملة، تحول القمع إلى عمل مكتبي يومي. المراقبة ليست حدثاً استثنائياً، بل هي جزء من وصف الوظيفة. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الصين ونماذج بوليسية أخرى مثل ألمانيا الشرقية السابقة. فبينما كانت الشتازي تعتمد على جهاز مركزي ضخم يضم مئات الآلاف من العملاء الرسميين وغير الرسميين، تعتمد الصين على نظام موزع ولامركزي. الشرطة النظامية في الصين صغيرة نسبياً مقارنة بعدد السكان، حوالي مليوني شرطي فقط، أي أن الصين، بالمقاييس الدولية، دولة تعاني من نقص في عدد رجال الشرطة. لكن الحزب عوض هذا النقص بجيش من الشرطة المساعدة والميليشيا الشعبية والمتطوعين الذين قد يفوق عددهم عدد الشرطة النظامية نفسها.
القلب العملياتي لهذه الشبكة الموزعة، كما يحدد بيي، يتكون من ثلاث مؤسسات فقط: وحدة حماية الأمن الداخلي (DSP) التابعة للشرطة، وهي شرطة سياسية بامتياز لا تهتم بالجريمة العادية بل بمراقبة المعارضين، ومخافر الشرطة المجتمعية المنتشرة في كل حي، ووزارة أمن الدولة (MSS) وفروعها المحلية التي تتولى مراقبة الأجانب والنخب المثقفة والجماعات المنظمة. هذه المؤسسات الثلاث هي التي تتلقى الأوامر من لجان الشؤون السياسية والقانونية، وهي التي تنفذ المنهج الصيني المميز في القمع: ليس الاعتقال الجماعي، بل المراقبة اللصيقة، والاستدعاء للحديث، والتهديد المبطن، والتحييد عبر تقييد الحركة، خاصة خلال الفترات الحساسة.
والفترات الحساسة هي مفهوم محوري في الكتاب. فالحزب لديه تقويمه الأمني الخاص: ذكرى تيانانمن في الرابع من يونيو، واجتماع البرلمان السنوي في مارس، والمؤتمر الوطني للحزب، وزيارات زعماء أجانب. قبل كل مناسبة من هذه المناسبات، تدخل آلة الحراسة في حالة استنفار قصوى. يتم استدعاء قدامى المحاربين والمشتكين، ويُطلب منهم عدم مغادرة مدنهم، وتُوضع كاميرات إضافية، ويُجبر أصحاب الفنادق في بكين على الإبلاغ عن أي نزيل قادم من الأقاليم. في مدينة تيانجين، على سبيل المثال، يكشف الكتاب أن لجنتها المحلية كانت تعقد مؤتمراً بالفيديو كل مساء خلال فترة “الدورتين” البرلمانيتين، وتتلقى تقارير يومية من الشرطة والأجهزة الأخرى لتنسيق الجهود، ويقوم كبار مسؤوليها بزيارات ميدانية شخصية للتأكد من مراقبة الفئات الرئيسية.
إنها دولة لا تترك شيئاً للصدفة. دولة تؤمن بأن الاستقرار ليس نتيجة طبيعية للتنمية، بل هو منتج يجب تصنيعه يومياً عبر عمل بيروقراطي دؤوب. وهذا ما يجعلها، في نظر بيي، أكثر تطوراً من أي ديكتاتورية سابقة. فهي لم تحل معضلة القمع عبر المزيد من القمع، بل عبر تنظيم القمع وجعله أكثر ذكاءً وأقل كلفة سياسية ظاهرية. لكن هذا التنظيم، يحمل في داخله بذور ضعفه وتفسخه.
لو اكتفى كتاب “دولة الحراسة” بوصف البيروقراطية الأمنية للحزب الشيوعي الصيني، لكان كتاباً مهماً، لكنه لم يكن ليكون كتاباً ثورياً. ثوريته الحقيقية تكمن في المكان الذي يأخذنا إليه بعد ذلك: من مكاتب لجان الشؤون السياسية والقانونية المكيفة في بكين وشنتشن، إلى الأزقة الضيقة حيث يعمل “عمال الشبكة” بأحذية مهترئة ودفاتر ملاحظات ورقية. هنا يقلب بيي مينشين الطاولة على السردية السائدة عن الصين كدولة مراقبة رقمية خالصة، ويذكرنا بحقيقة بديهية ينساها عشاق التكنولوجيا: لا توجد خوارزمية يمكنها أن تشم رائحة الغضب في حي فقير، ولا توجد كاميرا ذكية تفهم نبرة تذمر عامل مسرح.
الاختراع الصيني الأكثر أهمية في العقدين الأخيرين، كما يجادل الكتاب، ليس نظام التعرف على الوجه، بل هو “إدارة الشبكة” Grid Management. هذه الفكرة بسيطة في ظاهرها، عبقرية في تنفيذها، ومرعبة في آثارها. تقوم الفكرة على تقسيم كل مدينة وقرية في الصين إلى مربعات صغيرة، كل مربع يضم بين مئتين وخمسمئة أسرة، أي ما بين ستمئة وألف وخمسمئة نسمة. ولكل مربع يوجد موظف مخصص، يسمى “عامل الشبكة” أو “مدير الشبكة”، وظيفته الوحيدة هي أن يعرف كل شيء عن هذا المربع. ليس فقط من يسكن فيه، بل من يتردد عليه، ومن تشاجر مع من، ومن فقد وظيفته، ومن لديه قريب في السجن، ومن ينشر تعليقات غاضبة على الإنترنت.
في مدينة مثل بكين، يعمل اليوم أكثر من سبعين ألف عامل شبكة بدوام كامل. في مدينة ووهان، بؤرة الوباء الأولى، كان عددهم يتجاوز العشرين ألفاً. هؤلاء ليسوا ضباط شرطة، بل موظفون محليون برواتب زهيدة، غالباً من خريجي الكليات المهنية أو من المتقاعدين الأوائل، يرتدون سترات حمراء أو زرقاء، ويحملون هواتف ذكية مزودة بتطبيق خاص يربطهم مباشرة بمركز قيادة المدينة. كل يوم، يتجولون في مربعاتهم، يتحدثون مع أصحاب المتاجر، ويزورون العائلات التي لديها “مشاكل”، ويسجلون كل شيء: حفرة في الشارع، أو تجمع غير مرخص، أو رجل عجوز لم يزر عيادة الحي منذ أشهر. هذه المعلومات، التي تبدو خدمية واجتماعية، تتدفق في نهاية اليوم إلى قاعدة بيانات ضخمة، حيث يتم تحليلها ليس فقط لتحسين الخدمات البلدية، بل لقياس “مؤشر الاستقرار” في كل مربع.
وهنا تكمن العبقرية المزدوجة للنظام. فمن ناحية، هو يقدم خدمات حقيقية. فعامل الشبكة هو من يساعد المسنين على ملء استمارات الضمان الاجتماعي، وهو من يبلغ عن تسرب للغاز، وهو من يتوسط لحل نزاع بين جارين. هذا يمنحه شرعية اجتماعية وقبولاً يجعل الناس يفتحون له أبوابهم. ومن ناحية أخرى، هو العين الساهرة للحزب. فهو يعرف، قبل أي جهاز استخبارات، أن مصنعاً للملابس لم يدفع رواتب عماله لشهرين، وأن مجموعة من العمال بدأت تجتمع في مقهى بعد الدوام، وأن أحدهم بدأ يبحث عن محام عمالي على الإنترنت. المعلومة تصل إلى لجنة الحي، ومنها إلى مكتب صيانة الاستقرار، فيتم التدخل مبكراً: استدعاء صاحب المصنع، وتحذير العمال، وتقديم دعم مالي صغير مؤقت لإخماد فتيل الاحتجاج قبل أن يشتعل.
بيي يسمي هذا النوع من المراقبة “المراقبة الوقائية منخفضة التقنية”، ويقارنها مع “المراقبة عالية التقنية” التي تتباهى بها الصين. فالمراقبة عالية التقنية، مثل كاميرات المراقبة التي تجاوز عددها ستمئة مليون كاميرا، وأنظمة التعرف على الوجه، وتتبع الهواتف المحمولة، مفيدة جداً بعد وقوع الحدث، لتحديد هوية متظاهر أو تتبع مسار هروبه. لكنها عديمة الفائدة تقريباً في منع الحدث من الوقوع أصلاً. فالكاميرا لا تستطيع أن تمنع إضراباً عمالياً، لكن عامل الشبكة الذي يعرف العمال بأسمائهم يستطيع أن يبلغ عنه قبل أسبوع من حدوثه.
ولإدارة هذه الشبكة البشرية الهائلة، استحدث الحزب طبقة أخرى من المراقبين: المتطوعون. وهنا تبرز الأرقام التي يوردها الكتاب وتكاد لا تصدق. ففي بكين وحدها، يوجد أكثر من ثمانمائة ألف متطوع يرتدون شارات حمراء ويقفون عند مداخل الأحياء، يراقبون الغرباء، ويسجلون لوحات السيارات المشبوهة. في كثير من الأحيان، يكون هؤلاء من كبار السن المتقاعدين الذين يبحثون عن شعور بالأهمية، أو من أعضاء الحزب الذين يريدون تسجيل نقاط ولاء. الحزب يقدم لهم مكافآت رمزية، وقمصاناً، وتكريماً في حفلات الحي، لكن الأهم أنه يمنحهم سلطة اجتماعية صغيرة: سلطة أن يسأل “من أنت وماذا تفعل هنا؟”.
هذا الجيش منخفض التقنية هو الذي يجعل التكنولوجيا عالية التقنية فعالة. فماذا تنفع قاعدة بيانات ضخمة تربط بطاقة الهوية بتذاكر القطار والفنادق والمستشفيات، إذا لم يكن هناك من يقرر أن فلاناً يجب أن يُمنع من ركوب القطار إلى بكين هذا الأسبوع لأنه من المحتمل أن يحتج أمام مبنى البرلمان؟ التكنولوجيا توفر المعلومة، لكن القرار يتخذه الإنسان، والمعلومة السياقية التي يملكها الإنسان المحلي هي التي تعطي للبيانات الجافة معناها الأمني.
الكتاب يخصص فصلاً كاملاً لشرح كيف تتكامل هذه الطبقات الثلاث: التكنولوجيا الرقمية كأداة تجميع وتحليل، وعمال الشبكة كأداة جمع معلومات سياقية يومية، والمتطوعون والشرطة المساعدة كأداة ردع وحضور مادي في الشارع. هذا التكامل هو ما يسميه بيي “المراقبة الهجينة”. وهي مراقبة لا تعتمد على اختراق واحد خارق، بل على شبكة كثيفة من الخيوط الرفيعة التي إذا انقطع أحدها، بقيت الشبكة متماسكة.
ولعل أكثر الفصول ايضاحا لهذا التطبيق هو ذلك الذي يتناول كيف وظف الحزب احداث كبرى، مثل أولمبياد بكين 2008، والألعاب الأولمبية الشتوية 2022، وجائحة كوفيد-19، لتوسيع وتطبيع هذه الشبكة. فخلال الجائحة، تحول عمال الشبكة بين ليلة وضحاها إلى جيش مكافحة الوباء، يطرقون الأبواب لقياس الحرارة، ويتأكدون من التزام الناس بالحجر الصحي. هذا الدور الصحي منحهم شرعية غير مسبوقة، وجعل الناس يقبلون بوجودهم في حياتهم اليومية بشكل لم يكن ممكناً من قبل. وعندما انتهت الجائحة، لم يتم تسريح هذا الجيش، بل أعيد توجيهه إلى مهامه الأصلية: مراقبة الاستقرار.
بهذا المعنى، فإن دولة الحراسة ليست مجرد جهاز قمع، بل هي جهاز حكم يومي. إنها تحكم من خلال المراقبة، وتراقب من خلال الحكم. وهذا هو الدرس الأخطر الذي يقدمه الكتاب: أن الأنظمة الاستبدادية الحديثة لا تحتاج إلى أن تكون مخيفة طوال الوقت، بل يكفي أن تكون موجودة طوال الوقت. أن يشعر المواطن أن هناك من يعرفه، وأن هناك من سيلاحظ إذا تغيب عن الحي لأيام، وأن هناك من سيسأل عنه إذا اجتمع مع غرباء. هذا الشعور الدائم بالمراقبة، حتى لو كانت ودودة وخدمية في ظاهرها، هو الذي ينتج الطاعة والانضباط الذاتي، وهو الذي يجعل تكلفة التنظيم الجماعي باهظة إلى حد المستحيل.
في الأدبيات الكلاسيكية عن الاستبداد، هناك قاعدة ذهبية تقول إن القمع مهما بدا فعالاً، فإنه يحمل بذرة تآكله الذاتي. وكلما زادت درجة السيطرة، زادت كلفة الحفاظ عليها، حتى تصل اللحظة التي تصبح فيها الدولة غير قادرة على دفع فاتورة بقائها. كتاب بيي مينشين لا يقع في فخ الإعجاب بآلة المراقبة الصينية، بل يخصص نصفَه الثاني تقريباً للإجابة عن سؤال محوري يتجنبه كثير من المبهورين بالتكنولوجيا الصينية: كم يكلف هذا؟ وما هي حدوده؟
أول كلفة، وهي الأكثر وضوحاً، هي الكلفة المالية المباشرة. بيي يقدم أرقاماً صادمة استخرجها بصعوبة من الميزانيات المحلية المنشورة بشكل متقطع. ففي عام 2020 وحده، أنفقت الصين على ما يسمى “الإدارة الشاملة للاستقرار الاجتماعي” ما يقارب تريليوناً وسبعمئة مليار يوان، أي ما يتجاوز مئتين وخمسين مليار دولار، وهو رقم يفوق الإنفاق العسكري المعلن. هذا الإنفاق لا يذهب إلى شراء طائرات مقاتلة، بل إلى رواتب ملايين العاملين في المنظومة: عامل الشبكة الذي يتقاضى ثلاثة آلاف يوان في الشهر، والشرطي المساعد الذي يتقاضى أقل من ذلك، والمتطوع الذي يحصل على قسيمة غذائية، وموظف لجنة الحي الذي يجب أن يبقى يقظاً حتى الثانية عشرة ليلاً خلال فترة الدورتين البرلمانيتين. هذه الأرقام، حين تُجمع على مستوى دولة بحجم الصين، تتحول إلى ثقب أسود في الميزانية المحلية.
وهنا تظهر المفارقة الأولى التي يفصل الكتاب في كشفها. فالحكومات المحلية في الصين هي التي تتحمل العبء الأكبر من تمويل دولة الحراسة، بينما الموارد المركزية تذهب في الغالب للجيش والمشاريع الاستراتيجية. والمحليات، خاصة في الأقاليم الفقيرة مثل قانسو وقويتشو ويوننان، تعاني أصلاً من مديونية هائلة بسبب مشاريع البنية التحتية. فكيف تمول هذا الجيش الأمني؟ الجواب الذي يوثقه بيي من خلال تقارير التدقيق المحلية هو عبر ثلاث آليات: اقتطاع جزء متزايد من ميزانية الخدمات العامة، وفرض رسوم وغرامات تعسفية على المواطنين والشركات، والاعتماد على “الابتكار المؤسسي” الذي هو في الحقيقة اسم مهذب للفساد المنظم. فمخفر الشرطة الذي يُطلب منه تجنيد عشرين مخبراً، ولا يملك ميزانية لذلك، يلجأ إلى مصادرة دراجات نارية مخالفة وبيعها، أو إلى فرض غرامات على مقاهي الإنترنت بحجة عدم تسجيل هوية الزبائن.
هذا يقودنا إلى الكلفة الثانية، وهي الكلفة البيروقراطية والفساد. دولة الحراسة، كما يصفها بيي، هي دولة تخلق حوافز معكوسة. فالمعيار الأساسي لتقييم أداء مسؤول محلي ليس النمو الاقتصادي أو رضا المواطنين، بل هو “عدم وقوع حوادث جماهيرية”. أي أن المسؤول يُعاقب إذا وقع احتجاج في منطقته، حتى لو لم يكن هو السبب فيه، ويُكافأ إذا مرت الفترة الحساسة بهدوء، حتى لو كان هذا الهدوء مصطنعاً عبر ترحيل المحتجين قسراً أو سجنهم في “مراكز تعليم قانوني” غير قانونية، وهي في الواقع سجون سوداء. هذه المنظومة تشجع على الكذب المنهجي. فبدلاً من حل المشكلة التي تسبب الاحتجاج، مثل نزاع على أرض أو فساد في مصنع، يلجأ المسؤول المحلي إلى إخفاء المشكلة ومنع وصولها إلى بكين. وهو ما يسميه بيي “معضلة المعلومات”: كلما زادت كثافة المراقبة، قل صدق المعلومات التي تصل إلى القمة، لأن كل مستوى في السلسلة لديه حافز لإخفاء الفشل وتضخيم النجاح.
الوثائق التي يستشهد بها الكتاب عن تقييم أداء الشرطة المجتمعية توضح هذه المعضلة بشكل فج. فالشرطي يُقيَّم بنظام نقاط: أربع نقاط لمراقبة “السكان الرئيسيين”، ونقطتان لجمع معلومات عن فالون غونغ، ونقطتان لتجنيد مخبرين جدد، وهكذا. هذا النظام يحول العمل الأمني إلى سباق لجمع النقاط. فيقوم الشرطي بتسجيل زيارات وهمية لأشخاص رئيسيين، أو بتجنيد مخبرين من أقاربه وأصدقائه دون أي قيمة استخباراتية حقيقية، فقط لإكمال النصاب. في مدينة بانشي بمقاطعة جيلين، على سبيل المثال، ادعت وحدة حماية الأمن الداخلي أنها كونت “صداقات” و”علاقات عمل” مع مئتين وتسعة وأربعين فرداً، وجندت خمسة وستين جاسوساً بشكل صريح، في عام واحد فقط. هذه الأرقام الضخمة تبدو بطولية في التقرير السنوي، لكنها في الواقع تخفي حقيقة أن معظم هؤلاء “الأصدقاء” هم مجرد أسماء على الورق.
الكلفة الثالثة، وهي الأخطر على المدى الطويل، هي كلفة الشرعية والتماسك الاجتماعي. فدولة الحراسة، مهما حاولت أن تقدم نفسها كدولة خدمية ودودة عبر عمال الشبكة، تظل في نظر قطاعات واسعة من السكان دولة متطفلة. إن طرق الأبواب المتكرر، والاستدعاء للحديث، ومراقبة الهواتف، وطلب تسجيل الضيوف القادمين من خارج المدينة، كل هذا يخلق حالة من الاستياء الصامت، خاصة لدى الشباب المتعلم والطبقة الوسطى الحضرية. بيي يورد شهادات لمحامين وصحفيين وناشطين سابقين يتحدثون عن كيف أن المراقبة اللصيقة لم تمنعهم من المعارضة، بل حولتهم من معارضين إصلاحيين يريدون تحسين النظام، إلى معارضين جذريين يريدون تغييره بالكامل. فعندما يأتي ضابط أمن الدولة إلى منزل أكاديمي ليطلب منه عدم توقيع عريضة، أو عندما يُجبر طالب على حضور جلسة “توجيه فكري”، فإن ذلك لا ينتج ولاءً، بل ينتج حقداً مكبوتاً.
وهنا يصل الكتاب إلى نقطة دقيقة للغاية: أن نجاح دولة الحراسة في منع الاحتجاجات الجماعية الكبيرة هو في نفس الوقت سبب فشلها في منع تراكم الغضب الفردي. فالنظام بارع جداً في منع عشرة آلاف عامل من التجمع في ساحة، لكنه عاجز تماماً عن منع مليون عامل من كرهه كل على حدة. هذا الغضب المذرر، غير المنظم، لا يشكل تهديداً أمنياً مباشراً اليوم، لكنه يشكل تربة خصبة لأي أزمة مستقبلية. فعندما تنهار قدرة الدولة على الدفع، أو عندما تحدث أزمة اقتصادية حادة، فإن هذا الغضب المتراكم قد يتحول فجأة من حالة فردية صامتة إلى حالة جماعية انفجارية، تماماً كما حدث في الاتحاد السوفيتي.
أخيراً، هناك كلفة التكنولوجيا نفسها. فالكتاب يفند أسطورة أن التكنولوجيا جعلت المراقبة رخيصة وسهلة. فصحيح أن كاميرا واحدة أرخص من شرطي، لكن شبكة من ستمئة مليون كاميرا تحتاج إلى مركز بيانات عملاق، وكوابل ألياف ضوئية، وفرق صيانة، ومهندسي خوارزميات يتقاضون رواتب خيالية، وكهرباء لا تنقطع. والأهم، أنها تحتاج إلى بشر يشاهدون التسجيلات ويحللونها. الذكاء الاصطناعي الصيني، رغم تقدمه، لا يزال عاجزاً عن فهم السياق السياسي لنكتة ساخرة على موقع ويبو، أو لعبارة مجازية يتداولها العمال. لذلك، يبقى العنصر البشري هو الحلقة الأضعف والأغلى.
بهذا التحليل، يضعنا بيي أمام صورة ليست لدولة قوية لا تُقهر، بل لدولة قلقة، مرهقة، تنفق ثروة هائلة لتبقى في مكانها، مثل شخص يركض على جهاز المشي بسرعة قصوى فقط كي لا يسقط. وهذا الإرهاق، وهذا السباق المحموم، هو الذي سيقودنا إلى السؤال الكبير: إلى متى يمكن لدولة الحراسة أن تستمر؟ وهل نموذجها قابل للتصدير والاستدامة، أم أنه مجرد مرحلة انتقالية طويلة قبل انفجار قادم؟
نصل الآن إلى الفصل الأخير من هذه الرحلة إلى الفصل الذي يترك فيه بيي مينشين ثوب المؤرخ المحايد جانباً، ويرتدي عباءة المفكر الاستراتيجي الذي يسأل: وماذا بعد؟ فبعد أن شرح لنا كيف بنى الحزب الشيوعي الصيني آلته المرعبة، وكيف تعمل هذه الآلة على الأرض عبر مزيج من البيروقراطية والبشر والتكنولوجيا، وبعد أن كشف لنا كلفة هذه الآلة الباهظة وتشققاتها الداخلية، يأتي السؤال الذي ينتظره كل قارئ، وكل صانع قرار في واشنطن وبروكسل وموسكو وطهران: هل هذا النموذج قابل للبقاء؟ وهل هو قابل للتصدير؟
الإجابة التي يقدمها بيي ليست إجابة بسيطة بنعم أو لا، بل هي إجابة مركبة لباحث قضى عمره يدرس الأنظمة الاستبدادية. فهو يجادل بأن دولة الحراسة نجحت نجاحاً باهراً في تحقيق هدفها المباشر والأهم: منع تكرار سيناريو 1989. فمنذ أوائل التسعينيات وحتى اليوم، لم تشهد الصين حركة احتجاج وطنية عابرة للطبقات والأقاليم، قادرة على تهديد بقاء الحزب. كل الاحتجاجات التي وقعت، وهي بالآلاف سنوياً، بقيت محلية، معزولة، ومحدودة المطالب: عمال يطالبون برواتب متأخرة في مصنع في قوانغدونغ، وسكان قرية يحتجون على مصادرة أراضيهم في سيتشوان، وآباء يطالبون بتعويضات عن لقاح فاسد في خنان. هذه الاحتجاجات يتم احتواؤها بسرعة عبر مزيج من القمع المحدود والتعويض المادي والوعود الإصلاحية الجزئية. وبهذا المعنى، فإن دولة الحراسة أدت وظيفتها: حولت التهديد الوجودي إلى مشاكل إدارية يمكن التعامل معها.
لكن هذا النجاح، كما يوضح الكتاب في فصله الختامي، هو نجاح تكتيكي قد يخفي فشلاً استراتيجياً. فالمنطق الذي يحكم دولة الحراسة هو منطق وقائي بالكامل: لا تدع المشكلة تكبر. لكن هذا المنطق يمنع الحزب من رؤية الصورة الكبرى. فعندما تكون كل طاقتك منصبة على منع العمال من التجمع، فإنك لن تفكر أبداً في إصلاح نظام العمل نفسه الذي يجعل رواتبهم تتأخر. وعندما تكون كل جهودك موجهة لمنع الفلاحين من الذهاب إلى بكين للشكوى، فإنك لن تصلح أبداً نظام مصادرة الأراضي الذي يجردهم من مصدر رزقهم. بهذا المعنى، فإن دولة الحراسة لا تحل المشاكل، بل تؤجلها وتخفيها. وهي كمن يتناول مسكنات قوية لتخفيف ألم التهاب مزمن دون علاج الالتهاب نفسه. الألم يختفي مؤقتاً، لكن المرض يتفاقم في الداخل.
وهنا يطرح بيي مفهومه : “فخ المراقبة” Surveillance Trap. فكلما زادت فعالية المراقبة، زادت حاجة النظام إليها. وكلما زادت حاجته إليها، زادت كلفته، وقلت قدرته على الإنفاق على أشياء أخرى مثل التعليم والصحة والابتكار الحقيقي. فالمحليات التي تنفق ستين بالمئة من ميزانيتها على الاستقرار، لا تستطيع أن تبني مدارس جيدة، وهذا ينتج جيلاً أقل تعليماً وأكثر سخطاً، مما يتطلب المزيد من المراقبة. إنها حلقة مفرغة، ودولة الحراسة محاصرة داخلها.
هذا الفخ يفسر لماذا تبدو الصين اليوم، رغم قوتها الخارجية، دولة قلقة من الداخل بشكل غير مسبوق. ففي عهد شي جين بينغ، لم يتم تفكيك دولة الحراسة، بل تم تضخيمها أكثر. تم إلغاء فترة الرئاسة المحددة، وتم تشديد الرقابة على الإنترنت عبر قانون الأمن السيبراني، وتم توسيع صلاحيات لجنة الشؤون السياسية والقانونية لتشمل حتى الجامعات والشركات الخاصة. لكن هذا التضخيم، كما يجادل بيي، ليس علامة قوة، بل علامة ضعف وبارانويا. فالنظام الذي يثق بشرعيته لا يحتاج إلى مراقبة كل مواطن على مدار الساعة.
ولذلك، فإن الدرس الأهم الذي يقدمه الكتاب لدارسي الاستبداد المقارن هو أن مستقبل الاستبداد في القرن الحادي والعشرين لن يكون استبداداً رقمياً خالصاً، بل استبداداً هجيناً. سيكون مزيجاً من الذكاء الاصطناعي والوشاية البشرية، ومن الخوارزميات ولجان الأحياء، ومن التعرف على الوجه وطرق الأبواب. وهذا المزيج هو ما يجعله أكثر صموداً من الاستبداد التقليدي، وأكثر قدرة على التكيف، لكنه في نفس الوقت أكثر كلفة وأكثر عرضة للتآكل الداخلي.
في الصفحات الأخيرة من الكتاب، يعود بيي إلى لحظة تأسيسية: عام 1989. ويذكرنا بأن الحزب الشيوعي الصيني، بعد سحق الحركة الطلابية، اتخذ قراراً واعياً بأن بقاءه يتطلب التخلي عن أي طموح أيديولوجي حقيقي، والاكتفاء بهدف واحد: البقاء. دولة الحراسة هي تجسيد لهذا القرار. إنها دولة بلا حلم، بلا مشروع تحرري، بلا وعد بمستقبل أفضل، سوى وعد واحد: أن لا يحدث اضطراب. وهذا الوعد، رغم جاذبيته لكثيرين ممن عاشوا فوضى التحولات، هو وعد سلبي، دفاعي، مرهق.
يقول بيي إن أكبر ضحايا دولة الحراسة ليسوا المعارضون الذين يُسجنون، بل هم المراقبون أنفسهم. فعامل الشبكة الذي يقضي يومه يتجسس على جيرانه، والشرطي المساعد الذي يُجبر على استدعاء صديق قديم للتحقيق، والمتطوع المسن الذي يقف في البرد ليراقب مدخل الحي، كل هؤلاء يعيشون حياة من القلق والريبة، ويفقدون الثقة ببعضهم البعض. دولة الحراسة، في سعيها لمراقبة المجتمع، تدمر في النهاية النسيج الاجتماعي الذي تدعي حمايته.
*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة




