من معاهدة شارلمان وهارون الرشيد إلى مؤتمر الإسلام في برلين

الإسلام في ألمانيا – جرد للمنظور التاريخي والواقع المعاصر
في خضم النقاشات السياسية والاجتماعية المحتدمة التي تشهدها الساحة الأوروبية بشكل عام، والساحة الألمانية بشكل خاص، تبرز الحاجة الماسة إلى أصوات العقل والتحليل العلمي الرصين الذي يبتعد عن الانفعالات العابرة والأحكام المسبقة. واستناداً إلى كتاب ,Der Islam in Deutschland Eine Bestandsaufnahme نقرأ في هذا العمل لمحة تسلط الضوء على كتاب “الإسلام في ألمانيا – جرد للواقع” للمؤلف الألماني المرموق ماتياس روهه.
فعقود طويلة مرت والمسلمون يعيشون في ألمانيا كجزء لا يتجزأ من نسيجها الديموغرافي والاقتصادي، ومع ذلك، لا يزال البعض ينظر إليهم على أنهم غرباء، بل ويصل الأمر ببعض الفئات إلى اعتبارهم بمثابة تهديد صريح. من هذا المنطلق الشائك، ينبري ماتياس روهه ليقدم إسهاماً كبيراً ومحورياً يهدف إلى “عقلنة” النقاش وإضفاء طابع الموضوعية والواقعية عليه، بعيداً عن التشنجات الأيديولوجية. إن الكتاب في جوهره لا يكتفي بطرح الأسئلة، بل يقدم سرداً تاريخياً مفصلاً لوجود الإسلام في ألمانيا، ويستعرض التنوع الهائل والغني الذي يتسم به الوجود الإسلامي المعاصر في البلاد.
لفهم ثقل هذا الكتاب، لابد من التوقف عند شخصية مؤلفه الاستثنائية. ماتياس روهه ليس مجرد كاتب أو مراقب من بعيد، بل هو قامة أكاديمية تجمع بين تخصصين قلما يجتمعان في شخص واحد؛ فهو رجل قانون متمرس وباحث ضليع في الدراسات الإسلامية. يشغل روهه منصب أستاذ القانون المدني والقانون الدولي الخاص والقانون المقارن في جامعة إرلانجن-نورنبيرغ، فضلاً عن كونه المدير المؤسس لمركز إرلانجن للإسلام والقانون في أوروبا. هذه الخلفية المزدوجة تمنحه عدسة مكبرة ودقيقة يحلل من خلالها التحديات القانونية والشرعية التي تواجه المسلمين في حياتهم اليومية، بدءاً من قضايا بناء المساجد والمآذن ورفع الأذان، ووصولاً إلى الالتزام بقواعد اللباس الديني، ومراعاة الشعائر مثل الصيام، والختان، والذبح الحلال، فضلاً عن مدى توافق المعايير الإسلامية مع القانون الألماني.
في مقدمة كتابه، يضع روهه قاعدة منهجية صارمة وحاسمة لتشريح النقاش العام في ألمانيا؛ وهي ضرورة الفصل التام بين المشكلات الناتجة عن الهجرة أو الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وبين القضايا ذات البعد الديني البحت. يوضح المؤلف هذه النقطة من خلال أمثلة حية من الواقع: فالشخص الذي لا يتقن اللغة الألمانية بشكل يكفي لحصوله على فرصة تعليم أو عمل، لا يحتاج إلى توجيهات دينية أو فتاوى، بل يحتاج ببساطة إلى دروس في اللغة الألمانية. وعلى العكس من ذلك، إذا تم رفض دعوة شخص لإجراء مقابلة عمل، على الرغم من كفاءته العالية، لمجرد أن اسم عائلته يبدو تركياً أو عربياً، فإن هذا لا يعكس جدلاً دينياً، بل يكشف عن مشكلة حقيقية وعميقة في كيفية تعامل المجتمع الألماني مع تداعيات الهجرة. هذه التفرقة المنهجية التي يطرحها روهه تعتبر حجر الزاوية لأي نقاش صحي ومثمر حول الاندماج والتعايش السلمي.
ينتقل بنا الكاتب في رحلة تاريخية ليتتبع الجذور الأولى للقاءات بين العالم الإسلامي وألمانيا، وهي لقاءات تعود إلى عصور أقدم من تأسيس الدولة الألمانية الحديثة نفسها. لم يكن التاريخ المشترك مجرد صراعات دموية كما يروج له البعض، بل شهد محطات من الدبلوماسية والتبادل الثقافي المبكر. تشير السجلات التاريخية إلى أن الإمبراطور شارلمان (كارل الأكبر) استقبل في عام 777 في بادربورن الحاكم المسلم لسرقسطة، سليمان الأعرابي، الذي تم طرده من قبل أمير قرطبة، حيث أبرما معاهدة للتعاون. وتتوالى الروايات حول العلاقات الدبلوماسية الأسطورية التي جمعت بين شارلمان والخليفة العباسي هارون الرشيد، وهي علاقات كانت تحركها في المقام الأول دوافع ومصالح سياسية براغماتية. ولأن ألمانيا جغرافياً كانت بعيدة عن خطوط التماس المباشرة في القرون الأولى للإسلام، فإنها لم تشهد مواجهات عسكرية مباشرة على أراضيها آنذاك، مما جعل الاهتمام المتبادل محدوداً في البدايات.
ومع بزوغ فجر الحروب الصليبية ابتداءً من عام 1095، والتي استمرت لأكثر من مائتي عام، اتخذت اللقاءات طابعاً أكثر كثافة وتأثيراً. في تلك الحقبة المظلمة، تم تصوير الإسلام في الوعي الجمعي الأوروبي كـ “هرطقة مسيحية” وانشقاق خطير. استخدمت الكنيسة والدوائر السياسية الدعاية الصليبية لتأجيج المشاعر، حيث تم تصوير المحاربين المسلمين على أنهم لا يحترمون المقدسات. ورافقت هذه الدعوات للحروب حملات قمع دموية طالت الأقليات اليهودية في مدن ألمانية كبرى مثل كولونيا وماينتس وفورمز.
إلا أن وسط ركام هذه الحروب، برزت تفاعلات ثقافية وإنسانية معقدة. فالروايات والقصائد الملحمية الألمانية الكبرى في العصور الوسطى، مثل أعمال فولفرام فون إشنباخ، بدأت تأخذ طابعاً نقدياً للحملات الصليبية، مؤكدة على قيم “الفروسية” التي تجسدت في كلا الجانبين المسيحي والمسلم. وتجلت أبهى صور هذا التغيير في الإدراك الأوروبي في شخصية السلطان صلاح الدين الأيوبي، الذي تحول في الذاكرة الألمانية والأوروبية إلى رمز “للوثني النبيل”، نظراً لتسامحه النادر ومعاملته الإنسانية لخصومه. وقد خلد الكاتب الألماني الشهير غوتهولد إفرايم ليسينغ هذه النظرة المتسامحة في مسرحيته الخالدة “ناثان الحكيم” عام 1779، حيث قدم صلاح الدين كحاكم عادل ومتسامح. وفي لفتة تاريخية ذات دلالة، قام الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني بزيارة دمشق عام 1898، حيث أمر بتجديد ضريح السلطان صلاح الدين ووضع إكليلاً ذهبياً تقديراً لإرثه.
لم يقتصر الأمر على تبدل المفاهيم والرؤى، بل امتد ليشمل نقلاً ثقافياً وعلمياً واسع النطاق أثرى الحضارة الألمانية. فقد تدفقت المعارف والفنون من العالم الإسلامي إلى أوروبا، ودخلت العديد من الكلمات العربية والفارسية والتركية إلى صلب اللغة الألمانية، لتشمل مجالات العلوم مثل “الجبر” والزخرفة مثل “الدمقس” والأساسيات اليومية كالمقاعد والمراتب. وفي مجال الطب، اعتمدت المخطوطات الألمانية في القرن الرابع عشر على النظريات العلمية العظيمة للعالم الموسوعي ابن سينا (أفيسينا)، الذي نالت مؤلفاته الفلسفية والطبية مكانة مرموقة في أوروبا.
لعل من أروع الشواهد البصرية على هذا التمازج الحضاري المدهش، عباءة التتويج الخاصة بأباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدسة للأمة الألمانية. هذه العباءة، التي صُنعت في القرن الثاني عشر للملك النورماندي روجر الثاني ملك صقلية، تحمل زخارف ونقوشاً عربية-إسلامية صريحة، وقد حُفظت كجزء من كنوز الإمبراطورية في مستشفى الروح القدس في نورنبيرغ حتى عام 1796 قبل نقلها إلى فيينا. هذا التداخل العضوي بين الرموز السيادية الألمانية العليا والفن الإسلامي يقدم دليلاً قاطعاً على أن الحدود الثقافية كانت دائماً سلسة ومرنة، وأن النظرة الأحادية التي تفصل بين أوروبا والإسلام كعالمين متناقضين تماماً هي نظرة قاصرة تفتقر إلى العمق التاريخي.
إن كتاب روهه، يضع اللبنة الأولى لفهم أعمق للواقع المعاصر، مؤكداً أن العلاقة الألمانية مع الإسلام ليست وليدة موجات الهجرة الحديثة فحسب، بل هي امتداد لإرث حضاري متشابك ومعقد، يحمل في طياته دروساً عظيمة حول إمكانية التعايش والتفاعل الإيجابي إذا ما توفرت الإرادة وغلبت لغة العقل على أصوات التطرف والجهل.
بعد أن طوينا صفحة التفاعلات المبكرة والتبادل الثقافي في العصور الوسطى، يأخذنا ماتياس روهه في كتابه إلى محطة تاريخية بالغة الأهمية شكلت منعطفاً في النظرة الألمانية للآخر الديني، ألا وهي الحقبة البروسية. في هذا السياق، يبرز اسم الملك فريدريش العظيم (فريدريك الأكبر) كشخصية محورية أرست دعائم مبكرة، وإن كانت ذات طابع براغماتي، للتسامح الديني. ففي منتصف القرن الثامن عشر، وانطلاقاً من فلسفة التنوير التي تبناها، ورغبة منه في تعزيز قوة دولته واقتصادها، أطلق الملك مقولته الشهيرة التي أكد فيها استعداده لبناء المساجد للأتراك والمسلمين إذا ما قرروا القدوم والاستيطان في بلاده. لم تكن هذه التصريحات مجرد بلاغة سياسية فارغة، بل انعكست واقعياً من خلال دمج الجنود المسلمين، مثل التتار والبوشناق، في صفوف الجيش البروسي، وهو ما أدى لاحقاً إلى تخصيص أولى المقابر الإسلامية في برلين، مما شكل أول بصمة مكانية دائمة وموثقة للوجود الإسلامي على الأراضي الألمانية.
ومع التحولات الجيوسياسية الكبرى التي عصفت بالعالم في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تعمقت هذه الروابط لتصل ذروتها خلال التحالف الاستراتيجي والمعقد بين الإمبراطورية الألمانية والدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى. يوثق روهه كيف شهدت هذه الفترة المضطربة بناء أول مسجد متكامل الأركان بقبة ومئذنة في ألمانيا، وذلك في عام 1915 داخل ما عُرف بـ “مخيم الهلال” في منطقة فونسدورف جنوب برلين. ورغم أن الهدف من هذا المسجد كان سياسياً ودعائياً بالدرجة الأولى، حيث خُصص لأسرى الحرب المسلمين من جيوش الحلفاء بهدف استمالتهم للقتال إلى جانب دول المركز، إلا أنه مثل حدثاً معمارياً وتاريخياً فارقاً. وبانتهاء الحرب العظمى وقيام جمهورية فايمار، تحولت برلين إلى مركز حضري نابض يعج بالمفكرين والطلاب والمنفيين المسلمين من شتى بقاع الأرض، وتوج هذا الحراك الثقافي ببناء مسجد فيلمرسدورف في عام 1925، والذي لم يكن مجرد دار للعبادة، بل صرحاً ثقافياً انفتح على النخبة الألمانية وشهد حوارات فكرية عميقة قبل أن ترخي سحابة الحقبة النازية بظلالها القاتمة على المشهد بأسره.
بيد أن التحول الديموغرافي الأعمق والأكثر تأثيراً، والذي أعاد رسم الملامح المجتمعية لألمانيا الحديثة ويشكل جوهر التحليل السوسيولوجي في كتاب روهه، انطلق من رحم الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية. فمع انطلاق عجلة “المعجزة الاقتصادية” في ألمانيا الغربية، واجهت البلاد نقصاً حاداً في الأيدي العاملة، مما دفعها لتوقيع اتفاقيات ثنائية لاستقدام العمالة مع عدة دول، أبرزها تركيا في عام 1961، ثم المغرب وتونس. كانت النظرة السياسية والمجتمعية السائدة آنذاك تتسم بسذاجة مفرطة؛ فقد تم التعامل مع هؤلاء “العمال الضيوف” على أنهم مجرد طاقة بشرية مؤقتة، ستعمل بجد، وتقيم في مساكن جماعية متواضعة، لتعود أدراجها بعد سنوات قليلة. وهنا تتجلى بوضوح المقولة العبقرية للكاتب ماكس فريش التي يتردد صداها في طيات الكتاب: “طلبنا أيدي عاملة، فجاءنا بشر”.
لقد جلب هؤلاء البشر معهم آمالهم، وعائلاتهم، وثقافاتهم، وبالطبع دينهم. يبرع روهه في سرد قصة هذا الانتقال البطيء والمؤلم من وهم “المؤقت” إلى حتمية “الدائم”. في العقود الأولى، كان الوجود الإسلامي في ألمانيا شبه خفي، حيث اقتصرت ممارسة الشعائر على ما عُرف بـ “مساجد الأفنية الخلفية” أو الأقبية المتهالكة في المناطق الصناعية، في محاولة للحفاظ على الهوية بعيداً عن الأنظار. ولكن، ومع تجذر هذه المجتمعات وإدراك ألمانيا المتأخر لحقيقة تحولها إلى دولة هجرة، بدأ المسلمون في تنظيم صفوفهم. وانتقلت المعركة من مجرد البحث عن مساحة للصلاة إلى السعي نحو “الظهور” في المجال العام، وهو ما تجسد في الانتقال نحو بناء مساجد تمثيلية ذات طابع معماري إسلامي واضح. هذا الانتقال من الظل إلى النور لم يمر بهدوء، بل فجر نقاشات مجتمعية وسياسية عاصفة حول الجماليات المعمارية، وحرية رفع الأذان، ومدى تقبل المشهد الحضري الألماني التقليدي لهذه الرموز الدينية الجديدة.
إن هذا التطور الديموغرافي الهائل، وتحول الإسلام من ظاهرة عابرة إلى حقيقة مجتمعية راسخة، اصطدم حتماً بالبنية القانونية والمؤسساتية الألمانية الصارمة. فكيف تعامل الدستور الألماني والنظام القانوني مع هذا التحدي غير المسبوق؟ وكيف تتم محاولات المواءمة بين حرية الاعتقاد المطلقة ومقتضيات النظام العام؟
في خضم هذا التحول الديموغرافي العميق، ومع انتقال الوجود الإسلامي في ألمانيا من حالة المؤقت والمخفي إلى حالة الدائم والمعلن، برزت إشكالية جوهرية شكلت ولا تزال العصب الحساس في علاقة الدولة الألمانية بالأقلية المسلمة. هنا، في هذه المساحة الشائكة، تتجلى بوضوح براعة ماتياس روهه كفقيه قانوني استثنائي، حيث ينقلنا في كتابه من الرصد التاريخي والسوسيولوجي إلى تشريح البنية الدستورية والمؤسساتية الألمانية، محاولاً تفكيك الاشتباك المعقد بين حرية المعتقد التي يكفلها الدستور، وبين المتطلبات الصارمة للنظام العام وآليات اندماج الأقليات.
ينطلق روهه من أرضية صلبة ومبشرة في آن واحد، مؤكداً أن “القانون الأساسي” (الدستور الألماني)، وتحديداً في مادته الرابعة التي تكفل حرية الدين والعقيدة بشكل غير قابل للمساس، يمتلك من المرونة والسعة ما يجعله قادراً نظرياً على استيعاب التعددية الدينية، بما في ذلك الإسلام. الدستور الألماني لا يتبنى نموذج العلمانية الراديكالية أو الإقصائية التي تفصل الدين عن الدولة بشكل حاد (كما هو الحال في النموذج الفرنسي)، بل يعتمد مفهوماً يوصف قانونياً بـ “الحياد المنفتح” أو “الحياد الصديق للأديان”. هذا المفهوم يسمح بشراكة نشطة بين الدولة والمؤسسات الدينية في مجالات حيوية مثل التعليم والرعاية الاجتماعية. ولكن، إذا كانت الأرضية الدستورية بهذا القدر من الاستيعاب، فمن أين تنبع الأزمات المتلاحقة؟
يجيب الكتاب على هذا التساؤل الجوهري بتسليط الضوء على ما يمكن تسميته بـ “المعضلة الهيكلية”. فالنظام القانوني الألماني قد صُمم وتطور عبر قرون ليتعامل مع الكنائس المسيحية (الكاثوليكية والبروتستانتية) ذات الهياكل الهرمية الواضحة، والسلطة المركزية، والعضوية المسجلة. وفي المقابل، يتسم الإسلام، بطبيعته اللاهوتية والتاريخية، باللامركزية المطلقة؛ فلا توجد كنيسة إسلامية، ولا يوجد بابا للمسلمين، ولا سلطة دينية عليا تحتكر الحديث باسم الجميع. هذا التناقض البنيوي جعل الدولة الألمانية تقف حائرة: من هو الشريك الرسمي الذي يمكن التفاوض معه حول حقوق المسلمين، مثل تدريس مادة التربية الإسلامية في المدارس الحكومية، أو تحصيل الضرائب الدينية، أو الرعاية الروحية في السجون والمستشفيات؟
لقد دفعت هذه الحاجة المؤسساتية الملحة، مدعومة بضغوط من الدولة، الجاليات المسلمة إلى محاولة “مأسسة” وجودها عبر تأسيس جمعيات وروابط مظلية كبرى، مثل الاتحاد الإسلامي التركي (ديتيب)، والمجلس الأعلى للمسلمين، ومجلس الإسلام، وغيرها. إلا أن روهه يلاحظ بدقة أن هذه الكيانات، رغم أهميتها، لا تزال تعاني من تحديات تمثيلية هائلة؛ فهي في الغالب منقسمة على أسس عرقية وقومية (تركية، عربية، بوسنية) أو مذهبية (سنية، شيعية، علوية)، ولا تمثل سوى نسبة ضئيلة من إجمالي المسلمين في ألمانيا، الذين يفضل غالبيتهم الساحقة عدم الانخراط في أطر تنظيمية رسمية. هذا المشهد الفسيفسائي المعقد يجعل من مطلب الدولة الألمانية بوجود “صوت واحد” يتحدث باسم جميع المسلمين مطلباً يفتقر إلى الواقعية ويتجاهل الطبيعة التعددية للإسلام نفسه.
لم تقف الدولة الألمانية مكتوفة الأيدي أمام هذا المأزق المستعصي، وهو ما تجلى في خطوة سياسية وتاريخية فارقة يرصدها الكتاب باهتمام، ألا وهي تأسيس “مؤتمر الإسلام في ألمانيا” في عام 2006. كانت هذه المبادرة الحكومية بمثابة إعلان رسمي ونهائي بأن “الإسلام قد أصبح جزءاً من ألمانيا”، كما صرح لاحقاً كبار السياسيين الألمان. لقد هدف هذا المؤتمر، الذي جمع ممثلي الدولة مع منظمات إسلامية وشخصيات مستقلة، إلى إيجاد مائدة حوار مؤسسية دائمة لترجمة الحقوق الدستورية التجريدية إلى واقع عملي. ورغم الانتقادات العديدة التي طالت المؤتمر، سواء لجهة آلية اختيار المشاركين أو تسييس بعض ملفاته، إلا أنه حقق اختراقات ملموسة، لعل أهمها إرساء دعائم تدريس الدين الإسلامي في المدارس الحكومية باللغة الألمانية، وتأسيس معاهد للاهوت الإسلامي في الجامعات الألمانية العريقة لتخريج أئمة ومعلمين على دراية كاملة بالسياق الأوروبي.
ولكن، هل تكفي هذه المأسسة الفوقية لإنهاء الصدامات اليومية؟ ينتقل بنا ماتياس روهه من قاعات الحوار السياسي رفيع المستوى إلى شوارع المدن، وساحات المحاكم، وفصول المدارس، حيث يصطدم النص القانوني الجاف بنبض الحياة اليومية للمسلمين. فكيف يتعامل القضاء الألماني مع قضايا شديدة الحساسية والتعقيد، مثل ارتداء الحجاب في الوظائف العامة، وذبح الحيوانات وفق الشريعة الإسلامية، ومشاركة الفتيات في حصص السباحة المختلطة؟ وكيف تتداخل الأحكام المسبقة مع النصوص القانونية لإنتاج أزمات اجتماعية حادة؟
عند السير في دهاليز القضاء الألماني، يظهر جلياً أن المحاكم لم تعد مجرد أروقة للفصل في المنازعات التقليدية، بل تحولت إلى ساحة مواجهة لتجسير الفجوة بين النص الدستوري وحقائق المجتمع المتعدد. ينبش ماتياس روهه في كتابه عن سلسلة من الملفات القانونية الساخنة التي أثارت سجالات محتدمة في الفضاء العام، مشيراً إلى أن القضاء الألماني، ولا سيما المحكمة الدستورية الاتحادية، غالباً ما لعب دور المصد الحامي للحريات الدينية في مواجهة موجات الخوف السياسي والضغط الشعبي.
تأتي قضية ارتداء الحجاب في المرفق العام، وخاصة للمعلمات في المدارس الحكومية، في مقدمة هذه المعارك النمطية. يستعرض روهه مسار هذه الأزمة التي بدأت بمنع المعلمات المسلمات من التدريس بحجة الحفاظ على “حياد الدولة”، وكيف انقلب المشهد عندما تدخلت المحكمة الدستورية الاتحادية لتلغي الحظر الشامل، معتبرة أن مجرد ارتداء الحجاب لا يشكل خطراً كافياً للمساس بالسلم المدرسي، وأن حظره ينبغي أن يقتصر فقط على الحالات التي تنطوي على تهديد ملموس ومثبت للحياد. هذا القرار الدستوري التاريخي مثل انتصاراً لمفهوم “الحياد الإيجابي” الذي لا يعني إقصاء الرموز الدينية من المجال العام، بل التعايش مع تنوعها.
ولم تكن قضية الذبح الحلال أقل تعقيداً؛ فقد تصادمت حرية ممارسة الشعائر الدينية للمسلمين (واليهود) بشكل مباشر مع مبدأ حماية الحيوان المدون في الدستور الألماني. وهنا يوضح روهه كيف استطاع الفقه القانوني إيجاد مخرج متوازن، حيث أتاحت القرارات القضائية استثناءات قانونية تسمح بالذبح وفق الأحكام الشرعية تحت شروط صارمة تضمن المعاملة الإنسانية للحيوانات وتراعي الممارسات الدينية المشروعة، رافضة التضحية بحق أساسي لمصلحة تشريعات عامة دون مراعاة الاستثناء الديني.
وفي المدارس، امتد السجال إلى تفاصيل الحياة اليومية للطلاب، مثل حصص السباحة المختلطة والرحلات المدرسية. يحلل روهه كيف تسعى المحاكم إلى تحقيق توازن دقيق بين واجب الدولة في التعليم والتنشئة الاجتماعية للطفل من جهة، وبين الحقوق الوالدية وحرية العقيدة من جهة أخرى. وفي معظم الحالات، مال القضاء إلى إيجاد حلول وسطية عملية، كالإجازة للطالبات المسلمات بارتداء ملابس السباحة المحتشمة (اللباس الشرعي/البوركيني)، متجنباً الاستبعاد التام للطالبات أو فرض الإكراه الصارم، ومؤكداً أن الحلول التوفيقية هي السبيل الوحيد للحفاظ على التماسك الاجتماعي.
ولعل أبرز محك قانوني وإنساني شهدته البلاد في السنوات الأخيرة تمثل في الجدل الذي اندلع عام 2012 حول ختان الذكور لأسباب دينية، عقب حكم أصدرته محكمة في كولونيا اعتبر الختان إيذاءً جسدياً. يروي الكتاب كيف أحدث هذا الحكم حالة من الصدمة والقلق العميق لدى الجاليتين الإسلامية واليهودية على حد سواء، وكيف سارعت السلطة التشريعية (البرلمان الألماني – البوندستاغ) بأسلوب حاسم إلى سن قانون جديد يضمن بوضوح مشروعية ختان الذكور وفق ضوابط طبية ومعايير محددة، ليؤكد المشرع الألماني مراراً وتكراراً التزامه بحماية التقاليد الدينية الأصيلة ومنع إقصائها.
إن هذه المعارك القانونية، كما يخلص روهه، تعكس حقيقة ملموسة: النظام القانوني الألماني يمتلك المرونة العالية لاستيعاب الممارسات الإسلامية، بيد أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في القانون ذاته، بل في الأفكار النمطية والمشاعر المناهضة للإسلام التي تتسلل إلى الخطاب العام والتغطيات الإعلامية. فكيف تؤثر هذه المفاهيم المغلوطة وظاهرة “عداء الإسلام” (الإسلاموفوبيا) على حياة المسلمين في المجتمع؟ وكيف يتفاعل المسلمون أنفسهم مع هذه التحديات من خلال التنوع الفكري والاتجاهات الدينية المتباينة في صفوفهم؟
ينقلنا ماتياس روهه إلى غياهب المشهد الاجتماعي والنفسي الذي يؤطر حياة المسلمين في ألمانيا اليوم، حيث لا تتوقف التحديات عند أروقة المحاكم والدواوين الحكومية، بل تتجاوزها لتلامس تفاصيل العيش اليومي ونظرة المجتمع الأكبر. يحلل المؤلف بجرأة وشجاعة موضوعية ظاهرة “عداء الإسلام” أو ما يُعرف بالإسلاموفوبيا، مشيراً إلى أنها لم تعد تقتصر على الهوامش اليمينية المتطرفة، بل أضحت تبث سمومها في بعض أوساط الطبقة الوسطى والخطاب الإعلامي العام، تحت ذريعة الدفاع عن “القيمة الأوروبية” أو الخوف غير المبرر من “أسلمة الغرب”.
ويرى روهه أن التغطيات الإعلامية السطحية التي تركّز بانتظام على الأزمات وسلوكيات القلة المتطرفة تساهم بشكل مباشر في شحن الرأي العام وتكريس الصور النمطية السلبية. فغالباً ما تُختزل الجرائم أو السلوكيات الفردية لبعض المهاجرين في خلفيتهم الدينية، بينما تُغفل النجاحات المذهلة والإسهامات اليومية الحثيثة لملايين المسلمين في مجالات الطب، والهندسة، والتعليم، والأعمال المصرفية، والفنون. هذا التشويه الإعلامي، بحسب روهه، يخلق جداراً من الارتياب المتبادل، حيث يجد المسلم العادي نفسه دائماً في موقف “المتهم” المطالب بالاعتذار عن أفعال لا علاقة له بها، أو تقديم إثباتات مستمرة على ولائه للدولة والدستور.
ولكن في المقابل، يرفض روهه اختزال المسلمين في ألمانيا في قالب واحد أو التعامل معهم ككتلة صماء متجانسة. إن أحد أهم الإسهامات التي يقدمها الكتاب هو إبراز التنوع الداخلي المذهل الذي يتسم به الوجود الإسلامي في ألمانيا. فالمسلمون هناك يمثلون فسيفساء معقدة من القوميات والخلفيات الثقافية؛ من الأتراك الذين يشكلون الأغلبية التاريخية، إلى العرب، والبوسنيين، والأكراد، والباكستانيين، والأفغان، ومواطني الجمهوريات السوفيتية السابقة، فضلاً عن المواطنين الألمان الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام. وهذا التعدد العرقي يصاحبه ثراء مذهل في التوجهات الفكرية والمذهبية، بدءاً من السنة والشيعة والعلاويين، ووصولاً إلى الطرق الصوفية والتيارات العلمانية أو الإصلاحية التي تسعى لإعادة تفسير النصوص الدينية بما يتناسب مع السياق الأوروبي الحديث.
كما يلاحظ المؤلف صعود جيل جديد واثق من نفسه من الشباب المسلم المولود والمترعرع في ألمانيا. هؤلاء الشباب لا ينظرون إلى أنفسهم كغرباء أو ضيوف، بل كمواطنين ألمان بكامل الحقوق والواجبات، يتحدثون الألمانية كإحدى لغاتهم الأم، ويطالبون بصوت عالٍ بالعدالة والمساواة. هذا الجيل يرفض أن يُخير بين إسلامه وبين هويته الألمانية، متجاوزاً أوهام العزلة الشعورية ليصنع نموذجاً جديداً لـ “الإسلام الألماني” الذي يزاوج بين الأصالة الإيمانية والاندماج الفاعل في مجتمع مفتوح ومتعدد.
غير أن هذا التفاؤل بالجيل الجديد يصطدم بخطرين متوازيين ينبه إليهما الكاتب بشدة: خطر الجماعات المتطرفة والسلفية الراديكالية التي تحاول استقطاب الشباب المهمشين وتغذية مشاعر العزلة لديهم من جهة، وخطر الخطاب العنصري المناهض للإسلام الذي يغذيه اليمين الشعوي من جهة أخرى. وكلا التيارين يتغذيان على بعضهما البعض في حلقة مفرغة تهدد السلم الأهلي. فكيف يمكن للمجتمع الألماني والمسلمين معاً كسر هذه الدائرة المغلقة؟ وما هي التوصيات المستقبلية والرؤية الخاتمة التي يطرحها ماتياس روهه لترسيخ التعايش المستدام؟
بالوصول إلى المحطة الأخيرة التي يطرح فيها المؤلف رؤيته الاستشرافية ومجموعة من التوصيات العملية لترسيخ دعائم التعايش المستدام بين الدولة الألمانية والمواطنين المسلمين. يرفض روهه بنبرة عقلانية الاستسلام لأوهام “حتمية الصراع الحضاري”، مؤكداً أن المستقبل ليس قدرًا محتومًا يُفرض من الأعلى، بل هو حصيلة خيارات واعية وقرارات سياسية واجتماعية يتخذها طرفا المعادلة اليوم. إن نقطة الانطلاق الأساسية نحو مستقبل أكثر انسجاماً تكمن في البراغماتية العقلانية وتغليب سياسة الخطوات العملية على السجالات الأيديولوجية العقيمة التي تكتفي بشحن النفوس دون تقديم حلول.
يطالب روهه الدولة الألمانية والمؤسسات المجتمعية بضرورة الانتقال الفعلي من مرحلة الاعتراف النظري بالوجود الإسلامي إلى مرحلة التمكين المؤسسي الكامل. ويقتضي ذلك مواصلة توسيع نطاق تدريس التربية الدينية الإسلامية في كافة الولايات الألمانية وفق المناهج الوطنية المعترف بها، واستكمال دعم معاهد اللاهوت الإسلامي في الجامعات لتوفير كوادر دينية وأئمة يتقنون اللغة الألمانية ويعرفون النسيج الثقافي والاجتماعي للمجتمع الأوروبي معرفة عميقة. كما يشدد على أهمية منح المؤسسات والروابط الإسلامية حقوقًا متكافئة لتلك التي تتمتع بها الكنائس المسيحية، بشرط استيفائها للشروط الدستورية وتخليها التدريجي عن الاعتماد على التمويل أو التوجيه السياسي الخارجي، مما يعزز استقلال القرار الإسلامي المحلي ويجعل هذه المؤسسات ممثلاً أصيلاً لمسلمي ألمانيا.
وفي المقابل، يوجه الكاتب خطاباً متوازناً وصريحاً إلى المسلمين في ألمانيا، داعياً إياهم إلى تبني هويتهم المزدوجة بوعي واعتزاز، وممارسة المواطنة الفاعلة بعيداً عن تقوقع الانعزالية أو الانكفاء على الذات بدافع الشعور بالتهميش. إن الاندماج الحقيقي، كما يراه روهه، لا يعني الذوبان الثقافي أو التخلي عن الثوابت الدينية، بل يعني المشاركة النشطة في الحياة السياسية، والاجتماعية، والنقابية، والتطوعية. كما يقع على عاتق المؤسسات الإسلامية التزام أخلاقي وقانوني بالتصدي القاطع لجميع أشكال التطرف والغلو، ونشر ثقافة الحوار المفتوح، وتطوير الفقه الإسلامي بما يتلاءم مع سياق دولة القانون والديمقراطية الحديثة.
• الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي نايل بوست




