أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

عن العبودية التي طمسها التاريخ الأمريكي

التاريخ المغيب لاستعباد السكان الأصليين 

في  الإصدارات ، نادراً ما يصدر كتاب يملك القدرة على زلزال الأسطورة التأسيسية لأمة بأكملها، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي بالماضي الاستعماري كما يفعل كتاب المؤرخ والأكاديمي لينفورد دي. فيشر (Linford D. Fisher) المعنون بـ “أمريكا المسروقة: القصة المخفية لعبودية السكان الأصليين في تاريخ الولايات المتحدة” (Stealing America: The Hidden Story of Indigenous Slavery in US History)، الصادر عن دار النشر اللوفرلايت (Liveright Publishing Corporation). يقدم هذا العمل المرجعي مدخلاً تحليلياً شديد الرصانة في واحدة من أكثر التابوهات صمتاً وتغيباً في الأرشيف الغربي، وهي الاستعباد المنهجي والمكثف للشعوب الأصلية في الأمريكتين، وكيف ارتبطت هذه الجريمة بشكل عضوي بسلب أراضيهم وضرب مجتمعاتهم.

يبدأ فيشر هذا السِفر التاريخي بمشهد ينقل القارئ إلى يوم مشمس من شهر يونيو عام 2018 في جزيرة سانت ديفيد في برمودا؛ حيث وقفت امرأة ترتدي الزي التقليدي للسكان الأصليين لتسقط إكليلاً كبيراً من الزهور في مياه المحيط الأطلسي. كان ذلك الطقس المؤثر لمسة إحياء لذكرى مئات من أبناء أمم البيكوت والوامبانواغ والناراغانسيت الذين أُسروا في نيو إنجلاند وشُحنوا كعبيد عبر المحيط إلى برمودا والكاريبي قبل ما يقرب من أربعمائة عام. سرعان ما تحول ذلك الجمع الحزين إلى مهرجان إعادة اتصال (Reconnection Powwow) استمر ليومين، التقى فيه أحفاد المستعبدين في برمودا مع إخوانهم القادمين من نيو إنجلاند حول طبلة دائرية ضخمة، يرقصون ويستعيدون أواصر القربى التي حاول العنف الاستعماري بترها إلى الأبد. تجسد شهادة إحدى المشاركات، نيفيس فيليس (Nives Filice)، عمق هذه اللحظة عندما عبرت عن أن التواصل مع جزر نيو إنجلاند قد سد فجوة روحية لم تكن تعلم بوجودها، مشيرة إلى أن وطء قدمها لأراضي الوامبانواغ جعلها تشعر فوراً بأنها عادت إلى ديارها.

إن هذا المشهد الافتتاحي يفتح الباب على الأطروحة المركزية للكتاب: مفادها أن تاريخ الولايات المتحدة والأمريكتين لم يُبنَ فقط على العبودية الأفريقية العابرة للأطلسي، بل قام على دعامة ثنائية من “السرقة المزدوجة” التي استهدفت الإنسان الأصلي وأرضه في آن واحد. يوضح فيشر أن الدراسات الأكاديمية التاريخية ركزت لعقود على العبودية الأفريقية ودورها في بناء اقتصاد المزارع والرأسمالية الأمريكية، في حين أن السكان الأصليين عاشوا تجربة العبودية بوصفها “سرقة للأقارب” وفقداناً مجتمعياً يرمي إلى إنهاء وجودهم الديموغرافي والسياسي. ويصدمنا الكتاب بأرقام موثقة تقلب المفاهيم التقليدية رأسًا على عقب؛ إذ يُقدّر عدد السكان الأصليين الذين تعرضوا للاستعباد بين عامي 1492 و1880 في عموم الأمريكتين بما يتراوح بين 3 ملايين و6 ملايين شخص. وفي المنطقة التي أصبحت تُعرف لاحقاً بالولايات المتحدة، أُستُعبد ما يصل إلى 600 ألف من السكان الأصليين، وهو رقم يضاهي بل يتجاوز إجمالي عدد الأفارقة المستعبدين الذين استُوردوا إلى أمريكا الشمالية حتى عام 1865، والبالغ نحو 530 ألف شخص.

فكيف إذن غُيبت هذه الحقائق الكبرى عن المناهج التاريخية والوعي العام؟ يجيب فيشر عبر المفهوم الأرشيفي القاسي المعروف بـ “الإبادة الجماعية الوثائقية” (Documentary Genocide). لقد مارس المستعمرون وأحفادهم سياسة طمس إدارية محكمة لهويات السكان الأصليين في الإحصاءات الرسمية وسجلات التركات. فعلى سبيل المثال، أظهر إحصاء برمودا لعام 1698 وجود عبيد من “السود” فقط، بينما تشير وثائق البيع والتركات إلى أن نحو 20% من العبيد في الجزيرة في ذلك الوقت كانوا من السكان الأصليين. وتكرر هذا النمط في فرجينيا وكارولينا الشمالية والجنوبية وبنسلفانيا؛ إذ بمجرد حدوث تزاوج بين السكان الأصليين والأفارقة، سارعت القوانين والمحاكم إلى فرض تسميات عنصرية تعسفية مثل “خلاسي” (Mulatto) أو “زنجي” (Negro)، ليمحوا انتمائهم الأصلي ويربطوهم بالعبودية الأبدية المجهزة للأفارقة. يقدّر فيشر أن هذه الاستراتيجية أدت إلى إخفاء وطمس هوية ما بين 80 ألف إلى 200 ألف فرد من السكان الأصليين ومختلطي الأعراق في الجنوب الأمريكي قبل الحرب الأهلية، بعدما جرى إدراجهم رسمياً كـ “زنجيين”. ولكن رغم هذا التغييب الإداري، ظلت الذاكرة الشفوية للقبائل حية ومقاومة؛ كما تجسد في إعلان أمة الناراغانسيت الخالد عام 1866 رداً على محاولات ولاية رود آيلاند تجريدهم من هويتهم، حيث أكد قادتهم بحزم: “لسنا زنجيين، نحن ورثة نينيغريت وكبار القادة والمقاتلين من الناراغانسيت، وطالما تجري في عروقنا قطرة واحدة من الدم الهندي، فنحن متمسكون بحقوقنا وسيادتنا”.

تتجلى القيمة الاستثنائية لهذا الكتاب في الأسلوب البحثي الأخلاقي الذي اتبعه فيشر، والذي ينطلق من تجربة شخصية نشأ فيها بين طوائف الآميش والمنونايت في بنسلفانيا على الأراضي التاريخية لأمة اللينابي (Lenape)، قبل أن يصطدم بأرشيفات نيو إنجلاند أثناء أبحاث الدكتوراه ليكتشف وجود “خدم” أصليين يُشار إليهم في وثائق الكنائس. دفعه ذلك الاكتشاف إلى إطلاق مشروع تعاوني مع القبائل الأصلية في جامعة براون باسم “روابط مسروقة” (Stolen Relations)، والذي شكل مع مساهمات الزعيم الراحل لأمتي البيكوت والوامبانواغ، تول أوك ويدن (Tall Oak Weeden)، الركيزة الفكرية للكتاب. كان تول أوك يذكر فيشر دوماً بأن التاريخ الأمريكي المكتوب مبيض ومطهر لبرء ذمة البيض من العنف الجسيم، داعياً إلى “ربط النقاط” لرؤية الصورة الكاملة. ولذلك، يحرص فيشر في مدخله المصطلحي على استخدام مفاهيم دقيقة تحترم السيادة الأصلية، مفضلاً كلمة “مُستعبَد” بدل “عَبْد” للإشارة إلى أن العبودية حالة مفروضة قسراً وليست هوية مسبقة، ومعتمداً مصطلح “الترافيكينغ” (الاتجار بالبشر) للمقاربة بين خطف الأطفال والنساء في القرون الاستعمارية الأولى وما يتعرض له السكان الأصليون في العصر الحديث. كما يستحضر المصطلحات الأصلية للأسر، مثل مصطلح الهاودينوسوني we-hait-wat-sha والذي يعني “جسداً أُقتطع إلى أجزاء وتناثر في كل مكان”، ومصطلح الشيروكي atsi nahsa’i أي “الشخص المملوك”، في مقابل المفهوم الشامل للحرية عند أمة الميسكيتو والذي يعني العيش دون مضايقة والعمل بحرية وبأجر عادل.

ينقلنا فيشر في الجزء الأول من الكتاب، المعنون بـ “النشوء (1492-1650)”، وتحديداً في الفصل الأول “النماذج الاستعمارية”، إلى وضع الأحداث في سياقها التاريخي الأطلسي الشامل. يرفض الكتاب السردية الرومانسية التي تبدأ التاريخ الأمريكي مع وصول سفينة مايفلاور أو تأسيس جامستاون، مؤكداً أن الغزو الإسباني عام 1492 هو الذي وضع المخطط الأولي والنموذج التنفيذي لجميع الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية التي تلت. ينقلنا السرد إلى صباح 12 أكتوبر 1492 في جزيرة جواناهاني (San Salvador) في البهاما، حيث استيقظ أهالي اللوكايا من أمة التاينو ليروا ثلاث سفن إسبانية غريبة. ورغم أن التاينو استقبلوا الغرباء بالهدايا والحيوانات والقطن، إلا أن كريستوفر كولومبوس لم يرَ فيهم سوى أيدٍ عاملة مجانية، مدوناً في مذكراته الشهيرة أنهم “سيكونون خداماً ممتازين، وبخمسين رجلاً فقط يمكن إخضاعهم جميعاً وجعلهم يفعلون ما يُؤمرون به”.

لم ينتظر كولومبوس كثيراً؛ ففي يومه الثالث بالجزيرة، اختطف سبعة من اللوكايا ليعملوا كأدلة لملاحة سفنه نحو مناطق الذهب في كوبا وهسبانيولا (هاييتي وجمهورية الدومينيكان). وقبل عودته إلى إسبانيا عام 1493، كان قد اختطف أكثر من عشرين فردًا من التاينو، وقام باستعراضهم في شوارع إشبيلية يوم أحد الشعانين كغنائم بصرية وإثبات على إمكانية استغلال “العبيد الهندوس” كسلعة تجارية مربحة. بل إن كولومبوس، عقب رحلته الثانية عام 1493-1494، تقدم بمشروع متكامل للبلاط الإسباني لإنشاء تجارة منتظمة ومأسسة للعبيد الأصليين. اقترح تشغيل أساطيل تُشحن بأسرى التاينو لبيعهم في أسواق إسبانيا مقابل العتاد والمؤن، ثم تعود السفن لتغير على الجزر وتملأ عنابرها بالأسرى مجدداً. وفي عام 1495، جمع كولومبوس 1,600 أسير من التاينو على شواطئ هسبانيولا، وحشر 550 منهم في أربع سفن في رحلة مأساوية عبر الأطلسي شهدت وفاة العشرات منهم في عنابر السفن، ليُباع الـ 350 الذين بقوا على قيد الحياة في أسواق العبيد بمدينة إشبيلية، فيما يعد أول ممر أطلسي أوسط مخصص للاستعباد الأصلي.

يستعرض الكتاب التطورات القانونية والدينية التي صاحبت هذا التوسع الإسباني وسعي التاج لإسباغ المشروعية على الاستعباد عبر مصطلحات مرنة مثل “حروب الحق” ضد القبائل المتهمة بأكل لحوم البشر (indios caribes)، أو استعباد سكان “الجزر غير النافعة” التي تخلو من الذهب، أو نظام الإنقاذ (rescate) الذي يبيح شراء أو خطف الأسرى من القبائل الأخرى. ورغم هذه القوانين الصارمة، صمد السكان الأصليون وقاوموا بشراسة؛ حيث يروي الكتاب قصة امرأة من السكان الأصليين تُدعى كاتالينا، أُسرَت كطفلة من السلفادور، وكُويت على وجهها، ونُقلت إلى إسبانيا، لكنها لم تستسلم وقامت بجر مستعبديها إلى مجلس الهند في مدريد في أربعينيات القرن السادس عشر للمطالبة بحريتها وإدانة استعبادها غير القانوني. كما ينقل الكتاب التنديد الأخلاقي الصارم الذي أطلقه القس الدومينيكاني أنطونيو دي مونتيسينوس في عظته الشهيرة بسانتو دومينغو عام 1511، والشهادة التاريخية المدمرة للراهب بارتولومي دي لاس كاساس في كتابه “قصة قصيرة عن تدمير الهند الغربية” (Brevísima relación)، والتي كشفت كيف أدى نظام “الإنكومييندا” إلى ذبح الملايين وتقطيع أجساد النساء والأطفال وتفحيم قادة القبائل على الشوايات المشتعلة، مما دفع الملك شارل الخامس لإصدار “القوانين الجديدة” (Leyes Nuevas) عام 1542 للحظر الشكلي لاستعباد السكان الأصليين.

ولكن لتجسيد حجم الثروة الهائلة التي جُنيت من هذا الاستعباد، يأخذنا فيشر في جولة بصرية داخل كاتدرائية إشبيلية (Catedral de Sevilla) في إسبانيا. إن هذه الكاتدرائية القوطية العملاقة تضم أكبر مذبح ذهبي في العالم، يرتفع نحو 66 قدماً وتغطيه طبقات كثيفة من الذهب والفضة الخالصة. ويكشف الكتاب الحقيقة المظلمة التي تخفيها هذه الزينة؛ إذ إن الـ 88 ألف رطل (44 طناً) من الذهب والفضة التي تغطي المذبح استُخرجت بالكامل من مناجم المكسيك وبوليفيا بأيدي مئات الآلاف من العمال المستعبدين من أمم الناواتل والهواستيك وغيرهم، الذين قضوا في ظلمات المناجم بسبب استنشاق الغبار المسموم وأمراض الرئة الفتاكة. والمفارقة الرمزية القاسية هي أن قبر كولومبوس نفسه يربض داخل هذه الكاتدرائية على بعد خطوات من هذا المذبح المكتنز بدماء وأجساد الشعوب التي استعبدها.

ولم تكن الإمبراطورية الإنجليزية سوى تلميذ نفعي سار على الخطى الإسبانية ذاتها، رغم التظاهر بالرقي الأخلاقي والاحتجاج بالبروتستانتية. فخلال القرن السادس عشر، قام المكتشفون والقرصان الإنجليز بمحاكاة الغزوات الإسبانية؛ حيث اختطف غاسبار كورتي-ريال 57 فرداً من الأبيناكي في مين عام 1500، وحاول فيرازانو خطف فتاة وشاب في نيو إنجلاند عام 1524. وفي أواخر سبعينيات القرن السادس عشر، اختطف البحار مارتن فروبيشر ثلاثة من شعب إينويت من جزيرة بافن (كاليتشو، وأرناك، ونوتاك) وقادهم إلى برستل في إنجلترا كمعروضات بشرية، ليقضوا جميعاً بالأمراض الغريبة، حيث سُجل أن كاليتشو مات وهو يغني نفس “أغنية الموت” التي أنشدها لحظة اختطافه من موطنه الأصلي.

يوضح فيشر أن جميع المحاولات الإنجليزية الاستعمارية الأولى كانت ترتكز على القوة العاملة والمعرفة الجغرافية للسكان الأصليين. فقبل بناء المستوطنات الدائمة، استعمر الإنجليز “العمالة الفكرية” للقبائل عبر اختطاف الشبان وتدريبهم قسراً على اللغة الإنجليزية لانتزاع الخرائط والمعلومات الملاحية منهم. وتجلى هذا في حملة والتر رالي وريتشارد غرينفيل لتأسيس مستعمرة “روانوك” عام 1585 على شواطئ كارولينا الشمالية، حيث رافقهم الرسام جون وايت الذي خلد بفرشاته صور مجتمعات السيكوتان والروانوك. وفي الوقت ذاته، كان القرصان فرنسيس دريك يجوب الكاريبي لنهب المستقرات الإسبانية برفقة شاب أصلي اختُطف من جزيرة مارغريتا يُدعى بيدرو، وعندما اقتحم دريك مدينتي سانتو دومينغو وكارتاخينا، انسحب بشحنة بشرية ضخمة تضم 300 أسير من السكان الأصليين و200 من الأفارقة والأتراك، ليأخذهم إلى روانوك لدعم القوة العاملة للمستعمرة قبل أن يضرب الإعصار الشديد المنطقة وتفشل المحاولة الاستيطانية وتختفي المستعمرة بطريقة غامضة.

وتكررت هذه الممارسات في تجارة جويانا وساحل أوريناكو (Caribana)؛ حيث اشترى القبطان فرانسيس سبيري ثماني فتيات أصليات مقابل سكين صغيرة لاستغلالهن جنسياً وعملياً، وفي مين عام 1605، نصب جورج ويموث كميناً لأبناء أمة الأبيناكي واختطف خمسة شبان (تاهانيدو، وأموريت، وسكيكاواروس، ومانيدو، وساساكومويت) واقتادهم إلى لندن ليسلمهم للسر فيرديناندو جورج وجون بوبهام للاستفادة من معلوماتهم الجغرافية لتمهيد الاستيطان. بل إن هذه الظاهرة أصبحت شائعة في المجتمع الإنجليزي إلى حد دفع المسرحي ويليام شكسبير للإشارة إليها بسخرية في مسرحيته “العاصفة” (The Tempest) عام 1611، على لسان الشخصية ترينكولو الذي تمنى لو كان في إنجلترا ليعرض شخصية كاليبان الأصلية أمام الجماهير الفضولية مقابل المال.

ينقلنا الباحث من النماذج الإمبراطورية الأولى إلى مرحلة مأسسة استعباد السكان الأصليين وترسيخه في المستعمرات الإنجليزية في أمريكا الشمالية وجزر البحر الكاريبي بين عامي 1607 و1650. إنها الفترة التأسيسية التي شهدت بناء الهياكل القانونية والاجتماعية التي سادت لقرون، حيث يفكك فيشر الروايات الاستعمارية التجميلية ليعري الآلية القاسية التي جرى من خلالها تحويل استعباد السكان الأصليين من أداة طوارئ عسكرية عابرة إلى ممارسة اقتصادية وهيكلية شاملة، سبقت ورافقت صعود تجارة العبيد الأفريقية.

يبدأ فيشر هذا الفصل بواحدة من أكبر الأساطير التأسيسية في التاريخ الأمريكي، وهي السردية التي تؤرخ لنشأة العبودية في أمريكا الشمالية بحلول عام 1619 مع وصول سفينة ترفع العلم الهولندي تحمل “عشرين ونيفاً” من الأفارقة إلى مستعمرة “جامستاون” في فرجينيا. يوضح الكتاب ببراعة أن هذه القراءة الاختزالية تغفل حقيقة مروعة؛ وهي أن المستوطنين الإنجليز كانوا يستعبدون ويخضعون السكان الأصليين للسخرة في فرجينيا قبل عام 1619 بقرابة عقد من الزمان. فمنذ تأسيس جامستاون عام 1607، واجه المستوطنون صعوبات جمة في توفير الطعام والخدمة، ولجأوا فوراً إلى استخدام القوة المسلحة ضد أفراد اتحاد “البوهاتان” بزعامة الزعيم “واهونسوناكوك”. وقام القادة الاستعماريون بأسر العديد من أبناء القبائل وإجبارهم على العمل في السلاسل لإنتاج الذرة وبناء المنشآت وتوفير المؤن للمستعمرة الهشة.

ومع اندلاع “حروب البوهاتان الثلاث” المتتابعة، تحول استعباد السكان الأصليين في فرجينيا إلى استراتيجية عسكرية إبادية تهدف إلى تفريغ الأراضي الخصبة لزراعة التبغ الذي بدأ يدر أرباحاً خيالية. يسرد فيشر بأسلوب تقريري مؤلم الفظائع التي ارتكبها قادة المستعمرة، مثل حادثة تدمير قرية “باسباهيج” عام 1610؛ حيث قاد الجنود الإنجليز برئاسة جورج بيرسي هجوماً باغتاً أسفر عن إحراق القرية وقتل معظم سكانها، واقتادوا زوجة رئيس القوم وأطفالها أسارى على متن سفينة. وفي طريق العودة، قام الجنود بإلقاء الأطفال الصغار في مياه النهر وإطلاق النار على رؤوسهم في الماء لمنع استمرار سلالة القيادة، قبل أن يقتادوا الملكة إلى الشاطئ ويعدموها طعناً بالسيوف. لم تكن هذه المجازر سوى مقدمة لتشريعات قاسية أقرها مجلس فرجينيا الاستعماري، والتي أباحت اعتبار جميع الأسرى الأصليين عبيداً مدى الحياة يتم توزيعهم كغنائم حرب على الضباط والجنود لدعم اقتصاد التبغ المتنامي.

وفي الوقت ذاته، كانت جزر الأطلسي والكاريبي تتحول إلى مختبرات حقيقية صُممت فيها أعتى قوانين وممارسات السخرة والعبودية. يأخذنا الكتاب إلى جزيرة برمودا، التي استوطنها الإنجليز عقب تحطم سفينة “سي فينتشر” عام 1609، حيث سارعت شركة جزر سومرز إلى استيراد العبيد الأصليين والأفارقة معاً منذ أوائل عشرينيات القرن السابع عشر. جرى استغلال أسرى السكان الأصليين في برمودا في أعمال شاقة ومخاطرة للغاية، مثل الغوص العميق لاستخراج اللؤلؤ وانتشال حطام السفن الغارقة، إلى جانب زراعة التبغ وبناء الحصون الحجرية لحماية المستعمرة. وتكررت المأساة ذاتها في جزيرة سانت كيتس، حيث قاد المستعمر توماس وارنر عام 1626 مذبحة وقائية ضد شعب “الكاليناغو” وزعيمهم تيغريموند، وأسفرت عن مقتل المئات واستعباد النجاة منهم لتأسيس مزارع السكر الأولى.

أما في باربادوس، فيكشف فيشر عن فصل مأساوي من الغدر الاستعماري؛ ففي عام 1627، أقدم المستوطنون الإنجليز على تجنيد عشرات من السكان الأصليين من قومية “اللوكونو” من منطقة سورينام في أمريكا الجنوبية، ونقلهم إلى باربادوس للمساعدة في تعليم الإنجليز كيفية زراعة المحاصيل الاستوائية مثل التبغ والقطن والكسافا وسط البيئة الكاريبية الغريبة عليهم. ووُعد هؤلاء الخبراء الأصليون بحريتهم وعودتهم إلى أوطانهم بعد تجسير الفجوة الزراعية، لكن بمجرد أن استقر الإنجليز وأتقنوا الزراعة، نقض المستوطنون عهودهم وغدروا بهم، وحولوهم جميعاً إلى عبيد مدى الحياة يعملون في حقول السكر القاسية. ونتيجة لتزايد أعداد العبيد من الأفارقة والسكان الأصليين، أصدر مجلس باربادوس عام 1636 أول قرار استعماري شمول يقر صراحة بأن جميع الأفارقة والسكان الأصليين الذين يتم جلبهم إلى الجزيرة يُعتبرون “عبيداً أزليين ومدى الحياة” ما لم يوجد عقد مسبق ينص على غير ذلك، مسجلين بذلك خطوة تاريخية حاسمة في الربط بين العرق والعبودية الأبدية.

ولم تكن مستعمرات نيو إنجلاند ذات الطابع الديني المتطهر (البيوريتاني) بمعزل عن هذه الممارسات الشائنة، بل إنها قدمت نموذجاً أكثر تنظيماً وقسوة للاستعباد القائم على العقيدة الدينية ونظرية “الحرب العادلة”. يفكك فيشر أسطورة “المدينة المقامة على جبل” التي حاول الحاكم جون وينثروب تسويقها للترويج للمثالية البيوريتانية، ليظهر كيف انخرط المتطهرون في حرب إبادية شاملة ضد أمة “البيكوت” بين عامي 1636 و1638. بلغت هذه الحرب ذروتها القاتمة في مذبحة حصن “ميستيك” في مايو 1637، عندما حاصرت الميليشيات الإنجليزي بقيادة جون ميسون وجون أندرهيل وبمساعدة قبائل حليفة القرية المحصنة ضخمة التي كانت تضم مئات النساء والأطفال والمسنين، وأضرموا فيها النيران عمداً، ليحترق ما بين 400 إلى 700 شخص أحياء في مشاهد مروعة. ووصف القادة البيوريتانيون هذه المحرقة في مذكراتهم بكل فخر بأنها “تضحية حلوة” أرسلها الرب لقطع دابر الكفار!

ولم تتوقف الكارثة عند المحرقة؛ بل شن المتطهرون حملات تعقب واصطياد واسعة ضد النجاة من البيكوت، وجرى إعدام الرجال وتوزيع مئات النساء والأطفال كسبايا وخدم في منازل ومزارع بوسطن وهارتفورد ونيوهيفن. والأهم من ذلك أن هذه الحرب دشنت أولى عمليات التجارة البحرية العابرة للأطلسي بالعبيد الأصليين من نيو إنجلاند؛ ففي عام 1638، أبحر القبطان ويليام بيرس على متن السفينة “ديزاير” (Desire) محصلاً بعشرات الفتيان والنساء من البيكوت، وشحنهم إلى جزيرة بروفيدنس في الكاريبي لبيعهم لحاكم الجزيرة وتجاره الإنجليز. وعادت السفينة “ديزاير” إلى بوسطن حاملة شحنة مبادلة تضم الأفارقة المستعبدين والقطن والتبغ، لتسجل بوسطن بذلك أول خط تجاري موثق يربط بين تصدير العبيد الأصليين واستيراد العبيد الأفارقة في نيو إنجلاند.

يتطرق فيشر في الفصل الثالث من الكتاب، المعنون بـ “التبريرات الهشة”، إلى  الشبكة المفهومية والقانونية التي اخترعتها السلطات الاستعمارية لتبرير هذه الانتهاكات الصارخة أمام الضمير الأوروبي والقوانين الإنجليزية. وفي غياب قوانين صريحة تنظيم العبودية في البداية، اعتمد المستوطنون على العرف الاستعماري، ونصوص العهد القديم، ونظرية “الحرب العادلة” (bellum iustum). وفي عام 1641، أصدرت مستعمرة خليج ماساتشوستس وثيقة “قائمة الحريات” (Body of Liberties)، التي كانت تُعتبر ظاهرياً أول تقنين للحريات المدنية، لكن المادة 91 منها شرعنت العبودية صراحة ونصت على أنه “لن يكون هناك عبودية أبداً بيننا… باستثناء الأسرى المشروعين المأخوذين في حروب عادلة، أو أولئك الذين يتم شراؤهم كعبيد من تجار آخرين”. أسبغ هذا البند شرعية قانونية مطلقة على استعباد أسرى البيكوت الموزعين بالفعل على منازل القضاة والوزراء، وفتح الباب لاستيراد العبيد من أي مكان آخر.

وعلاوة على ذلك، أُدخل مبدأ “تبعية المولود للأم” (partus sequitur ventrem) إلى العرف والقانون الاستعماري الأمريكي خلال هذه الفترة التأسيسية، قبل أن يُقنن رسمياً في فرجينيا عام 1662 وجامايكا عام 1684. كان هذا المبدأ الروماني القديم كفيلاً بضمان استمرار العبودية عبر الأجيال وتغذية سوق العمالة المباشرة؛ فإذا كانت الأم امرأة أصلية أو أفريقية مستعبدة، فإن أطفالها يصبحون ملكاً قانونياً لمالك الأم تلقائياً ومدى الحياة، بغض النظر عن نسب أو جنسية الأب. أدى هذا النظام الإجرامي إلى تشجيع المستوطنين البيض على الاستغلال الجنسي القسري للنساء الأصليين والمستعبشات، محولين أجسادهن وأرحامهن إلى أدوات لإعادة إنتاج الملكية العبودية وتوسيع الثروة.

وفي المقابل، يحرص فيشر على إبراز أشكال المقاومة الصلبة والرفض المنظم الذي أظهره السكان الأصليون ضد هذه الممارسات. فقد حفلت السجلات القضائية في نيو إنجلاند وفرجينيا بنماذج فرار مستمرة للمستعبدين الأصليين الذين استغلوا معرفتهم بالدروس والغابات للهرب نحو مجتمعاتهم الحرة أو نحو قبائل حليفة. كما خاض الزعماء الأصليون مواجهات دبلوماسية حادة ضد الغزاة؛ حيث أعلن زعيم الناراغانسيت “ميانتونومي” بوضوح وبسالة رفضه للغدر الإنجليزي واستعباد الأسرى، داعياً الشعوب الأصلية في نيو إنجلاند إلى التوحد والتكتل لمواجهة العنف الإنجليزي الذي يهدف إلى محوهم وسلب أراضيهم وأطفالهم.

ينتهي هذا الفصل التأسيسي الحاسم بتأكيد المؤرخ لينفورد دي. فيشر على أن الاستعباد لم يكن مجرد حادث عرضي أو هامشي في تاريخ المستعمرات البريطانية المبكرة، بل كان المحرك الهيكلي والعمود الفقري الذي قامت عليه التجربة الاستعمارية في القارة. لقد وفر استعباد السكان الأصليين للغزاة القوة العاملة المجانية لبناء المزارع والحصون، وفي الوقت ذاته حقق الهدف الأهم للاستعمار الاستيطاني وهو الإنحسار الديموغرافي والاجتماعي للقبائل وتفريغ الأراضي الواسعة للاستيلاء عليها. وهذه الركائز القانونية والاقتصادية التي أُرست بين 1607 و1650 هي التي ستتوسع وتنفجر على نطاق أطلسي هائل خلال القرن التالي.

ننتقل في هذه المرحلة إلى الحقبة الممتدة من منتصف القرن السابع عشر وحتى أوائل القرن الثامن عشر، وهي المرحلة التي يصفها الكتاب بأنها العصر الذهبي القاتم لتجارة العبيد من السكان الأصليين. في هذه المرحلة، لم يعد الاستعباد مجرد ممارسة استعمارية محلية لسد العجز في العمالة أو تكتيكاً لترويع الخصوم، بل تحول إلى صناعة عابرة للأطلسي، ومشروعاً رأسمالياً ضخماً تمأسس وتوسع ليغطي شبكة تجارية معقدة ربطت بين أمريكا الشمالية وجزر الكاريبي وأوروبا، بل وامتدت في بعض الأحيان لتصل إلى أسواق شمال أفريقيا. يسلط فيشر الضوء في هذا القسم على بؤرتين جغرافيتين شهدتا أشرس فصول هذه التجارة: مستعمرات نيو إنجلاند في الشمال، ومستعمرة كارولينا في الجنوب.

يبدأ الكاتب بتشريح تفاصيل “حرب الملك فيليب” (1675-1676) في نيو إنجلاند، والتي تعتبر واحدة من أكثر النزاعات دموية في تاريخ أمريكا الشمالية قياساً إلى عدد السكان. اندلعت الحرب بقيادة الزعيم “ميتَاكوم” (Metacom)، الذي أطلق عليه الإنجليز اسم “الملك فيليب”، وهو زعيم أمة الوامبانواغ الذي أدرك أن التوسع الاستيطاني المتسارع والسياسات الاستفزازية ستؤدي حتماً إلى محو شعبه. استطاع ميتَاكوم حشد تحالف واسع من القبائل الأصلية لشن حرب وجودية ضد المستعمرات الإنجليزية. ورغم الانتصارات الأولية التي حققها التحالف الأصلي، إلا أن القوة العسكرية الإنجليزية، مدعومة بتحالفات مع قبائل أخرى، تمكنت في النهاية من سحق التمرد بوحشية بالغة. لكن فيشر لا يقف عند السرد العسكري الكلاسيكي للحرب، بل يقرأها من منظور الاستعباد كأداة للإبادة وإعادة الهيكلة الديموغرافية.

مع نهاية الحرب، تحولت مستعمرات نيو إنجلاند إلى آلة ضخمة لمعالجة وتصدير البشر. يوثق الكتاب كيف تم اقتياد الآلاف من أسرى الوامبانواغ والناراغانسيت والنيبموك، بمن فيهم أولئك الذين استسلموا طواعية مقابل وعود بالأمان، ليعرضوا في ساحات بوسطن وبليموث تمهيداً لبيعهم. أصبحت الموانئ الشمالية تعج بالسفن التي شُحنت عنابرها بالرجال والنساء والأطفال الأصليين، ليتم ترحيلهم قسراً في رحلات بحرية مروعة نحو مزارع السكر القاسية في باربادوس وجامايكا وبرمودا، وفي حالات موثقة، تم بيع بعضهم في أسواق العبيد في طنجة بشمال أفريقيا وإسبانيا. ولعل المشهد الأكثر إيلاماً ورمزية في هذا الفصل هو مصير عائلة الزعيم ميتَاكوم نفسه؛ فبعد مقتله وتقطيع جثته وعرض رأسه على رمح في بليموث لعقدين من الزمان، تم أسر زوجته “ووتونيكانوسك” وابنه الصغير الذي كان يمثل الوريث الشرعي لقيادة الأمة. وبدلاً من إعدامهما، قررت السلطات الاستعمارية بيعهما كعبيد في جزر الكاريبي، في خطوة مدروسة تهدف إلى اجتثاث السلالة القيادية للأبد ومحو أي أمل في إعادة بناء الأمة من جديد.

من الشمال الملطخ بالدماء، ينقلنا فيشر نحو الجنوب، وتحديداً إلى مستعمرة كارولينا التي تأسست عام 1670، حيث اتخذ استعباد السكان الأصليين طابعاً أكثر ترويعاً وتنظيماً. يصف الكتاب مدينة تشارلستون (تشارلز تاون آنذاك) بأنها لم تكن مجرد مستعمرة زراعية، بل كانت مركزاً إمبريالياً متخصصاً في رعاية وتوجيه تجارة البشر على نطاق قاري. ابتكر حكام كارولينا وتجارها نظاماً شيطانياً أُطلق عليه لاحقاً اسم “دورة البندقية والعبد” (Gun-Slave Cycle). اعتمد هذا النظام على تسليح قبائل معينة بالبنادق الأوروبية المتقدمة والذخيرة، وتحريضهم على شن غارات مستمرة ضد القبائل المجاورة الأضعف أو غير المسلحة، بهدف أسر أفرادها وتسليمهم للتجار الإنجليز في تشارلستون لسداد ديون الأسلحة والسلع التجارية.

يكشف الكتاب كيف أدت هذه السياسة إلى إشعال حروب بالوكالة اجتاحت الجنوب الشرقي الأمريكي بأكمله، من سواحل المحيط الأطلسي وصولاً إلى نهر المسيسيبي وشبه جزيرة فلوريدا. تحولت قبائل مثل الوِستو (Westos) ثم الياماسي (Yamasees) إلى مقاولين عسكريين يعملون لصالح النخبة التجارية الإنجليزية، يشنون الغارات المدمرة التي أفرغت مناطق شاسعة من سكانها الأصليين. وتصدمنا الإحصائيات التي يقدمها فيشر في هذا السياق؛ فخلال العقود الأولى من تأسيس مستعمرة كارولينا، وحتى عام 1715 تقريباً، كان عدد العبيد من السكان الأصليين الذين تم تصديرهم من ميناء تشارلستون إلى جزر الكاريبي ومستعمرات الشمال يفوق بكثير عدد العبيد الأفارقة الذين تم استيرادهم إليها. يُقدر المؤرخون أن عشرات الآلاف من السكان الأصليين تم اقتلاعهم من الجنوب الشرقي عبر هذه الشبكة التجارية، مما أدى إلى انهيار مجتمعات بأكملها واندماج النجاة منهم في قبائل جديدة أو لجوئهم إلى مناطق نائية هرباً من فرق الصيد البشرية.

لم يكن هذا الاختفاء الديموغرافي السريع نتاجاً للأمراض والأوبئة فقط كما تروج السردية التقليدية، بل كان في جزء كبير منه نتيجة مباشرة لهذه الترسانة التجارية الاستعبادية. يشرح فيشر كيف كان التجار الإنجليز يفضلون تصدير العبيد الأصليين إلى الخارج بدلاً من إبقائهم في المزارع المحلية، وذلك لقطع صلاتهم بأراضيهم ومنعهم من الهرب أو التمرد، وفي الوقت نفسه كانوا يستخدمون الأرباح الهائلة من هذه التجارة لتمويل استيراد العبيد الأفارقة، الذين كان يُعتقد أنهم أكثر قدرة على تحمل أمراض المناطق المدارية وأقل قدرة على التمرد لجهلهم بجغرافية المكان.

ينتهي هذا الجزء من التحليل باستعراض نقطة التحول الكبرى التي تمثلت في “حرب الياماسي” (1715-1717). فبعد عقود من الاستغلال والديون المتراكمة وتزايد وتيرة اختطاف النساء والأطفال الأصليين حتى من القبائل الحليفة، انتفضت قبائل الياماسي وحلفاؤها ضد مستعمرة كارولينا، وكادت أن تمحوها من الوجود لولا وصول التعزيزات العسكرية. أدركت الإدارة الاستعمارية بعد هذه الحرب الكارثية أن الاعتماد على تجارة العبيد الأصليين يشكل خطراً أمنياً استراتيجياً يهدد وجود المستعمرة ذاتها. وبناءً على ذلك، بدأ التحول التدريجي والمنهجي نحو الاعتماد الكامل على العمالة الأفريقية المستعبدة في الجنوب.

ومع ذلك، يؤكد فيشر بوضوح أن هذا التحول لم يعنِ النهاية الفعلية لاستعباد السكان الأصليين، بل كان إيذاناً بانتقاله إلى مرحلة جديدة من التخفي المؤسسي وتغيير المسميات القانونية، وهو ما يمهد الطريق لفهم التحولات الكبرى التي شهدها القرنان الثامن عشر والتاسع عشر.

إلى المنطقة الرمادية الأكثر تعقيداً وغموضاً في تاريخ القارة الأمريكية، وهي حقبة القرن الثامن عشر وصولاً إلى فجر القرن التاسع عشر. فإذا كانت القرون السابقة قد اتسمت بالوحشية المفتوحة، والمجازر الصريحة، وتجارة العبيد الأصليين العابرة للأطلسي عبر آليات مثل “دورة البندقية والعبد”، فإن القرن الثامن عشر شهد تحولاً جذرياً في استراتيجية الاستعمار. لم يختفِ استعباد السكان الأصليين، بل ارتدى عباءة قانونية ومؤسسية جديدة، وتوارى خلف مصطلحات إدارية صُممت خصيصاً لمحو هوية الضحايا من السجلات الرسمية وإلى الأبد. في هذا القسم الحاسم من الكتاب، يحلل فيشر ما يُعرف بـ “الإبادة الجماعية الورقية” أو “المحو الإداري”، وهي العملية المنهجية التي حولت مئات الآلاف من السكان الأصليين من بشر ذوي جذور وحقوق إلى مجرد أرقام وتصنيفات عرقية مبهمة تخدم آلة الاقتصاد الرأسمالي الناشئ.

يبدأ فيشر تحليله لهذه الحقبة برصد التداعيات المباشرة لحرب الياماسي (1715) في الجنوب، والاضطرابات المماثلة في نيو إنجلاند. لقد أدركت السلطات الاستعمارية أن الاستمرار في الاعتماد على العبيد الأصليين، الذين يحفظون تضاريس الأرض ويمتلكون روابط دموية مع القبائل المحيطة بالمستعمرات، يمثل تهديداً وجودياً للأمن الاستيطاني. بالتوازي مع ذلك، كانت تجارة العبيد الأفارقة عبر الأطلسي تصل إلى ذروتها، مدعومة بشركات احتكارية ضخمة مثل “الشركة الملكية الأفريقية”. هنا، بدأت المستعمرات في تفضيل العمالة الأفريقية التي انتُزعت من بيئتها ولا تمتلك حلفاء محليين. لكن هذا التحول الديموغرافي والاقتصادي لم يعنِ إطلاق سراح العبيد الأصليين الموجودين بالفعل في المزارع والمنازل، بل عنى بداية حملة شرسة لدمجهم قسراً في المنظومة العبودية الجديدة القائمة على الثنائية العرقية الصارمة: أبيض حر، وأسود مستعبد.

يغوص الكتاب في دهاليز المحاكم وسجلات التركات والمجالس التشريعية ليكشف كيف تم التلاعب باللغة والقانون لسلب السكان الأصليين انتمائهم. يوضح فيشر أن المستوطنين ومسؤولي الإحصاء بدأوا في التخلي التدريجي عن استخدام كلمة “هندي” (Indian) أو “أصلي” في الوثائق الرسمية للإشارة إلى العبيد. وبدلاً من ذلك، تم ابتكار وتعميم مصطلحات مطاطية وعنصرية مثل “خلاسي” (Mulatto) و”مستيزو” أو “مستي” (Mustee)، وصولاً إلى التصنيف الشامل تحت كلمة “زنجي” (Negro) أو “ملون” (Colored). كان هذا التغيير المصطلحي سلاحاً فتاكاً؛ فبمجرد أن يُسجل الفرد الأصلي أو الطفل المختلط في السجلات الكنسية أو قوائم الجرد كـ “زنجي” أو “ملون”، فإنه يفقد فوراً أي حماية قانونية، مهما كانت ضئيلة، قد توفرها المعاهدات المبرمة مع القبائل الأصلية، ويتم تثبيته في قاع الهرم الاجتماعي كعبد مملوك مدى الحياة، هو ونسله من بعده.

يتوقف المؤلف طويلاً أمام التداعيات الاجتماعية والنفسية لهذا الدمج القسري، مسلطاً الضوء على نشوء المجتمعات “الأفرو-أصلية” في ظلمات المزارع الكبرى. فقد وجد العبيد من السكان الأصليين والأفارقة أنفسهم يتشاركون نفس الأغلال، ونفس سياط الجلادين، ونفس مساحات العيش الضيقة. أدى هذا التشارك في الألم والمصير إلى تزاوج واختلاط ثقافي عميق غير وجه التاريخ الاجتماعي لأمريكا. تمازجت المعتقدات الروحية، والتقنيات الزراعية، والموسيقا، وطرق المقاومة. لكن فيشر ينبهنا إلى أن هذا التمازج الجميل والمأساوي في آن واحد، كان يُستغل من قبل السادة البيض لتسريع عملية المحو. فقوانين مثل مبدأ “تبعية المولود للأم” (partus sequitur ventrem) التي أُقرت في فرجينيا وغيرها، ضمنت أن أي طفل يولد لامرأة أصلية مستعبدة سيُصنف كعبد، ومع مرور الأجيال واختلاط الأنساب، كانت المحاكم ترفض الاعتراف بالدم الأصلي وتكتفي بالتصنيف العرقي القائم على لون البشرة، مما أدى إلى ابتلاع فروع كاملة من أمم وشعوب أصلية داخل فئة “السود” في أمريكا، وحرمانهم من تراثهم ومطالباتهم التاريخية بأراضيهم.

ينتقل السرد لاحقاً إلى التناقض الصارخ والمؤلم الذي رافق حقبة الثورة الأمريكية (1776-1783). يضعنا فيشر أمام المرآة التاريخية لنتأمل كيف كان الآباء المؤسسون يكتبون إعلانات مدوية عن الحقوق الطبيعية للإنسان، وأن “جميع الرجال خُلقوا متساوين”، بينما كانوا في الواقع يمتلكون مئات العبيد، ويشنون حملات إبادة ضد القبائل الأصلية التي وقفت عقبة في وجه تمددهم غرباً. يبرز الكتاب كيف أن حرب الاستقلال، التي تُدرس كملحمة للتحرر من الطغيان البريطاني، كانت بالنسبة للسكان الأصليين كارثة مضاعفة. فمن جهة، استُهدفت قراهم وحُرقت محاصيلهم في حملات عسكرية مدمرة، مثل “حملة سوليفان” عام 1779 التي أمر بها جورج واشنطن شخصياً لمسح أمة الهاودينوسوني (الإيروكوا) من على وجه الأرض. ومن جهة أخرى، استغلت الميليشيات الأمريكية حالة الحرب لاختطاف النساء والأطفال الأصليين وبيعهم مجدداً لتمويل المجهود الحربي، في استنساخ حرفي لممارسات القرن السابع عشر ولكن هذه المرة تحت راية الحرية والاستقلال.

ومع تأسيس الجمهورية الجديدة، يتتبع الكتاب كيف تمأسس التغييب والإقصاء في بنية الدولة الفيدرالية ذاتها. يسلط فيشر الضوء على الإحصاءات الوطنية الأولى للولايات المتحدة، بدءاً من إحصاء عام 1790. قاد مهندسو الدستور الأمريكي حملة إحصائية عنصرية استبعدت “الهنود غير الخاضعين للضرائب” من التعداد السكاني الذي يحدد التمثيل السياسي، بينما تم حشر السكان الأصليين الذين عاشوا داخل المستوطنات كخدم وعبيد وعمال مياومة في فئة “الأشخاص الأحرار الآخرين” أو ببساطة ضُموا إلى أعداد العبيد الأفارقة. هذه الآلية الإحصائية لم تكن مجرد خطأ بيروقراطي، بل كانت عملية اغتيال سياسي وقانوني؛ فقد نجحت في إقناع الأجيال اللاحقة من الأمريكيين بأن السكان الأصليين قد “اختفوا” أو “انقرضوا” بشكل طبيعي من الساحل الشرقي، ممهدة الطريق لأسطورة “الزوال الحتمي” التي بررت لاحقاً سياسات التهجير القسري.

لكن في مواجهة هذه الآلة الساحقة من الطمس القانوني والإداري، لا يتركنا فيشر في مستنقع اليأس الاستعماري، بل يفرد مساحة واسعة لتوثيق أشكال المقاومة القانونية والاجتماعية التي خاضها المستعبدون من السكان الأصليين والمختلطين. يستعرض الكتاب عشرات القضايا والدعاوى القضائية التي رُفعت أمام محاكم نيو إنجلاند وفرجينيا في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، حيث استخدم الأفراد المستعبدون، نساءً ورجالاً، النظام القانوني الاستعماري ضده. كانوا يقدمون التماسات يطالبون فيها بحريتهم بناءً على تتبع خطوط نسبهم الأمومية، محاولين إثبات أن جداتهم كن نساءً أصليات أُسرن بشكل غير قانوني خارج إطار “الحرب العادلة”. ورغم أن المحاكم التي كان يسيطر عليها سادة العبيد رفضت معظم هذه الالتماسات، إلا أن الوثائق وشهادات الأنساب التي قُدمت في هذه المحاكمات تقف اليوم كأرشيف مضاد، وشهادة حية على إصرار هؤلاء الأفراد على انتزاع هويتهم وتوثيق انتمائهم الأصلي رغم قسوة النظام الذي حاول ابتلاعهم.

إلى جانب المقاومة في المحاكم، يكشف الكتاب عن ظاهرة “العمل القسري بعقود” (Indentured Servitude) كبديل مقنع للعبودية الصريحة. فمع تزايد الضغوط لإلغاء العبودية في الولايات الشمالية بعد الثورة، لم يحصل السكان الأصليون والأفارقة على حرية حقيقية. بدلاً من ذلك، ابتكرت المجالس التشريعية الشمالية قوانين تجبر الأطفال الأصليين، وخاصة الأيتام أو أبناء العائلات الفقيرة التي جُردت من أراضيها، على العمل كخدم في منازل الأسر البيضاء حتى بلوغهم سن الحادية والعشرين أو الرابعة والعشرين. تحت ستار “التدريب المهني” و”الرعاية المدنية”، كان هؤلاء الأطفال يُنتزعون من أمهاتهم وثقافاتهم، ويُجبرون على نسيان لغاتهم، ويعملون بلا أجر في المزارع والمطابخ البيضاء. يرى فيشر أن هذا النظام لم يكن سوى امتداد للعبودية بأدوات قانونية ألطف ظاهرياً، وأنه كان بمثابة البروفة الأولى لسياسات المدارس الداخلية التي ستجتاح حياة السكان الأصليين في أواخر القرن التاسع عشر.

بهذا  ينجح فيشر في الجزء المخصص للقرن الثامن عشر في انهاء الرواية المريحة التي تدعي أن استعباد السكان الأصليين كان مجرد ظاهرة هامشية تلاشت سريعاً. لقد أثبت بالوثائق والسجلات أن العبودية الأصلية لم تتلاشَ، بل تم ابتلاعها وإعادة تدويرها داخل منظومة العبودية الأفريقية، وداخل أنظمة السخرة والتدريب المهني، وداخل السجلات العرقية المشوهة. إنها حقبة المحو بامتياز، الحقبة التي تم فيها سلب الأفراد أسماءهم وقبائلهم ليُصبحوا أشباحاً في أرشيفات أمة بُنيت على أراضيهم المسروقة وعرقهم المنسي. هذا الفهم العميق لآليات التخفي المؤسسي والإبادة الورقية في القرن الثامن عشر هو ما يهيئنا لاستيعاب الصدمة التالية، وهي كيف عادت هذه الممارسات للظهور بشكل علني وشرس مع توسع حدود الجمهورية الأمريكية نحو الغرب في القرن التاسع عشر، لتستمر دوامة سرقة الأجساد والأرواح تحت مسميات جديدة.

يفتتح فيشر القسم الرابع من كتابه، والذي يحمل عنوان “العودة للظهور أو النهوض الجديد (1820-1880)”، بتسليط الضوء على واحدة من أعمق المفارقات الأخلاقية في التاريخ الأمريكي. ففي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تتجه بخطى حثيثة وتوتر سياسي متصاعد نحو الصدام الأهلي الكبير حول قضية إلغاء العبودية الأفريقية في الجنوب، كانت هناك موجة صامتة وعنيفة من استعباد السكان الأصليين تتصاعد بشكل مروع في الغرب والجنوب الغربي الأمريكي. مع تنامي عقيدة “المصير الجلي” (Manifest Destiny)، والاندفاع المحموم للمستوطنين البيض نحو الأراضي الشاسعة التي انتُزعت من المكسيك في تكساس وكاليفورنيا ونيو مكسيكو، لم يجلب المستوطنون معهم أحلام الثروة فحسب، بل جلبوا أيضاً آلة استعبادية متجددة، اندمجت بسلاسة وانتهازية مع أنظمة السخرة التي خلفها الاستعمار الإسباني.

يأخذنا الكتاب بتفصيل توثيقي مروع إلى ولاية كاليفورنيا إبان “حمى الذهب” التي اندلعت عام 1848، ليكشف كيف تحولت هذه الولاية، التي دخلت الاتحاد رسمياً كولاية “حرة” تمنع العبودية، إلى مسلخ مفتوح وسوق نخاسة متكامل للسكان الأصليين. فمع تدفق مئات الآلاف من الباحثين عن الذهب، أصدرت الهيئة التشريعية في كاليفورنيا تشريعاً شيطانياً عام 1850 عُرف باسم “قانون حكومة وحماية الهنود”. كان هذا القانون في ظاهره وثيقة مدنية، لكنه في جوهره شرعن استعباد السكان الأصليين تحت غطاء “قوانين التشرد”. كان يكفي أن يُتهم أي فرد من السكان الأصليين بأنه متجول بلا عمل ليتم القبض عليه، ومن ثم عرضه في مزاد علني ليدفع أحد المستوطنين كفالته مقابل إجباره على العمل بالسخرة في المزارع أو المناجم لأشهر أو سنوات.

ولم يتوقف الرعب في كاليفورنيا عند استعباد البالغين، بل يوثق فيشر نشوء سوق سوداء مزدهرة لتجارة الأطفال الأصليين تحت ستار “التدريب المهني” (Apprenticeship). شجع القانون الأسر البيضاء على كفالة الأطفال الأصليين لتعليمهم الحرف، مما أدى إلى تشكيل ميليشيات وعصابات منظمة كانت تُغير على قرى القبائل المسالمة في شمال كاليفورنيا، وتقوم بقتل الآباء والأمهات بدم بارد، ثم تختطف الأطفال والفتيات لتبيعهم بأسعار تتراوح بين 50 إلى 250 دولاراً للطفل الواحد ليصبحوا خدماً في منازل الأثرياء الجدد وعمالاً في المزارع. يصف فيشر هذه الحقبة بأنها إبادة جماعية مصحوبة بتجارة بشرية ممنهجة، حدثت تحت سمع وبصر المسؤولين الفيدراليين الذين كانوا في كثير من الأحيان يمتلكون هؤلاء الأطفال المستعبدين في منازلهم.

ومن كاليفورنيا، ينقلنا السرد إلى مسرح آخر من مسارح الاستعباد المتأخر في إقليم نيو مكسيكو والجنوب الغربي. يبرز الكتاب هنا المفارقة الصارخة للحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865)؛ فبينما كانت جيوش الاتحاد تقاتل ببسالة في الشرق لإنهاء عبودية السود، كانت القوات الفيدرالية ذاتها تشن حملات تطهير عرقي واستعباد في الغرب ضد قبائل النافاهو والأباتشي. يستعرض فيشر قصة “مسيرة الموت الطويلة للنافاهو” (The Long Walk)، حيث أجبر الجيش الأمريكي الآلاف من السكان الأصليين على السير لمئات الأميال لوضعهم في معسكر اعتقال “بوسكي ريدوندو”، وهو معسكر صُمم ليكون أقرب إلى معسكرات السخرة والعمل القسري. وفي الوقت ذاته، غضت السلطات الأمريكية الطرف عن استمرار نظام “البيوناج” (Peonage) أو العمل لسداد الدين، وهو النظام الذي ورثته عن المكسيكيين، حيث كان الآلاف من السكان الأصليين يُتداولون كسلع لسداد ديون وهمية متوارثة. وحتى بعد إقرار التعديل الثالث عشر للدستور الأمريكي عام 1865 والذي ألغى العبودية رسمياً، استمر استعباد السكان الأصليين في الغرب، مما تطلب من الكونغرس إصدار “قانون مكافحة السخرة” عام 1867 في محاولة يائسة لوقف هذه الممارسات، ورغم ذلك استمرت بأشكال مبطنة لعقود تالية، مخلفة صدمات متوارثة بين قبائل الجنوب الغربي.

ثم ينتقل فيشر ببراعة تحليلية فائقة إلى القسم الخامس، “التحولات (1880-1978)”، ليطرح السؤال الأصعب والأكثر تعقيداً: ماذا تفعل دولة تأسست على التوسع والهيمنة عندما تنتهي الأراضي المفتوحة وتُغلق الجبهة الغربية ويُهزم السكان الأصليون عسكرياً ويوضعون في المحميات؟ الإجابة، كما يوثقها الكتاب، كانت في تحويل “سرقة الأجساد للعمل” إلى “سرقة العقول والأرواح للمحو الثقافي”، وتحويل “الحرب العسكرية” إلى “حرب نفسية ومؤسسية”. هنا، يفكك الكتاب عصر “المدارس الداخلية الهندية” (Indian Boarding Schools)، وهي المؤسسات التي صممها ضباط جيش سابقون مثل ريتشارد هنري برات، تحت الشعار الفاشي الشهير: “اقتل الهندي، وأنقذ الإنسان”.

يشرح فيشر كيف أن هذه المدارس لم تكن يوماً مراكز تعليمية أو تنويرية، بل كانت امتداداً حديثاً لنظام الاستعباد وتجارة الأطفال الاستعمارية. كان الأطفال يُنتزعون من أحضان عائلاتهم في المحميات قسراً، ويُشحنون في قطارات إلى مسافات بعيدة في الشرق مثل مدرسة كارلايل في بنسلفانيا. هناك، كانت تُقص شعورهم الطويلة التي تحمل دلالات روحية عميقة، ويُجردون من ملابسهم التقليدية، ويُعطون أسماء إنجليزية، ويُعاقبون بالضرب العنيف أو الحبس الانفرادي إذا تفوهوا بكلمة واحدة من لغاتهم الأم. لكن الإضافة الأهم التي يقدمها فيشر في هذا الفصل هي كشفه للبعد الاقتصادي الاستعبادي لهذه المدارس، والمتمثل في “برامج الإعارة أو الخروج” (Outing Programs). فبدلاً من إعادة الأطفال إلى عائلاتهم في عطلات الصيف، كانت إدارة المدارس تقوم بتأجيرهم للعمل كخدم في منازل الأسر البيضاء أو كعمال زراعيين في حقول بنسلفانيا ونيويورك مجاناً أو مقابل أجور زهيدة جداً تُصادرها المدرسة. يرى فيشر في هذا النظام استنساخاً حرفياً لسياسات “التدريب المهني” و”الخدمة التعاقدية” التي سادت في نيو إنجلاند في القرن الثامن عشر، حيث كان الهدف النهائي هو تفكيك الارتباط بالأرض والقبيلة وتحويل الفرد الأصلي إلى ترس مطيع في آلة الاقتصاد الرأسمالي الأبيض.

ومع تقدم القرن العشرين، يوضح الكتاب أن سياسة “سرقة الأقارب” لم تتوقف، بل ارتدت قناعاً جديداً أكثر نعومة وخطورة، تمثل في برامج “التبني والرعاية البديلة” (Foster Care and Adoption). يوثق فيشر كيف استهدفت وكالات الرعاية الاجتماعية الحكومية في منتصف القرن العشرين العائلات الأصلية بشكل مفرط ومتحيز. وبناءً على معايير بيضاء للطبقة الوسطى لا تعترف بأساليب التربية المجتمعية والقبلية، كانت الوكالات تنتزع الأطفال من منازلهم بحجج واهية تتعلق بالفقر المادي، لتعرضهم للتبني في عائلات بيضاء، في محاولة أخيرة لدمجهم قسراً وتذويب هويتهم في بوتقة المجتمع المهيمن. بلغت هذه الممارسة ذروتها المأساوية مع “مشروع التبني الهندي” (Indian Adoption Project) المدعوم فيدرالياً، والذي أدى إلى سلب حوالي ثلث الأطفال الأصليين من مجتمعاتهم في الخمسينيات والستينيات. لم يتوقف هذا النزيف الجماعي إلا مع النضال المرير والمستميت لحركات الحقوق المدنية للسكان الأصليين، والذي أثمر أخيراً عن إقرار “قانون رعاية الطفل الهندي” (ICWA) عام 1978، والذي وضع قيوداً صارمة لحماية العائلات الأصلية وأعاد للقبائل سيادتها القانونية على قضايا حضانة أطفالها، معتبراً أن الحفاظ على النسيج العائلي هو مسألة بقاء قومي.

في الخاتمة المؤثرة للكتاب، يقدم لنا لينفورد دي. فيشر تأملاً فلسفياً وتاريخياً عميقاً تحت عنوان “النسيان والتذكر”. يطرح الكتاب تساؤلاً مرعباً على الضمير الأمريكي: كيف تمكنت أمة بأكملها، تمتلك آلة أكاديمية وإعلامية هائلة، من نسيان ومحو استعباد الملايين من البشر من ذاكرتها الجمعية ومناهجها الدراسية لقرون طويلة؟ يجيب فيشر بأن هذا النسيان لم يكن عفوياً ولا نتاج تقادم الزمن، بل كان عملية نشطة ومستمرة من “فقدان الذاكرة المؤسسي” (Institutional Amnesia). لقد صُممت السردية الأمريكية الرسمية بعناية فائقة لتكون ملحمة خالصة عن الحرية، والديمقراطية، والتوسع الحضاري المجيد. هذه الرواية الاستثنائية لا تتسع لفداحة الفضيحة المتمثلة في صيد البشر، واستعباد أبناء القارة الأصليين، ومحو هوياتهم. إن طمس هذه الحقائق كان ضرورة نفسية وسياسية لتبرئة الضمير الاستيطاني، ولإضفاء شرعية أخلاقية على امتلاك الأراضي الشاسعة التي تُشكل اليوم الولايات المتحدة الأمريكية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى