أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

بحر الإيمان المنحسر

في قلب العصر الحديث، تبرز واحدة من أكثر الألغاز الفكرية والتاريخية تعقيداً وإثارة للاهتمام، ألا وهي مسألة التراجع الحاد للمسيحية في أجزاء واسعة من العالم الغربي. هذا اللغز ليس مجرد تساؤل عابر، بل هو معضلة حقيقية دفعت العديد من المفكرين إلى محاولة سبر أغوارها وفهم دوافعها العميقة. لفترة طويلة، استحوذ هذا التساؤل الديني والاجتماعي على عقول مجموعة من أهم مفكري الحداثة، بدءاً من كارل ماركس وتشارلز داروين، مروراً بأوجيست كونت وسيغموند فرويد، ووصولاً إلى إميل دوركايم وماكس فيبر. ولا يمكن في هذا السياق الجدلي أن نغفل الفيلسوف الألماني الشهير فريدريك نيتشه، الذي صاغ  حكاية “الرجل المجنون” في السوق الذي يتنبأ بموت الإله، وهي الحكاية الرمزية التي لا تزال تشكل النموذج الإرشادي الذي يفهم من خلاله الكثير من المثقفين ظاهرة العلمنة وتراجع الدين حتى يومنا هذا. من هذا المنطلق التاريخي والفلسفي المعقد، تنطلق الكاتبة ماري إيبرستادت في كتابها “كيف فقد الغرب الله حقا How the West Really Lost God: A New Theory of Secularization: نظرية جديدة للعلمنة” لتقدم قراءة مغايرة تماماً للسردية التقليدية التي طالما اعتبرناها من المسلمات لفهم مسار المجتمعات الغربية.

إن السردية التقليدية تخبرنا بأن “بحر الإيمان”، كما أسماه الشاعر الفيكتوري ماثيو أرنولد في وصفه الخالد لمسيحية الأمس، قد انحسر وتراجع بعيداً عن مستوياته العالية التي كان يبلغها في الماضي. ففي حقبة تاريخية مضت، كانت الغالبية العظمى من الناس الذين يعيشون في كنف ما يمكن تسميته بالحضارة الغربية يؤمنون بمجموعة من الثوابت الراسخة: الله خلق العالم، ولديه خطة للبشرية، ويعد بالحياة الأبدية لمن يتبعون كلمته، وغيرها من العقائد الثابتة التي ورثتها التقاليد اليهودية-المسيحية للعالم. أما اليوم، وخاصة في أوروبا الغربية ولكن ليس حصراً فيها، لم تعد هناك أغلبية عظمى تؤمن بكل هذه التفاصيل الدينية بل تخلت عنها بشكل صريح. إن الأدلة المستمدة من الحواس، والمدعومة ببيانات استقصائية واسعة النطاق، تشير بوضوح إلى أن الإيمان والممارسة الدينية في تراجع مستمر بين السكان المسيحيين في كل دولة أوروبية تقريباً، فضلاً عن ارتفاع نسبة الأشخاص الذين لا ينتمون لأي دين في الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً بمرور العقود. لقد أصبحت القصص والموسيقى والطقوس الدينية التي صُقلت على مدى آلاف السنين، والتي درسها أجيال من المؤمنين المتعلمين والأميين على حد سواء، مجرد قطع أثرية بعيدة بالنسبة للعديد من الغربيين المعاصرين، تشبه في بعدها التاريخي لوحات الكهوف في مدينة لاسكو، وتمتلك أهمية جمالية وتاريخية دون شك، لكنها لا تؤثر على حياتهم اليومية أو قراراتهم أكثر مما يفعل فن العصر الحجري القديم.

تتسآئل ما الذي حدث بالضبط عبر الزمن؟ وكيف تحولت حضارة كانت تخشى الله وتجله في الماضي القريب إلى حضارة يسود فيها التشكيك، بل والسخرية القاسية أحياناً، بمجرد التلميح إلى إمكانية وجود هذا الإله في الأوساط الثقافية المرموقة؟. هل كان لعصر التنوير والعقلانية والتفكير العلمي الدور الأكبر في هذا التحول الجذري كما يروج الكثيرون؟. وما هو حجم التأثير الذي لعبته عوامل تاريخية أخرى مثل التكنولوجيا، والحروب العالمية، والسياسة، والفضائح الكنسية المدوية، وتغير الوضع الاجتماعي للمرأة، وغيرها من العوامل التي أعادت تشكيل حضارتنا المشتركة وصياغتها من جديد؟. ترى إيبرستادت  أن كل باحث انغمس في هذا اللغز  قد وضع يده على جزء من الحقيقة، فالتوسع الحضري، والتصنيع، والتطور التكنولوجي، وانكماش عدد السكان، هي بالفعل عوامل ترتبط إحصائياً وواقعياً بتراجع هيمنة الدين. ومع ذلك، ورغم أخذ كل هذه التفسيرات المهمة في الاعتبار، تظل الصورة التحليلية غير مكتملة، كما لو أن العقل الحديث قد قام بجمع كل قطع اللغز المختلفة ووضعها على الطاولة، ولكنه دمجها بطريقة تبدو مكتملة من بعيد فحسب، بينما تترك في الواقع عنصراً حاسماً وجوهرياً مفقوداً في العمق.

هنا يأتي دور هذا الكتاب، حيث يسعى إلى توفير تلك القطعة المفقودة من اللغز، من خلال نقل “الأسرة البشرية” من هامش النقاش السوسيولوجي إلى مركزه ووضعه تحت المجهر. الغرض الأساسي للكاتبة هو تقديم تفسير بديل ومبتكر لما رآه رجل نيتشه المجنون حقاً في ما أسماه “مقابر” أوروبا، والتي عنى بها الكنائس والكاتدرائيات الكبرى. تتلخص حجة إيبرستادت المركزية في أن السجل التاريخي والاجتماعي للغرب يشير إلى أن تراجع الأسرة ليس مجرد نتيجة سلبية لتراجع الدين، كما فهمت طريقة التفكير التقليدية هذه العلاقة لسنوات طويلة واعتبرتها من البديهيات. بل إن الأمر الأكثر قبولاً، والذي تسعى لإثبات صحته بالقرائن، هو أن تراجع الأسرة بحد ذاته يشكل قوة دافعة ومحركة لتراجع الدين في نفس الوقت وتساعد في انهياره. وإذا كانت هذه الطريقة الجديدة في تعزيز التفسير التقليدي لانهيار الإيمان المسيحي في أوروبا صحيحة، فإن ذلك سيؤدي بنا إلى استنتاجات جذرية ونتائج عميقة تغير نظرتنا إلى الحاضر والمستقبل المؤسسي للغرب.

لفهم لهذه النظرية ، تدعونا إيبرستادت إلى التراجع خطوة إلى الوراء لوضع هاتين القطعتين الأساسيتين من اللغز جنباً إلى جنب: تراجع المسيحية في أجزاء من الغرب المتقدم من جهة، وتراجع الأسرة الطبيعية، أي الأسرة المبنية على روابط بيولوجية غير قابلة للاختزال، من جهة أخرى في نفس المجتمعات. إن التردي الدراماتيكي للإيمان والممارسة المسيحية، ولا سيما في أوروبا الغربية، بات أمراً مألوفاً وملاحظاً بكثرة، لدرجة أنه أصبح من الممارسات الفكرية الشائعة الإشارة إلى أجزاء من القارة العجوز بوصفها تعيش فعلياً حقبة “ما بعد المسيحية”. وبحسب بيانات مسح القيم الأوروبية، فإن الناس في جميع أنحاء أوروبا يذهبون إلى الكنيسة بمعدلات أقل، ويؤمنون بالعقيدة المسيحية بدرجة أقل، بل ويؤمنون بوجود الله نفسه بنسبة أقل مما كانوا عليه قبل ثمانية عشر عاماً فقط. وإلى جانب كونها تعيش مرحلة “ما بعد المسيحية”، تظهر بعض أجزاء هذا المشهد أيضاً معاداة واضحة للمسيحية، وهو ما يتجلى في قائمة متزايدة من الأحداث العامة التي تشوهها احتجاجات إلحادية أو علمانية عدوانية متصاعدة. وقد استخدم بعض المراقبين المطلعين مصطلح “رهاب المسيح” لوصف الشراسة والحدة التي تخلى بها بعض الأوروبيين، بما في ذلك شخصيات عامة وسياسية رفيعة المستوى، عن تأثير المسيحية على الحاضر والماضي الغربي العريق.

لقد كان لهذا التحول الديني العميق في المعقل السابق للعالم المسيحي عواقب وخيمة وجذرية على الطريقة التي يعيش بها معظم الناس في تلك البلدان اليوم ويتفاعلون مع مجتمعهم. فبالنسبة لأوروبا الغربية، أدى تراجع الإيمان الديني إلى تحول في كل جانب تقريباً من جوانب الحياة الإنسانية من المهد إلى اللحد: السياسة، القوانين، الزواج أو غيابه، الفنون، التعليم، الموسيقى، الثقافة الشعبية، وغيرها من الأنشطة التي كانت الكنيسة في يوم من الأيام تؤثر عليها بل وتهيمن عليها، والتي لم تعد كذلك اليوم بتاتاً. في بعض البلدان المتقدمة، القوانين التي كانت تميز لصالح المسيحيين وتحمي حقوقهم أصبحت الآن تميز ضدهم بشكل نشط ومعلن. وهناك عدد متزايد من الأفراد الغربيين الذين يستقبلون محطات حياتهم الكبرى دون أي إطار ديني على الإطلاق يوجههم أو يمنحهم معنى روحياً. يولدون دون أن يتم تعميدهم في الكنائس، وينجبون الأطفال دون الانخراط في مؤسسة الزواج، ويعقدون زيجات مدنية علمانية بدلاً من الزيجات الدينية التقليدية. نادراً ما يعبرون أبواب الكنائس، وعندما يموتون، تُحرق أجسادهم وتُنثر في الرياح، بدلاً من أن يُصلى عليها وتُدفن كاملة في الأرض كما كانت تمليه الطقوس والعقائد المسيحية لقرون طويلة كعلامة للاحترام.

على الجانب الآخر من المشهد الاجتماعي، يتكشف لنا تراجع الأسرة الطبيعية، وهو تراجع  أعاد تشكيل العالم المألوف لكل رجل وامرأة وطفل يعيش في العالم الغربي اليوم من جذوره. لسنوات طويلة، انخرط علماء الاجتماع العلمانيون في نقاشات أكاديمية مطولة حول معنى التغييرات التي قللت من القبضة التي كانت الأسرة الطبيعية تفرضها على حياة الفرد قديماً. الطلاق المتزايد، والأبوة أو الأمومة المنفردة، والاستخدام الواسع لوسائل منع الحمل، والإجهاض القانوني، والانخفاض الحاد في معدل المواليد الغربي؛ كل هذه مجرد أمثلة فجة على التحولات الهائلة في بنية الأسرة التي يسلط الخبراء الضوء عليها بشكل دوري. وسواء اتفق الخبراء أو غير الخبراء على كون هذه التغييرات الاجتماعية إيجابية أم سلبية، لا أحد يستطيع أن ينكر بجدية أن تغييراً جذرياً وعميقاً في شكل الأسرة قد اجتاح العالم الغربي بأكمله. تشير بيانات “يوروستات”  إلى أن معدل المواليد انخفض بشكل حاد بين عامي 1960 و2010 في كل دولة أوروبية تقريباً، منخفضاً إلى ما دون مستوى الإحلال بكثير في العديد من الدول الأعضاء. ولا يحتاج المرء لأن يكون خبيراً إحصائياً ليدرك الاتجاه العام لهذا التغيير الديموغرافي المتعلق بالأطفال؛ فالمواليد قد انخفضت بشكل دراماتيكي يهدد التركيبة السكانية. وإلى جانب ذلك الانحدار، ارتفعت معدلات الطلاق والولادات خارج إطار الزواج بشكل ملحوظ ومتصاعد خلال نفس السنوات التي كان ينخفض فيها معدل المواليد. إن هذه الاتجاهات الديموغرافية، بكل بساطة وتجرد، أعادت تشكيل أسر اليوم والغد، ودفعت بالأسرة كمؤسسة اجتماعية إلى فقدان الكثير من قوتها وتأثيرها على أفرادها مقارنة بما كانت عليه في الماضي القريب.

من خلال تتبع هذا التزامن  بين التراجع الديني والتراجع الأسري، تطرح الكاتبة تساؤلها المركزي والمحوري في أطروحتها: ما هي العلاقة الفعلية بين هذين الاتجاهين؟. هل هي مجرد علاقة سبب ونتيجة في اتجاه واحد كما يوحي علم الاجتماع العلماني الكلاسيكي، أم أن هناك ديناميكية أكثر تعقيداً وتشابكاً؟. تقترح إيبرستادت لحل هذه المعضلة ما تسميه “عامل الأسرة”، وهي فكرة جديدة تماماً تشير إلى أن العلاقة السببية بين الأسرة والدين، وتحديداً المسيحية، ليست طريقاً في اتجاه واحد فحسب، بل هي طريق تاريخي واجتماعي ذو اتجاهين متوازيين. بعبارة أخرى، تكوين الأسرة في هذا السياق ليس مجرد نتيجة للمعتقد الديني القوي، بل يمكن أن يكون عاملاً مسبباً ومحفزاً بحد ذاته، يؤثر بشكل فعال ومباشر على قوة المعتقد والممارسة الدينية للفرد. ترى الكاتبة أن عملية العلمنة لم تُفهم بشكل صحيح أو كامل لأن المنظرين أهملوا أخذ هذا العامل في الاعتبار، متجاهلين التأثير النشط الذي تلعبه المشاركة والانخراط في الأسرة نفسها على استمرارية الإيمان. وللتعبير عن هذه الرؤية المتشابكة بشكل مجازي ، تستعير إيبرستادت من العالِمين جيمس واتسون وفرنسيس كريك، مكتشفا بنية الحمض النووي، صورة اللولب المزدوج. فالأسرة والإيمان يمثلان في نظرها اللولب المزدوج غير المرئي للمجتمع الغربي، وهما حلزونان يستطيعان التكاثر والنمو بفعالية وحيوية عند ارتباطهما الوثيق ببعضهما البعض، وتعتمد قوتهما وزخمهما على بعضهما البعض بشكل متبادل وحتمي.

ومع ذلك، وقبل أن تشرع الكاتبة في تقديم أدلتها  على هذه النظرية ، تجد نفسها ملزمة  بمواجهة طروحات الأقلية المعارضة، أو ما يمكن تسميته بمدرسة “وماذا في ذلك؟” لنظرية العلمنة المنتشرة. هذه المجموعة من المفكرين والمنظرين تجادل بشكل جذري بأن مفهوم “التراجع الديني” هو في حد ذاته وهم ناتج عن الفشل التحليلي في قراءة الأدلة التاريخية والاجتماعية بطريقة عميقة أو دقيقة بما فيه الكفاية. وفقاً لهؤلاء المعارضين والنقاد، فإن فكرة أن الغرب أصبح أقل مسيحية اليوم مما كان عليه في الماضي قد تكون واسعة الانتشار إعلامياً وثقافياً، لكنها مع ذلك تعتمد على قراءة سطحية وخاطئة للحقائق الميدانية. يستند هؤلاء المعارضون في حججهم المضادة إلى عدة نقاط، أبرزها الحيوية التي لا يزال يتمتع بها الدين في أجزاء أخرى من العالم، أو حتى الحركات الإحيائية داخل الغرب نفسه، كما تجلى بوضوح في الدور الديني الذي ساهم في إسقاط الشيوعية وحلف وارسو في أواخر الثمانينيات. يشير بيتر بيرغر، عالم الاجتماع البارز في هذا الصدد، في ملاحظته الشهيرة عام 1990 إلى أن الافتراض بأننا نعيش في عالم علماني بالكامل هو افتراض خاطئ جوهرياً، لأن العالم لا يزال متديناً بشدة وبشكل غاضب كما كان دائماً عبر التاريخ. كما يستدلون بتنامي وتيرة انتشار المسيحية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية كدليل قوي على أن الدين لم يفقد بريقه أو جاذبيته العالمية. ورغم وجاهة هذه الملاحظات العالمية وصحتها، إلا أن إيبرستادت ترد بثقة بأن التدين النسبي لبقية العالم لا يجيب على السؤال التاريخي المطروح أمامنا: لماذا وكيف تراجعت المسيحية في أجزاء مهمة ومؤثرة من الغرب حصراً؟. إن ازدهار الإسلام في القارة الأوروبية أو نمو المسيحية في إفريقيا لا يخبرنا شيئاً عن سبب انهيار المسيحية في معاقلها الغربية التاريخية وانزواء دور الكنيسة هناك.

حجة أخرى يسوقها منتقدو نظرية العلمنة بشراسة تتمثل في نفي وجود ما يسمى تاريخياً بـ “العصر الذهبي للإيمان” في المقام الأول لكي ننحدر منه. يجادل باحثون بارزون مثل أوين تشادويك وردني ستارك بأن الافتراض النمطي بأن أسلافنا في العصور الوسطى كانوا أكثر تقوى وإيماناً بصدق هو مجرد حنين زائف للماضي أو قصة خيالية يرويها العقل الحديث. ويستشهدون ببيانات تاريخية تشير إلى معدلات عالية للولادات غير الشرعية في مدن مثل تولوز بفرنسا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر كدليل عملي على أن الممارسة الدينية لم تكن تتحكم بشكل صارم ونافذ في سلوكيات الأفراد الغريزية حتى في تلك العصور التي نعتبرها أوج فترات التدين. كما يشيرون كذلك إلى قلة ارتياد الكنائس بانتظام وتدني مستوى المعرفة الدينية واللاهوتية لدى الكثير من العوام، بل وحتى بين صفوف رجال الدين في العصور الوسطى الأوروبية. ورغم أن هذا يضفي تعقيداً على فكرة الانحدار المباشر والسريع من قمة التقوى المطلقة، فإن إيبرستادت، مستندة إلى باحثين  مثل ستيف بروس وإيمون دافي، تؤكد أن نظرية العلمنة لا تتطلب أساساً وجود “عصر ذهبي” مثالي وخالٍ من الخطايا، بل تتطلب ببساطة وواقعية أن يكون أسلافنا، بشكل واضح وملموس، أكثر تديناً وارتباطاً بالمؤسسة الدينية مما نحن عليه اليوم. إن تغلغل الطقوس والمفاهيم الدينية في كل مفاصل الحياة قديماً، بدءاً من الفن والموسيقى، وصولاً إلى التقويم السنوي وقوانين الزواج والوفاة، يثبت بلا شك أن المجتمع الغربي كان خاضعاً لهيمنة الثقافة المسيحية بشكل يفوق بكثير ما نراه في الوقت الحاضر العلماني.

للرد على هذه التشكيكات، تستعرض الكاتبة جملة من المعطيات الإحصائية الموثقة التي تؤكد واقعية ظاهرة العلمنة وانحسار التأثير المسيحي في المجتمعات الغربية المعاصرة. البيانات الشاملة المستقاة من استطلاعات مثل البرنامج الدولي للمسح الاجتماعي تظهر بشكل لا لبس فيه انخفاضاً مستمراً في حضور الكنيسة في الغرب خلال القرن العشرين، مع تسجيل تسارع ملحوظ وصادم لهذا الانخفاض بعد فترة الستينيات من القرن الماضي. وحتى في الولايات المتحدة، التي طالما اُعتبرت استثناءً متديناً ونابضاً بالحياة مقارنة بأوروبا العلمانية، تشير الأدلة المتزايدة والبحوث المستقلة إلى تراجع مستوى الالتزام الديني بشكل تدريجي، لا سيما بين الأجيال الشابة مثل “الجيل إكس” وجيل الألفية الصاعد. علاوة على ذلك، فإن الانخفاض  في الالتزام بالقواعد الأخلاقية والاجتماعية التي طالما فرضتها الكنيسة، كالموقف الصارم من العلاقات خارج إطار الزواج، والطلاق، وغيرها من السلوكيات التي كانت تعد “خطايا” جسيمة وأصبحت الآن مقبولة ومحمية قانونياً واجتماعياً، يمثل أوضح تجلٍ لانحسار سلطة الدين وتراجع هيبته في تشكيل الوعي الجمعي. يلخص المؤرخ كالوم جي. براون هذا التحول الجذري بالقول إن من أبرز مؤشرات العلمنة هو قبول المجتمع لخطايا الماضي المسيحي كأخلاقيات مقبولة ومنتشرة اليوم بين شرائح واسعة. فإذا لم يكن هذا التغيير العميق هو المعنى الدقيق لاستبدال الثقافة المسيحية بأخرى علمانية، فماذا عسانا أن نسميه في قاموس علم الاجتماع؟.

 تتوقف الكاتبة  في هذا  أمام حجة شائعة أخرى يتبناها الرافضون لفكرة تراجع الدين في الغرب، وهي الحجة الفلسفية القائلة بأن الطبيعة البشرية بحد ذاتها تبحث دائماً عن المتعالي والإلهي، ولذلك لا يمكن للدين أن يموت أو يختفي من الوجود البشري. ومع اعتراف الكاتبة بوجاهة هذه الفكرة الجذابة، التي روج لها علماء اجتماع مثل إميل دوركايم وعلماء نفس تطوريون يرون في التدين سمة فطرية أو لغزاً علمياً متأصلاً في تركيبة البشر، إلا أنها تؤكد بقوة أن هذه الحجة تفشل تماماً في تفسير الواقع الحالي للمجتمعات العلمانية بامتياز. وتضرب مثالاً بالدول الاسكندنافية، حيث يعيش الملايين من المواطنين دون أي حاجة ملموسة للإله ضمن إطار حياتهم اليومية والمجتمعية، وهم يسجلون بوضوح أدنى معدلات الإيمان بجهنم وحضور الكنيسة في العالم بأسره، مما يطرح تساؤلات جدية حول حتمية “فطرية” الدين. بل إن قادة الكنائس الكبرى أنفسهم، بدءاً من البابا بنديكتوس السادس عشر وصولاً إلى رئيس أساقفة كانتربري السابق روان ويليامز، يعترفون جهاراً وبقلق بالغ بأزمة “نزع المسيحية عن أوروبا”، ويعتبرونها ظاهرة بالغة الأهمية والخطورة تستدعي إطلاق مجالس وبابويات خاصة لمحاربة العلمنة وإعادة التبشير. إن صرخة نيتشه حول تراجع الإيمان حقيقية وملموسة، لكن فهمنا لمحركاتها العميقة ظل منقوصاً لعقود طويلة. 

استقرت في الوعي الجمعي الأكاديمي والشعبي على حد سواء فكرة راسخة تبدو وكأنها من المسلمات والبديهيات غير القابلة للدحض، تفيد بأن المعتقد الديني القوي هو الذي يؤسس لأسرة متماسكة. بعبارة أخرى، كان يُنظر إلى الدين دائماً على أنه المتغير المستقل، في حين أن الأسرة، بصلابتها واستقرارها وتكاثرها، هي المتغير التابع الذي ينتج عن هذا الإيمان وتلك الممارسات. فالمؤمنون الصادقون، بحسب هذا التصور الكلاسيكي، يميلون بطبيعتهم، وانصياعاً لأوامر الرب وتعاليم الكنيسة، إلى الزواج المبكر، وإنجاب عدد أكبر من الأطفال، والبقاء معاً في مواجهة عواصف الحياة وأزماتها لتجنب خطيئة الطلاق وتفكك الروابط المقدسة. ولكن ما تفعله الكاتبة هنا هو قلب هذه المعادلة المألوفة رأساً على عقب بجرأة منقطعة النظير، لتطرح تساؤلاً زلزالياً يهز أركان علم الاجتماع الديني التقليدي: ماذا لو كانت العملية تسير في الاتجاه المعاكس تماماً؟ ماذا لو كان الانخراط الفعلي في الحياة الأسرية، وتحمل مسؤوليات الزواج الثقيلة، ومكابدة مشاق الإنجاب والتربية، هي العوامل الحقيقية والواقعية التي تدفع الأفراد نحو الإيمان وتوثق ارتباطهم بالمؤسسات الدينية في المقام الأول؟ إن هذا الانعكاس في سهم السببية ليس مجرد تلاعب بالكلمات أو محاولة للفت الانتباه الأكاديمي وصنع جدل سطحي، بل هو إعادة لطريقة فهمنا لانهيار المنظومة الدينية في الغرب برمته. فإذا كانت الأسرة هي المولد الأساسي للإيمان والمحفز الأكبر له، فإن أي تصدع في جدران المؤسسة الأسرية سيؤدي حتماً وبالضرورة إلى تصدع موازٍ ومدمر في جدران الكنائس والمعابد.

لتأكيد هذه النظرية ، لا تعتمد إيبرستادت على التنظير الفلسفي المجرد فحسب، بل تجلب  البيانات الإحصائية والديموغرافية التي ترسم صورة  لواقع المجتمعات الغربية المعاصرة. تشير الدراسات الاستقصائية ، واحدة تلو الأخرى وفي بلدان متعددة ذات سياقات ثقافية واقتصادية متباينة، إلى حقيقة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها بأي حال من الأحوال: هناك ارتباط وثيق وعضوي بين الحالة الاجتماعية للأفراد ومستوى تدينهم العملي والاعتقادي. فالأشخاص المتزوجون الذين لديهم أطفال هم الفئة الأكثر احتمالية، وبفارق شاسع عن غيرهم، لارتياد الكنائس بانتظام، والانتظام في الصلاة اليومية، والمساهمة في التبرعات الخيرية للمؤسسات الدينية، والاعتراف الصريح بوجود إله يتدخل في شؤون البشر ويرعى حياتهم. في المقابل، تظهر البيانات بوضوح أن الرجال العزاب، والنساء غير المتزوجات، والأزواج الذين اختاروا طواعية إقصاء فكرة الإنجاب من خططهم المستقبلية، هم الأقل ارتباطاً بالدين والأكثر ميلاً نحو تبني رؤى علمانية بحتة أو إلحادية للكون. هذا الانقسام الديموغرافي الحاد لا يعترف بالحدود الجغرافية أو السياسية؛ فهو موجود في الولايات المتحدة الأمريكية بنفس الوضوح الصارخ الذي يظهر به في بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا أو الدول الاسكندنافية. إن الكنائس اليوم في العالم الغربي لا تمتلئ بالأفراد المنعزلين الذين يبحثون عن الخلاص الفردي بقدر ما تمتلئ، في الأغلب الأعم، بالعائلات التي تبحث عن إطار روحي وأخلاقي متين يجمعها ويحمي أبناءها. ومن هنا، تستنتج الكاتبة بخطوات منطقية متسلسلة أنه كلما تقلص حجم الأسرة الغربية، وتأخر سن الزواج أو أُلغي تماماً لصالح ترتيبات أخرى، وارتفعت معدلات العيش المشترك دون زواج رسمي ملزم، تقلصت بالتبعية القاعدة الديموغرافية الحيوية التي تتغذى عليها المؤسسات الدينية وتنمو وتستمر من خلالها عبر الأجيال.

ولكن كيف نفسر هذه الظاهرة الإحصائية الصماء من منظور سيكولوجي ووجودي حي؟ لماذا يدفع الإنجاب وتكوين الأسرة تحديداً الإنسان نحو التماس المعنى في السماء والبحث عن الإلهيات؟ تقدم الكاتبة تحليلاً نفسياً واجتماعياً  لهذه النقطة المفصلية التي تشكل جوهر نظريتها. إن قدوم طفل جديد إلى هذا العالم ليس مجرد حدث بيولوجي روتيني أو مجرد رقم إضافي في السجلات المدنية، بل هو في جوهره زلزال وجودي يعيد ترتيب أولويات الإنسان ورؤيته للكون من حوله بشكل جذري. فعندما يحمل الآباء والأمهات أطفالهم حديثي الولادة بين أيديهم للمرة الأولى، غالباً ما يتولد لديهم شعور طاغٍ بالرهبة والدهشة أمام ما يبدو وكأنه “معجزة” الخلق التي تتجاوز التفسيرات المادية الجافة للبيولوجيا والتطور. هذا الشعور الفطري بالتعالي، والذي ينبثق من صميم التجربة الإنسانية المباشرة والحميمة، يفتح نافذة روحية وميتافيزيقية واسعة في نفوس كانت ربما مغلقة تماماً أمام أي فكرة دينية طوال حياتها السابقة. علاوة على ذلك، فإن الهشاشة المطلقة للطفل الرضيع، واعتماده الكلي على والديه في كل صغيرة وكبيرة لضمان بقائه، يوقظ في نفوس الآباء إدراكاً عميقاً ومؤلماً بمدى هشاشتتهم هم أنفسهم أمام تقلبات الحياة ومخاطر العيش غير المتوقعة. هذا الخوف الغريزي والمروع أحياناً على النسل يدفع الآباء والأمهات نحو البحث عن قوى حامية تتجاوز قدراتهم البشرية المحدودة، قوة إلهية قادرة على حفظ هذا الكائن الضعيف في عالم مليء بالمخاطر غير المرئية والأمراض والكوارث. يترافق ذلك تدريجياً مع حاجة ملحة تتشكل مع نمو الطفل لغرس قيم أخلاقية صلبة ومعايير سلوكية واضحة في نفسه لحمايته من الانحراف والضياع في مجتمع معقد. وهنا يجد الآباء أنفسهم مدفوعين للعودة إلى الكنيسة أو المؤسسة الدينية التي ربما هجروها في شبابهم، ليس بالضرورة عن إيمان لاهوتي عميق ومسبق، بل باعتبارها المؤسسة الأكثر موثوقية وعراقة تاريخياً في توفير هذا الإطار الأخلاقي والتربوي الصارم والداعم الذي يحتاجونه بشدة لمساعدتهم في مهمة التربية المعقدة.

وتنتقل إيبرستادت لتبلور بعداً لاهوتياً ولغوياً  في هذه العلاقة المتبادلة، وهو البعد المتعلق بكيفية فهمنا لله وللدين نفسه في وعينا المعاصر. إن الديانات الإبراهيمية الكبرى بشكل عام، والمسيحية بشكل خاص ومركزي، تتحدث وتتواصل مع المؤمنين عبر شبكة معقدة وكثيفة من الاستعارات والمفردات والرموز المستمدة حصرياً وبشكل جذري من قاموس الأسرة الطبيعية الممتدة. فالله هو “الآب” المحب والحازم في آن واحد، والكنيسة هي “الأم” العطوفة التي ترعى أبناءها الروحيين، والمؤمنون هم “أبناء الله” و”إخوة وأخوات” متضامنون في الإيمان، بل إن فكرة التثليث نفسها في اللاهوت المسيحي، وقصة العائلة المقدسة المكونة من مريم ويوسف والطفل يسوع، تتمحور بأكملها حول النموذج الأسري وتستمد منه حيويتها. تجادل الكاتبة بقوة مقنعة استثنائية أنه عندما تتفكك الأسرة الطبيعية في الواقع المادي الملموس الذي يعيشه الناس، عندما يصبح الأب شخصاً غائباً كلياً عن المشهد أو مهمشاً أو غير موثوق به عاطفياً ومادياً، وعندما تصبح الأمومة عبئاً يتهرب منه الكثيرون وتُفرغ من محتواها المقدس، وعندما ينشأ الأطفال وحيدين في شقق ضيقة دون إخوة يعلمونهم المعنى الحقيقي للمشاركة والتضحية والتعاون، فإن اللغة اللاهوتية بأكملها تفقد ركيزتها التشبيهية، وتفرغ من معناها، وتصبح بالتالي غير مفهومة بل وشديدة الغرابة والتنافر بالنسبة للأجيال الجديدة. كيف يمكن لشاب أو شابة لم يختبر قط في حياته الواقعية معنى الأبوة الحانية أو لم يشهد استقراراً أسرياً يوماً أن يفهم، ناهيك عن أن يتفاعل عاطفياً وروحياً، مع المفهوم اللاهوتي العميق لـ “الله الآب”؟ إن تدمير البنية الأسرية في المجتمع يمثل في واقع الأمر، وبشكل تدريجي وخفي، تدميراً ممنهجاً للبنية التحتية اللغوية والمفاهيمية التي يعتمد عليها الدين لنقل رسالته، مما يجعل التعاليم المسيحية تبدو في النهاية وكأنها شفرة غامضة تنتمي لعالم بائد ولغة ميتة لم تعد تمت لواقع الناس العاطفي واليومي بأي صلة حقيقية.

ولتأسيس هذه النظرية المتكاملة على أرضية تاريخية، تأخذنا الكاتبة في رحلة  عبر الزمن لتتبع كيف أن التصدعات الكبرى في بنية الأسرة كانت تسبق دائماً أو تتزامن بدقة متناهية مع التراجعات الكبرى في معدلات التدين. تبدأ هذه الرحلة مع بزوغ فجر الثورة الصناعية، ذلك التحول الاقتصادي والتكنولوجي الهائل الذي زلزل أسس المجتمعات الغربية الزراعية المستقرة. قبل عصر الثورة الصناعية، كانت الأسرة هي الوحدة الاقتصادية الأساسية والمركزية؛ كان الأب والأم والأبناء يعملون جنباً إلى جنب في الحقل الشاسع أو في الورشة المنزلية الصغيرة، مما عزز من الترابط الأسري ومن سلطة الأب كمركز للأسرة وموجه لها. ولكن مع ظهور المصانع الكبرى في المدن المزدحمة وتغير نمط الإنتاج، تم انتزاع الأب من بيئته الأسرية الدافئة ليقضي معظم ساعات يومه بعيداً عن زوجته وأطفاله، محولاً إياه إلى مجرد ترس في آلة رأسمالية ضخمة لا ترحم. هذا الانفصال المادي والزماني القاسي أدى إلى إضعاف الروابط الأسرية بشكل تدريجي ومستمر، وهمّش دور الأب كقائد روحي وأخلاقي للأسرة، وهو ما انعكس بشكل مباشر وفوري على تراجع سلطة ما يمكن تسميته بـ “الدين الأبوي” وتراخي قبضة الكنيسة على الطبقات العاملة الكادحة، التي وجدت نفسها ممزقة ومنهكة في أتون المدن الصناعية الكئيبة والمكتظة التي تفتقر بشدة إلى الدفء الأسري والروحي الذي كانت توفره القرى الصغيرة والكنائس الريفية.

وتستمر هذه الديناميكية التاريخية المعقدة في التطور والتبلور وصولاً إلى العصر الحديث، حيث تبرز ظاهرة صعود “دولة الرفاهية” الحديثة كعامل حاسم ومفصلي في تسريع وتيرة العلمنة من خلال إضعافها المنهجي، وإن كان غير مقصود بالضرورة، لدور الأسرة التقليدية. تاريخياً، كانت الأسرة الممتدة الكبيرة، وبدعم ومساندة حيوية من الكنيسة والمؤسسات الخيرية التابعة لها، هي شبكة الأمان الاجتماعي الوحيدة والملجأ الأخير المتاح للأفراد في أوقات المرض العضال، أو الشيخوخة الضعيفة، أو البطالة المفاجئة، أو الكوارث الطبيعية. كان الناس بحاجة ماسة ومادية لبعضهم البعض وللروابط العائلية الدموية من أجل البقاء على قيد الحياة بكل بساطة. ولكن مع توسع تدخل الدولة في منتصف القرن العشرين وتكفلها الشامل بتوفير الرعاية الصحية المجانية، ومعاشات التقاعد المضمونة، وتعويضات البطالة، ومؤسسات رعاية المسنين والأطفال، تلاشت تدريجياً الحاجة المادية الملحة لوجود الأسرة الكبيرة المترابطة التي يتكئ أفرادها على بعضهم. هذا الاستقلال المادي والاقتصادي الذي وفرته الدولة للأفراد أدى إلى تعزيز النزعة الفردية الراديكالية المتطرفة، وجعل الناس يشعرون بأنهم لم يعودوا بحاجة ماسة لا إلى الأسرة لدعمهم وقت الأزمات، ولا إلى الكنيسة لمواساتهم وإعانتهم في الشدائد. لقد حلت البيروقراطية الحكومية الباردة والفعالة محل الدفء الأسري والروحي القديم، ومعه فقد الدين إحدى أهم وأعظم وظائفه الاجتماعية العملية التي كانت تربط الناس به وببعضهم البعض بشدة لعصور طويلة.

غير أن الضربة القاضية والأكثر تدميراً وتأثيراً في هذا المسار التاريخي الانحداري للأسرة الغربية، وفقاً للتحليل، جاءت مع ما يُعرف بـ “الثورة الجنسية” العارمة في الستينيات من القرن العشرين. لقد شكلت هذه الحقبة الصاخبة نقطة انعطاف حضارية لا رجعة فيها، حيث اجتمعت عوامل تكنولوجية مستحدثة، مثل اختراع وتعميم حبوب منع الحمل، مع تغييرات تشريعية ليبرالية سهّلت الحصول على الطلاق السريع دون إبداء أسباب، وإجازة الإجهاض قانونياً، لتنتج ثقافة جديدة تماماً ومغايرة تفصل بشكل قاطع وحاسم بين ممارسة الجنس وهدف الإنجاب، وبين مفهوم الزواج وضرورة الاستقرار الأسري. أدى هذا الانفجار الثقافي والاجتماعي المزلزل إلى ارتفاع صاروخي ومخيف في معدلات الطلاق، وتفكك ملايين الأسر، وزيادة غير مسبوقة في أعداد الأطفال الذين يولدون خارج إطار الزواج الشرعي وينشأون في أسر هشة ذات عائل واحد، غالباً ما يكون الأم فقط. وما تؤكد عليه الكاتبة وتبرهنه ببيانات تاريخية وديموغرافية لا تقبل الجدل، هو أن هذا الانهيار العظيم والمفاجئ في بنية الأسرة الطبيعية ترافق في نفس اللحظة التاريخية، وبنفس درجة الانحدار الحاد والعمودي، مع انهيار مماثل ومدمر في معدلات ارتياد الكنائس والإيمان بالعقائد المسيحية الأساسية. عندما وجدت شرائح واسعة ومتنامية من المجتمع الغربي نفسها تعيش أنماط حياة يومية وعلاقات تتناقض جذرياً وتصطدم مع التعاليم الأخلاقية التقليدية الصارمة للكنيسة بشأن العفة والزواج الأبدي ورباطة العائلة، كان الخيار الأسهل والأكثر راحة نفسية وعقلية لمعظم هؤلاء هو التخلي عن الكنيسة كلياً ورفض الدين ومؤسساته من أساسه، بدلاً من العيش في حالة من النفاق، أو التواجد في صراع داخلي دائم مع الشعور بالذنب، أو محاولة تقويم السلوكيات وفقاً لمعايير باتت تُعتبر في نظر ثقافتهم الجديدة معايير رجعية قمعية عفا عليها الزمن.

من خلال دمج وحبك كل هذه الخيوط الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، تصل إيبرستادت إلى صياغة مفهومها لتفسير اللغز: “اللولب المزدوج” للمجتمع الغربي. إن الحمض النووي الذي يحمل الشفرة الحضارية والاستمرارية للغرب يتكون في جوهره من شريطين أساسيين يلتفان حول بعضهما البعض في رقصة حياة معقدة ومتصلة ولا تنفصم؛ أحدهما هو الأسرة الطبيعية والآخر هو الدين المنظم. لا يمكن، بأي حال من الأحوال وفي أي سياق تاريخي، المساس بأحد هذين الشريطين الحيويين أو محاولة تمزيقه أو إضعافه دون أن يتسبب ذلك في تدمير مباشر وحتمي للشريط الآخر الملتف حوله. إنهما يتكاثران معاً، ويزدهران معاً، ويمنحان بعضهما البعض القوة والمتانة والمشروعية في مواجهة التحديات والأزمات. فالدين، من جهته، يضفي قدسية سامية ومعنى متعالياً وحصانة على الروابط الأسرية، مما يجعلها قادرة على الصمود والثبات أمام صعاب الحياة القاسية، وفي المقابل، توفر الأسرة، من جهتها، البيئة الحاضنة الوحيدة والضرورية لنقل شعلة الإيمان حية من جيل إلى جيل عبر الممارسة اليومية المشتركة والطقوس العائلية الصغيرة التي تسبغ المعنى والعمق على الحياة. إن انهيار أي منهما يعني بشكل لا لبس فيه انهيار الجسر الروحي والاجتماعي الذي يربط الفرد بالمجتمع وبالمعنى الأسمى للوجود بأسره.

من أهم المحطات التحليلية التي تفرض نفسها في هذا السياق هو الدور المحوري والمتنامي للدولة الحديثة، وتحديداً ما يُعرف بـ “دولة الرفاهية” الليبرالية، وكيف تحولت هذه الكيان السياسي والإداري الضخم إلى منافس شرس، ليس فقط لسلطة الكنيسة، بل لسلطة الأسرة ووظيفتها الوجودية. إن صعود الدولة الحديثة لم يكن مجرد تطور في أشكال الحكم أو الإدارة البيروقراطية، بل كان في جوهره مشروعاً هندسياً اجتماعياً يهدف إلى تحرير الفرد من كافة الانتماءات غير الاختيارية التي ورثها عن الماضي. في النماذج السياسية الكلاسيكية والأنظمة الاجتماعية القديمة، كانت الأسرة الممتدة والعشيرة، المدعومة بالتعاليم الدينية والطقوس المقدسة، هي الملاذ الأول والأخير للإنسان. كانت هي شبكة الأمان، ومصدر الهوية، والمظلة التي تحمي الفرد من غوائل الزمن. ولكن مع تضخم جهاز الدولة وتدخلها الشامل في رعاية الفرد “من المهد إلى اللحد”، حدث تحول دراماتيكي في البنية التحتية للاعتماد البشري. لقد استبدلت الدولة المعاصرة العناية الإلهية والتكافل الأسري بمنظومة بيروقراطية باردة من التأمينات الاجتماعية، والرعاية الصحية المجانية، ومعاشات الشيخوخة. هذا الاستبدال المادي العميق أدى تدريجياً إلى تآكل الحاجة النفسية والاجتماعية الملحة لكل من الإله والأب. فعندما تضمن لك الدولة سبل العيش وتتكفل برعايتك في أوقات العجز والمرض، تتراجع الحاجة الغريزية للتضرع إلى قوى غيبية أو الاستناد إلى تضامن عائلي متين. لقد أصبح الكيان السياسي الحديث بمثابة “الأب الأعظم” الذي يغدق الرعاية دون أن يطالب الفرد بالتزامات أخلاقية صارمة أو تضحيات شخصية قاسية كتلك التي تتطلبها الأسرة التقليدية أو تفرضها العقائد الدينية.

لتعزيز هذه الرؤية وتأكيدها، تأخذنا القراءة للتاريخ الأوروبي و إلى مفارقة  تتعلق بجذور الأسرة النووية الغربية نفسها. يجادل العديد من المؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا البارزين بأن الكنيسة المسيحية في العصور الوسطى المبكرة كانت هي المهندس الأول والمؤسس الحقيقي لنموذج الأسرة النووية الذي نراه اليوم، والذي يعاني من التفكك في الوقت الحاضر. من خلال سياساتها الصارمة وقوانينها الكنسية التي حرمت الزواج بين الأقارب، ومنعت تبني الأطفال لأغراض التوريث، وحاربت تعدد الزوجات والطلاق، نجحت الكنيسة في تفكيك البنى القبلية والعشائرية الواسعة التي كانت تهيمن على المجتمعات الجرمانية والوثنية في أوروبا. كان الهدف من ذلك هو تركيز الولاء في مؤسسة الكنيسة ذاتها وإضعاف الكيانات القبلية المنافسة، بالإضافة إلى تعزيز مفهوم الزواج الأحادي المقدس المكون من زوج وزوجة وأطفالهم المباشرين فقط. لقد خلقت الكنيسة هذه الوحدة الأسرية الصغيرة والمستقلة، ولكنها في الوقت نفسه خلقت كياناً هشاً ومعتمداً بشكل كبير على الدعم الروحي والأخلاقي والمجتمعي الذي توفره الرعية الكنسية. ولذلك، عندما تراجعت سلطة الكنيسة في العصر الحديث وتخلت عن دورها الحاضن، وجدت الأسرة النووية نفسها وحيدة، معزولة، وغير قادرة على الصمود أمام العواصف الاقتصادية والثقافية العاتية للحداثة. لقد كان مصير هذين الكيانين، الكنيسة والأسرة النووية، متضافراً منذ البداية كخيوط نسيج واحد؛ صنعا معاً، وازدهرا معاً، واليوم يتداعيان معاً تحت وطأة النزعة الفردية المتطرفة وهيمنة الدولة البديلة.

وفي إطار السعي لإعطاء هذه النظرية أبعاداً مقارنة تتجاوز حدود الجغرافيا الغربية، يبرز تساؤل بالغ الأهمية حول كيفية تفاعل هذه الديناميكية في سياقات حضارية وسياسية وأنظمة قيمية مختلفة كلياً. فإذا نظرنا إلى الحضارات التي تستند إلى أسس فلسفية وأخلاقية تضع الأسرة في مركز الكون السياسي والاجتماعي، كما هو الحال في النظم الفلسفية الكلاسيكية في شرق آسيا، نجد صورة مغايرة ومعقدة تتحدى النسق الغربي المنفرد. في تلك النظم العريقة، لا يُنظر إلى الأسرة على أنها مجرد وحدة بيولوجية أو اجتماعية تابعة، بل هي النموذج الأولي المصغر للدولة بأكملها، وهي الأساس الذي تُبنى عليه كافة أشكال النظام الدولي والمحلي والمشروعية السياسية. فالاحترام المطلق للأبوين وطاعة كبار السن (والذي ينسحب بالتبعية على طاعة الحاكم والدولة) يشكل العقيدة المركزية التي تحافظ على التماسك المجتمعي. في مثل هذه الأنظمة الهرمية الصارمة، لا يمكن للدولة أن تفكر في استبدال الأسرة كما فعلت دولة الرفاهية الغربية، لأن انهيار الأسرة هناك يعني التدمير المباشر والفوري للمبرر الأخلاقي والفلسفي الذي تستند إليه سلطة الدولة ذاتها. هذا التباين الشاسع في النظرة إلى دور العائلة بين الشرق والغرب يوضح لنا بجلاء أن مسار العلمنة والتفكك الأسري الذي يعيشه الغرب ليس حتمية تاريخية عالمية تُفرض على كل الأمم، بل هو نتاج مباشر لتفاعلات تاريخية ولاهوتية وسياسية خاصة بالمسار الحضاري الغربي، حيث تم السماح للدولة بابتلاع مساحات الأسرة والمجتمع الأهلي، مما ترك الفرد مكشوفاً روحياً ومادياً.

لقد افترضت السردية التنويرية وما تلاها من نظريات سوسيولوجية أن تراجع الدين هو مسار خطي، حتمي، ولا رجعة فيه؛ أشبه بقطار يتجه في اتجاه واحد نحو محطة العقلانية المحضة والخلاص المادي، حيث لا مكان للغيبيات أو الروابط التقليدية. غير أن إيبرستادت، مسلحة بقراءتها الدقيقة للتقلبات التاريخية ومفهوم “اللولب المزدوج”، ترفض هذا الحتمية رفضاً قاطعاً. إن التاريخ البشري، كما تثبت لنا التجربة، لا يسير في خطوط مستقيمة، بل هو أقرب إلى حركة البندول الديالكتيكية التي تتأرجح بين النقيضين. وإذا كان البندول قد اندفع بقوة استثنائية نحو أقصى درجات الفردانية الراديكالية والعلمنة الشاملة خلال العقود الماضية، متسبباً في انهيار الأسرة وتراجع الإيمان، فإن قوانين الطبيعة البشرية والضرورات الاجتماعية تنبئ بأن هذا الاندفاع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية دون أن يولد قوى عكسية تسعى لإعادة التوازن. من هنا، تطرح الكاتبة رؤية استشرافية لا تخلو من أمل مبرر، ملمحة إلى أن بذور الصحوة المضادة قد بدأت بالفعل تتشكل في رحم الأزمات ذاتها التي أنتجتها الحداثة.

أولى هذه البذور، وربما أكثرها قوة وحسماً في قلب المعادلة المستقبلية، تتجلى في المأزق الاقتصادي والديموغرافي الخانق الذي وضع النظام العلماني نفسه فيه. لقد استندت “دولة الرفاهية” الحديثة في جاذبيتها الكبرى إلى قدرتها على استبدال الأسرة كشبكة أمان مادي، واعدة الأفراد برعاية شاملة لا تتطلب منهم التزامات عائلية ثقيلة. ولكن هذا الوعد استند إلى افتراض رياضي واقتصادي خفي لم يتم اختباره على المدى الطويل: وجود قاعدة سكانية شابة ومتنامية قادرة على تمويل هذه الرعاية الباهظة عبر الضرائب وعجلة الإنتاج. ومع حلول “الشتاء الديموغرافي” الذي أشرنا إليه سابقاً، والناجم مباشرة عن انحلال الأسرة وفقدان الحافز الديني للإنجاب، تجد دولة الرفاهية نفسها اليوم أمام جدار مالي مسدود. إن المجتمعات الأوروبية والغربية تشيخ بسرعة مرعبة، وعدد المتقاعدين يتضخم مقابل انكماش مستمر في أعداد الشباب العاملين. في ظل هذه الاستحالة الرياضية، لن يكون أمام الدولة خيار سوى التراجع التدريجي أو القسري عن تقديم تلك الخدمات الشاملة. وعندما تنهار شبكات الأمان الحكومية أو تتقلص بفعل الإفلاس الاقتصادي، سيجد الفرد الغربي نفسه مجبراً، بحكم غريزة البقاء والضرورة المادية البحتة، على العودة إلى التحصن بالروابط العائلية الطبيعية. إن الحاجة إلى رعاية المسنين، وإعالة الأطفال، ومواجهة الأزمات الاقتصادية، ستعيد للأسرة الممتدة دورها الوظيفي الذي سُلب منها. وبمجرد أن تُجبر المجتمعات على إعادة بناء الأسرة لأسباب نفعية ومادية، فإن النصف الأول من “اللولب المزدوج” سيبدأ في التعافي، وبمجرد تعافيه، سيبدأ النصف الثاني، أي الإيمان الديني، في الانبعاث من جديد؛ لأن الأسرة، كما أثبتنا، هي المولد الأقوى للغة الإيمان والملاذ الذي يوقظ في الإنسان الحاجة إلى المتعالي.

إلى جانب هذه الضرورة الاقتصادية، تبرز حتمية أخرى أشد قسوة ووضوحاً، وهي ما يمكن تسميته بـ “الانتقام الديموغرافي” للمؤمنين. إن التحليل الإحصائي للواقع الديموغرافي الغربي يكشف عن مفارقة مذهلة تفند ادعاءات انتصار العلمنة المطلق. ففي الوقت الذي تعجز فيه الشرائح العلمانية والليبرالية الراديكالية عن إعادة إنتاج نفسها بيولوجياً، مكتفية بمعدلات خصوبة شديدة التدني، نجد أن الجيوب السكانية التي ما زالت متمسكة بالتقاليد الدينية الصارمة والروابط الأسرية المتينة—سواء كانوا من المسيحيين المحافظين، أو اليهود الأرثوذكس، أو غيرهم من الجماعات الإيمانية—يسجلون معدلات ولادة مرتفعة وتفوق بكثير مستوى الإحلال السكاني. إن العلمنة، من منظور تطوري بيولوجي صارم، أثبتت أنها ظاهرة مجدبة  وعقيمة، في حين أن الإيمان يمتلك ميزة البقاء الداروينية المتمثلة في التكاثر المستمر. بعملية حسابية بسيطة تتجاوز الأجيال، ومع استمرار هذه الاتجاهات المتباينة، سيتغير الوجه الديموغرافي للغرب بشكل جذري وعضوي. إن المستقبل، بكل بساطة، ينتمي لأولئك الذين ينجبون، وأولئك الذين ينجبون في الغرب اليوم هم بالأساس أولئك الذين يؤمنون بالله ويقدسون مؤسسة الزواج والأسرة. هذه الديناميكية الديموغرافية الصامتة والبطيئة تعمل كتيار قوي تحت السطح الصاخب للثقافة العلمانية المهيمنة، وستؤدي بمرور الوقت إلى زيادة نسبية ومطلقة في أعداد الأفراد الذين ينشأون داخل أسر تقليدية ومجتمعات إيمانية، مما يمهد الطريق لعودة تدريجية للدين إلى مركز الحياة العامة.

ولا يتوقف الأمر عند حدود الاقتصاد أو الديموغرافيا، بل يمتد ليلامس الأعماق  النفسية والروحية للأجيال الشابة، وهي النقطة التي تبرز فيها إيبرستادت هشاشة المنجز الثقافي لـ “الثورة الجنسية”. لقد نشأت الأجيال الجديدة في الغرب، وخصوصاً جيل الألفية وما بعده، في ظل الآثار المدمرة والكاملة لتفكك الأسرة الذي أحدثته تلك الثورة. إنهم “أبناء الطلاق”، والناجون من حروب التفكك الأسري، والذين تجرعوا مرارة غياب الآباء، وانعدام الاستقرار العاطفي، والنشأة في بيئات تفتقر إلى الحدود الواضحة والالتزامات الصلبة. لقد وعدت الثورة الجنسية بالتحرر المطلق والسعادة الفردية، لكنها سلمت هذه الأجيال إلى وحش الاغتراب، والوحدة القاتلة، والقلق الوجودي المزمن. ومن رحم هذه المعاناة النفسية والاجتماعية تحديداً، ترى الكاتبة بوادر “تمرد مضاد”. فكما تمرد جيل الستينيات على قيود وتقاليد آبائه في الخمسينيات، يبدو من المنطقي والوارد جداً سيكولوجياً أن يتمرد شباب اليوم على الفوضى والعدمية والهشاشة التي ورثوها عن آبائهم المتحررين. هذا التمرد لن يكون بالضرورة بحثاً عن حرية أكبر—لأنهم يمتلكون منها الكثير —بل سيكون بحثاً حثيثاً عن “النظام”، عن “المعنى”، وعن “الالتزام”. إن الحنين إلى الأسرة المستقرة، وإلى الأب الحاضر، وإلى الأمومة غير المشروطة، سيقود هذه الأجيال المنهكة عاطفياً لمحاولة إعادة بناء ما تم هدمه. وعندما يشرعون في هذا المشروع الإصلاحي العظيم لتأسيس أسر متماسكة لحماية أبنائهم من الألم الذي اختبروه هم في طفولتهم، سيجدون أنفسهم وجهاً لوجه أمام الحاجة الماسة لذلك الإطار الأخلاقي والروحي العريق الذي يوفر المشروعية والصلابة لجهودهم: أي الكنيسة والدين المنظم. هكذا يتحول “الابن الضال” الحضاري، بعد أن استنفد كل متع الفردانية وأدرك خواءها، إلى باحث عن البيت القديم بكل ما فيه من قواعد وواجبات ورعاية.

٠ الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى