أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

ما بعد النزوح:ديناميكيات الحركة عبر الحدود السودانية

في أوقات النزاعات المسلحة الكبرى، لا تقتصر مأساة الشعوب على لحظة اندلاع الخطر الأول وما يرافقها من موجات نزوح جماعي محفوفة بالرعب والعدم، بل تمتد لتشمل تحولات أعمق وأكثر تعقيداً تتصل ببنية الحركة الإنسانية، وإعادة رسم خرائط الشتات، والعودة المتقطعة التي تتأرجح بين الأمل والاضطرار. يقدم التقرير السادس لرصد الحركة عبر الحدود، Displacement Tracking Matrix – DTM)الصادر عن مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة في الأول من أكتوبر عام 2026، ورقة تحليليّة تشرح تفاصيل هذه الديناميات المعقدة في المشهد السوداني، ممتدة بالرصد والتحليل الميداني عبر الفترة الزمنية الفاصلة بين يناير 2024 وأغسطس 2026. 

تتصل أهمية هذا العمل بالقدرة على تتبع الحركة العكسية، أي حركة تدفق الأفراد والجماعات القادمين من دول الجوار باتجاه العمق السوداني، وهو ما يُعرف بـ “العودة المتقطعة” أو “الحركة السيالة عبر الحدود”. فلئن أسفر النزاع الدامي بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، منذ اندلاعه في منتصف أبريل 2023، عن تهجير ما يقرب من 4,681,314 فرداً عبر الحدود الدولية نحو دول الجوار، فإن المادة الميدانية الموثقة في هذا التقرير تكشف عن أفق آخر لا يقل أهمية؛ إذ سجلت مصفوفة تتبع النزوح عبور 1,110,605 أفراد من دول الجوار عائدين إلى داخل الأراضي السودانية خلال الفترة الممتدة من يناير 2024 حتى أغسطس 2026. هذه الفجوة الهائلة بين أرقام المغادرة الملايينية وأرقام العودة النفعية أو الاضطرارية تكشف عن واقع مأساوي يتداخل فيه البُعد الأمني المتقلب في الداخل السوداني مع الضغوط القانونية والاقتصادية والمتزايدة في دول الشتات واللجوء.

تعتمد المنظمة الدولية للهجرة في صياغة هذه اللوحة التحليلية  على منهجية مزدوجة تجمع بين حصر أعداد التدفقات عبر “تعداد رصد التدفق” (Flow Monitoring Count) وبين إجراء مقابلات استبيانية فردية  عبر “مسح رصد التدفق” (Flow Monitoring Survey). ويتم توزيع هذه الأدوات الميدانية عبر سبع نقاط عبور رئيسية استراتيجية شملت المعابر الحدودية مع مصر في ولاية الشمالية، وتحديداً معبري أرقين وأشكيت، والمعابر الحدودية مع تشاد في ولايات دارفور، مثل أديكونق والأتينا وأم دُخن، فضلاً عن معبر القلابات/المتمة على الحدود الإثيوبية في ولاية القضارف، ومعبر اللفة الحدودية مع إريتريا في ولاية كسلا. ومن خلال وزن البيانات إحصائياً لمعادلة الفروق في أحجام التدفقات الميدانية عبر المعابر المختلفة، ينجح التقرير في تقليل نسب الانحياز وتحقيق درجة عالية من الموثوقية والدقة العالية في ترجيح الاتجاهات والدوافع السلوكية للسكان العابرين.

يقدم التقرير تحليلاً ديمغرافياً  للتركيبة السكانية للأفراد العابرين نحو الداخل السوداني، مبرزاً أن الغالبية العظمى من العابرين، والتي بلغت نسبتها نحو 89%، هم من المواطنين السودانيين الذين تقطعت بهم أسباب البقاء في دول الجوار أو قرروا العودة لتفقد ممتلكاتهم وعائلاتهم، في حين شكل الرعايا الأجانب وغير السودانيين نحو 11% فقط من مجموع العابرين. وتكشف البيانات الميدانية عن تحول ملموس في النوع الاجتماعي والتركيبة العمرية لهؤلاء العابرين؛ إذ شكلت النساء والفتيات النسبة الأكبر من التدفقات بنحو 58%، بينما بلغت نسبة الذكور حوالي 42%. هذا التباين اللافت في نسب النوع يعكس حقيقة أن كثيراً من العائلات السودانية فضلت ترجيح كفة تحرك النساء والأطفال للعودة وتفقد الأوضاع الميدانية والمنزلية في الولايات التي شهدت استقراراً نسبياً، أو الاستفادة من الخدمات التعليمية والمساعدات المتاحة، بينما ظل بعض الذكور في دول الشتات أو في مناطق عمل نائية.

وعلى صعيد الفئات العمرية، يوضح التقرير أن الفئة الشابة والممتدة بين سن الثامنة عشرة والتاسعة وخمسين عاماً تمثل الكتلة الصلبة للعابرين بنسبة 63%، في حين يسجل الأطفال دون سن الثامنة عشرة نسبة مرتفعة تصل إلى 34% من إجمالي المتنقلين. في المقابل، لا تتعدى نسبة كبار السن الذين تتجاوز أعمارهم ستين عاماً نحو 3% فقط. وفيما يتعلق بالسفر وتنظيم الرحلة، تشير المعطيات إلى أن 57% من العابرين تحركوا بمفردهم كأفراد مستقلين، في حين أقدم 43% منهم على السفر برفقة أفراد من عائلاتهم. وتتفاوت وسائل النقل المستخدمة في قطع هذه المسافات الصحراوية والشاقة تفاوت كبيراً؛ إذ تحوذ وسائط النقل العام، مثل الحافلات والحافلات الصغيرة، على النصيب الأكبر بنسبة 74%، تليها الحركة على الأقدام أو باستخدام عربات الدواب بنسبة 13%—وهي الوسيلة الأكثر شيوعاً عبر الشريط الحدودي مع تشاد—ثم المركبات الخاصة أو المستأجرة بنسبة 12%، وأخيراً شاحنات البضائع وسيور النقل النقل بنسبة 2%.

أما بالنسبة للوثائق والمستندات الثبوتية التي يحملها العابرون إلى السودان، فيبين التقرير أن الغالبية العظمى يمتلكون شكل أو أكثر من أشكال الوثائق الرسمية، حيث تصدر جواز السفر قائمة الوثائق بحيازته من قِبل 55% من المستجوبين، تليها بطاقة الهوية الوطنية بنسبة 39%، ثم شهادات الميلاد بنسبة 2%. وفي مقابل ذلك، أظهرت البيانات أن الوثائق المتعلقة بوضع اللجوء أو الحماية الدولية تتسم بالندرة الشديدة؛ إذ لم يتجاوز حملة بطاقات اللاجئين نسبة 1%، كما أن النسبة الخاصة بشهادات طالب اللجوء قلّت عن 1%. تجدر الإشارة إلى أن هناك نحو 9% من المجموع الكلي للعابرين يقطعون الحدود دون حيازة أي وثيقة ثبوتية رسمية على الإطلاق، وهي ظاهرة ترتفع وتيرتها بشكل خاص ومقلق عند الحدود الغربية مع تشاد، حيث تنشط أشكال الحركة غير الرسمية والتداخل القبلي عبر جانبي الحدود.

يشكل الممر الحدودي الممتد بين جمهورية مصر العربية وجمهورية السودان المحور الأكثر ثقلاً وتأثيراً في خريطة حركة السكان عبر الحدود طوال فترة الرصد والمتابعة. فقد استأثر هذا الممر الشمالي وحدَه بنحو 80% من إجمالي حركة العبور المسجلة إلى داخل السودان من جميع دول الجوار، بواقع 887,715 فرداً عبروا الحدود من مصر إلى السودان بين يناير 2024 وأغسطس 2026. وبالمقارنة التاريخية لنمو هذه الحركة الميدانية، يلاحظ التقرير أن حركة العودة من مصر كانت محدودة للغاية خلال عام 2024 إذ لم تسجل سوى 42,418 حركت عبور، غير أنها شهدت انفجاراً وتصاعداً قياسياً خلال عام 2025 بتسجيل 426,639 فرداً. وتواصل هذا الزخم المرتفع وبنفس الكثافة خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، حيث سُجل عبور 418,658 فرداً، وهو ما يعادل تسعة وثمانين في المائة من إجمالي الحركة المسجلة طوال عام 2025 بكامله.

تتوزع عملية العبور عبر المعبرين الرئيسيَين في الشمال: معبر أرقين الشرياني الواقع غرب النيل والذي استقبل النصيب الأكبر بنسبة 65% (576,430 فرداً)، ومعبر أشكيت الشرياني المترابط مع خطوط السكة الحديدية والنقل النهري قرب وادي حلفا بنسبة 35% (311,285 فرداً). وتظهر الدراسة التفصيلية للنمط الديمغرافي للعائدين من مصر أن جميعهم ينتمون إلى الجنسية السودانية بنسبة 100%. كما يتسم وضع العودة من مصر بطابع عائلي وأسري واضح مقارنة بالمعابر الأخرى؛ حيث ينتمي 65% منهم إلى الفئة العمرية بين 18 و59 عاماً، بينما يشكل الأطفال تحت سن الثامنة عشرة نحو 32%، ويسافر 51% منهم في إطار مجموعات أسرية وعائلية مُتكاملة.

وعند تقصي أنماط وآليات هذه العودة من مصر، يستعرض التقرير حقيقة أن 64% من أفراد العينة عبروا الحدود ضمن برامج العودة التطوعية والمنظمة التي تشرف عليها الهيئات الحكومية والجهات المعنية، في حين قام 31% بالعودة التلقائية والمستقلة دون الاعتماد على برامج دعم. وتكشف البيانات أيضاً عن وجود نسبة 5% من حالات العودة القسرية أو رحلات الترحيل الأمني. وقد شهدت آليات العودة تطوراً ملموساً؛ فبعد أن كانت برامج العودة تركز في مراحلها الأولى على كبار الموظفين الحكوميين وأسرهم، تحولت في المراحل الأخيرة نحو كوادر وأعضاء الهيئات التدريسية بالجامعات والعاملين في قطاع التعليم. بالتوازي مع ذلك، أدى قرار السلطات التعليمية السودانية بإعادة فتح باب التسجيل والامتحانات الجامعية محلياً داخل ولاية الخرطوم وإغلاق المراكز الخارجية، إلى تدفق آلاف الطلاب وعائلاتهم عودةً إلى البلاد لمواصلة مسيرتهم الأكاديمية.

لا يمكن فصل هذه الحركة العكسية المكثفة عن الضغوط الاقتصادية والإدارية المتزايدة في بلد النزوح؛ فقد أفاد 73% من العائدين عبر الممر المصري بأن التحسن النسبي والأمني في مناطقهم الأصلية كان السبب الأبرز للعودة، إلا أن 26% أشاروا صراحة إلى مواجهة صعوبات وتعقيدات قانونية وإدارية تتعلق بالإقامة وتجديد المستندات في مصر، بينما أشار 17% إلى الضغوط الاقتصادية المتمثلة في ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. ويتضح هذا المنحنى بصورة جليّة عند النظر إلى الولايات المستهدفة بالعودة؛ حيث تصدرت ولاية الخرطوم القائمة بنسبة 42% من العائدين من مصر، تلتها ولاية الجزيرة بنسبة 18%، ثم ولاية نهر النيل بنسبة 12%، والولاية الشمالية بنسبة 9%. هذه الأرقام تعكس رغبة عارمة لدى السكان في إعادة الاستقرار في العاصمة والولايات الآمنة نسبياً في وسط وشمال السودان، على الرغم من حالة عدم اليقين والمخاطر الميدانية التي ما زالت تكتنف كثيراً من الأرجاء.

عند الانتقال إلى تحليل الممر الغربي الممتد بين إقليم دارفور وجمهورية تشاد، نجد أنفسنا أمام نمط مختلف تماماً من ديناميات الحركة السكانية عبر الحدود؛ حيث تتراجع المظاهر المُمأسسة والمُدارة حكومياً لصالح شبكة معقدة من التحركات التلقائية، والأنماط العرقية الممتدة، والمسارات الصحراوية غير الرسمية. يعكس هذا الممر، الذي شهد عبور مئات الآلاف من المواطنين السودانيين واللاجئين بين جانبي الحدود، تجربة إنسانية بالغة القسوة والتعقيد، إذ يتداخل فيه دمار البنية التحتية المحلية بحدّة الصراع المسلح في ولايات دارفور المختلفة، ولا سيما ولاية غرب دارفور وعاصمتها الجنينة، التي شهدت موجات تهجير قسري واسعة النطاق نحو الأراضي التشادية في المراحل الأولى من النزاع.

تكشف المعطيات الميدانية المرصودة عبر معابر مثل أديكونق والأتينا وأم دُخن، عن أن الحركة عبر الحدود التشادية السودانية تتسم بدرجة عالية من “السيولة الترددية”؛ حيث لا يمكن تصنيف الجزء الأكبر من التدفقات العودة كقرار نهائي بالاستقرار الدائم، بل بوصفها حركة تنقل موقتة ومحفوفة بالمخاطر فرضتها الظروف القاسية في مخيمات اللجوء بشرق تشاد. تشير التقديرات الميدانية إلى أن تدهور الأوضاع الإنسانية داخل معسكرات أدري وأبشي، والنقص الحاد في إمدادات الغذاء والمياه والخدمات الطبية المقدمة من المنظمات الدولية، دفع آلاف العائلات السودانية إلى المخاطرة بالعودة التفقدية أو الفصلية إلى قراهم ومناطقهم الأصلية في دارفور. وتأتِ هذه التحركات غالباً بالتزامن مع المواسم الزراعية المطرية، حيث يحاول السكان إعادة إنتاج وسائل عيشهم المحلية وزراعة محاصيلهم الأساسية لتفادي مجاعة وشيكة، رغم الهشاشة الأمنية وتكرار حوادث الاعتداءات المسلحة.

وعلى العكس من الممر الشمالي مع مصر الذي تطغى عليه وسائل النقل الحديثة كالحافلات والمركبات العامة، تعتمد حركة العبور عبر الممر التشادي بشكل واسع على الوسائط البديلة والتقليّدية. وتستأثر الحركة سيرًا على الأقدام واستخدام عربات الدواب والمركبات الشاحنة التقليدية بنسبة مرتفعة جداً من إجمالي الحركة الميدانية هناك. ويعود ذلك إلى طبيعة الوعورة الجغرافية للرقعة الصحراوية وغياب الطرق المعبدة، فضلاً عن انعدام القدرة المالية لدى معظم النازحين واللاجئين الذين فقدوا كافة أصولهم وممتلكاتهم جراء أعمال العنف والتدمير. كما تتميز الحركة في هذا الممر بالغياب الشبه تام للوثائق الثبوتية الرسمية لدى العابرين، حيث يقطع غالبية الأفراد الحدود اعتماداً على الأواصر العائلية والقبائل الحدودية الممتدة بين البلدين، مما يجعل عمليات التوثيق والرصد الإحصائي تحدياً منهجياً كبيراً أمام فرق المنظمة الدولية للهجرة.

إن التحليل السوسيولوجي للعودة عبر الشريط التشادي يكشف عن معضلة إنسانية ؛ فالعودة هنا لا تعني بالضرورة التعافي أو الوصول إلى الأمان، بل تعبر في كثير من الأحيان عن مفاضلة حادة بين الموت جوعاً وتهميشاً في مخيمات اللجوء الحدودية، أو المخاطرة بالعودة إلى بيئة لا تزال تعاني من انعدام الأمن، وتفكك مؤسسات الدولة، وسيادة السلاح. هذه الحركة الدائرية بين المخيمات والقرى الأصلية تخلق حالة من عدم الاستقرار الممتد، وتزيد من انكشاف الأطفال والنساء على المخاطر الأمنية وحوادث العنف القائم على النوع الاجتماعي.

في الإقليم الشرقي من السودان، يرسم التقرير لوحة أخرى للحركة عبر الحدود المتاخمة لإثيوبيا وإريتريا عبر معبر القلابات/المتمة بولاية القضارف ومعبر اللفة بولاية كسلا. ورغم أن حجم التدفقات العددي في هذا المحور يظل أقل مقارنة بالممر المصري، إلا أنه يحمل أهمية استراتيجية واقتصادية بالغة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للولايات الشرقية كمركز حيازي وإنتاجي زراعي، وكشريان تجاري يربط البلاد بالبحر الأحمر والإقليم الإثيوبي مجاوراً.

تتنوع دوافع وأشكال الحركة العابرة للحدود عبر المحور الإثيوبي والإريتري بين العودة الطوعية للسودانيين الذين لجوءوا إبان اشتعال المعارك في ولايات الوسط، وبين حركة النزوح واللجوء العكسي للرعايا الأجانب والعمالة الموسمية. وتكشف البيانات الميدانية عن أن جانباً مهماً من الحركة عبر معبر القلابات ترتبط بالديناميات الاقتصادية والأنشطة التجارية الحدودية، فضلاً عن تحركات العمالة الزراعية الموسمية التي تعتمد عليها المشروعات المطرية الميكانيكية في ولاية القضارف. وقد تسببت التغيرات السياسية والأمنية الداخلية في بعض الأقاليم الإثيوبية المتاخمة، مثل إقليمي أمهرة وتيغراي، في إحداث تقلبات مستمرة في تدفقات العبور، حيث اضطر بعض السودانيين الذين اتخذوا من إثيوبيا ملجأً مؤقتاً إلى العودة سريعاً إلى السودان إثر اندلاع اضطرابات أمنية وصراعات مسلحة محلية في تلك المناطق.

أما على صعيد الحدود الإريترية عبر ولاية كسلا، فإن حركة التنقل عبر معبر اللفة المعيد فتحه تشهد تداخلات اجتماعية وتجارية وثيقة بين المكونات السكانية على جانبي الحدود. وقد أتاح هذا المعبر نافذة حيوية لتنقل الأفراد للحصول على الرعاية الطبية، وتفقد الأسر، وشراء السلع الأساسية في ظل ظروف الحصار الجغرافي والغلاء التي تفرضها الحرب على ولايات شرق السودان. وتوضح بيانات الاستبيانات أن العائدين عبر الحدود الشرقية يميلون إلى الاستقرار في ولايات ذات مستويات أمنية أفضل نسبياً مثل القضارف، وكسلا، والبحر الأحمر، فضلاً عن ولاية نهر النيل، حيث يفضل الكثيرون عدم المخاطرة بالعودة الفورية إلى ولايات التماس المباشر كالعاصمة الخرطوم أو ولاية الجزيرة إلا بعد التثبت التام من هدوء الأوضاع الميدانية.

تظهر قراءة البيانات المحور الشرقي أن العودة هنا ترتبط وثيقاً بحسابات التكلفة والفرصة المتاحة؛ فالقرب الجغرافي النسبي وسهولة التنقل والتداخل الثقافي تجعل من الولايات الشرقية محطة استراحة واستقرار مؤقت للعديد من الأسر العائدة، والتي تستخدم هذه الولايات كقواعد خلفية لإدارة شؤونها، ومتابعة أعمالها التجاريّة، أو انتظار الفرصة المناسبة لإعادة ترتيب أوضاعها السكنية والمهنية في العاصمة أو الولايات الأخرى.

إن الفهم العميق للرقم الإجمالي الكبير للعينات العائدة إلى السودان يتطلب تجاوز القراءة السطحية التي قد تفسر العودة بوصفها مؤشراً كافياً على انتهاء الحرب أو استتباب الأمن الشامل في البلاد. يقدم التقرير تحليلاً  للدوافع المركبة التي تتجاذب العائدين بين عوامل طرد حادة في دول الجوار وعوامل جذب محدودة ومحفوفة بالمخاطر داخل الوطن.

في جانب عوامل الطرد من دول الشتات واللجوء، تشير نتائج المقابلات الميدانية إلى أن القيود الإدارية والقانونية المتزايدة تقف في مقدمة الأسباب التي جعلت البقاء في الخارج أمراً شديد الصعوبة بالنسبة لمئات الآلاف من السودانيين. تشمل هذه القيود التعقيدات المتعلقة بالحصول على تجديد الإقامات الرسمية، وارتفاع رسوم المعاملات الحكومية، وتشديد إجراءات الحركة والعمل، مما يحرم معظم العائلات من مصدر دخل منتظم ويجعلهم عرضة للملاحقات الإدارية. يضاف إلى ذلك الضغط الاقتصادي المتصاعد الناجم عن معدلات التضخم المرتفعة في دول الاستضافة، وارتفاع تكاليف إيجار السكن، وأسعار الغذاء، ورسوم الخدمات الصحية والتعليمية التي باتت تشكل عبئاً مالياً باهظاً لا تستطيع غالبية الأسر المهجرة تحمله لفترات طويلة، خاصة مع استنزاف مدخراتها المالية على مدار أكثر من ثلاث سنوات من الصراع.

أما في جانب عوامل الجذب والعودة إلى الداخل، فإن الشوق إلى الوطن ورغبة العائلات في حماية أصولها العقارية وممتلكاتها الخاصة من النهب والاستيلاء يشكل دافعاً محورياً للعودة، حتى وإن كانت عودة جزئية أو تفقدية ينفذها أحد أفراد الأسرة. كما لعبت المبادرات الحكومية والمحلية المتصلة باستعادة بعض الخدمات الأساسية دوراً ملموساً في تشجيع تدفقات العودة؛ حيث أدى قرار إعادة تشغيل بعض المرافق الصحية، واستئناف الدراسة والامتحانات في المؤسسات التعليمية والجامعية داخل الولايات الآمنة كولاية الخرطوم والجزيرة والشمالية، إلى تحفيز آلاف الأسر على العودة لضمان عدم ضياع المستقل الأكاديمي لأبنائها.

غير أن هذه العودة، كما يوضح التقرير، تظل متسمة بـ “السيولة والهشاشة”؛ فالعديد من العائدين يجدون أنفسهم أمام واقع إنساني مرير في ولايات الموئل الأصلي، حيث يعانون من تلف الشبكات الكهربائية والمائية، وتدهور الخدمات الصحية، وقلة فرص العمل، إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار السلع الاستهلاكية. نتيجة لذلك، يتحول نمط الحياة لدى الكثير من العائدين إلى تنقل مستمر وركود مرن، يحاولون فيه التكيف مع الظروف المتغيرة من خلال التحرك بين الولايات الأقل خطراً، أو نقل بعض أفراد الأسرة إلى مناطق آمنة داخل البلاد مع أبقاء آخرين في مناطق أبعد، مما يفقد الأسرة السودانية استقرارها المعهود ويجعلها في حالة نزوح داخلي مستمر بعد العودة عبر الحدود.

إن التدفق المستمر لأكثر من مليون عائد إلى داخل الأراضي السودانية عبر المعابر المختلفة يلقي بتبعات ثقيلة ومباشرة على ولايات الاستقبال والموئل النهائي، وفي مقدمتها ولاية الخرطوم، والجزيرة، ونهر النيل، والولاية الشمالية، والقضارف. تدخل هذه الولايات في مواجهة حقيقية مع أزمات متراكمة تشمل الضغط الشديد على الخدمات العامة المتهالكة أساساً جراء الحرب، وتزايد الاحتياجات الإنسانية للغذاء والإيواء والرعاية الطبية، في وقت تعاني فيه السلطات المحلية من ضعف الموارد المالية وتراجع الدعم الدولي المقدم عبر المنظمات الإنسانية.

في ولاية الخرطوم، التي تستقبل النسبة الأكبر من العائدين عبر الحدود الشمالية، تبرز معضلة التوزع السكاني وإعادة الإعمار المبدئي؛ إذ تعود آلاف الأسر إلى أحياء ومناطق تعرضت لدمار جزئي أو كلي في بنيتها التحتية، فضلاً عن انتشار الأجسام المنفجرة غير المنفلقة والمخاطر الأمنية المترتبة عليها. ويؤدي التدفق السريع للسكان إلى زيادة الطلب على السلع الأساسية والمواد الغذائية، مما يرفع من معدلات التضخم المحلي ويضغط على الأسواق المحدودة التموين. أما في ولايات الشمالية ونهر النيل، التي استقبلت أعداداً غفيرة من العائدين والنازحين على حد سواء، فإن المرافق الصحية والتعليمية تعمل بأضعاف طاقتها الاستيعابية القصوى، مما يتسبب في تراجع جودة الخدمات وظهور توترات اجتماعية واقتصادية مكتومة تتعلق بالتنافس على الموارد المتاحة.

كما تفرض هذه التحركات العكسية تحديات جبارة على منظومة الاستجابة الإنسانية التي تديرها المنظمات الدولية والمحلية؛ إذ يتطلب الوضع الانتقال من استراتيجيات الإغاثة الطارئة الموجهة للاجئين في دول الجوار إلى برامج الاستجابة المتكاملة للعودة والاستقرار الداخلي. يشمل ذلك ضرورة توفير المساعدات النقدية المباشرة للعائدين، ودعم مشاريع سبل العيش السريعة، وإعادة تأهيل المرافق الصحية والتعليمية ومحطات المياه، إلى جانب تقديم الدعم القانوني لحماية حقوق الملكية العقارية وإصدار الوثائق الثبوتية للذين فقدوها خلال رحلات النزوح.

إن هذه الديناميات المعقدة تؤكد أن ملف الحركة عبر الحدود السودانية ينبغي ألا يُقرأ من منظور أمني أو إحصائي مجرد، بل بوصفه أزمة إنسانية وتنموية مريرة تتطلب رؤية استراتيجية شاملة تتعامل مع أسباب النزوح والعودة على حد سواء، وتضع في أولوياتها حماية السكان وتوفير مقومات الحياة الكريمة لهم داخل السودان وفي دول الشتات.

أدى انكماش حضور الدولة المركزية وتراجُع كفاءة المؤسسات السيادية الرسمية إبان النزاع المسلح إلى تحول الشريط الحدودي من مجرد خطوط تماس جغرافية بين دول ذات سيادة إلى فضاءات سوسيولوجية واقتصادية مرنة وتلقائية. لم تعد المعابر الحدودية مجرد نقاط تفتيش إدارية لتدقيق الوثائق وختم الجوازات، بل غدت شرياناً حيوياً لاقتصاد سياسي موازٍ تتداخل فيه أشكال الحركة السكانية العائدة بالأنشطة التجارية غير الرسمية، وشبكات التهريب، والتعبيرات الاجتماعية المتمثلة في القرابة الممتدة عبر الحدود الدولية.

تُظهر معطيات الميدان في ولايات دارفور، والشمالية، والقضارف، وكسلا، أن الفجوة الواسعة بين الأرقام الرسمية المسجلة لدى نقاط رصد التدفق التابعة للمنظمة الدولية للهجرة وبين أعداد العابرين الفعليين تعود في جانب كبير منها إلى كثافة الطرق البديلة التي يسلكها العابرون. وفي الوقت الذي تسعى فيه أدوات المتابعة الميدانية للحفاظ على أعلى درجات الموثوقية الإحصائية، فإن طبيعة الصحارى المترامية والحدود المفتوحة تجعل من “اقتصاد المعابر غير الرسمية” حقيقة واقعة توفر حلولاً لوجستية مرنة لمئات الآلاف من النازحين والعائدين. تعتمد هذه الحركة غير الرسمية على وسائط نقل تقليدية ومحورة تتلاءم مع وعورة التضاريس، مثل شاحنات الدفع الرباعي غير المرقّمة، والسيارات النقل الثقيلة المقاومة للرمال، إلى جانب الدواب والسير الذاتي على الأقدام في الممرات الجبلية والوديان المائية.

وقد أفرز هذا الواقع شبكة جديدة من الفاعلين المحليين وسماسرة الحدود الذين يتولون إدارة عمليات النقل، والتأمين، وصرف العملات الأجنبية بطرق غير رسمية، وتسهيل عبور العائلات التي تفتقر إلى المستندات الثبوتية أو الإقامات القانونية. كما أدت السيولة الحدودية إلى تحويل القرى والبلدات المتاخمة للحدود—مثل أدري في تشاد، والقلابات والمتمة على الحدود الإثيوبية، ووادي حلفا وأرقين في الشمال—إلى مراكز تجارية ولوجستية طارئة تُدار فيها عمليات تبادل السلع الغذائية والمحروقات والمستلزمات الطبية. هذه الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية، رغم قسوتها وارتفاع التكلفة المالية والمخاطر الأمنية المرتبطة بها، باتت تشكل شبكة أمان حيوية تمنح العائدين والنازحين قدرة على الاستمرار والبقاء في ظل الشلل التام الذي أصاب النظام المالي والبنكي الرسمي داخل العديد من الولايات سودانية.

يتكامل الفهم النظري لظاهرة العودة الترددية والقسرية مع التحليل السياسي للتغيرات  التي طرأت على سياسات دول الجوار الإقليمي تجاه ملف الفارين من الصراع السوداني. فبعد فترة أولى اتسمت باستجابات إنسانية مرنة وفتح نسبي للمنافذ الحدودية عقب اندلاع الحرب في أبريل 2023، شهدت المرحلة الممتدة بين عامي 2024 و2026 تحولاً تدريجياً وملموساً نحو تشديد الإجراءات التنظيمية والأمنية، وإعادة فرض قيود صارمة على منح وتجديد تأشيرات الدخول والإقامات الرسمية في معظم دول الجوار المباشر.

تجلت هذه التحولات في الممر الشمالي مع جمهورية مصر العربية من خلال تفعيل الآليات القانونية المنظمة لإقامة الأجانب، وربط تجديد المستندات بمعاملات مالية وإدارية محددة، فضلاً عن حملات الضبط الإداري وتنظيم المدارس والمؤسسات الخدمية غير الرسمية. وقد انعكست هذه التدابير بشكل مباشر على القوة الشرائية والقدرة الاستيعابية للطبقات المتوسطة والفقيرة من المهجرين السودانيين، مما جعل تكلفة البقاء في دول الاستضافة تزيد على تكلفة العودة إلى المناطق ذات الأوضاع الأمنية المستقرة نسبياً في الداخل السوداني. وفي المقابل، أطلقت الجهات الرسمية والتنفيذية السودانية بالتعاون مع شركاء إقليميين برامج لتسهيل العودة التطوعية المنظمة، والتي حظيت بإقبال كبير من قِبل الأسر التي لم تعد قادرة على مجاراة متطلبات المعيشة اليومية ورسوم التعليم والسكن في الخارج.

أما على الصعيد الجنوبي والغربي، فقد واجهت جمهورية جنوب السودان وجمهورية تشاد ضغوطاً ديمغرافية واقتصادية هائلة تجاوزت قدرات بنيتهما التحتية الضعيفة أساساً. وفي تشاد، أدى التدفق الهائل للنازحين من ولايات دارفور إلى الضغط على الموارد المائية المحدودة والمراعي الجافة في ولاية واداي والمناطق المتاخمة، مما أثار مخاوف أمنية وسياسية متعلقة بالتوازن الديمغرافي والاجتماعي في الإقليم. نتيجة لذلك، أصبحت المعسكرات الحدودية نقاط طرد إنسانية بسبب النقص الحاد في المساعدات الغذائية والرعاية الصحية الدولية، مما دفع أعداداً غفيرة من العائلات إلى اتخاذ قرار العودة إلى مناطقها الأصلية في دارفور، رغم العجز في الخدمات الأساسية وسيطرة الفصائل المسلحة. وفي جنوب السودان، تداخلت حركة عودة المواطنين الجنوبيين الذين كانوا يستوطنون السودان عقوداً طويلة مع تدفقات اللاجئين السودانيين، ليجد الجميع أنفسهم في مراكز ترانزيت مكتظة مثل بلدة الرنك، تعاني من تعثر سلاسل الإمداد وظروف صحية بالغة القسوة، مما يحول رحلة البحث عن الأمان إلى حلقة مفرغة من النزوح المتكرر.

يكشف التفكيك التحليلي للبيانات الديمغرافية التي وردت في تقرير المنظمة الدولية للهجرة—والتي أظهرت أن النساء والأطفال يشكلون نحو تسعة وثمانين في المائة من المجموع الكلي للعابرين والمرتحلين—عن بعد جندري محوري يُعيد تشكيل مفهوم الأسرة السودانية ونمط حياتها في زمن الحرب. إن هذه النسبة المرتفعة للغاية ليست مجرد رقم إحصائي عابر، بل هي تعبير صارخ عن ظاهرة “التشتت الأسري العابر للحدود”، حيث اضطرت معظم العائلات إلى تقسيم أفرادها بين دول الشتات والمناطق الداخلية بناءً على توزيع وظيفي وتكيفي محدد يروم تقليل المخاطر وتحظيم فرص البقاء.

في هذا السياق التكيفي، يظل العائل الرئيسي أو الذكور الشبان في دول الجوار أو في مناطق عمل نائية داخل السودان أو خارجه بهدف البحث عن فرص الكسب المالي، وتوفير التحويلات النقدية، أو حماية الأسرة من أخطار التجنيد الإجباري والملاحقات الأمنية المترابطة مع الصراع. وفي الوقت نفسه، تنطلق النساء برفقة الأطفال وكبار السن في رحلات العودة نحو الولايات الآمنة نسبياً أو القرى الأصلية، لعدة أسباب بنيوية في مقدمتها انخفاض تكلفة المعيشة اليومية في الداخل، وإمكانية الحصول على السكن المجاني في بيوت الأقارب أو مراكز الإيواء، إلى جانب السعي لاستفادة الأطفال من إعادة فتح المدارس والمؤسسات التعليمية الوطنية. كما تتولى النساء في أحيان كثيرة مسؤولية تفقد الممتلكات العقارية، واستعادة الأصول المنزلية، وزراعة القطع الأرضية الصغيرة في الولايات الزراعية لضمان الحد الأدنى من الكفاف الغذائي الذاتي.

غير أن هذا الأدوار الجديدة المحملة على كاهل النساء ترافقت مع ارتفاع غير مسبوق في مستويات المخاطرة والهشاشة؛ إذ تعاني النساء والأطفال خلال رحلات العبور الحدودية الصحراوية من غياب تام للخدمات الصحية الأولية، والولادة الآمنة، والحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، فضلاً عن التعرض للابتزاز المالي عند نقاط التفتيش غير الرسمية. يضاف إلى ذلك العبء القانوني المعقد الناتج عن فقدان أو تلف الأوراق الثبوتية الرسمية وشهادات الميلاد للأطفال المولودين في الشتات أو أثناء رحلات الفرار، مما يحرم مئات الآلاف من الأطفال من حقوقهم المواطنية الأساسية في الحصول على التعليم، والرعاية الصحية، والاعتراف القانوني بالشخصية الهوية، ويخلق جيلًا كاملاً يعاني من خطر انعدام الجنسية والتهميش الإداري الممتد.

في ظل الفراغ المؤسسي والعجز المالي الذي تعاني منه المنظمات الإنسانية الدولية و الحكومية الرسمية عن تلبية احتياجات التدفقات العائلية العائدة، برزت شبكات الحماية المجتمعية والتكافل المحلي بوصفها الخط الدفاعي الأخير والفاعل الأساسي في استقبال العائدين وإدارتهم. لعبت المبادرات الأهلية، والروابط الأسرية الممتدة، وغرف الطوارئ الحية التي يديرها المتطوعون الشباب في مختلف الولايات السودانية دوراً تاريخياً في تقديم الإيواء الطارئ، وتوفير الوجبات الغذائية، وتأهيل الآبار والمراكز الصحية بما تيسر من إمكانيات محلية وتبرعات شعبية.

ومع ذلك، فإن تعاظم حجم العودة السريعة والتحركات الترددية يتجاوز القدرة الاستيعابية لهذه المبادرات الشعبية التلقائية. تُواجه عملية إعادة الإدماج المحلي للعائدين في ولايات مثل الخرطوم، والجزيرة، ونهر النيل، والقضارف، معضلات ترتبط بتدمير البنية التحتية الأساسية؛ حيث يجد العائدون أنفسهم في بيئات تفتقر إلى شبكات المياه الصالحة للشرب، والكهرباء، والخدمات الاستشفائية، فضلاً عن الانهيار شبه التام للأسواق ومصادر الدخل المستدام. كما تثار في العديد من المناطق نزاعات حادة وغير معلنة حول حقوق الملكية العقارية والأراضي، جراء تشغيل منازل ومقرات غير مملوكة لغرض الإيواء المؤقت، أو فقدان وثائق الملكية الأصلية خلال المعارك المسلحة.

إن هذه التحديات المركبة تجعل من إعادة الإدماج عملية قلقة وغير مستقرة؛ فالعديد من الأسر التي تعود إلى مناطقها تظل في حالة تحسب واستعداد دائم للنزوح المجدد إذا ما انتكست الأوضاع الأمنية أو انهارت الإمدادات الإنسانية الشحيحة. وبالتالي، فإن مجرد عبور الحدود والعودة إلى الجغرافيا السودانية لا يعني بأي حال من الأحوال الوصول إلى بر الأمان أو تحقيق الاستقرار الدائم، بل يمثل بداية لمرحلة جديدة من الصمود والمكابدة في بيئة تتسم بالهشاشة الاقتصادية والأمنية، وتفتقر إلى استراتيجية تنموية وشاملة تدعم الاستقرار الاجتماعي والتعافي الاقتصادي على المدى البعيد.

إن القراءة النقدية المتعمقة لتقرير رصد الحركة عبر الحدود السودانية تؤكد أن تداعيات الأزمة الديمغرافية والإنسانية لم تعد تقتصر على النطاق الجغرافي الداخلي لجمهورية السودان، بل امتدت لتحدث اختراقات وبصمات جيوسياسية عميقة في بنية دول الجوار الإقليمي بأسره. يمثل الشريط الحدودي السوداني الممتد عبر سبع دول مفصل حرجاً في منظومة الأمن القومي لشرق وغرب إفريقيا وحوض النيل؛ حيث أدى هذا التداعي السريع للبنية السيادية للدولة السودانية، وموجات الحركة البشرية المليونية المتبادلة، إلى إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية وموازين القوى في مناطق التماس الحدودية.

تتجلى هذه التداعيات بوضوح في حالة التفاعل المتبادل بين الاضطراب الداخلي السوداني والهشاشة الأمنية في دول مثل تشاد وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى. ففي الشريط الغربي، لم تتوقف آثار التهجير والعودة عند حدود الأزمة الإنسانية، بل تجاوزتها لتلمس التوازنات العرقية والسياسية الحساسة داخل المكونات الاجتماعية التشادية، حيث تسببت التدفقات السكانية الهائلة العابرة للحدود في الضغط على الموارد الطبيعية والمائية المحدودة، وأوجدت بيئة خصبة للاستقطاب الإتني والسياسي المتجاوز للحدود الرسمية. وقد أدى هذا الواقع إلى ارتدادات أمنية داخلية في تشاد، تجلت في المخاوف المتزايدة لدى السلطات المركزية في إنجامينا من احتمال انتقال شرارة الصراع المسلح والسلاح المنتشر في إقليم دارفور إلى داخل الأراضي التشادية عبر الشبكات القبائلية الممتدة على جانبي الحدود.

وفي الجنوب، تسببت تدفقات النازحين والعائدين السودانيين والجنوب سودانيين في تعميق الأزمة الاقتصادية والسياسية الممتدة في جمهورية جنوب السودان، والتي تعاني أساساً من هشاشة اتفاق السلام المبرم وتدهور قدراتها البنيوية على تقديم الخدمات العامة. إن حالة الاكتظاظ الشديد في مناطق الترانزيت الحدودية كبلدة الرنك قد حولت الشريط الحدودي إلى منطقة احتكاك أمني واقتصادي، تتقاطع فيها أنشطة الجماعات المسلحة غير النظامية مع شبكات التهريب الدولية، مما يهدد بتقويض الاستقرار الشكلي في الولايات الشمالية لجنوب السودان ويزيد من تعقيد المشهد السياسي في جوبا.

أما على صعيد المحور الشمالي والشرقي، فإن التأثيرات الجيوسياسية لم تكن أقل خطورة، وإن اتخذت طابعاً مؤسسياً وسيادياً أكثر صرامة. فقد وجدت كل من مصر وإثيوبيا وإريتريا نفسها أمام معادلة أمنية وإقليمية معقدة، تتطلب المفاضلة بين الالتزامات الإنسانية والأخلاقية تجاه الشعب السوداني وبين المخاطر الأمنية والاقتصادية المترتبة على استضافة أعداد غفيرة من النازحين في ظل أزمات اقتصادية عالمية وإقليمية خانقة. أدى هذا الواقع إلى تحول سياسات دول الجوار تدريجياً نحو أطر تنظيمية حذرة، تميل إلى إدارة الحركة عبر الحدود بوصفها قضية ضبط سيادي وأمني مرتفع الخطورة، وهو ما تجلى في تشديد إجراءات التأشيرات والإقامات، وزيادة انتشار القوات الأمنية والمراقبة الميدانية على المعابر والمنافذ الصحراوية.

يقدم التقرير وثيقة ضمنية تكشف عن حدود وقصور المنظومة الدولية لإدارة الأزمات الإنسانية في مواجهة النزاعات الحديثة المتسمة بالسيولة والتعقيد. إن النموذج الإنساني التقليدي الذي يعتمد على استجابة خطية تبدأ بتقديم المساعدات الطارئة في معسكرات اللجوء الحدودية ثم الانتقال المباشر إلى حلول إعادة الإستقرار أو العودة الطوعية، قد انهار كلياً أمام الواقع السوداني الذي تتداخل فيه عمليات النزوح الداخلي، والفرار عبر الحدود، والعودة القسرية والترددية في آن واحد.

تتجلى أزمة الدبلوماسية الإنسانية في الفجوة التمويلية الهائلة التي تواجهها المنظمات الأممية والهيئات الإغاثية الدولية، حيث تسبب تراجع التمويل الدولي والإجهاد المالي لدى الدول المنحة في عجز قياسي عن تلبية الحدود الأدنى من احتياجات الملايين من المتأثرين بالحرب داخل السودان وفي دول الجوار. هذا العجز التمويلي تسبب بدوره في دفع المنظمات الإنسانية إلى تقليص حصص المساعدات الغذائية والرعاية الصحية في معسكرات الشتات، مما حول هذه المعسكرات من مناطق حماية إلى بيئات ضاغطة تجبر العائلات على المخاطرة بالعودة إلى مناطق الصراع والهشاشة الأمنية في الداخل السوداني.

كما أظهرت التطورات الميدانية عجز الآليات الدولية عن حماية المدنيين والعائدين خلال رحلات العبور الشاقة عبر الصحارى والمسارات غير الرسمية. وتكشف المعطيات عن أن شبكات الدعم الإنساني الدولي غالباً ما تظل محصورة في نقاط مراقبة ثابتة ومراكز محددة لا تغطي سوى نسبة ضئيلة من الفضاء الحدودي المترامية أطرافه، مما يترك الغالبية العظمى من العابرين تحت رحمة الشبكات غير الرسمية، وسماسرة الحدود، والجماعات المسلحة التي تفرض إتاوات ورسوماً باهظة على الحركة. هذا الانفصال بين آليات الإغاثة الدولية وواقع الحركة الميدانية يعكس حاجة ماسة إلى إعادة التفكير في فلسفة “العمل الإنساني العابر للحدود”، وتحويله من نموذج الاستجابة البيروقراطية الثابتة إلى نموذج ديناميكي مرن يرافق حركة السكان ويتكيف مع خياراتهم التكيفية الصعبة.

بناءً على المعطيات الإحصائية الممتدة بين يناير 2024 وأغسطس 2026، يمكن تحليل المستقبل الجيوسياسي والديمغرافي للحركة عبر الحدود السودانية من خلال ثلاثة سيناريوهات استشرافية رئيسية تحكم مسار النزاع والسياسات الإقليمية.

يقوم السيناريو الأول، وهو سيناريو “السيولة الترددية الممتدة”، على فرضية استمرار حالة اللا حسم العسكري والسياسي في السودان، مع بقاء النزاع المسلح في مستويات متفاوتة من الشدة بين الولايات. في هذا السيناريو، ستتحول حركة العبور عبر الحدود إلى نمط حياة  ودائم للغالبية العظمى من السكان المتأثرين، حيث يستمر الاعتماد على التنقل الترددي الدائري بين دول الشتات والداخل السوداني. ستظل الأسر تقسم أفرادها بين مناطق الاستضافة في الخارج لاستثمار الفرص التعليمية أو الإغاثية المتاحة، وبين ولايات الموئل الأصلي لحماية الملاك والعقارات وإنتاج الغذاء المحلي. سيتطلب هذا السيناريو من المنظمات الدولية إيجاد أطر قانونية وإنسانية مرنة تعترف بـ “المواطنة العابرة للحدود” وتسهل الحركة الترددية بدلاً من معاملتها كعقدة إدارية أو حركة غير شرعية.

أما السيناريو الثاني، وهو سيناريو “الانكماش الأمني والإبعاد القسري”، فيفترض تتصاعد ضغوط الأزمات الاقتصادية والسياسية داخل دول الجوار الإقليمي، مما يدفع حكومات هذه الدول إلى اتخاذ قرارات متشددة تنطوي على إغلاق المعابر الحدودية، وتشديد إجراءات الترحيل الإداري والأمني، وإلغاء برامج العودة الطوعية المدارة. سيؤدي هذا السيناريو إلى تدفقات عودة قسرية وحاشدة لنحو مئات الآلاف من السودانيين نحو الداخل، دون أن تقابلها استعادة حقيقية للخدمات أو استتباب للأتتجسد أولى معالم هذه الهشاشة المركبة في الفراغ المؤسسي  الذي يكتنف أقاليم ومناطق العودة، حيث لم تكن الحرب الدائرة مجرد مواجهة عسكرية محصورة بين أطراف متصارعة، بل كانت في جوهرها عملية تفكيك ممنهجة لما تبقى من أجهزة الدولة المحلية وأطر الحوكمة الإدارية والتنفيذية. إن المناطق التي يتدفق إليها العائدون تتميز بتآكل كامل للسلطات الإدارية وتداعي أجهزة إنفاذ القانون، مما يترك مجتمعات بأكملها دون غطاء أمني رسمي أو مرجعية قضائية قادرة على حماية الملكيات وفض النزاعات اليومية الناشئة. وفي هذا الفراغ، تصبح مسألة الأرض والأصول العقارية والزراعية شعلة كامنة كفيلة بإشعال صراعات مجتمعية جديدة؛ إذ إن عدداً كبيراً من العائدين يستفيقون على واقع مؤلم وجدوا فيه أن أراضيهم التاريخية ومنازلهم الخاصة قد احُتلت من قبل مجموعات أخرى، أو تم الاستيلاء عليها في أتون الفوضى والعنف المسلح الذي رافق موجات الفرار الأولى. هذا التداخل بين الضياع المستندي واغتصاب الممتلكات يتسبب في تفاقم التوترات العرقية والقبائلية، ويولد شعوراً عميقاً بالإجحاف لدى العائدين الذين يجدون أنفسهم بلا مأوى في القرى والمدن التي ولدوا فيها. وما يزيد الأمر تعقيداً هو تراجع أدوار الإدارة الأهلية والهياكل العرفية التقليدية التي كانت تشكل، عبر العقود الماضية، خط الدفاع الأخير وصمام الأمان لفض النزاعات والتوافق على استخدام الموارد؛ إذ إن هذه القيادات العرفية لم تسلم هي الأخرى من آثار الحرب، حيث تعرضت للتسييس والاستقطاب الحاد، أو فقدت ثقلها المعنوي وقدرتها التشغيلية على فرض التسويات العادلة والتصدي للتجاوزات. وبذلك، فإن غياب أطر الملكية المستقرة وفقدان وثائق الثبوتية الرسمية التي احترقت في دور الأرشيف الحكومية أو ضاعت في دروب الفرار يخلقان حالة من السيولة القانونية، تجعل المواطن أو المزارع العائد يتردد ملياً قبل استثمار أي جهد أو مال في استصلاح أرضه أو بناء بيته، إدراكاً منه بأن منشآته وأصوله قد تتجرد منه في أية لحظة بفعل نزاع طارئ أو جولة جديدة من العنف الناجم عن عدم انضباط السلاح.

ويتوازى مع هذا التداعي المؤسسي تدهور حاد وممتد في الاقتصاد المحلي المحرك لسُبل العيش الإنسانية، حيث دخلت القطاعات الإنتاجية التقليدية في حالة من الشلل الفعلي الذي يهدد بتقويض مقومات الحياة اليومية. إن المنظومة الزراعية والحيوانية، التي تمثل شريان الحياة الأكبر لغالبية السكان في الأقاليم السودانية المختلفة، تعرضت لضربات متلاحقة تمثلت في نهب الأصول الإنتاجية، وفقدان مخزونات التقاوي والبذور المعتمدة، وتدمير الآلات والجرارات الزراعية، فضلاً عن الارتفاع الجنوني في أسعار الوقود والمدخلات الأساسية. هذا الانهيار في الدورة الإنتاجية الزراعية لم يقتصر على تقويض الأمن الغذائي الذاتي للأسرة العائدة فحسب، بل أدى إلى قطع خطوط التبادل التجاري والتدفقات السلعية بين الأرياف والمدن الرئيسية، مما جرّ الإقليم إلى حالة من الاكتفاء الذاتي الهش والمستويات الدنيا من الكفاف. وفي ظل هذه البيئة المأزومة، نشأت وتغذت هياكل اقتصادية طفيلية وموازية تُعرف بـ “اقتصاد الحرب”، وهي شبكات أنشطة تعتمد بشكل أساسي على التهريب، واحتكار السلع الأساسية، والجباية غير القانونية وفرض الرسوم العشوائية عند نقاط التفتيش والسيطرة المنتشرة على امتداد الطرق القومية والولائية. هذه الأنماط الاستغلالية أدت إلى ارتفاع معدلات التضخم إلى أرقام قياسية، واختفاء شبه تام للقدرة الشرائية لدى المواطن العادي الذي فقد مدخراته وعمله. أضف إلى ذلك، فإن الشلل المالي الذي أصاب المنظومة المصرفية الوطنية وتوقف التحويلات المالية في كثير من الأحيان قد أفقدا الأسر العائدة القدرة على تلقي الدعم من ذويها في المهاجر، لتتحول استراتيجيات الحياة إلى معركة يومية مضنية ومستنزفة فقط للحصول على الحد الأدنى من السعرات الحرارية ومياه الشرب النقية. إن الفرد العائد، الذي كان يطمح إلى ترميم حياته وإعادة تشغيل نشاطه التجاري أو الزراعي، يجد نفسه مكبلاً بشروط اقتصادية قاهرة تمنعه من التخطيط لما هو أبعد من يومه، مما يكرس حالة الهشاشة المادية ويسلب الإقليم أي أفق للتعافي الذاتي أو التراكم الرأسمالي.

وعلى الصعيد الاجتماعي والديموغرافي، تعاني البنية المجتمعية في مناطق الاستقرار المؤقت من تخلخل عميق وتدهور حاد في التماسك والشبكات التضامنية، نتيجة الشكوك والمخاوف المتبادلة التي فرزتها سنوات الاقتتال والاستقطاب الإعلامي والمناطقي. إن عودة النازحين واللاجئين إلى أقاليمهم لا تتم في بيئة محايدة، بل تتداخل مع واقع ديموغرافي معقد فرضته سنوات الحرب وتغير خريطة السكن والسيطرة. تتولد في كثير من الأحيان حساسية مفرطة وتوترات صامتة بين المجتمعات المحلية المضيفة التي تحملت عبء الأزمة طوال الأشهر الماضية وبين العائدين الجدد؛ إذ ينظر بعض السكان المحليين إلى التدفقات البشرية الجديدة بعين القلق، باعتبارها عاملاً مضاعفاً للضغط على الخدمات الأساسية المتهالكة أساساً، مثل محطات المياه النادرة، المراكز الصحية المفتقرة للأدوية، والأسواق المحلية شحيحة البضائع. في المقابل، يشعر العائدون بنوع من الاقصاء والغربة النفسية داخل مناطقهم الأصلية، حيثُ ينظر إليهم أحياناً بكسر من الشك حول ولاءاتهم أو دوافع عودتهم، مما يُغذّي مشاعر الغبن والاحتقان الداخلي. وتزداد هذه المشهدية خطورة مع الانتشار السريع للشائعات، وخطاب الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي، والتجييش القبلي والمناطقي الذي يستدعي مظالم الماضي ويعيد إنتاجها لتشذير النسيج الاجتماعي وتقسيم المجتمع إلى فئات ومكونات متناحرة. إن غياب الفضاءات العامة الجامعة والمبادرات الثقافية والمدنية القادرة على إدارة الحوار البناء يمنع إعادة بناء الثقة المفككة، ويدفع الأفراد إلى الانكفاء والتقوقع داخل انتماءاتهم الأوليّة والضيقة بحثاً عن الحماية والأمان. وبدلاً من أن تكون العودة بوابة للتعافي الوطني والرأب الاجتماعي، فإنها تتحول في ظل غياب أطر العدالة الانتقالية والمصالحة الشاملة إلى ساحة هشّة تحوي صراعات مكتومة ومؤجلة، تنتظر فقط شرارة بسيطة لتتحول إلى مواجهات مفتوحة.

ولا تقف حدود هذه الأزمة المركبة عند الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية، بل تمتد لتلقي بظلالها الثقيلة على البعد النفسي والوجداني والسلوكي للسكان العائدين، الذين يحملون في ذاكرتهم الفردية الجمعية تراكمات صدمية غائرة ناجمة عن مشاهد العنف المسلح، والفرار القسري، وفقدان الأقارب والممتلكات، والانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها خلال رحلة الرحيل والنزوح. إن هذه الأزمات النفسية والاضطرابات المترتبة على الصدمات المتكررة تتفاقم وتتجذر في غياب تام ومطلق لخدمات الدعم النفسي والاجتماعي، وانعدام المراكز الصحية والنفسية المتخصصة في أقاليم السودان المختلفة، مما ينعكس بشكل مباشر وسلبي على العلاقات الأسرية، ويزيد من معدلات العنف الأسري والتفكك الاجتماعي والإنهاك الفردي. وفي هذا السياق المأزوم، تتحمل النساء والفتيات الثقل الأكبر والأكثر إيلاماً من هذه المعاناة الإنسانية؛ فقد وجدت أعداد هائلة من النساء أنفسهن وفجأة في موقع المعيلات الوحيدات لأسرهن بعد مقتل الأزواج أو المباشرين، أو اختفائهم قسرياً، أو التحاقهم بجبهات القتال. تخوض المرأة العائدة معركة يومية شرسة لتوفير أسباب البقاء لأطفالها في ظل ظروف تفتقر إلى الأمان الشخصي والخصوصية، وتنكشف فيها لمخاطر مضاعفة من الاستغلال والتهميش والتعنيف، مع انعدام شبكات الأمان الاجتماعي الرسمية. وعلى التوازي مع ذلك، يواجه قطاع الأطفال والشباب جائحة جيلية غير مسبوقة؛ إذ إن انقطاع العملية التعليمية لعدة سنوات متتالية، وإغلاق المدارس والجامعات أو تحويلها إلى مراكز إيواء للنازحين أو ثكنات عسكرية، قد حرم ملايين التلاميذ والطلاب من حقهم الأولي في المعرفة والنماء الفكري. هذا الحرمان التعليمي الممتد لا يهدد فقط بإنتاج جيل فاقد للمهارات التعليمية والأكاديمية الأساسية، بل يجعله فريسة سهلة للاستقطاب من قبل الحركات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة، أو يدفعه نحو اليأس المحبط والهجرة غير الشرعية والمخاطرة بالحياة في الصحاري والبحار فراراً من واقع خالي من الفرص والتطلعات. إن الكلفة البشرية والاجتماعية لهذا التردي الفكري والنفسي تتجاوز الخسائر المادية المباشرة، لأنها تضرب قدرة المجتمع على إنتاج القيادات والمهارات والموارد البشرية الكفيلة بإدارة عمليات التنمية والإعمار في المستقبل.

وفي خضم هذه الشباك المعقدة من الأزمات الإنسانية والتركيبية، تنكشف بجلاء المحدودية لاستجابة منظومة الإغاثة والعمل الإنساني الدولي. فرغم الجهود التي تبذلها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية، فإن هذه التدخلات تظل في معظمها محصورة في النطاق الضيق للإغاثة الطارئة والعاجلة، المتمثلة في توزيع السلال الغذائية المحدودة، ونصب الخيام، وتوفير بعض أدوات النظافة والإمدادات الطبية الأولية. وهي تدخلات، رغم أهميتها القصوى والحرجة في إنقاذ الأرواح في اللحظات الحادة، تعجز بطبيعتها وفلسفتها التشغيلية عن معالجة المسببات الجوهرية للأزمة، أو المساهمة الحقيقية في تحريك عجلة التعافي التنموي وإعادة بناء الأصول الإنتاجية للمجتمعات. علاوة على ذلك، تعاني العمليات الإنسانية الدولية في الجغرافيا السودانية من قيود بنيوية خانقة، تبدأ من العجز التمويلي الصارم ونقص الاستجابة للنداءات الإنسانية من قبل الدول المنحة، ولا تنتهي عند العقبات اللوجستية، والمعوقات البيروقراطية، ورفض أذونات الحركة، والتهديدات الأمنية المتزايدة على خطوط الإمداد والفرق الميدانية. وفي مواجهة هذا الانكفاء والقصور في العون الخارجي، برزت المبادرات المجتمعية والتضامنية المحلية كبديل أخلاقي وعملي يمثل شريان الحياة الوحيد والمستدام للمواطنين. لقد قادت “غرف الطوارئ” واللجان القاعدية التطوعية والمبادرات الشبابية في مختلف القرى والأحياء ملحمة إنسانية استثنائية، حيث تولت إدارة المطابخ الجماعية (التكايا)، وتجهيز المراكز الصحية البديلة بالجهود الذاتية، وتوفير المأوى وشبكات التكافل للأسر العائدة والمعدمة. غير أن هذه المبادرات الشعبية، رغم جسارتها وأهميتها الوجودية في تخفيف غلواء الكارثة، أضحت تعمل تحت وطأة إجهاد شديد ونفاذ حاد في الموارد المالية والعينية، فضلاً عن استهداف كوادرها ومطاردتهم أمنياً في كثير من الأحيان. ومن هنا، يتبين أن التضامن المجتمعي العفوي، مهما بلغت درجة صلابته ونبله، لا يمكن أن يشكل بديلاً كاملاً عن الدولة ومؤسساتها التنموية والخدمية، ولا يمكنه تحمل أعباء إعادة الإعمار الشامل دون إسناد دولي وإقليمي منظم ومستدام.

إن القراءة المتأنية لمجمل هذه التفاعلات تفضي إلى حقيقة ناصعة مفادها أن الاستجابة الراهنة لملف العودة وإعادة الإدماج تعاني من اختلال مفهوماً واستراتيجياً قاتلاً؛ حيث يتم التعاطي مع عودة النازحين واللاجئين باعتبارها حدثاً موجزاً وإجراءً لوجستياً ينتهي بمجرد عبور العائلات لنقاط التفتيش الحدودية أو وصولها إلى قراها ومدنها الأصلية. هذا الاختزال الإجرائي يغفل عن حقيقة أن “العودة” ليست مجرد حركة مكانيّة أو انتقالة جغرافية، بل هي عملية سياسية، واقتصادية، واجتماعية معقدة وطويلة الأجل، تتطلب إعادة صياغة العقد الاجتماعي المحلي وتوفير الشروط البنيوية التي تحول دون انتكاس الاستقرار الصغير المتحقق. إن إسقاط متطلبات السلام والتنمية المستدامة من معادلة العودة يحول هذه المجتمعات العائدة إلى مجتمعات “معلقة” في برزخ الهشاشة؛ فلا هي قادرة على العودة إلى المعسكرات ودول الجوار التي ضاقت بها ولفظتها ظروف التمويل والتضييق السكاني، ولا هي قادرة على البناء والتمكين في بلدها الذي يفتقر إلى الأمن والاستثمار والمؤسسات الضامنة. إن النهج الترقيعي القائم على الحلول المؤقتة وتأجيل الاستحقاقات التنموية والسياسية لن يؤدي إلا إلى تجذير دورات الفقر والتهميش، وتغذية بيئة خصبة لإعادة إنتاج العنف والنزوح المضاد. فالأسرة التي تعود اليوم تحت ضغط الظروف القاهرة في دول اللجوء دون أن تجد مدرسة لأطفالها، أو مستشفى لعلاج جرحاها، أو مصدر دخل كريم يقيها ذل الحاجة، ستكون أول من يحمل أمتعتها ويرحل مجدداً مع أول طلقة نارية أو أزمة غذائية قادمة. إن تجنب هذا السيناريو الدائري المظلم يقتضي تحولاً جذرياً في التعاطي مع الشأن السوداني، يتجاوز المنظور الإغاثي الضيق نحو رؤية استراتيجية متكاملة تربط بين العمل الإنساني، وإعادة الإعمار التنموي، وتأسيس عملية سياسية شاملة تخاطب الجذور التاريخية للأزمة وتضمن العدالة والمواطنة المتساوية لجميع أبناء وبنات الوطن.

تتقاطع هذه الاختلالات  أيضاً مع الانهيار المترابط في البيئة التحتية، والتي تشكل العمود الفقري لأي عملية استقرار أو تعافٍ مجتمعي. فالمدن والقرى التي تستقبل العائدين لم تسلم شبكاتها الأساسية من التدمير والنهب والتهميش الممتد؛ إذ تعرضت محطات توليد الكهرباء، ومحطات تنقية المياه، وشبكات الاتصالات، والطرق الرابطة بين الولايات لخراب واسع أخرجها عن الخدمة كلياً أو جزئياً. إن غياب المياه الصالحة للشرب لا يمثل مجرد معاناة يومية للحصول على جائحة عطش، بل يتعدى ذلك ليصبح سبباً رئيسياً في تفشي الأمراض والأوبئة الفتاكة مثل الكوليرا وحمى الضنك والشيكونغونيا، في ظل انهيار شبه كامل للقطاع الصحي المستنزف وإغلاق غالبية المستشفيات والمراكز العلاجية. وتتفاقم هذه الكارثة مع انقطاع شبكات الاتصالات والإنترنت لفترات طويلة، وهو ما أدى إلى عزلة كاملة لأقاليم بأكملها عن العالم الخارجي وعن باقي أجزاء السودان، مما أحدث شللاً تاماً في الحركة الاقتصادية وقيد قدرة الأسر على التواصل مع أقاربهم في الخارج أو استقبال التحويلات المالية الحيوية التي تشكل شريان الحياة الوحيد للملايين. إن الحياة في ظل انعدام الضوء، وشح المياه، وانقطاع سبل التواصل تحيل اليوم العادي للعائدين إلى سلسلة متصلة من المكابدة والمغامرة اليومية في أخص المقومات الإنسانية. هذا الواقع البئيس يرسخ شعوراً عارماً بالتهميش والإهمال لدى المواطنين، الذين يرون أن تضحياتهم وصمودهم في أراضيهم لا يُقابل بأي جهد حقيقي لإعادة إصلاح ما دمرته الحرب، مما يضعف الرغبة في البقاء ويدفع حتى أكثر الفئات تمسكاً بأرضها إلى التفكير الملي في الهجرة والنزوح مجدداً نحو الهوامش والملاذات الأقل إيلاماً.

وعلى المستوى السياسي والسيادي، فإن قضية العودة والتكيف في السودان تظل رهينة بالغياب التام لأي أفق حل سياسي شامل ومستدام ينهي النزاع المسلح ويوقف نزيف الحرب. طالما بقيت إرادة الحرب هي السائدة لدى الأطراف المتصارعة، وطالما ظلت خطوط التماس والقتال متغيرة وقابلة للاشتعال في أية لحظة، فإن كافة جهود إعادة الإدماج والتعافي ستظل جهوداً هشة ومحكومة بالتقلبات الميدانية والعسكرية. إن حالة السيولة الأمنية وتعدد الفصائل المسلحة والميليشيات والتشكيلات خارج إطار الدولة تخلق بيئة من اللاحتمية واللااستقرار الشامل، حيث يصبح المواطن العائد عرضة للانتهاكات والتجنيد القسري والجباية القسرية والاعتقال التعسفي بناءً على الهوية أو الانتماء الجغرافي. إن عملية البناء والسلام الشامل لا يمكن أن تتحقق عبر اتفاقات جزئية أو ترتيبات أمنية معزولة لا تخاطب القضايا الجوهرية المتصلة بطبيعة الحكم، وتوزيع الثروة والسلطة، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، وإقرار مبادئ المحاسبة والعدالة الانتقالية التي تضمن عدم الإفلات من العقاب. وبدون إرساء هذه الأسس السياسية الصلبة، ستبقى أقاليم السودان المختلفة تدور في الحلقة المفرغة ذاتها؛ دورة تنتهي فيها موجة نزوح لتبدأ موجة أخرى، وتنكسر فيها آمال الاستقرار على صخرة الاستقطاب والتطاحن السياسي. إن استعادة الحياة الكريمة للمواطن السوداني على أرضه لا تتطلب مجرد توزيع المساعدات أو فتح المعابر الحدودية، بل تستدعي إرادة وطنية ودولية جادة تؤسس لدولة المواطنة وسيادة القانون، وتجعل من الإنسان السوداني وكرامته وأمنه المحور الأساسي والأول لأي مشروع سياسي أو تنموي قادم.

*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى