رحلة البحث عن الكينونة والمعنى

نتناول كتاب “ما كانت عليه الفلسفة، وما هي عليه، وما يمكن أن تكون: مقدمة تاريخية موجزة” (Was Philosophie war, ist und sein kann. Eine kurze historische Einführung) للفيلسوف أولريش شتاينفورت. يمثل هذا العمل محاولة لقراءة تاريخ الفلسفة وتطورها عبر العصور، بأسلوب يسعى لتوضيح المعالم الكبرى للتحولات الفكرية البشرية.
يبدأ شتاينفورت رحلته بتأكيد حقيقة تاريخية طالما تم تجاهلها في أروقة الجامعات الحديثة، وهي أن الفلسفة في جوهرها كانت دائماً مشروعاً محفوفاً بالمخاطر، بل وممارسة تتسم بالتعصب في بعض الأحيان. لم تكن الفلسفة قديماً مجرد ترف فكري يمارس في صالونات هادئة، بل كانت نشاطاً يكلف أصحابه الكثير؛ فقد تعرض طاليس للمضايقات، ونُفي أناكساجوراس، ودفع سقراط حياته ثمناً لأفكاره. وفي خضم هذا المسار المحفوف بالمخاطر، كان الفلاسفة أنفسهم يتبادلون الاتهامات بخيانة الفلسفة، وأسسوا مدارس وجماعات منغلقة لحماية أفكارهم ونقائها من تأثيرات الفلاسفة الآخرين. هذا الواقع التاريخي القلق يتناقض بوضوح مع الصورة المعاصرة للفلسفة التي تُدرس في الجامعات والمدارس اليوم، حيث يميل الفلاسفة المعاصرون إلى التأكيد على انفتاح نشاطهم وتقبلهم لكل فهم ممكن للفلسفة.
ومع ذلك، يرى المؤلف أن الصراع القديم والأهم حول ماهية الفلسفة ذاتها لا يزال حياً يُرزق، وهو الصراع الذي تجلى في أوضح صوره بين أفلاطون وبروتاغوراس. هذا الصراع ليس مجرد خلاف تاريخي، بل هو تأسيس مبكر لما يمكن تسميته بالأيديولوجيا. ففي الوقت الذي كان فيه الجمهور، قديماً وحديثاً، نادراً ما يدرك الفروق الدقيقة بين الفلاسفة، نجد أن كاتب الكوميديا اليوناني أريستوفانيس، شأنه شأن معظم معاصريه في أثينا، كان ينظر إلى سقراط باعتباره مجرد مدعٍ للمعرفة وسفسطائي يستحق العقاب. ويمتد هذا الخلط إلى يومنا هذا، حيث يشير الكاتب إلى أن العديد من الفلاسفة المعاصرين قد يعجزون عن تحديد الخط الفاصل بدقة بين الفلسفة المعترف بها والأيديولوجيا المذمومة.
تتجلى جذور هذا الانقسام في مقولة بروتاجوراس الشهيرة بأن الإنسان هو معيار كل شيء، مما يعني أن الحقيقة هي ما يبدو صحيحاً للإنسان، أو للأغلبية، أو للنخبة التي تصنع الرأي العام. هذا المفهوم، كما يطرحه الكاتب، يتوافق بشكل كبير مع الديمقراطية، ولكنه يقف على النقيض تماماً من أطروحة أفلاطون التي تصر على أن الواقع وحده هو الذي يقرر ما هي الحقيقة، وليس آراء البشر. من هنا، يوضح شتاينفورت أن الصراع بين بروتاجوراس وأفلاطون يفرز مفهومين لا يمكن التوفيق بينهما للفلسفة؛ الأول يرى فيها وسيلة لخلق الآراء وصناعة القناعات باستخدام قوة الكلمات بدلاً من الأسلحة، بينما يرى المفهوم الثاني أن الفلسفة هي أداة لاكتشاف الحقيقة، مما يجعلها قابلة للمقارنة مع الرياضيات، وإن كانت قابلة للتطبيق أيضاً في مجال السياسة. ووفقاً للمفهوم الأول، تصبح المعرفة مجرد رأي تتبناه البشرية أو أغلبيتها، بينما يرى المفهوم الثاني أن الفلسفة هي النتيجة الحتمية للبحث في الواقع وفقاً لنموذج صارم يشبه الرياضيات.
يتبنى شتاينفورت في كتابه مفهوم أفلاطون كنقطة انطلاق، مدركاً ما يترتب على ذلك من عواقب سياسية كبيرة. ولكنه يفترق عن أفلاطون في نقطة جوهرية؛ فبينما افترض أفلاطون أننا نكتسب المعرفة من خلال “المثل”، يطرح الكاتب أن الفلسفة تكتسب معرفتها من خلال الإجابة على سؤالين أساسيين، وهما سؤالان يمنحان الفلسفة استقلالية تامة عن آراء الأغلبية، تماماً كما تستقل الرياضيات. هذان السؤالان، اللذان يعتبرهما الكثيرون جوهر الفلسفة والأسئلة “الميتافيزيقية” أو النهائية، يتعلقان بمعنى وجودنا والكون بأسره: “ماذا يعني كل هذا؟” و”ما هو الحقيقي وما هو الوهم؟”. ورغم أن فلاسفة كبار مثل غوتفريد فيلهلم لايبنيز ومارتن هايدجر قد دمجوا هذين السؤالين في سؤال واحد وهو: “لماذا يوجد شيء أصلاً بدلاً من اللاشيء؟”، إلا أن المؤلف يصر على التفرقة بينهما.
يطلق شتاينفورت على السؤال الأول “سؤال المعنى” وعلى الثاني “سؤال الكينونة” أو الوجود. هذه التفرقة مركزية في أطروحة الكتاب، لأن الإجابة على “سؤال الكينونة” هي التي مهدت الطريق لظهور العلم الحديث، بينما ظل “سؤال المعنى” باقياً في حضن الفلسفة. هذا التطور التاريخي يفسر، بحسب الكاتب، لماذا لا يمكننا فهم الفلسفة بمعزل عن تاريخها، ولا بمعزل عن هذين السؤالين المحددين. هذان السؤالان جوهريان لأنهما يمسّان كل شيء يمكن التفكير فيه أو تخيله؛ فنحن مضطرون دائماً للتساؤل عما إذا كان الشيء حقيقياً وماذا يعني. يرى الكاتب أن هذا التساؤل ضروري للبقاء، فالبشر يفقدون الدافع للحياة إذا عجزوا عن إيجاد معنى لها، أو إذا فشلوا في التمييز بين الحقيقة والوهم. ومع ذلك، فإن هذين السؤالين ليسا ثابتين عبر الزمن، بل تتغير دلالاتهما عبر تاريخ الفلسفة، مما يجعلهما بمثابة مجمعات من الأسئلة المتشابكة.
ينتقل الكتاب بعد ذلك ليفصل كيف مهدت الفلسفة اليونانية لظهور العلم من خلال محاولتها الإجابة على سؤال الكينونة. يشير شتاينفورت إلى أن الفلسفة كانت دائماً مصدر جذب وتنافر في آن واحد، لأن سؤاليها الأساسيين يبدوان غريبين، وهذه الغرابة هي سر جاذبيتها ونفور البعض منها. وفي حين أن سؤال المعنى أصبح اليوم مقبولاً كنقطة بحث فلسفية، يظل سؤال الكينونة محتفظاً بغرابته التاريخية. فرغم وجود طرق عملية للتمييز بين الوهم والواقع في الحياة اليومية، كأن يقرص الإنسان نفسه، إلا أن الشك الفلسفي الجذري، كما طرحه رينيه ديكارت حين افترض أن العالم قد يكون مجرد وهم خلقه إله ماكر، يظل قائماً ومؤثراً. وقد أعاد فلاسفة وعلماء معاصرون صياغة هذا الشك، مثل هيلاري بوتنام في عام 1981 بافتراض أننا مجرد “أدمغة في وعاء”، وتابعه في ذلك إيلون ماسك مستنداً إلى أفكار نيك بوستروم حول احتمالية كوننا نعيش في محاكاة متطورة.
بدأت الفلسفة اليونانية في أوائل القرن السادس قبل الميلاد بالتصدي لسؤال الكينونة، وشككت في حقيقة الآلهة والعالم المحسوس، مما أثار حماس أقلية صغيرة وصدمة الأغلبية. وهنا يبرز أرسطو كأهم الفلاسفة الذين سعوا للتمييز بين الإنجازات الفلسفية الحقيقية والهراء، وقد عزز أرسطو المسار الذي حوّل الفلسفة تدريجياً إلى علم. يعود الكاتب إلى البدايات الأولى، إلى طاليس الملطي الذي كان موضع سخرية لأنه سقط في بئر أثناء تأمله السماء، ولكنه كان أيضاً موضع إعجاب. انطلق طاليس وتلميذه أناكسيماندر، ثم أناكسيمينس، في رحلة البحث عن المادة الأساسية للكون، أو ما أسماه الفيلسوف الأفلاطوني المحدث سمبليكيوس بـ “الأساس” أو الركيزة (hypokeimenon)، وهو الشيء الذي يكمن وراء كل الأشياء والظواهر المحسوسة، والذي يستحق وحده أن يُطلق عليه صفة الوجود أو الحقيقة.
سمى أناكسيماندر هذا الأساس بـ “اللامحدود” أو “اللا متناهي” (apeiron)، ووصفه بأنه المصدر الذي تنشأ منه كل السماوات والعوالم، وإليه تعود الأشياء عند فنائها وفقاً للضرورة. بينما كان طاليس وأناكسيمينس أكثر بساطة؛ فرأى الأول أن الماء هو الأساس، ورأى الثاني أنه الهواء. ورغم أن هؤلاء الفلاسفة الأوائل كانوا أقرب إلى من يعتقدون في ألوهية الطبيعة (Pantheists) من كونهم علماء بالمعنى الحديث، إلا أن إنجازهم الأكبر، كما يقرر الكتاب، يكمن في تحويلهم لموضوع كان يثير الخوف والتبجيل في النفوس إلى موضوع خاضع للتفكير العقلي وإصدار الأحكام.
لكن التطور الحاسم جاء مع بارمينيدس الذي تساءل عن السلطة التي يمكن أن يمتلكها التفكير وإصدار الأحكام. وجد بارمينيدس في العقل (nous) القاضي الإلهي والمعصوم من الخطأ للتمييز بين الوجود واللاوجود. لقد أسس بارمينيدس لإيمان مطلق بالعقل لم يتزعزع إلا في القرن التاسع عشر مع ظهور الهندسة اللاإقليدية، ثم انهار لاحقاً مع استبدال فيزياء نيوتن بفيزياء أينشتاين. أدت صرامة العقل عند بارمينيدس إلى توجيه نقد لاذع للمدرسة الملطية؛ فالعقل لا يخبرنا فقط أن الإلهي خالد، بل يخبرنا أيضاً أنه كامل. وبما أن الكمال يعني الثبات المطلق، لأن أي تغيير هو حركة إما نحو الكمال أو بعيداً عنه، فإن الإلهي، أو الجوهر الحقيقي للوجود، لا يمكن أن يكون شيئاً تتولد منه الأشياء وتفنى فيه، لأن ذلك يجعله متغيراً. وخلص بارمينيدس إلى أن الوجود الحقيقي يجب أن يُفكر فيه ككيان غير متغير وخالد ومكتمل ككرة تامة الاستدارة، وأن كل ما هو محسوس في العالم التجريبي من تغير وحركة وزمن ليس سوى محض وهم. وقد دعم تلميذه زينون الإيلي هذا الطرح بمفارقاته الشهيرة التي تثبت الاستحالة المنطقية للحركة، كمفارقة أخيل والسلحفاة، مؤكداً أنه عندما يتناقض العقل مع الإدراك الحسي، يجب أن نعتبر الإدراك وهماً.
الراديكالية الفكرية التي جاء بها بارمينيدس وأتباعه الإيليون تسببت في أزمة معرفية عميقة للوعي اليوناني القديم؛ فقد أدى جزم بارمينيدس بأن الوجود واحد، خالد، وغير متغير، إلى تجريد العالم التجريبي المحسوس من أي قيمة واقعية، واعتبار كل حركة وتغير وتعدد مجرد وهم خادع للشيء لا يعتد به العقل. هذا المأزق المنطقي حتم على الفلاسفة الذين جاءوا بعده البحث عن صيغ جديدة تصالح بين الصرامة العقلية للإيليين وبين الواقع المادي الذي نعيشه ونشاهده يومياً، وهو ما أطلق شرارة التحولات الكبرى التالية في الفلسفة اليونانية.
بدأت محاولات الخروج من هذا الخناق الفكري مع فلاسفة التعددية والمادية، وفي مقدمتهم إمبيدوكليس وأناكساهوراس، ثم التبلور الأكثر نضجاً مع المدرسة الذرية التي أسسها ليوكيبوس وطورها ديموقريطس. اعتمد هؤلاء الفكر الصارم الذي يقر بأن الشيء لا يمكن أن ينشأ من العدم ولا يمكن أن يفنى إلى العدم، لكنهم رفضوا في الوقت نفسه نفي التغير. حل إمبيدوكليس هذه المعادلة بافتراض وجود أربعة عناصر أزلية ثابتة لا تتغير في جوهرها هي الماء والهواء والأرض والنار، وأن ما نراه من تكون للشيء أو تحلله ليس إلا اجتماعاً أو افتراقاً لهذه العناصر بفعل قوى المحبة والنزاع. وعلى نفس المنوال، ذهب أناكساهوراس إلى أن العالم يتكون من أجزاء صغيرة لا حصر لها تحتوي على طبائع الأشياء كلها، وتنتظم بفعل العقل الكلي الذي يحركها. أما ديموقريطس، فقد أحدث قفزة نوعية في تاريخ الفكر المادي عندما طرح فكرة الذرات؛ وهي أجزاء صلبة غير قابلة للتقسيم ولا تتغير، تتساقط وتحرك في الفراغ، وتشكل بتشابكها وافتراقها كل ما نراه في الكون. لقد أسست هذه التفسيرات الميكانيكية للمادة اللبنات الأولى للفكر العلمي الحديث، حيث جرى تحويل “سؤال الكينونة” من مجرد تأملات ميتافيزيقية إلى دراسة للطبيعة وقوانين الحركة والتراكيب المادية.
غير أن هذا الاندفاع نحو تفسير الطبيعة المادية سرعان ما اصطدم بتحول اجتماعي وسياسي كبير في أثينا خلال القرن الخامس قبل الميلاد. ومع ازدهار الديمقراطية الأثينية وصعود الحاجة إلى الخطابة والقدرة على الإقناع في المحاكم والمجالس السياسية، ظهر السفسطائيون ليزيحوا مركز الثقل الفلسفي من البحث في طبيعة الكون إلى البحث في الإنسان والمجتمع والقوانين. وفي حين قدم السفسطائيون خدمات جليلة في تعليم الفصاحة ونقد الموروثات، إلا أن اتجاههم المنفعي ورؤيتهم النسبية للحقيقة – كما تجلت في أطروحة بروتاغوراس – أدت إلى تجريد الحقيقة والأخلاق من أي أساس موضوعي، ليصبح الحق والباطل مجرد مسألة بناء لغوي وإقناع جماهيري. في هذا الجو المحموم بالشكوك والنزاعات اللفظية، برز سقراط ليمثل نقطة تحول مفصلية في تاريخ الفكر البشري.
لم يخلف سقراط كتاباً مدوناً، لكن نهجه الشفهي وأسلوبه في التفكير غيرا وجه الفلسفة للأبد. نزل سقراط بالفلسفة من السماء إلى الأرض، متخلياً عن الانشغال الكوني لمصلحة التفتيش الدقيق في النفس البشرية والمفاهيم الأخلاقية مثل العدالة، والفضيلة، والخير، والجمال. اعتمد سقراط نهجه الحواري الشهير القائم على توليد الأفكار؛ حيث يبدأ بتمثيل الجهل واقتراح أسئلة بسيطة على محدثيه من الأدعاء أو عامة الناس، ثم يستدرجهم بكشف المناقضات في إجاباتهم ليصل معهم إلى إدراك أن ما كانوا يحسبونه معرفة يقينية لم يكن سوى آراء غير متمحصة. بالنسبة لسقراط، فإن المعرفة الحقيقية تبدأ بوعي المرء بجهله، والفضيلة ليست سوى المعرفة نفسها، مما يعني أن الشر ناتج عن الجهل لا عن القصد السوء. لقد ربط سقراط الفلسفة برباط وثيق بالممارسة اليومية والسلوك الأخلاقي، مؤكداً أن الحياة التي لا تخضع للتمحيص والمراجعة الدائمة هي حياة لا تستحق أن تُعاش. وقد كلّفه هذا التمسك الصارم بالحق وإزعاج السلطات السياسية والدينية حياته، لينتهي أمره بالإعدام بتهمة إفساد الشباب وازدراء آلهة المدينة، ملحماً بذلك إلى أن البحث عن الحقيقة قد يتطلب التضحية الأسمى.
شكلت محاكمة سقراط وموته جرحاً عميقاً في وجدان تلميذه البارز أفلاطون، مما دفعه إلى صياغة نسق فلسفي متكامل يهدف إلى حماية الحقيقة والأخلاق من النسبيات السفسطائية والتخبط السياسي. قام أفلاطون ببناء منظومته الفكرية على التمييز الحاسم بين عالمين: عالم الإدراك الحسي المتغير الذي نعيش فيه والذي تشوبه النقائص والظلال، وعالم المُثُل العقلية الثابتة والخالدة التي تحتوي على الحقائق المطلقة والأصول الشريفة لكل ما يوجد في العالم السفلي. وفي رؤيته المعرفية، فإن المعرفة بالحواس لا تمنحنا سوى آراء وظنون متغيرة، بينما المعرفة الحقيقية تتأتى فقط من خلال العقل الذي يتذكر المُثُل التي عاينتها النفس قبل حلولها في الجسد. وقد صاغ أفلاطون هذا المعنى في أسطورة الكهف الشهيرة، حيث يشبه البشر بالسجناء المربوطين داخل كهف مظلم لا يرى أحدهم سوى الظلال الساقطة على جدار الكهف ويحسبونها الحقيقة الكلية، حتى يتحرر أحدهم ويخرج إلى النور الخارجي ليرى الشمس والأشياء على حقيقتها، وهو الفيلسوف الذي يتوجب عليه العودة للكهف لهداية زملائه، حتى لو تعرض للقتل أو السخرية.
ولم يكتف أفلاطون بالميتافيزيقا والمعرفة، بل مد أطروحته إلى المجال السياسي في كتابه “الجمهورية”، مبيناً أن الدولة العادلة هي التي تعكس في بنيتها نظام النفس البشرية ونظام المُثُل الإلهية. فقسّم المجتمع إلى ثلاث طبقات هي طبقة الحكام الفلاسفة الذين يمثلون قوة العقل، وطبقة الحراس الذين يمثلون الشجاعة والإرادة، وطبقة العمال والصناع الذين يمثلون الشهوة والمادة. ورأى أن العدالة لا تتحقق في الفرد أو في المدينة إلا عندما تخضع الشهوة والشجاعة لسيطرة العقل وإرشاده. وبذلك حاول أفلاطون أن يدمج “سؤال الكينونة” مع “سؤال المعنى”، مؤكداً أن معرفة الوجود الحقيقي هي الطريق الوحيد لإقامة حياة إنسانية فاضلة ودولة قائمة على الحق والعدل.
وعلى الرغم من الإبهار الكبير الذي أحدثه نسق أفلاطون، فإن تلميذه النجيب أرسطو سلك مساراً أكثر واقعية وتنظيماً، محثاً الخطى نحو تأسيس منهج استقرائي وتجريبي يُعنى بدراسة العالم المادي دون الحاجة إلى افتراض عالم مفارق للمُثُل. رفض أرسطو نظرية المُثُل الأفلاطونية، مشيراً إلى أن وضع صور أزلية بعيدة لا يحل مشكلة تفسير التغير والحركة في العالم المحسوس، بل يضاعف عدد المشاكل. وبدلاً من ذلك، طرح أرسطو مفهوم “الصورة والمادة”؛ فكل جسم مادي في هذا العالم ينطوي في ذاته على مادة أصلية تشكل إمكانيته، وصورة محددة تعطه ماهيته وخصائصه الفعلية. فخشب الشجرة مثلاً هو المادة، وصورة الكرسي هي التي تجعل من الخشب كرسياً بالفعل.
أدخل أرسطو مفهوم الحركة من خلال الانتقال من “القوة” إلى “الفعل”؛ فالطبيعة في نظرته ليست مادة جامدة بل هي عملية ديناميكية تسعى فيها الأشياء باستمرار لتحقيق غاياتها المكتنزة في صورها. ولتوضيح ذلك، وضع أرسطو نظريته الشهيرة في الأسباب الأربعة التي تفسر وجود أي شيء: السبب المادي (ما صنع منه الشيء)، والسبب الصوري (شكل الشيء وماهيته)، والسبب الفاعل (من أحدث الشيء)، والسبب الغائي (الهدف من وجود الشيء). هذه الغائية الأرسطية أعطت للكون معنى منظماً وعقلانياً، حيث يتحرك كل شيء نحو تحقيق كماله الطبيعي، وتتدرج الموجودات في سلم ارتقائي يبدأ من المادة الخام التي لا صورة لها، وصولاً إلى “المحرك الذي لا يتحرك”، وهو العقل الخالص والعلة الأولى التي تنجذب إليها كل الأشياء.
ولم تقف إنجازات أرسطو عند الميتافيزيقا والدراسات الطبيعية، بل امتدت لتشمل تأسيس علم المنطق الرمزي والصوري من خلال نظرية القياس، والتي أصبحت الأداة المعيارية الصارمة للتفكير المنظم لأكثر من ألفي عام. كما قام بتصنيف العلوم وتبويبها بدقة إلى علوم نظرية مثل الفيزياء والرياضيات والميتافيزيقا، وعلوم عملية مثل الأخلاق والسياسة، وعلوم إنتاجية مثل الشعر والخطابة. وفي مجال الأخلاق، رأى أرسطو أن الغاية الأسمى للسلوك الإنساني هي تحقيق السعادة، والتي لا تتم إلا من خلال الاستعمال الأمثل للعقل وتطبيق “الفيض الذهبي” أو الوسط العدل بين أطراف الإفراط والتفريط، فالشجاعة هي وسط بين الجبن والتهور، والسخاء وسط بين التبذير والبخل.
إن هذا التدرج التاريخي من صدمة بارمينيدس إلى المادية الذرية، ثم التحول السقراطي والتنظيم الأفلاطوني والأرسطي، يوضح كيف تحولت الفلسفة من مجرد حدوس أولية عن مكونات الطبيعة إلى أنظمة فكرية شاملة تمتلك أدوات تحليلية . لقد استطاع الفكر اليوناني في هذه المرحلة الذهبية أن يضع أطراً مرجعية صلبة لمعالجة سؤالي الكينونة والمعنى؛ فصارت الكينونة موضوعاً يخضع للبحث المنهجي في صورة مادة وقوانين وغايات، وصار المعنى يرتبط بمدى قدرة الإنسان على استخدام عقله لإدراك نظام الكون وتوجيه سلوكه الفردي والجمعي بناءً على هذا الإدراك. وبهذا الإنجاز الخالد، أعدت الفلسفة اليونانية الساحة لاستقبال التغيرات الكبرى التالية التي ستطرأ عليها مع امتداد العصر الهيلينستي ودخول الفلسفة في مواجهة وتفاعل مع الأديان التوحيدية الكبرى.
فبعد الاندياح الكبير الذي أحدثته الميتافيزيقا الكلاسيكية مع أفلاطون وأرسطو، شهد العالم القديم تحولات سياسية واجتماعية هائلة أزاحت الفلسفة من أبراجها النظرية التجريدية لتلقي بها في قلب الحياة اليومية والأسئلة الوجودية الملحة للإنسان الفرد. لقد أدّى انهيار نمط “المدينة-الدولة” اليونانية إبان فتوحات الإسكندر المقدوني وتأسيس الإمبراطوريات الواسعة إلى فقدان المواطن اليوناني لمركزيته السياسية وانتمائه المباشر لمجتمعه المألوف، مما ولد شعوراً عاماً بالغربة والاضطراب. وفي هذا السياق التاريخي الجديد، تحول مركز الثقل الفلسفي تدريجياً؛ فلم يعد السؤال الأساسي ينحصر في البحث عن المادة الأولى للكون أو بناء نسق ميتافيزيقي شامل للوجود، بل أصبح السؤال الأهم يتعلق بكيفية تحقيق السكينة النفسية والحياة العادلة وسط عالم يعج بالتحولات وعدم اليقين. هنا بالتحديد، أخذ “سؤال المعنى” يتصدر المشهد الفلسفي في العصر الهيلينستي، متجاوزاً الهيمنة المباشرة لـ “سؤال الكينونة”، دون أن يلغيه كلياً.
برزت المدرسة الأبيقورية كواحدة من أبرز الاستجابات الفكرية لهذا الواقع الجديد، حيث أسس أبيقور فلسفته على أساس مادي يرمي إلى تحرير الإنسان من المخاوف الكبرى التي تكبل روحه، وعلى رأسها الخوف من الآلهة والخوف من الموت. اعتمد أبيقور الفيزياء الذرية التي وضع أصولها ديموقريطس، مستنتجاً أن الكون يتكون كلياً من ذرات وفراغ، وأن الآلهة، وإن وجدت، فهي تعيش في عوالم قصية ولا تتدخل في شؤون البشر ولا تعاقبهم أو تثيبهم. ومن هذا المنطلق المادي، قرر أبيقور أن الموت لا يعني شيئاً بالنسبة لنا؛ فعندما نكون نحن موجودين لا يكون الموت موجوداً، وعندما يحضر الموت نكون نحن قد زلنا عن الوجود. وبناءً على ذلك، حدد أبيقور غاية الفلسفة في تحقيق الطمأنينة وخلو النفس من الاضطراب، متخذاً من اللذة المعنوية والبدنية المعتدلة معياراً للخير. لكن هذه اللذة لم تكن تعني إفراطاً في الملذات الحسية كما توهم بعض ناقديه، بل كانت تعني في جوهرها غياب الألم الجسدي والمعاناة النفسية، والاعتماد على الصداقة والتأمل الفلسفي وتلبية الحاجات الضرورية والسيطرة على الرغبات الزائفة.
في المقابل، ظهرت المدرسة الرواقية التي أسسها زينون الكيتيومي وطورها كريسيبوس، وصولاً إلى فلاسفتها الكبار في العصر الروماني مثل سينيكا وإبيكتيتوس والإمبراطور ماركوس أوريليوس، لتقدم رؤية مختلفة تقوم على الانضباط والالتزام بالنظام الكلي للكون. رأت الرواقية أن العالم كلٌّ واحدٌ حيٌّ يخضع لقانون عقلاني شامل هو “اللوجوس” أو العقل الكلي الذي يدبر كل الحوادث. ولأن كل ما يحدث في الطبيعة يحدث وفق قدر ومسار عقلاني، فإن فضيلة الإنسان الحقيقية تكمن في أن يعيش وفقاً للطبيعة، أي أن يواءم إرادته مع إرادة الكون. قسم الرواقيون أمور الحياة إلى فئتين حاسمتين: أفعال وأحداث تقع تحت سلطتنا ومقدرتنا مثل أفكارنا ومواقفنا وأخلاقنا، وأمور لا تقع تحت سلطتنا مثل الصحة والثروة والجاه والظروف الخارجية. واعتبروا أن أصل العذاب الإنساني ينبع من محاولة السيطرة على ما لا نملك التكفل به، ولذا وجب على الفرد المترفع أن يتقبل القضاء والقدر بصدر رحب، ممارساً الضبط الذاتي الصارم، مما يمنحه حصانة نفسية تجعله حراً في أشد الظروف قسوة، ومواطناً في المجتمع الإنساني الكبير دون النظر إلى الجنسية أو الطبقة الاجتماعية.
ولم تقف الفلسفة الهيلينستية عند الأبيقورية والرواقية، بل اتسعت لتشمل المدرسة الريبية أو الشكوكية التي أسسها بيرو الإيلي وجددها سيكستوس إمبيريكوس. انطلقت الريبية من ملاحظة المنازعات المستمرة بين الفلاسفة والتباين الحاد في آرائهم حول طبيعة الوجود والخير والشر، ممّا أدى بالريبين إلى القول إن العقل البشري عاجز عن الوصول إلى يقين مطلق بخصوص الحقائق النهائية للأشياء. واقترحوا حلّاً عملياً يكمن في “تعليق الحكم” بشأن كل المسائل الميتافيزيقية والتزام التوقف المعرفي، إذ يرى الشكوك أن الامتناع عن إصدار الأحكام المطلقة هو الطريق الفعلي الذي يخلص النفس من الصراعات الفكرية ويقودها إلى السكينة والهدوء. وبذلك، قدمت الشكوكية تذكيراً دائمين بحدود المعرفة البشرية، مشككة في قدرة أي نسق فلسفي على احتكار الإجابة الحاسمة عن سؤال الكينونة.
ومع تراجع قوة الإمبراطورية الرومانية وازدياد الحاجة إلى نسق يجمع بين التسامي الروحي والتعليل العقلي، ظهرت الأفلاطونية المحدثة على يد أفلوطين في القرن الثالث الميلادي لتحدث تجديداً في التراث الأفلاطوني. صاغ أفلوطين رؤية الميتافيزيقا على نحو فيضي ومجرد؛ إذ اعتبر أن أصل الوجود كله هو “الواحد” أو الأحد، وهو المبدأ الأول التام الخالي من أي تعدد أو تعريف، والذي يفوق الوصف والعقل. ومن هذا “الواحد”، وفيضاً عن كماله الذاتي دون أن ينقص منه شيء، تتنزل باقي مراتب الوجود بالتدرج: فيفيض عنه أولاً “العقل الكلي” الذي ينطوي على صور الأشياء والمُثُل، ومن العقل تفيض “النفس الكلية” التي تحرك الكون وتمنح الحياة للموجودات، ثم تأتي المادة في أدنى المراتب كعدم أو ظل بعيد عن النور الإلهي. ورأى أفلوطين أن غاية النفس البشرية الحبيسة في الجسد المادي هي التسامي والتطهر عبر التأمل والزهد لكي ترتقي مجدداً صاعدة في مراتب الفيض حتى تتحد بالواحد في تجربة إشراقية وجدانية.
شكلت الأفلاطونية المحدثة الجسر الفكري الأهم الذي عبرت فوقه الفلسفة اليونانية لتلتقي بالأديان التوحيدية الكبرى. ومع ظهور المسيحية وانتشارها، ثم الفتوحات الإسلامية لاحقاً، واجه الوعي البشري تحولاً مفصلياً في صياغة سؤالي الكينونة والمعنى؛ إذ لم تعد الحقيقة متأتية فقط عبر التأمل العقلاني المحض أو الملاحظة الطبيعية، بل أصبحت مقترنة بالوحي الإلهي والكتب المقدسة. وهنا أثيرت الإشكالية الكبرى التي شغلت الفكر الوسيط بأكمله: كيف يمكن التوفيق بين حكم العقل ونصوص الوحي؟ وهل الفلسفة خادمة للاهوت أم أنها طريق مستقل لبلوغ الحق؟
في النطاق الغربي المسيحي، أرسى القديس أغسطينوس قواعد الفلسفة الوسيطة من خلال إعادة قراءة أفلاطون والأفلاطونية المحدثة في ضوء العقيدة المسيحية. ذهب أغسطينوس إلى أن العقل والإيمان ليسا ضدين، بل هما قوتان تتكاملان، مردداً عبارته الشائعة بضرورة الإيمان من أجل الفهم، والفهم من أجل تعميق الإيمان. واعتبر أن المُثُل الأفلاطونية ليست إلا أفكاراً في العقل الإلهي، وأن الحقيقة لا تنبع من الحواس الخارجية بل تنكشف في أعماق النفس البشرية من خلال الإشراق الإلهي. كما صاغ أغسطينوس في كتابه “مدينة الله” نظرة جديدة للزمن والتاريخ، مفادها أن التاريخ البشري ليس حركة دائرية مكررة كما يعتقد اليونان، بل هو مسار خطي يتجه نحو غاية محددة، يتجلى في صراع مستمر بين مدينتين: مدينة الأرض القائمة على حب الذات، ومدينة الله القائمة على العبادة وتجاوز الذات.
وفي العالم الإسلامي، شهدت الفلسفة العصر الذهبي للترجمة والتبلور المفهومي، حيث لم يكتف الفلاسفة المسلمون بنقل التراث اليوناني بل أعادوا بناءه وتطويره بشكل ناضج. بدأ هذا المسار مع الكندي ثم تجلى بوضوح مع الفارابي، الذي سعى بجهد جاد للجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو، مؤكداً أن الحقيقة واحدة وأن الفلسفة والشريعة يخرجان من مشكاة واحدة؛ فالنبي والفيلسوف يتلقيان المعرفة من المصدر نفسه، وهو “العقل الفعال”، غير أن الفيلسوف يدركها عبر المفاهيم البرهانية والعقلية، بينما يتلقاها النبي عبر المخيلة والرموز التي تناسب عامة الناس. وقد وضع الفارابي في كتابه “آراء أهل المدينة الفاضلة” رؤية سياسية تجمع بين الحاكم الفيلسوف والنبي القائد الذي يسوس المجتمع بنور الحكمة والعدل.
ثم جاء ابن سينا ليقيم أضخم نسق مشائي إسلامي، محدثاً تمييزاً مفهوماً حاسماً في الميتافيزيقا بين “الماهية” و”الوجود”. بين ابن سينا أن كل الموجودات في هذا الكون ممكنة الوجود بذاتها، بمعنى أن ماهيتها (ما هي) لا تقتضي بالضرورة وجودها (أنها موجودة)، وبالتالي فإن دخولها إلى عرصة الوجود يحتاج إلى علة خارجية تمنحها هذا الوجود. وهذا السلسال من الممكنات لا بد أن ينتهي إلى كائن واحد تجب ذاته بوجوده ولا يفتقر إلى علة غيره، وهو “واجب الوجود” أي الله. وبذلك أعاد ابن سينا صياغة سؤال الكينونة بناءً على مفهوم التمييز بين الممكن والواجب، مما أثر عميقاً في اللاهوت والفلسفة في الشرق والغرب على حد سواء.
وعلى الرغم من النقد الشديد الذي شنه أبو حامد الغزالي على الفلاسفة في كتابه “تهافت الفلاسفة”، محذراً من تحكم العقل المجرد في غيبيات العقيدة ومؤكداً سبقية الإيمان والذوق الصوفي، فإن الفلسفة الإسلامية بلغت ذروتها البرهانية مع ابن رشد في الأندلس. تولى ابن رشد الرد المفصل على الغزالي في كتاب “تهافت التهافت”، كما كتب “فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال”، دفاعاً عن شرعية النظر الفلسفي وضرورته. أكد ابن رشد أن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له، مبيناً أن الشريعة حثت على النظر العقلي والتأمل في الموجودات، وأن أي تعارض ظاهري بين النص الشرعي والحقيقة العقلية البرهانية يجب حله عبر التأويل اللغوي والمفهومي السليم. وعاد ابن رشد إلى التمسك بالنص الأرسطي الخالص، مصفياً إياه من الشوائب الأفلاطونية المحدثة، ليصبح شارح أرسطو الأكبر الذي أحدثت ترجمات أعماله إلى اللاتينية ثورة فكرية في أوروبا القروسطية.
تأثر الفكر المسيحي اللاتيني في القرن الثالث عشر برشدية ابن رشد وبأفكار ابن سينا والميموني، مما مهد الطريق لظهور الفلسفة المدرسية (السكولاستية) وتتويجها على يد توما الأكويني. أحدث الأكويني توفيقاً بين الأرسطية والعقيدة المسيحية، مبنياً نسقاً لاهوتياً وعقلانياً يعتبر أن النور الطبيعي للعقل والنور الخارق للإيمان يكمل أحدهما الآخر ولا يتناقضان، لأن كليهما يصدران عن الله مصدر كل حق. وقدم الأكويني الطرق الخمس الشهيرة لإثبات وجود الله اعتماداً على العلة والحركة والإمكان والدرجات والغائية الطبيعية، محولاً المفاهيم الأرسطية عن المحرك الأول والعلة الفاعلة إلى أدلة برهانية على الخالق.
إن هذه الرحلة في العصور الهيلينستية والوسيطة تكشف عن كيفية تحول سؤالي الوجود والمعنى تحت مظلة التفكير الميتافيزيقي واللاهوتي. لقد أصبح سؤال الكينونة مفسراً عبر مفهوم الخلق والواجب والممكن والعوالم الفيضية، بينما ارتبط سؤال المعنى بغاية الوجود الإنساني، والارتقاء الروحي، والخلاص الأخلاقي، والتأطير بين العقل الفردي والشرع الإلهي. وبهذا التراكم الفكري، ظلت الفلسفة محتفظة بمركزييتها كوسيلة للتفكير في أصول الكون وغايات الحياة، حتى بزغت طلائع العصر الحديث لتطرح أسئلة جديدة وتزلزل هذه الأنساق الميتافيزيقية المستقرة.
إلى لحظة حاسمة في تاريخ الوعي الإنساني، وهي لحظة مخاض العصر الحديث وبزوغ النهضة العلمية التي هزت أركان المنظومة المدرسية القروسطية. يوضح شتاينفورت في هذا الجزء كيف انقطعت السلسلة الفكرية القديمة التي كانت توفق بين أرسطو والعقيدة الدينية، لتفسح المجال أمام أزمة معرفية كبرى نتجت عن اكتشافات كوبرنيكوس، وغاليليو، وكبلر. لقد أدت هذه الاكتشافات إلى تحطيم النموذج البطلمي الداعي للرؤية الثابتة للمركزية الأرضية والكون المغلق المنظم غائياً، واكتُشف كُونٌ لا متناهٍ يخضع لقوانين ميكانيكية ورياضية صارمة لا تعبأ بالغاية الإنسانية. أمام هذا التغير الجذري في بناء الواقع الفيزيائي، وجد الفكر البشري نفسه مجبراً على إعادة طرح سؤالي الوجود والمعنى؛ فلم يعد بالإمكان قبول حقائق العالم والوجود استناداً إلى السلطة الموروثة أو الانطباعات الحسية المباشرة، بل غدا التساؤل الملحّ يتجسد في كيفية بناء معرفة يقينية صلبة يمكن التأسيس عليها دون الوقوع في الشك الشامل.
في قلب هذا التحول الكبير، يقف رينيه ديكارت بصفته الأب الشرعي للفلسفة الحديثة، والذي أخذ على عاتقه مهمة إعادة بناء صرح المعرفة على أسس لا تتطرق إليها الشكوك. بدأ ديكارت مشروعه باستخدام الشك المنهجي الراديكالي، متخلياً عن كل المعارف التي استقاها من الحواس أو من الموروث التقليدي، حاسباً أن الحواس تخدعنا في كثير من الأحيان، وأن العقل قد يقع في أوهام تشبه أوهام الأحلام. بل إنه ذهب إلى المدى الأقصى حين افترض وجود “شيطان ماكر” يمتلك قدرة هائلة ويمارس التضليل لجعل الإنسان يخطئ حتى في البديهيات الرياضية. غير أنه وسط هذا الشك العارم، عثر ديكارت على حقيقة واحدة متماسكة لا يطالها الشك مطلقاً: أنه لكي يشك، فلا بد له من أن يفكر، ولكي يفكر، فلا بد أن يكون موجوداً. ومن هنا ولدت عبارته التاريخية: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”. جعل ديكارت من هذه الحقيقة نقطة أرخميدس الثابتة التي ينطلق منها، محولاً مركز الذات الفاعلة إلى منبع اليقين المعرفي.
بناءً على هذا اليقين الذاتي، انتقل ديكارت للإجابة عن سؤال الكينونة من خلال تمييزه الصارم بين جوهرين مستقلين في هذا العالم: الجوهر المفكر الذي تتمثل ماهيته في التفكير الخالص والوعي وتخلو منه المادية، والجوهر الممتد الذي تتمثل ماهيته في الامتداد المكاني والشغل الفضائي وقابلية الحركة والتجزئة. أدى هذا الفصل الحاسم بين العقل والمادة إلى نشوء ما يُعرف بالثنائية الديكارتية، حيث غدا العالم المادي مجرد آلة ضخمة تخضع للقوانين الميكانيكية والرياضية المحضة، معزولاً عن الأغراض والمفاهيم الغائية التي أسبغها عليه الفكر الأرسطي. وحتى يستعيد ديكارت الثقة في صحة إدراكنا للعالم المادي الممتد، احتاج إلى إثبات وجود الإله الكامل والمطلق الصدق، الذي يمتنع عليه ممارسة التضليل، مما يضمن أن ما ندركه بوضوح وتميز عن العالم الخارجي هو حقيقة واضحة وليس محض خيال. وبذلك، اختزل ديكارت الوجود المادي في أبعاد هندسية ورياضية، ممهداً الطريق لسيادة العلوم الطبيعية الميكانيكية.
غير أن الثنائية الديكارتية أوجدت مشكلة شائكة أربكت أتباع ديكارت، وتجلت في كيفية تفاعل جوهرين متباينين تماماً كالعقل والمادة داخل الكائن البشري. هنا تدخل باروخ سبينوزا بجرأة نظرية واضحة ليرفض تمييز ديكارت بين الجواهر المتعددة، مقدماً نسقاً أحادياً شاملاً. أقر سبينوزا بأنه لا يمكن أن يوجد في هذا الكون إلا جوهر واحد فقط، يكون قائماً بذاته، ولا يحتاج في تصوره إلى أي مفهوم آخر، وهذا الجوهر الفريد والأزلي واللامتناهي هو ما أطلق عليه سبينوزا التعبير الشهير: “الله أو الطبيعة”. في هذا المنظور الحلولي والمستقل عن التصورات الشخصية للإله، لم يعد الإله كائناً مفارقاً يخلق العالم من العدم ثم يحكمه بإرادة منفصلة، بل أصبح هو الجوهر الكلي الشامل الذي تشكل كل الموجودات والمظاهر صفاتٍ وأحوالاً جاريةً فيه.
يتجلى العقل والمادة عند سبينوزا كصفات أزلية لهذا الجوهر الواحد، يعبر كل منهما عن الطبيعة الإلهية نفسها ولكن بصورة مختلفة؛ فالفكر والامتداد ليسا جوهرين متنافرين، بل هما وجهان لعملة واحدة. ولأن كل شيء في هذا الكون ينبع بضرورة مطلقة من طبيعة هذا الجوهر الأزلي، فقد نفى سبينوزا تماماً المصادفة أو الإرادة الحرة بالمعنى التقليدي، مؤكداً أن كل حدث يخضع لسببية حتمية لا تتبدل. وفي هذا النسق الصارم، تجد إجابة سبينوزا عن سؤال المعنى مجراها الأخلاقي؛ إذ إن حرية الإنسان وسعادته لا تتأتيان من الخروج عن قوانين الطبيعة أو محاربتها، بل من الفهم العقلاني الصافي لهذه الضرورة الإلهية، والترفع عن الأهواء والانفعالات العابرة، للوصول إلى ما أسماه “الحب العقلاني لله”، حيث يدرك الفرد ذاته كجزء ناطق وواعٍ من هذا الكل المنسجم.
وعلى النقيض من أحادية سبينوزا المادية الحتمية، حاول غوتفريد فيلهلم لايبنيز التوفيق بين النظرة الميكانيكية للكون وبين المبادئ الميتافيزيقية والغائية، متناولاً سؤال الكينونة من خلال نظريته الفذة في “المونادات” أو الجواهر الفردة. رفض لايبنيز اعتبار المادة امتداداً جامداً كما ذهب ديكارت، أو جوهراً واحداً كما قال سبينوزا، مشيراً إلى أن المادة الممتدة قابلة للتجزئة إلى ما لا نهاية، وما هو قابل للتجزئة لا يمكن أن يكون المكون الأخير للواقع. ولذا، افترض لايبنيز أن الواقع يتألف من عدد لا يحصى من الجواهر الروحية الفردية، البسيطة، وغير المادية، والتي أطلق عليها اسم “المونادات”. هذه المونادات هي مراكز قوة ووعي تتدرج في درجة إدراكها وصفائها من المونادات الخاملة في المادة إلى العقل البشري، ثم إلى الموناد الأعظم الذي هو الإله.
تتميز المونادات بأنها قائمة بذاتها و”بلا نوافذ”، بمعنى أنه لا يمكن لأي موناد أن يؤثر تأثيراً فيزياوياً مباشراً في موناد آخر. ولتفسير هذا الانضباط والتناسق المعقد بين حركة هذه المونادات المتعددة وعوالمها الداخلية، طرح لايبنيز نظرية “التناغم المسبق”، ومفادها أن الإله قد ضبط سير كل موناد منذ أزل الآبدين ليتوافق مع أفعال وسير باقي المونادات، تماماً كما تتوافق ساعتان دقيقتان ضبطتا مسبقاً دون أن تؤثر إحداهما في الأخرى. وفي هذا السياق، كان لايبنيز هو من أعاد صياغة الميتافيزيقا بوضوح حين طرح السؤال الذي ذكره شتاينفورت كركيزة متقدمة لسؤال الكينونة: “لماذا يوجد شيء أصلاً بدلاً من اللاشيء؟”. وأجاب لايبنيز بمبدأ السبب الكافي، مؤكداً أن الإله، بحكم حكمته وعدله اللامحدودين، قد اختار خلق هذا العالم بصفته “أفضل العوالم الممكنة”، لأن فيه يسود أعظم قدر من التنوع والانسجام بأقل القدر من القوانين.
على الضفة الأخرى من القناة الإنجليزية، كانت تبنى مدرسة فكرية منافسة للاتجاه العقلاني القاري، وهي المدرسة التجريبية التي رفضت القول بوجود أفكار فطرية يُولد بها العقل الإنساني، وجعلت من التجربة الحسية المصدر الوحيد والشرعي لكل معارفنا. بدأ هذا المسار مع جون لوك الذي شبه العقل البشري عند الولادة بـ “الصفحة البيضاء” الخالية من أي نقوش أو أفكار مسبقة. أصر لوك على أن كل المواد التي يعمل عليها الفكر تتأتى حصراً من الإدراك الحسي الخارجي ومن التأمل الداخلي لأفعال أنفسنا. وفي تحليله لمكونات الواقع، ميز لوك بين نوعين من الخواص في الأجسام: الخواص الأولية كالامتداد والشكل والحركة والعدد، وهي خواص قائمة في الأشياء ذاتها بشكل موضوعي بصرف النظر عن إدراكنا لها؛ والخواص الثانوية كاللون والطعم والرائحة والصوت، وهي ليست موجودة في الأشياء بذاتها، بل هي انطباعات وآثار تنتجها الخواص الأولية في حواسنا.
لكن هذا التمييز اللوكي سرعان ما واجه نقداً راديكالياً من قبل جورج بركلي، الذي دفع بالمنطق التجريبي إلى أقصى حدوده الممكنة ليصيغ مذهبه في المثالية الذاتية. تساءل بركلي: كيف يمكن للمدرسة التجريبية أن تدعي وجود “خواص أولية” أو “مادة مادية” مستقلة عن الإدراك، بينما نحن لا ندرك في واقع الأمر سوى الانطباعات والأفكار القائمة في أذهاننا؟ وأعلن بركلي شعاره المدوّي: “الوجود هو أن تُدرَك”. ينفي بركلي وجود أي جوهر مادي مستقل عن الذهن، مؤكداً أن ما نسميه أجساداً وماديات ليس سوى مجموعات من الأفكار التي ندركها بروابط معينة. وحتى لا يقع في الشك المطلق أو يتلاشى العالم بمجرد إغلاق أعيننا، جعل بركلي من الإله مدرِكاً كلياً وشاملاً يتولى بث هذه الأفكار والانطباعات في عقولنا وفق نظام ثابت ومستمر، مما يجعل العالم المحسوس حقيقة حية قائمة في الفكر الإلهي وليس مادة صماء.
وصلت المدرسة التجريبية إلى ذروتها الأكثر خطورة وجرأة مع ديفيد هيوم، الذي أحدث زلزالاً فكرياً زلزل أركان الميتافيزيقا والعلوم الطبيعية على حد سواء. بدأ هيوم بتفكيك المكونات الذهنية إلى انطباعات حسية مباشرة وأفكار هي صور باهتة لتلك الانطباعات. ومن هذا المنطلق المعرفي الصارم، تقدم هيوم بنقد لا يرحم لمفهوم “السببية” الذي تأسس عليه الفكر البشري والعلم الطبيعي لقرون طويلة. أوضح هيوم أننا حين نلاحظ حادثتين تقترنان باعتياد (كحركة كرة بلياردو واصطدامها بأخرى)، فإن كل ما ندركه بحواسنا هو الاقتراب المكاني والتوالي الزمني، لكننا لا ندرك أبداً أي قوة خفية أو “ضرورة منطقية” تربط بين السبب والنتيجة.
خلُص هيوم إلى أن مفهوم السببية ليس قانوناً موضوعياً متأصلاً في طبيعة الأشياء، ولا هو حقيقة عقلية ضرورية، بل هو محض عادة ذهنياً وربط نفسي ينشأ في أفكارنا نتيجة تكرار التجارب المشابهة. ويمتد هذا النقد الهيومي الشامل ليطال مفهوم “الذات” أو “النفس الدائمة”؛ إذ أشار إلى أن الإنسان عندما يغوص في أعماقه لا يجد سوى حزمة متغيرة من الإدراكات والانطباعات المتقلبة، دون أن يقع على أي جوهر ثابت يسمى الذات. أدت هذه النزعة الشكوكية الراديكالية لدى هيوم إلى تعريض معارفنا برمتها للخطر؛ فالعلم الطبيعي القائم على الاستقراء والسببية بات مهدداً بعدم اليقين، والبحث الميتافيزيقي عن علل الوجود وغاياته أضحى مجرد توهمات لفظية لا سند لها من الانطباعات الحسية. لقد وضع هيوم الفلسفة أمام خيارين أحلامهما مر: إما التسليم بحدود العادة والشك، وإما إعادة إبراز العقل وفق هندسة فكرية جديدة لم يسبق لها مثيل.
كان هذا المأزق الشكوكي الذي خلفه هيوم هو الصيحة التي أيقظت إيمانويل كانت من “سباته الدغمائي”، كما صرح بذلك بنفسه، ليدشن أضخم عملية مراجعة وتوليف بين العقلانية والتجريبية في تاريخ الفلسفة. أدرك كانت أن العقلانية التقليدية تمادت في توهم قدرتها على ارتياد العوالم الميتافيزيقية وتجاوز الحدود دون استناد إلى التجربة، بينما انزلقت التجريبية مع هيوم إلى شكوكية تهدم يقين العلوم وقيم القوانين الأخلاقية. وللخروج من هذا الشباك المزدوج، أحدث كانت ما يُعرف بـ “الثورة الكوبرنيكية في الفلسفة”. فبدلاً من افترض أن معارفنا وإدراكاتنا يجب أن تتوافق كلياً مع الأشياء كما هي في ذاتها، افترض كانت أن الأشياء هي التي يجب أن تتوافق مع البنية المعرفية للعقل البشري لكي نتمكن من معرفتها.
في نسقه الشامل المسمى “المثالية المتعالية”، بين كانت أن المعرفة الإنسانية ليست مجرد انطباع منفعل للتجربة الحسية كما اعتقد التجريبيون، ولا هي استنباط عقلي خالص من الفطرة كما ظن العقلانيون، بل هي نتاج تعاضد وشراكة بين منطقتين: الحساسية والعقل. تفد إلينا المعطيات الخام من العالم الخارجي عبر الحواس، ولكن هذه المعطيات لا يمكن أن تنظم أو تصبح مدركة إلا من خلال صبها في قالبين سابقين على التجربة متأصلين في بنيتنا الذهنية، وهما صورتا “الزمان والمكان”. ثم يتدخل الفهم العقلاني ليربط بين هذه الإدراكات المنظمة زمانياً ومكانياً عبر تطبيق اثنتي عشرة مقولة عقلية سابقة على التجربة، ومن بينها مقولة السببية والجوهر. وبفضل هذا التركيب الفذ، أثبت كانت أن قانون السببية ليس مجرد عادة نفسية كما زعم هيوم، بل هو شرط قبلي ضروري لإمكان قيام أي تجربة أو معرفة علمية موضوعية.
غير أن هذا الإنجاز الكانتي الكبير لإنقاذ المعرفة العلمية حُدد بشرط حاسم ومهم أحدث حداً أقصى للميتافيزيقا التقليدية؛ وهو التمييز الصارم بين “الظاهرة” و”الشيء في ذاته”. فالظاهرة تمثل العالم كما يبدو لنا وكما يصوغه عقلنا عبر صور المكان والزمان ومقولات الفهم؛ وهذا النطاق هو وحده الذي تصح فيه المعرفة العلمية الممكنة واليقينية. أما “الشيء في ذاته”، أي الواقع المستقل تماماً عن بنية أدواتنا المعرفية وعن أدوات الشك أو الإدراك البشري، فهو عالم يظل محجوباً عن العقل النظري تماماً ولا يمكن الاستدلال عليه برهانياً.
وبناءً على ذلك، أعلن كانت في كتابه “نقد العقل الخالص” استحالة قيام الميتافيزيقا كعلم نظري؛ فكلما حاول العقل البشري تطبيق مقولاته وطاقاته النظرية متجاوزاً حدود التجربة الحسية ليصل إلى إجابات حاسمة عن الموضوعات الميتافيزيقية الكبرى — مثل وجود الإله، وخلود النفس، وحرية الإرادة، وبداية الكون — فإنه يقع محالة في تناقضات ومغالطات منطقية لا مخرج منها، حيث يستطيع العقل تقديم أدلة متكافئة وقوية لإثبات الشيء ونفيه في الوقت نفسه. وبذلك يكون كانت قد قدم إجابة حاسمة ومقيدة لسؤال الكينونة، حاصراً المعرفة الإنسانية في حدود عالم الظواهر الممكنة للخبرة التجريبية.
ولكن، إذا كان كانت قد أغلق باب العقل النظري أمام الإجابة الميتافيزيقية عن سؤال الكينونة، فكيف تعامل مع “سؤال المعنى” الذي يمس الأخلاق والغايات الإنسانية؟ هنا ينتقل كانت إلى كتابه “نقد العقل العملي” ليعد التأسيس الواعي لهذا الجانب الجوهري في الفلسفة. رأى كانت أنه إذا كان العقل النظري يعجز عن إثبات وجود الإله وخلود النفس والحرية، فإن “العقل العملي” متطلبٌ ومضطرٌ لافتراض هذه المفاهيم كمسلمات وركائز لا غنى عنها لقيام الأخلاق الواعية.
أسس كانت مذهبه الأخلاقي على مفهوم “الأمر المطلق”، مبيناً أن الفعل الأخلاقي الحقيقي هو الذي يصدر عن الواجب الأخلاقي الخالص، بعيداً عن أي منفعة شخصية أو ميل عاطفي أو خوف من العقاب. وينص هذا الأمر على أن يتصرف الفرد دائماً بموجب قاعدة يستطيع في الوقت نفسه أن يريد لها أن تصبح قانوناً عاماً شاملاً لكل البشر، وأن يعامل الإنسانية في شخصه وفي أشخاص الآخرين كغاية في ذاتها دائماً، ولا يعاملها مطلقاً كبديل أو وسيلة لغاية أخرى. ولأن تحقيق الخير الأسمى يتطلب ملاءمة تامة بين الفضيلة والسعادة، وهو ما لا نراه متحققاً دائماً في حياتنا الدنيوية، فإن العقل العملي يقتضي التسليم بوجود الإله وبخلود النفس، لتصبح الحرية الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية هما النبع الحقيقي الذي يستمد منه الإنسان معناه وكرامته في هذا الكون.
تظهر هذه الرحلة من ديكارت وسبينوزا ولايبنيز، مروراً بلوك وبركلي وهيوم، وتتويجاً بالنقدية الكانتية، كيف انقلبت الفلسفة الحديثة من البحث المباشر في وجود الأشياء وطبائعها إلى تفكيك بنية الفكر الإنساني وتحديد حدوده وإمكانياته. لقد تحول سؤال الكينونة مع كانت من نظرية في الوجود المفارق إلى نظرية في شروط إمكان المعرفة، بينما أعيدت صياغة سؤال المعنى بالاعتماد على الاستقلال الأخلاقي والحرية الإنسانية الواعية. وبدلاً من استمداد المعنى من كوزمولوجيا قديمة أو غائيات ميكانيكية، أصبح الإنسان هو الصانع والمسؤول عن مساره الأخلاقي والمعرفي. إن هذا الإرث الكانتي الضخم فتح الباب واسعاً أمام تحولات وإشكاليات أكثر تعقيداً ستشهدها الفلسفة في القرنين التاسع عشر والعشرين، بدءاً من المثالية الألمانية مع هيجل، وصولاً إلى المادية التاريخية، والنزعات الوجودية، والتحليلية.
لقد ترك إيمانويل كانت خلفه شقاً جلياً بين عالم الظواهر المعروض للحس والعقل، وبين عالم “الشيء في ذاته” المحجوب عن المعرفة النظرية. وكان هذا التميز بؤرة الجدل التي انطلقت منها المثالية الألمانية في القرن التاسع عشر، مع يوهان غوتليب فيشته وفريدريش شيلينغ، قبل أن تصل إلى ذروتها الفائقة ونضجها الكامل مع جورج فيلهلم فريدريش هيجل. رفض هيجل التسليم بوجود حائل ناهز للمعرفة بين العقل و”الشيء في ذاته”، مؤكداً أن الواقع في جوهره عقلاني تماماً، وأن كل ما هو عقلاني واقعي، وكل ما هو واقعي عقلاني. صاغ هيجل نسقاً فلسفياً شاملاً يقوم على “المثالية المطلقة”، حيث ينظر إلى الوجود برمتها بصفته عملية سيرورة وتطور مستمر لـ “الروح الكلي” أو العقل. واعتمد في تفسير هذه الحركة المفهومية والتاريخية على المنهج الجدلي، الذي ينتقل فيه الفكر والواقع عبر ثلاثية متواصلة: الأطروحة، ثم نقيضها، ثم التركيب الذي يستوعب الطرفين ويرتقي بهما إلى مستوى أعلى. وفي هذا النسق الهيجلي ، اندمج “سؤال الكينونة” مع “سؤال المعنى” في مجرى التاريخ؛ إذ إن التاريخ البشري ليس في رؤيته مجرد تتابع عشوائي للحوادث، بل هو مسار خطي صاعد يمثل وعي الروح بذاته وتحققه الفعلي للحرية عبر المؤسسات والدولة والفن والدين وصولاً إلى الفلسفة بصفتها المطلق الذي يعقل ذاته.
غير أن هذا النسق الميتافيزيقي الضخم الذي بناه هيجل سرعان ما أثار ردود فعل نقدية حادة اتخذت اتجاهات متعددة أحدثت تحولات جذرية في مسار الفلسفة الغربية. فقد قام كارل ماركس بقلب الجدل الهيجلي رأساً على عقب، محولاً إياه من مثالية مطلقة إلى مادية تاريخية. رأى ماركس أن الفكر والوعي ليسا هما اللذان يصنعان الواقع المادي، بل إن العلاقات الاقتصادية وأشكال الإنتاج المادي هي الأساس الذي يحدد الوعي والبناء الفوقي للمجتمع من ثقافة وقوانين وأديان. أزاح ماركس “سؤال الكينونة” نحو صيرورة المادة والمجتمع، واعتبر أن غاية الفلسفة ليست مجرد تفسير العالم بأشكال مختلفة بل العمل على تغييره وتحرير الإنسان من الاغتراب والاستغلال. وفي المقابل، جاء أثر أرتور شوبنهاور ليرفض تفاؤلية هيجل العقلانية، مقدماً رؤية قائمة على الشك والتشاؤم، حيث اعتبر أن “الشيء في ذاته” الذي لم يستطع كانت معرفته هو “الإرادة”؛ وهي قوة عمياء، غير عقلانية، ولا غاية لها، تتصارع في الطبيعة والإنسان وتنتج المعاناة والألم المستمرين، ولا مخرج للإنسان من هذا البؤس إلا عبر التأمل الفني والزهد والتسامي عن رغبات الجسد. وعمق سورين كيركغور هذا التوجه الفردي بنقده القاسي للنسق الهيجلي التجريبي، مؤكداً أن المذاهب الكلية تغفل الفرد الحي وتجربته الذاتية المعيشة. أسس كيركغور الفلسفة الوجودية ذات المنزع الإيماني، معتبراً أن الحقيقة ذاتية وليست موضوعية، وأن المعنى لا يُستمد من قراءة التاريخ بل من الاختيار الفردي الحر والقفزة الإيمانية النابعة من القلق والمسؤولية الفردية أمام الله. ثم توج فريدريش نيتشه هذا الهجوم النظري بإعلانه نقداً جذرياً لكل الثوابت الميتافيزيقية والأخلاقية التي تأسس عليها الغرب، معلناً مأزق “العدمية” ونهاية المرجعيات المطلقة. دعا نيتشه إلى إعادة تقييم كل القيم، رافضاً “أخلاق العبيد” الداعية للضعف والاستكانة، ومطرحاً مفهوم “إرادة القوة” و”الإنسان الأعلى” الذي يمتلك القدرة على خلق قيمه الخاصة وإضفاء المعنى على حياته في عالم يخلو من الغائيات الجاهزة.
مع حلول القرن العشرين، تشعبت الفلسفة الغربية إلى تيارين رئيسيين تفاصلا في المنهج والأهداف، وهما التيار القاري والمدرسة التحليلية، وكلاهما حاول تقديم إجابات جديدة لسؤالي الكينونة والمعنى في ظل الانفجار العلمي والتقني والتغيرات المجتمعية العاصفة. في الفلسفة القارية، أسس إدموند هوسرل علم الظواهر (الظاهراتية أو الفينومينولوجيا)، معلناً شعاره الشهير بالعودة إلى الأشياء ذاتها. سعى هوسرل إلى جعل الفلسفة علماً صارماً عبر تعليق الأحكام المسبقة وتفكيك ظواهر الوعي وإدراكاته المباشرة، مؤكداً أن الوعي يتسم دائماً بالقصدية، أي أنه وعي بشيء ما. وطور تلميذه مارتن هايدجر هذا النهج بطريقة أعمق وأكثر راديكالية في كتابه المرجعي “الوجود والزمان”، معيداً طرح “سؤال الكينونة” الذي اعتبر أن الفلسفة الغربية قد نسيه منذ زمن أفلاطون وأرسطو حين خلطت بين الوجود والموجودات. ركز هايدجر على تحليل بنية الوجود الإنساني الخاص الذي أسماه “الدازاين” (الوجود-هناك)، وهو الموجود الوحيد الذي ينشغل بالبحث في معاني وجوده. بين هايدجر أن الإنسان يجد نفسه مقذوفاً في عالم لم يتركه يختاره، مواجهاً القلق وإمكانية الموت المحتوم، وأن الوجود الأصيل يتطلب من الفرد مواجهة هذا القلق والتحرر من زيف السلوك الجمعي اليومي. وسرعان ما استلهم جان بول سارتر وألبير كامو ونقاد آخرون هذه الطروحات لتأسيس الوجودية الفرنسية، حيث أعلن سارتر أن الوجود يسبق ماهية الإنسان؛ فالإنسان يوجد أولاً، ثم يحدد ماهيته ومعنى حياته عبر اختياراته وأفعاله الحرة، محملاً إياه مسؤولية شاملة وأليمة عن كل قرار يتخذه.
على الضفة الأخرى من النهر الفكري، تنامى التيار التحليلي في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، متخذاً من المنطق واللغة أداة رئيسية لتصفية المشكلات الفلسفية وتوضيح المفاهيم. بدأ هذا التحول المعرفي، الذي يُعرف بـ “التحول اللغوي”، مع أعمال غوتلوب فريجه، وبرتراند راسل، وجورج إدوارد مور، وتوج بكتابات لودفيغ فيتغنشتاين. في كتابه المبكر “رسالة منطقية فلسفية”، رأى فيتغنشتاين أن حدود لغتي هي حدود عالمي، وأن وظيفة اللغة هي تقديم صورة منطقية للواقع؛ ولذا فإن كل القضايا الميتافيزيقية والأخلاقية التي تتجاوز الوصف التجريبي للواقع هي قضايا تتجاوز حدود اللغة الصريحة ولا يمكن قولها، بل يجب الصمت عنها. واعتمدت حلقة فيينا و”الوضعية المنطقية” هذا الطرح الراديكالي، واضعة “معيار التحقق” الذي يعتبر أن أي عبارة لا يمكن إثبات صحتها منطقياً أو التحقق منها تجريبياً هي عبارة خالية من المعنى الإخباري، محولة الميتافيزيقا القديمة برمتها إلى مجرد أوهام واشتباهات لغوية. لكن فيتغنشتاين نفسه أحدث مراجعة عميقة لأفكاره في كتابه المتقادم “بحوث فلسفية”، رافضاً النظر إلى اللغة كصورة منطقية جامدة للواقع، ومتنظراً إليها بكونها مجتمعات من “الألعاب اللغوية” المتعددة والمتنوعة التي يتحدد فيها معنى الكلمة بحسب سياق استخدامها العملي في الحياة اليومية. وبذلك تحولت الفلسفة التحليلية من هدم الميتافيزيقا إلى أداة علاجية وتحليلية تهدف إلى حل المشكلات الفكرية عبر توضيح الاستخدامات اللغوية وتفكيك الالتباسات المفهومية.
في ضوء هذا المجرى التاريخي الحافل والمتشابك، يصل أولريش شتاينفورت في كتابه إلى صياغة الأطروحة الجوهرية التي تلخص ما كانت عليه الفلسفة، وما هي عليه، وما يمكن أن تكون في القابل من الأيام. يوضح شتاينفورت أن الفلسفة في نشأتها الأولى (“ما كانت عليه”) كانت مسعى إنسانياً كلياً وواحداً يحتضن المعرفة البشرية بأسرها، وانطلقت من التساؤل المباشر حول “سؤال الكينونة” و”سؤال المعنى”. غير أن التطور التاريخي أدى إلى انشطار هذه الوحدة؛ إذ انفصلت العلوم الطبيعية والرياضيات والدراسات الاجتماعية تدريجياً عن الفلسفة بعد أن استقلت بمناهجها التجريبية والكمية الخاصة، وتمكنت من الإجابة عن سؤال الكينونة المادي بكفاءة ودقة متزايدتين. هذا الانفصال ترك الفلسفة المعاصرة (“ما هي عليه”) في حالة من التشتت والارتباك؛ حيث انقسمت إلى اتجاهات تحليلية دقيقة تعنى باللغة والمنطق الجزئي، وأخرى قارية تعنى بالنقد الثقافي والوجودي، بينما أصبحت التخصصات العلمية الدقيقة تتولى توجيه المعارف وقيادة العالم التقني، مما جعل الفلسفة تبدو أحياناً في نظر غير المتخصصين كأنها ترف فكري أو مجرد هامش تاريخي لا يمتلك إجابات حاسمة.
لكن شتاينفورت يرفض النغمة الجازمة بنهاية الفلسفة أو موت الميتافيزيقا، مستشرفاً ما “يمكن أن تكون عليه الفلسفة” في المستقبل. يرى المؤلف أن الفلسفة، وإن كانت قد سلمت دراسة العالم المادي للعلوم التجريبية، إلا أنها لا تزال تحتفظ بوظيفة جوهرية لا يمكن لأي علم آخر أن يحل محلها فيها. إن العلوم الطبيعية والتقنية، رغم اتساع قدراتها وإنجازاتها العظيمة، تقف عاجزة بطبيعتها عن فحص أسسها ومسلماتها القبلية، كما تعجز عن تقديم إجابات عن الأسئلة الأخلاقية والغائية التي تحكم استخدام هذه المعارف. هنا بالتحديد يتجلى دور الفلسفة المستقبلي؛ فهي ليست بديلاً عن العلم التجريبي، بل هي القوة النقدية المراجعة التي تفحص المفاهيم العلمية، وتدرس المبادئ الأخلاقية، وتطرح الأسئلة الكبرى التي يغفل عنها التخصص الضيق. إن “سؤال المعنى” — ماذا يعني كل هذا، وكيف ينبغي للإنسان أن يعيش في عصر الذكاء الاصطناعي والتعديل الجيني والتحولات البيئية — يظل سؤالاً فلسفياً بامتياز لا تستطيع المعادلات الرياضياتية ولا المختبرات التجريبية الإجابة عنه بمفردها.
*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة




