أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

ما بعد الجامعة: التعليم العالي ومستقبل العمل الفكري

تطرح الأدبيات المعاصرة حول التعليم العالي أسئلة ملحة حول الجدوى والمصير، ومنها كتاب الباحث الأمريكي تشاد ويلمون الصادر حديثاً عن دار نشر جامعة جونز هوبكنز تحت عنوان: «ما بعد الجامعة: التعليم العالي ومستقبل العمل الفكري» (After the University: Higher Education and the Future of Intellectual Work). لا يقدم ويلمون، وهو أستاذ الدراسات الألمانيّة والتاريخ الفكري في جامعة فرجينيا، مرثية تقليدية لأيام الأكاديميا الخوالي، ولا يكتفي بصب اللعنات على تحول التعليم إلى سلعة، بل يخوض في تحليل لكيفية انفصال ممارسة «الدراسة المنضبطة» عن المؤسسة التي وُجدت أساساً لحمايتها وترقيتها.

يبدأ الكتاب بتمهيد يحمل عنوان «سيرة ذاتية للتعلم العالي»، يتجاوز فيه المؤلف حدود السرد الشخصي ليجعل من تجربته الذاتية مرآة تعكس أزمة مؤسسية شاسعة. بين عامي 2014 و2021، شغل ويلمون موقع عميد «كلية براون السكنية» في جامعة فرجينيا، حيث عاش برفقة أسرته وثلاثمئة طالب في قلب الحرم الجامعي. ومن ذلك الموقع الميداني، شهد تحولات دراماتيكية عكست الهزات المؤلمة التي تعرضت لها الجامعة الأمريكية الحديثة: من مراجعة الجامعة لشواهد تاريخها القائم على السُخرة والعبودية التي بنى بها العبيد السود أجزاءً من حرمها المصنف موقعاً للتراث العالمي، إلى الاختباء مع أطفاله خلف الأريكة عام 2017 حين زحف مئات من غلاة اليمين والسياديين البيض مشاعلين المشاعل عبر الحرم الجامعي وهم يهتفون بشعارات معاداة السامية، وصولاً إلى أزمة جائحة كورونا، والاحتجاجات الطلابية المتصاعدة في ربيع عام 2024 والتي فضتها الشرطة بالقوة، وما تلا ذلك في صيف 2025 من إجبار رئيس الجامعة جيم راين على الاستقالة عقب تلك الأحداث.

يضعنا ويلمون أمام  تجربته؛ فقبل أن ينخرط في مراجعة المناهج الدراسية وينتقل للسكن في الحرم الجامعي، كانت الصورة الذهنية للجامعة لديه تتلخص في كونها مكاناً وزماناً مُقتطعين ومُفرغين للدراسة والبحث الحر. لكن الواقع المؤسسي كشف عن وجه آخر كلياً. جامعة فرجينيا، كغيرها من الجامعات البحثية الكبرى، هي مشروع يدار وفق آليات معقدة تتجاوز ميزانيته التشغيلية السنوية خمسة مليارات دولار. إنها شركة استثمارية تدير وقفا مالياً يتجاوز 14 مليار دولار، ومركزاً طبياً يضم أكثر من 12 ألف موظف وتتجاوز إيراداته السنوية 3.5 مليار دولار، ومؤسسة رياضية تضم 25 برنامجاً رياضياً وتدر أكثر من 153 مليون دولار، وجهاز شرطة خاص يضم عشرات الضباط، ومجموعة عقارات تشمل الملاعب والأبراج السكنية ومتحفاً ومكتبة تضم ملايين المجلدات، بل وحتى منتجعاً ترفيهياً يحتوي على ملاعب غولف.

يشبه المؤلف هذا الكيان بمخلوق فركنشتاين؛ كائن مهيب ومثير للشفقة في آن واحد، خيطت أطرافه عبر مصادفات تاريخية وطموحات نفعية. وعندما حلت جائحة كورونا في صيف عام 2020 ثم في عام 2021، وتعين على إدارات الجامعات اتخاذ قرارات مصيرية بشأن فتح أسرّة السكن وإعادة الدراسة الحضورية، لم تكن الحجج المُصوغة نابعة من متطلبات التعلم العالي أو رعاية الفكر، بل من ضرورة الاستمرار التشغيلي وتدفق السيولة المالية. كان لزاماً إشغال أسرة السكن الجامعي لتدفق إيجارات الطلاب حتى تتمكن الجامعة من سداد ديون السندات المالية التي اقترضتها؛ وكان لزاماً جمع أقساط الدراسة لدفع أجور أعضاء هيئة التدريس والموظفين؛ وكان لزاماً إجراء العمليات الجراحية وإشغال أسرّة المستشفى لجمع أموال برامج التأمين الحكومي.

ولم يختلف المشهد كثيراً في أوائل عام 2025 عندما هددت الإدارة الأمريكية بتقليص التمويل الفيدرالي إذا لم تخضع الجامعات لشروط محددة؛ إذ جاءت ردود رؤساء الجامعات وخطابات المدافعة تقنوقراطية نفعية بامتياز. فقد حذر رئيس جامعة هارفارد، ألان غاربر، من أن التردي في التمويل يهدد أبحاث السرطان وألزايمر، بينما وصفت الخطابات المشتركة لرؤساء الجامعات مؤسساتهم بأنها “محركات للفرص والابتكار” وتزويد “سوق العمل بديناميكية القوى البشرية”. يلاحظ ويلمون بذكاء أن هذه المدافعات — وإن كانت مقبولة سياسياً — قد زازت النظر عن السؤال الجوهري: هل الاقتران الوثيق بين الجامعة وأسواق العمل والتزامها بأن تكون محركاً للإنتاج الاقتصادي خدمة حقيقية لفكرة التعلم؟ لقد تم اختزاله في توزيع المنافع الاقتصادية والتقنية، في حين غاب تماماً الحديث عن كيفية تشكيل حياة الطلاب ورعايتهم فكرياً.

 يعود ويلمون إلى طفولته ليقدم لوحة تقارن بين نمطين من القراءة والتعلم. يتذكر والده، الملاكم السابق الذي لم يحصل قط على شهادة جامعية، والذي قضى حياته بين التسريح من العمل، والوظائف المتدنية في المصانع، وإخفاقات الالتحاق بكليات المجتمع، لينتهي به المطاف عاملاً براتب أدنى في المتاجر الكبرى. رغم هذه الظروف القاسية، كان الوالد يجلس على طاولة المطبخ محاطاً بالمعاجم الإغريقية والعبرية والتفاسير الدينية، يدون ملاحظاته بخط يده على أوراق صفراء، ممارساً “دراسة منضبطة منعزلة” للبحث عن المعنى في سفر الرؤيا والعهد الجديد.

لم يكن الوالد يقرأ للحصول على ترقية أو نيل اعتراف اجتماعي، بل لأن شيئاً ما كان يحدث له أثناء القراءة؛ لقد كانت قراءته فعلاً وجودياً خالصاً ينشد المعرفة لذاتها. وفي المقابل، كان غياب الشهادة الجامعية يلاحقه كوصمة اجتماعية تُشعره بالتقصير والذنب في مجتمع يقدس الجدارة الصورية. وعلى الضفة الأخرى، يتتبع ويلمون مساره الشخصي، بدءاً من شغفه الباكر بقراءة كتب الفلسفة المبسطة لـ “ت. ز. لافين” وويل ديورانت، مروراً بدراسته الجامعية حيث تعلم كيف يقرأ بقلم الرصاص وبحس نقد ومساءلة، وصولاً إلى تحوله في مرحلة الدراسات العليا إلى أكاديمي محترف.

وهنا تبرز المفارقة: في مسيرته نحو الاحتراف، تحول فعل القراءة لدى المؤلف من مواجهة حية مع الأسئلة الذاتية والوجودية إلى مهارة تقنية تُعالج النصوص باعتبارها مواد خاماً لاستخراج المقالات والكتب والأوراق البحثية ونيل الدرجات العلمية. لقد تعلم الأكاديمي الشاب أن ينظر بنوع من التعالي إلى قراءته السابقة، وإلى نمط القراءة الذي يمارسه والده. ومن هذا التوتر الشخصي — بين القارئ الذي كان يسعى لخلاص نفسه، والقارئ المحترف الذي يمارس القراءة كسلعة مهنية — ينطلق ويلمون لتأسيس أطروحة الكتاب الرئيسية.

لكي يتحرر التحليل من مجرد السرد الذاتي أو الشكوى الانطباعية، يبني تشاد ويلمون أطروخته على ثلاثة أزواج مفهومية حاسمة تشكل العدة التحليلية للكتاب بأكمله:

  1. الخيرات الداخلية مقابل الخيرات الخارجية (Internal vs. External Goods): مستعيداً أطروحة الفيلسوف ألاسدير ماكنتاير، يفرق ويلمون بين “الخيرات الداخلية” الملازمة لممارسة معينة، والتي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الانخراط الفعلي في تلك الممارسة والالتزام بمعايير تميزها (مثل متعة إتقان لقطة معقدة في لعبة البيسبول، أو متعة فهم التركيب النحوي للنصوص الإغريقية)، وبين “الخيرات الخارجية” التي قد تنتج عن الممارسة ولكن يمكن تحصيلها بوسائل أخرى، مثل المال، والنفوذ، والجاه الاجتماعي، والشهادات.

  2. الدراسة المنضبطة مقابل الجامعة (Disciplined Study vs. The University): يقصد المؤلف بـ “الدراسة المنضبطة” الممارسات المعرفية التعاونية والمركبة التي تحكمها معايير تميز داخلية، والتي تُشَكّل ذوات العارفين وتصقل رغبتهم في الفهم، سواء جرت داخل أروقة الأكاديميا أو خارجها. أما “الجامعة”، فهي المؤسسة الإدارية والقانونية والتاريخية التي تراكمت فيها القواعد والطقوس والميزانيات والأصول المادية. كانت الجامعة طوال قرنين من الزمان الحاضنة المادية لهذه الممارسات، لكن التمدد المؤسسي وسباق الاقتناء المادي جعل المؤسسة تبث قيمها الخارجية على حساب غايات الدراسة الذاتية.

  3. الانحراف والاستحواذ القيمي (Deflection and Value Capture):

  • الانحراف: مفهوم يستعيره المؤلف من الفيلسوفة كورا دايموند، ليشير به إلى الميل المؤسسي لإزاحة الانشغال بالحقائق الصعبة والمؤلمة (مثل المعاناة أو الشغف الفكري الخالص) وتحويل الانتباه نحو مشكلات مجاورة أكثر سهولة وضبطاً وتقنيناً داخل الأطر المهنية.

  • الاستحواذ القيمي: مفهوم يستقيه من الفيلسوف سي. ثي نغوين، لوصف العملية التي تُستبدل فيها القيم الغنية والمعقدة النابعة من ممارسات الحياة اليومية ببدائل قِيَميّة مُبسطة ومُقننة ومعيارية (مثل المعدلات التراكمية، والتصنيفات الجامعية، وعدد الاستشهادات، وحجم المنح المتممة). تصبح هذه المؤشرات المقاسة هي الموجه الأساسي للسلوك والتقييم، مما يفرغ العملية التعليمية من مضمونها الجوهري.

يرجع المؤلف بالتعريف التاريخي لمفهوم الجامعة إلى منتصف القرن الثاني عشر الميلادي في أوروبا، وتحديدًا في مدينتي بولونيا وباريس. لم تكن كلمة “جامعة” في أصلها اللاتيني تحمل أي دلالة على شمول المعارف أو إحاطتها بكليات العلوم كما توحي بذلك التفسيرات الحديثة الشائعة، بل كانت تعني ببساطة النقابة أو الجمعية المهنية الحرفية. كانت “جامعة الطلاب” في بولونيا أو “جامعة المعلمين والطلاب” في باريس تكتلات مدنية أشبه بنقابات البنائين أو الخياطين، نُشئت بهدف حماية الأعضاء المنتسبين إليها من تعسف السلطات المحلية والتجار والجباة، ولضمان حقوق الإقامة والسلامة الشخصية وتنظيم أجور التدريس. لم تكن هذه الجامعة المبكرة تمتلك أرضًا أو حرمًا جامعيًا ثابتاً أو ميزانيات تشغيلية استثمارية، بل كانت تعتمد على الحركة والارتحال، فإذا ما ضيقت سلطات إحدى المدن على المعلمين أو الطلاب، كان بوسعهم نقل نشاطهم المعرفي ومجالسهم إلى مدينة أخرى بمرونة كاملة.

كانت ممارسة الدراسة المنضبطة في ذلك العصر تمارس عبر أدوات شفاهية وتفاعلية ترتكز على قراءة النصوص ومناقشتها. تمثلت المهارة الأساسية في تقاليد القراءة والمناظرة العلنية حول مسائل اللاهوت والقانون والفلسفة. ورغم أن الأطر العقائدية الكنسية كانت تفرض حدوداً مرجعية للبحث، إلا أن الممارسة الفكرية نفسها كانت تحتفظ بحيوية داخلية ومواجهة حية بين المعلم وتلاميذه، حيث يتشكل العقل عبر الحوار المباشر وصحبة النصوص. كانت المؤسسة النقابية في ذلك الوقت تؤدي دوراً حامياً وميسراً للممارسة الفكرية دون أن تتدخل في صياغة قيمها الداخلية أو تحيلها إلى إجراءات كمية أو مخرجات رقمية تقاس بمؤشرات الأداء.

غير أن هذه العلاقة المرنة بين التنظيم والممارسة شهدت تحولاً جوهرياً مع نشأة الدولة الحديثة وتبلور فلسفة التنوير، لتصل إلى مفصلها التاريخي الأكثر تأثيراً في مطلع القرن التاسع عشر عبر التجربة البروسية التي قادها المفكر والإداري فيلهلم فون هومبولت عند تأسيس جامعة برلين عام 1810. يحلل ويلمون التجربة الهومبولتية بتوازن يحول دون الوقوع في الأسطورة الشائعة التي تصور تلك اللحظة باعتبارها الفردوس المفقود للاستقلال الأكاديمي الخالص. لقد جاءت إصلاحات هومبولت في أعقاب الهزيمة العسكرية العاصفة التي تلقتها بروسيا على يد قوات نابليون، وكان الهدف السياسي والاجتماعي المباشر للدولة هو إعادة بناء الذات الوطنية وتزويد الجهاز الحكومي بكوادر إدارية وتعليمية عالية التأهيل ذات كفاءة وانضباط.

قدم النموذج الهومبولتي صيغة جديدة ربطت لأول مرة بين البحث المستديم والتدريس الجامعي، ورفعت شعارات حرية البحث وحرية التعلم، مستندة إلى المفهوم الفلسفي الألماني المتمثل في “التربية الذاتية والارتقاء الفكري”. كان المقصد المعلن هو تشكيل شخصية الطالب وتنمية استقلاله العقلي من خلال إشراكه المباشر في عملية البحث عن الحقيقة إلى جانب أستاذه، بدلاً من إلقاء المعارف المجهزة مسبقاً. غير أن هذا المشروع التنويري اقترن بآلية تنشئة مؤسسية جديدة حزمت مصير الأكاديميا بالدولة الحديثة؛ إذ أصبحت الدولة البروسية هي الممول الرئيسي للجامعة، والمشرفة على منح الألقاب العلمية وتعيين الأساتذة، والمحددة لشروط الترخيص المهني. وبذلك دخلت الممارسة الفكرية في معاهدة غير مكتوبة مع السلطة السياسية: تضمن الدولة الحماية والتمويل للجامعة، مقابل أن تزود الجامعة الدولة بالنخب المدربة والشرعية المعرفية.

ومع المضي قدماً في عقود القرن التاسع عشر، أدى التوسع الهائل في المعارف وتطور العلوم الطبيعية واللغوية إلى تحول داخلي صامت داخل النموذج الألماني نفسه. بدأت الفلسفة العامة والتربية الذاتية الشاملة تتراجع لحساب التخصص الدقيق والبحث التقني المنضبط. وظهر السيمينار الأكاديمي والمختبر العلمي كأدوات رئيسية للإنتاج المعرفي، حيث يتعلم الطالب كيفية استخدام أدوات النقد اللغوي والتاريخي أو التجريب المادي للوصول إلى جزئيات معرفية جديدة. تحول الفكر تدريجياً من البحث عن الحكمة الكلية وتشكيل الوعي الإنساني إلى تراكم علمي جزئي يخضع لمعايير الضبط والصرامة الفنية.

صار الباحث الأكاديمي يطالب بإثبات جدارته عبر المساهمة في إضافة معلومات جديدة ودقيقة في مجال محدد ومغلق. لم يعد الأساتذة يخاطبون الجمهور العام أو يطرحون الأسأسئلة الوجودية الجامعة، بل أخذوا يتحدثون عبر أوراق علمية موجهة لأقرانهم المشتغلين بالحقل الفني نفسه. أدى هذا التحول إلى إرساء قواعد المهنية الأكاديمية، حيث أصبحت الدقة المنهجية والتخصص الضيق هما المعيار الأول للحكم على جودة العمل الفكري. ورغم ما حققه هذا النمط من رقي في مناهج التحقيق العلمي والعلوم الطبيعية، إلا أنه أرسى في الوقت ذاته بذور تشظي المعرفة وابتعادها عن شواغل الحياة اليومية والأسئلة الأخلاقية التي تشغل بال الإنسان العادي.

ولم يكتمل هذا المسار ويتخذ شكله الحديث الشامل إلا بعد انتقال النموذج البحثي عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة الأمريكية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. يتتبع ويلمون بكثير من الدقة كيف استورد الباحثون الأمريكيون الذين تلقوا تدريبهم في الجامعات الألمانية أفكار البحث العلمي، لكنهم أضافوا إليها ابتكاراً تنظيمياً نابعاً من ثقافة الإدارة والتصنيع الأمريكية، والمتمثل في إيجاد “القسم الأكاديمي” المتخصص. كانت جامعة جونز هوبكنز التي تأسست عام 1876 نواته الأولى، وسرعان ما تبعتها جامعات شيكاغو وهارفارد وكولومبيا وغيرها من المؤسسات التي أعادت تشكيل الكليات التقليدية.

أدى ظهور القسم الأكاديمي إلى تجزئة الكلية الواحدة إلى وحدات إدارية ومفهومية قائمة بذاتها، مثل قسم التاريخ، وقسم الأدب، وقسم الفلسفة، وقسم الفيزياء. وترافق هذا التقسيم مع تأسيس الجمعيات المهنية القومية وإصدار الدوريات العلمية المحكمة المخصصة لكل تخصص. كان القسم الأكاديمي حلاً ناجحاً من الناحية التنظيمية لإدارة الأعداد الغفيرة من الطلاب وتنظيم المناهج الدراسية، لكنه أحدث نتاجات فكرية حاسمة. فقد تحول الحقل المعرفي إلى إقطاعية إدارية لها شروطها الخاصة في التعيين، والترقية، ونيل درجة الدكتوراه، وأصبحت السلطة العلمية ممركبة داخل حدود التخصص الدقيق.

تسبب هذا الوضع في إعادة تعريف فعل القراءة والكتابة والبحث داخل الأكاديميا. لم يعد الأكاديمي الأمريكي يقرأ أو يكتب بدافع الفضول الفكري الحر أو الرغبة في الفهم الذاتي، بل أصبح يمارس هذه الأنشطة باعتبارها متطلبات وظيفية لإنتاج الأوراق العلمية ونيل الترسيم الأكاديمي وتجنب الفصل الوظيفي. صار لزاماً على الباحث أن ينشر أبحاثه في دوريات محددة تعتمدها لجان القسم الأكاديمي، وأن يلتزم بالقواعد المنهجية والأحكام المصطلحية المتفق عليها داخل التخصص، مما أدى إلى تحويل الممارسة المعرفية إلى عمل حرافي محترف يخضع لرقابة الأقران ومقاييس الإنتاجية.

يرى ويلمون أن هذا التحول المؤسسي والتنظيمي، المتمثل في نشأة القسم الأكاديمي وتعاظم المهنية، أدى إلى استيلاء المنظومة الإدارية على القيم الداخلية للدراسة المنضبطة. لقد استبدلت الغايات الأصلية للتعلم، المتثاقلة بأسئلة المعنى والتربية الذاتية، بغايات خارجية تتركز في الحصول على المؤهلات العلمية، والارتقاء الوظيفي، وتجميع التمويلات والأبحاث المطبوعة. لم تكن هذه النتيجة أزمة ناتجة عن فشل الجامعة، بل كانت ثمرة نجاحها الهائل في أن تصبح مؤسسة كفاءة إنتاجية تخدم متطلبات الدولة والمجتمع الصناعي.

يرصد المؤلف ظاهرة لافتة في تاريخ التعليم العالي الحديث، تتمثل في النمو المتسارع للطبقة الإدارية داخل الجامعات مقارنة بهيئات التدريس. ففي الوقت الذي شهدت فيه أعداد الطلاب زيادة مستمرة، وظلت فيه أعداد الأساتذة المثبتين في وظائفهم تتزايد بنسب ضئيلة أو تميل إلى الثبات، تضاعفت أعداد المديرين والإداريين والمستشارين والمشرفين التنفيذيين بمعدلات قياسية. لم تعد إدارة الجامعة وظيفة ثانوية يتداولها الأساتذة فيما بينهم بالتناوب لتسيير الشؤون اليومية كما كان عليه الحال في الماضين، بل تحولت إلى مهنة قائمة بذاتها يمارسها متخصصون في الإدارة المالية، والتسويق، وإدارة المخاطر، والعلاقات العامة، والقانون. أحدث هذا التغير نمطاً جديداً من الحوكمة أزاح الثقل المرجعي من المجالس الأكاديمية للأساتذة إلى المكاتب التنفيذية التي تتعامل مع الجامعة باعتبارها مؤسسة استثمارية وخدمية متكاملة.

يتتبع ويلمون آثار هذا التحول على البيئة الداخلية للجامعة، محددًا كيف أدى صعود المنظومة الإدارية الفائقة إلى تغليب منطق إدارة المخاطر والملاءة المالية على الاعتبارات الفكرية والتعليمية. أصبحت القرارات المتعلقة بإغلاق بعض الأقسام العلمية، أو التوسع في أخرى، أو تعديل المناهج الدراسية، ترتبط بصورة مباشرة بتحليلات جدوى سوق العمل، وقدرة تلك الأقسام على جذب التمويلات الخارجية والأقساط الطلابية. وفي هذا السياق، لم يعد التقييم الأكاديمي يعتمد فقط على عمق الأفكار أو قيمتها العلمية في التاريخ الفكري، بل بات محكومًا بمجموعة من المؤشرات المالية والإدارية التي يمكن صياغتها في جداول ومخططات بيانية تُرفع إلى مجالس الأمناء ورجال الأعمال الرعاة.

ويلتقط الكتاب مفهوم “الاستحواذ القيمي” ليكون أداة تحليلية تفسر كيفية إعادة تشكيل السلوك الأكاديمي والطلابي على حد سواء. فالاستحواذ القيمي يحدث عندما تُستبدل الأهداف المعرفية المعقدة والغنية — مثل تنمية الفضول الفكري، والقدرة على الفهم العميق، والنزاهة الفكرية — ببدائل كمية صريحة وسهلة القياس، مثل معدلات التوظيف عقب التخرج، وقيمة المنح البحثية المستقطبة، وتصنيفات الجامعات الدولية، وعدد الاستشهادات المرجعية للمطالعات البحثية. يوضح ويلمون أن هذه المؤشرات لم تُخترع بسوء نية في الغالب، بل صيغت كوسائل تقريبية للمساعدة في تنظيم العمل المالي والإداري؛ غير أن السلوك البشري والمؤسسي سرعان ما تكيّف معها، فصارت هذه المؤشرات الرقمية هي الغايات الفعلية التي يسعى الجميع إلى تحقيقها والتعظيم من أرقامها.

أدى تغلغل أجهزة القياس والتصنيفات العلمية والتجارية إلى خلق منافسة محتدمة بين الجامعات للحصول على مراكز متقدمة في المؤشرات العالمية. وصارت إدارات الجامعات تستثمر أموالاً طائلة في مشاريع البنية التحتية، وتشييد المراكز الرياضية والمجمعات السكنية الفاخرة، وتحسين الصور الإعلامية، بهدف جذب أكبر عدد من الطلاب الراغبين في نيل المؤهلات. وفي هذه البيئة المترعة بآليات التسويق، جرى إعادة تعريف الطالب من كونـه متعلمًا يبحث عن الحقيقة وتشكيل وعيه الفكري عبر مواجهة النصوص الصعبة والأسئلة الشاقة، إلى زبون ومستهلك يشتري خدمة تعليمية ويطلب الحصول على مؤهل يضمن له عائدًا ماليًا سريعًا في سوق العمل.

ويناقش ويلمون انعكاس هذا المنظور الاستهلاكي على علاقة الطالب بالمعرفة وبالأستاذ. فالمستهلك ينتظر من مقدم الخدمة التيسير والملاءمة وتقديم منتج واضح المعالم ومضمون النتائج، مما أوجد ضغطًا مستمرًا على المناهج الدراسية لتصبح أكثر مرونة ومباشرة، وأقل مطالبة بالجهد الفكري الشاق والتأمل المنعزل. أصبحت القراءة والبحث يُنظر إليهما أدواتٍ لتحصيل التقديرات والشهادات، بينما تراجعت الفكرة التي ترى في التعلم ممارسة وجودية تغير من رؤية الإنسان لنفسه ولمحيطه. أدى ذلك أيضاً إلى انتشار الثقافة التقنية التي تشجع على اكتساب المهارات السريعة القابلة للتطبيق المباشر في الشركات والمؤسسات الاقتصادية، على حساب العلوم الأساسية والدراسات الإنسانية التي لا تقدم نفعاً ممتداً في المدى القريب.

أما على مستوى هيئة التدريس، فقد أحدث هذا التحول تغيراً كبيراً في طبيعة العمل الأكاديمي ونمط الأمان الوظيفي. يتطرق ويلمون إلى توسع الجامعات في الاستعانة بالعمالة الأكاديمية الهامشية، المتمثلة في المحاضرين المتعاقدين والأساتذة الزائرين وأعضاء هيئة التدريس غير المثبتين، مقابل تقليص الوظائف الدائمة المتمتعة بالتثبيت الأكاديمي. أدى هذا الإجراء الإداري إلى نشأة فجوة واضحة داخل الجسم الأكاديمي: فئة قليلة من الأساتذة الكبار والمثبتين الذين يتمتعون بالاستقرار والأمان الوظيفي، وقطاع واسع من الأكاديميين الجدد الذين يعملون وفق عقود قصيرة الأجل وأجور متدنية، ويتحملون العبء الأكبر من التدريس اليومي في ظروف قاسية تفتقر إلى الاستقرار الفكري والوظيفي.

ينتج عن هذا النمط من التشغيل الضغط المستمر على الأكاديميين للمحافظة على إنتاجية عالية تتجسد في النشر المتواصل والنضال المستميت للحصول على المنح والتصنيفات، لتجنب الإبعاد عن المنظومة. صار الأستاذ الجامعي يجد نفسه مقيداً بين أعباء التدريس المكثف والمهام الإدارية المستحدثة، وبين مطالب النشر السريع في دوريات متخصصة قد لا يقرؤها سوى عدد محدود جداً من المختصين. يرى ويلمون أن هذا الواقع أدى إلى تآكل روح المبادرة الفكرية الحرة؛ إذ أصبح الباحثون يفضلون الاشتغال بالقضايا والموضوعات التي تضمن لهم القبول السريع في المجلات العلمية والحصول على التمويل، وتجنب المشاريع الفكرية الكبرى التي تتطلب سنوات طويلة من التفكير والمطالعة دون ضمانات مباشرة للإنتاجية الكمية.

يخلص المؤلف في هذا القسم من الكتاب إلى أن الأزمة الحقيقية للجامعة المعاصرة لا تكمن فقط في شح الموارد المالية أو الضغوط السياسية الخارجية، بل تكمن في فقدان المؤسسة لمرجعيتها الأخلاقية والفكرية المستقلة. لقد أصبحت الجامعة تتحدث لغة السوق وتتبنى أهدافه، واختزلت رسالتها في تقديم خيارات نفعية للنمو الاقتصادي وتدريب القوى العاملة. وبذلك تكون المؤسسة التي أُنشئت في الأصل لحماية فعل القراءة المنضبطة والتفكير الحر قد تحولت إلى حاضنة إدارية تستولي على أهداف الفكر وتستبدلها بمعايير الكفاءة والإنتاجية الرقمية.

يصل ويلمون للخطاب الشائع حول “أزمة العلوم الإنسانية”، موضحاً أن الحديث عن تراجع الفلسفة والأدب ليس وليد اللحظة الراهنة، بل هو خطاب مستمر يرافق التخصصات الإنسانية منذ تبلور النموذج البحثي في القرن التاسع عشر. لقد أنشأت الكليات الإنسانية هويتها المفهومية والوجودية عبر تمييز نفسها عن العلوم الطبيعية والتجريبية، واعتمدت على فكرة الأزمة الدائمة كوسيلة لتبرير رسالتها الأخلاقية والثقافية في إصلاح المجتمع وتقويم الانحرافات النفعية. كانت النغمة المعتادة تتكرر مع كل تحول صناعي أو اقتصادي كبير: أن العصر الحديث يهدد القيمة الروحية والأخلاقية للإنسان، وأن العلوم الإنسانية هي الحصن الأخير الذي يحمي الحكمة الإنسانية من طغيان الآلة والحسابات المادية.

غير أن ويلمون  أن الأزمة الحالية تختلف في حدتها ومضمونها عن سابقاتها؛ إذ لم تعد مجرد سجال نظري حول قيمة الثقافة والعلم، بل أصبحت تهديداً يمس شروط بقاء هذه التخصصات داخل المنظومة الأكاديمية نفسها. مع تزايد كلفة التعليم العالي وتعاظم الديون الطلابية، تحول الإقبال الطلابي نحو التخصصات العلمية والتطبيقية والتكنولوجية التي توفر فرص عمل مباشرة، بينما شهدت أقسام الأدب والفلسفة والتاريخ تراجعاً ملحوظاً في أعداد المتقدمين وفي الميزانيات المخصصة لها. وقد دفع هذا الواقع الجديد كليات العلوم الإنسانية إلى الدفاع عن نفسها بأساليب أضعفت أصل رسالتها؛ حيث حاولت استعارة اللغات التقنية والمناهج الكمية لتثبت للإدارات الجامعية أنها تنتج معارف مفيدة وقابلة للقياس، مما أدى إلى تعقيد أساليبها وعزلها عن الجمهور العام وعن الشواغل الإنسانية المباشرة.

يتعمق المؤلف بعد ذلك في فحص الأثر المعرفي للتكنولوجيا الرقمية على فعل القراءة، مفككاً مفهوم “الدراسة المنضبطة” الذي يراه جوهر الممارسة المعرفية الأصيلة. يرى ويلمون أن القراءة العميقة في الكتاب المطبوع لم تكن مجرد آلية لاستيعاب المعلومات، بل كانت تجربة تنسك فكري وتدريباً روحياً يتطلب الصبر، والتركيز الممتد، والعزلة المعنوية، والمواجهة الحية مع التعقيد. كانت الصفحات المطبوعة تفرض إيقاعاً بطيئاً يتيح للقارئ متابعة الحجة الفكرية وتفكيك تفاصيلها ومحاورتها عبر الزمن. لكن الانتقال المتسارع نحو البيئات الرقمية والوسائط المتعددة أعاد تشكيل الانتباه الإنساني؛ إذ حول القراءة من فعل غوص وتأمل إلى ممارسة مسح سريع واستقطاع شذرية للمعلومات.

أصبحت الشاشات الرقمية تشجع على الاستهلاك الفوري والتنقل السريع بين النصوص والروابط، مما أدى إلى تفتيت قدرة العقل على ممارسة التأمل المطول والاحتمال الفكري للغموض والتعقيد. يوضح ويلمون أن أزمة القراءة في العصر الرقمي ليست مجرد تغير في الوسيط المادي لقراءة النص، بل هي تغير في طبيعة العلاقة مع المعرفة نفسها؛ إذ صار يبحث المستهلك عن الإجابات السريعة والحلول المباشرة، وتوارى التقدير الفكري للرحلة الذهنية الشاقة التي يخوضها الإنسان للوصول إلى الفهم. أصبحت الدراسة المنضبطة تعرض كعمل غير اقتصادي في بيئة تعلي من شأن السرعة والكفاءة وتوفير الوقت.

ثم ينتقل الكتاب إلى التحدي الأحدث والأكثر خطورة، والمتمثل في ظهور نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي والتقنيات الخوارزمية المتقدمة التي أخذت تنافس الإنسان في إنتاج النصوص والتحليل اللغوي وصياغة الحجج المنطقية. يحلل ويلمون هذه الظاهرة بعيداً عن التهويل التكنولوجي أو الرفض المطلق، مقدماً تفكيكاً عميقاً لما تفرضه هذه التقنيات على مفهوم العمل الفكري. لقد اعتادت الجامعة على مدى عقود طويلة أن تجعل من كتابة المقال والأطروحة العلمية المقياس الأساسي الذي يعبر من خلاله الطالب عن قدرته على التفكير النقدي وصياغة الأفكار. غير أن نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على توليد نصوص متماسكة، وتجميع المصادر، وصياغة الملخصات في ثوانٍ معدودة، مما أربك أدوات التقييم التقليدية وألقى بظلال من الشك على أصالة المخرجات التعليمية.

يبين ويلمون أن الخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي لا يكمن فقط في التهديد بالاحتيال الأكاديمي أو اتكال الطلاب على الآلات في إنجاز الواجبات، بل يكمن في إمكانية تفريغ فعل الكتابة والتفكير من مضمونه التشكيلاتي والوجودي. فالكتابة في منظور الدراسة المنضبطة ليست مجرد تجميع للبيانات وإخراجها في جمل قشيبة، بل هي العملية التي يصوغ من خلالها الإنسان أفكاره، ويكتشف بها حدود جهله، ويبني عبرها وعيه المباشر بالحرية والمسؤولية. عندما تُستبدل هذه العملية الشاقة بمخرجات خوارزمية سريعة، فإن ما يُفقد ليس فقط الأمانة الأكاديمية، بل القدرة الإنسانية ذاتها على ممارسة التفكير المستقل والصبر على توليد المعنى.

يتساءل المؤلف عن كيفية مواجهة العلوم الإنسانية لهذه التحديات المزدوجة، مبيناً أن استجابة المؤسسات الأكاديمية جاءت محكومة بالارتباك والتراجع. فمن ناحية، سارعت بعض الجامعات إلى دمج التقنيات الرقمية في المناهج تحت مسمى “العلوم الإنسانية الرقمية”، محاولة استخدام أدوات تحليل البيانات وتجميع النصوص الآلية لإضفاء طابع علمي وتقني على الفلسفة والأدب. ورغم ما أثمرته هذه المحاولات من نتائج إيجابية في حفظ التراث وتنظيم البيانات الكبيرة، إلا أنها في كثير من الأحيان ساهمت في تعزيز المنطق الكمي نفسه الذي يهدد القيم المعنوية للإنسانيات، محولة النصوص الأدبية والفلسفية إلى مجرد قواعد بيانات خاضعة للتعدين والتكشيف الآلي.

ومن ناحية أخرى، أدى انكفاء الأكاديميين على النظريات المجرّدة واللغات الفنية المعقدة إلى قطيعة حقيقية مع الجمهور العريض خارج أسوار الجامعة. أصبح متخصص العلوم الإنسانية يكتب أحياناً بلغة مغلقة ومتحفظة تهدف لحماية موقعه المهني داخل القسم الأكاديمي، أكثر مما تهدف إلى مخاطبة الأسئلة الوجودية والأخلاقية التي تؤرق المجتمع. وبذلك أصبحت العلوم الإنسانية مقيدة بين مطرقين: الهيمنة الإدارية التي تطالبها بإثبات جدواها المالية وفائدتها الاقتصادية المباشرة، وسندان التقنيات الحديثة التي تنافسها في معالجة النصوص وتخليص المعارف بسرعة فائقة.

يختتم  ويلمون هذا الفصل بتحليل يؤكد فيه أن العلوم الإنسانية لا يمكن أن تستعيد عافيتها من خلال محاكاة العلوم الطبيعية أو الاستسلام للمنطق النفعي للجامعة الشركاتية، ولا من خلال الذعر والرفض السطحي للتقنيات الرقمية. إن طريق الخلاص يمر عبر العودة إلى الجوهر التحرري المتمثل في “الدراسة المنضبطة” كفعل أخلاقي وفكري مستقل عن الاشتراطات المؤسسية والتنافسية. إن القراءة العميقة، والتفكير البطيء، والصبر على محاورة النصوص المعقدة، والتساؤل الوجودي حول الخير والجمال والحقيقة، هي ممارسات إنسانية أصيلة لا تستطيع الآلة استبدالها ولا تستطيع المؤشرات الرقمية قياس قيمتها الفعلية.

يصل تشاد ويلمون في الفصل الختامي من كتابه  إلى المحطة الأكثر أهمية وتركيزاً في أطروحته الشاملة، حيث يضع القارئ أمام السؤال المصيري الذي تقود إليه التحليلات التاريخية والمفهومية الممتدة عبر فصول الكتاب: إذا كانت الجامعة المعاصرة قد ابتعدت عن غايتها الأولى، واستغرقها المنطق التنظيمي والمالي، وتراجعت داخلها مكانة العلوم الإنسانية تحت وطأة آليات القياس الرقمي ومتطلبات سوق العمل، فكيف يمكن للمشتغلين بالفكر حماية ممارسة «الدراسة المنضبطة» وضمان استمرارها مستقبلاً؟ لا يقدم ويلمون حلاً تبسيطياً ولا يدعي القدرة على وضع خريطة طريق لإصلاح المؤسسة الأكاديمية من الداخل عبر برامج إدارية مستحدثة أو تعديلات في لوائح التمويل، بل يقدم طيفاً من الأفكار الرزينة التي تبدأ بالاعتراف الصريح بأن التلازم التاريخي بين الممارسة المعرفية الحرة وبين المؤسسة الجامعية ليس تلازماً أبدياً ولا شرطاً لازماً لربط الفكر بجدواه الروحية والعقلية.

إن الأطروحة المحورية التي يرتكز عليها هذا الفصل الختامي تبدأ من تفكيك مفهوم «ما بعد الجامعة»، وهو المفهوم الذي قد يوحي للوهلة الأولى بنهاية وشيكة للمباني والأبراج الأكاديمية أو انهيار المنظومة القانونية للتعليم العالي. يوضح ويلمون أن هذا الفهم  لا يعبر عن مراده؛ فالجامعات الحديثة ستظل قائمة ومستمرة ككيانات استثمارية وإدارية ضخمة، تؤدي أدواراً محددة تتصل بالتدريب المهني، ومعالجة البيانات، وتزويد قطاعات الإنتاج بالكوادر التقنية، وتوفير الاعتمادات والشهادات التي تتطلبها أسواق العمل المعقدة. إن ما يعنيه «ما بعد الجامعة» حقيقةً هو أفول ذلك النموذج التاريخي الذي احتكرت فيه الجامعة الصلاحية الحصرية لتحديد ما هو معرفة أصيلة، والنزول بالعمل الفكري من رتبة الممارسة الوجودية إلى رتبة الوظيفة المعيارية. لقد وصلت الجامعة كحاضنة إلى نقطة أصبحت فيها إجراءاتها الإدارية تشكل عبئاً على الفعل المعرفي نفسه، مما يتطلب الشجاعة للتفكير في أشكال وحواضن جديدة تضمن للفكر استقلاله وعافيته.

وفي هذا السياق، يعيد ويلمون التأكيد على مفهوم «الدراسة المنضبطة» الذي شيد عليه معمار كتابه بأكمله، موضحاً أنها تجربة تتجاوز الحدود الإدارية للأقسام والمناهج والألقاب الأكاديمية. إن الدراسة المنضبطة هي الممارسة المعرفية الجماعية أو الفردية التي تسعى للفهم والارتقاء الذاتي من خلال التعامل المباشر مع النصوص والأفكار الصعبة، وتتميز بكونها تُدار وفق معايير إتقان داخلية لا تخضع للمساومة التجارية أو التقييمات السريعة. يسترجع المؤلف هنا النموذج الإنساني البسيط الذي استهل به كتابه، والمتمثل في تجربة والده القارئ الشغوف الذي قضى حياته في أعمال يدوية وتجارية متواضعة لكنه واصل دراسة النصوص والمراجع القديمة على طاولة المطبخ بكل انضباط وجدية. يعود ويلمون إلى هذه الصورة ليؤكد أن القيمة الفعلية للفكر تكمن في ذلك الدافع الأصيل نحو المعرفة، وأن الفهم لا يستمد مشروعيته من الختم المؤسسي أو الترتيب الأكاديمي، بل من النزاهة التي يمارس بها القارئ أو الباحث فعل التفكير.

ويرصد الكتاب بزوغ ظواهر وممارسات معرفية مستقلة تتبلور خارج أطر الجامعة الرسمية، ويرى فيها أشكالاً جنينية لما يمكن أن يكون عليه العمل الفكري في المرحلة القادمة. يستعرض ويلمون انتشار حلقات القراءة الخاصة، والمجموعات البحثية المستقلة، والمؤسسات الثقافية المصغرة، والمجلات والمنابر الإلكترونية التي يُديرها باحثون ومفكرون بعيداً عن ضغوط التثبيت الوظيفي والنشر المعياري في الدوريات المغلقة. توفر هذه الفضاءات البديلة إمكانات حقيقية لممارسة التفكير البطيء والقراءة الشاملة، حيث يلتقي أفراد يجمعهم الشغف والالتزام المعرفي لمناقشة أمور الفلسفة والأدب والتاريخ دون حاجة إلى تعبئة استمارات الأداء أو تقديم كشوفات بالإنتاجية المالية. ورغم أن هذه المبادرات قد تبدو ضئيلة الحجم ومحدودة الإمكانات المادية إذا ما قورنت بالميزانيات المليارية للجامعات الكبرى، إلا أن قيمتها الفكرية تتجلى في قدرتها على إعادة بناء مجتمعات تعلم أصيلة تقوم على الفضول والمشاركة والحرية.

كما يفرد ويلمون قراءة  لدور التقنية والرقمية في هذه البيئة الجديدة، مشيراً إلى أن الوسائط الحديثة تحمل إمكانات مزدوجة. فبينما ساهمت الشبكات والمنصات الاستهلاكية في تفتيت الانتباه وتشجيع القراءة السريعة، فإنها توفر في الوقت ذاته فرصاً غير مسبوقة لتأسيس مشاعات معرفية مفتوحة تتجاوز عوائق الجغرافيا والاشتراكات الجامعية المرتفعة. أصبح بمقدور مجتمعات التعلم المستقلة الوصول إلى المخطوطات والكتب والدوريات القديمة، والتواصل المباشر لخلق حلقات نقاش جادة حول الأفكار الكبرى دون الحاجة للانتساب إلى مؤسسة أكاديمية بعينها. يرى المؤلف أن الاستخدام الواعي لهذه الأدوات الرقمية يمكن أن يسهم في ديمقراطية المعرفة وفي إعادة الاعتبار للعمل الفكري باعتباره شأناً عاماً ومتاحاً لكل من يمتلك الجدية والالتزام.

أما فيما يتعلق بالأكاديميين والباحثين المتواجدين حالياً داخل الأكاديميا الرسمية، فإن ويلمون لا يطالبهم بالانسحاب الجماعي أو بترك مواقعهم الوظيفية في مواقف استعراضية، بل يقترح موقوفاً أخلاقياً يصفه بالاستقلال المعنوي أو الممارسة المزدوجة. يمكن للأستاذ أو الباحث أن يؤدي واجبه المهني والإداري داخل الجامعة بكفاءة وأن يلتزم بقواعد المؤسسة المالية والتعليمية، شريطة أن يحافظ على مسافة نقدية واعية تحميه من جعل قيم المنظومة الشركاتية هي قيمه الشخصية الحاكمة. يتطلب ذلك إيجاد مساحات حرة ومصغرة داخل الفصول الدراسية وقاعات السيمينار، يتعامل فيها المعلم مع طلابه باعتبارهم عقولاً تبحث عن المعنى وليس بصفتهم مستهلكين يطلبون بضاعة سريعة، مستعيداً بذلك الروح التحررية للتعلم في قلب الكيان البيروقراطي نفسه.

ويتعمق ويلمون في فحص تحديات العصر الرقمي وأدوات الذكاء الاصطناعي في هذا الأفق المستقبلي، مؤكداً أن الاستجابة الحاسمة لخطر الميكنة وتوليد النصوص الآلية لا تكون بالذعر أو بالمحاكاة التقنية السطحية، بل بإبراز الجوانب الإنسانية والأخلاقية التي تعجز الآلات عن استبدالها. إن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تستطيع تجميع البيانات وصياغة الملخصات بمهارة فائقة وسرعة قياسية، غير أنها لا تملك القدرة على مكابدة المعاناة الفكرية، ولا تحمل المسؤولية الأخلاقية عن الحقيقة، ولا تخوض تجربة الشك والتحول الذاتي التي يمر بها القارئ أثناء مواجهته للنص الفلسفي أو الأدبي. ومن ثم، فإن العمل الفكري المستقبلي يكتسب مشروعيته الأساسية من التركيز على تلك الأبعاد التي تتصل بالخبرة الإنسانية المباشرة، والتأمل البطيء، وبناء العلاقات الأخلاقية بين المتعلمين.

ويركز المؤلف أيضاً على ضرورة تحرير العلوم الإنسانية من العزلة اللغوية والفنية التي فرضتها عليها عقود التخصص الصارم داخل الأقسام الأكاديمية. إن استعادة التأثير الفكري للإنسانيات تتطلب من الباحثين الجرأة على مخاطبة الشواغل القائمة للمجتمع، والتخلي عن الأساليب المغلقة التي أُنتجت خصيصاً لإرضاء لجان الترقية والأقران في التخصصات الضيقة. عندما تعود الفلسفة والأدب والتاريخ للحديث بلغة قريبة من التجربة الإنسانية العامة، فإنها تستعيد دورها الأصيل في صقل الخيال الأخلاقي وتوفير أدوات لفهم التحولات الاجتماعية والسياسية، مما يجعلها قادرة على جذب مجتمعات قراءة جديدة خارج أسوار الكليات الرسمية.

يصوغ تشاد ويلمون ختام كتابه برؤية  إن الجامعة، كما بين الكتاب عبر رحلته التاريخية، ليست سوى حاضنة تنظيمية ظهرت في لحظة محددة من التاريخ الغربي لتلبية حاجات اجتماعية ومؤسسية، وقد تتغير هذه الحاضنة أو تتراجع قدرتها على احتواء الفعل المعرفي الحر. غير أن ممارسة الدراسة المنضبطة والبحث عن الحقيقة أقدم من الجامعة وتستطيع الاستمرار بعدها. إن مستقبل العمل الفكري لا يتوقف على بقاء هيكل إداري بعينه، بل يتوقف على وجود أفراد ومجتمعات تمتلك الشغف والنزاهة لمواصلة القراءة والتفكير ومحاورة العالم بوعي حر ومستقل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى