أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

دين ردئ:كيف شكلت عقدة العرق وصراع السلطة اليمين الديني في أمريكا؟

يمثل كتاب “دين ردئ: العرق وصعود اليمين الديني Bad Faith: Race and the Rise of the Religious Right” للمؤلف راندال بالمر، والصادر في عام 2021، محاولة جادة لقراءة التحولات السياسية والاجتماعية التي عصفت بالتيار الإنجيلي في الولايات المتحدة الأمريكية خلال العقود الماضية. ينطلق بالمر من موقع الخبير والمطلع، فهو لم يكتفِ بدراسة الظاهرة من الخارج، بل نشأ في صميم الثقافة الإنجيلية الفرعية؛ حيث كان والده قساً لمدة أربعين عاماً، وتلقى تعليمه في مؤسسات إنجيلية خالصة. هذا الانتماء يمنح تحليلاته بعداً واقعياً بعيداً عن التنظير المجرد، ويوفر مساحة لفهم الدوافع الحقيقية التي شكلت المشهد السياسي الحالي.

تبدأ القصة الحقيقية لهذا الكتاب من مؤتمر مغلق عُقد في واشنطن العاصمة عام 1990، بمناسبة الذكرى العاشرة لانتخاب رونالد ريغان. في تلك الغرفة، التقى بالمر بمجموعة من أبرز قادة اليمين الديني، أمثال بول وايريتش، ريتشارد فيغيري، رالف ريد، وكارل هنري. وخلال الجلسة الافتتاحية، أطلق وايريتش، الذي يُعد المهندس الفعلي لليمين الديني، تصريحاً شكل صدمة ونقطة تحول في مسار أبحاث بالمر؛ إذ أكد بوضوح أن قضية الإجهاض لم تكن بأي حال من الأحوال المحرك الأساسي لظهور اليمين الديني. وأوضح وايريتش أنه حاول منذ حملة باري غولدواتر في عام 1964 حشد الناخبين الإنجيليين عبر إثارة قضايا مثل الصلاة في المدارس، والمواد الإباحية، وتعديل الحقوق المتساوية، والإجهاض، لكنه فشل فشلاً ذريعاً في دفع القادة الإنجيليين نحو العمل السياسي، حتى بدأت دائرة الإيرادات الداخلية الأمريكية في التدقيق في وضع الإعفاء الضريبي للمدارس الخاصة التي تمارس الفصل العنصري. هذا التصريح الواضح دفع بالمر للغوص في الأرشيفات الرئاسية وجامعات اليمين الديني للبحث عن الجذور الحقيقية لهذه الحركة.

لفهم هذا التحول المعقد، يعود بالمر لتأسيس مفهوم “الإنجيلية” تاريخياً. يرى المؤلف أن الإنجيلية الأمريكية تشكلت في منتصف القرن الثامن عشر من التقاء ثلاثة روافد رئيسية: التزمت في نيو إنجلاند، والمشيخية الاسكتلندية الأيرلندية، والتقوية القارية. ويحدد بالمر الإنجيلي بناءً على ثلاثة أبعاد أساسية: الإيمان بالكتاب المقدس كإعلان إلهي وتفسيره حرفياً، الإيمان بمركزية تجربة التحول الروحي أو “الولادة الجديدة”، والالتزام بالتبشير ونشر الإيمان. ومع تقدير نسبة الإنجيليين بنحو ثلث سكان الولايات المتحدة، يصبح فهم توجهاتهم أمراً بالغ الأهمية لفهم السياسة الأمريكية.

يأخذنا السرد إلى القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي يعتبرها بالمر الحقبة التقدمية للإنجيلية. ففي أعقاب الثورة الأمريكية، اجتاحت “الصحوة الكبرى الثانية” عدة مناطق مثل نيو إنجلاند ووادي كمبرلاند وشمال ولاية نيويورك. لم تكن هذه الصحوة مجرد حركة دينية روحية، بل أفرزت أجندة إصلاح اجتماعي طموحة. الشخصيات البارزة في هذه الفترة، مثل تشارلز جرانديسون فيني، اعتبرت أن الإيمان يجب أن يقترن بالإنسانية والتسامح، وأن إصلاح المجتمع هو واجب ديني. انخرط الإنجيليون في مشاريع اجتماعية واسعة شملت إصلاح السجون، والدعوة للتعليم العام، وحقوق المرأة، ومكافحة العبودية، وحملات السلام لنبذ العنف. كان هذا الجيل مدفوعاً بعقيدة سادت آنذاك تؤمن بإمكانية إصلاح المجتمع تدريجياً لتمهيد الطريق لعودة المسيح، وهو ما عرف بـ “ما بعد الألفية”.

لكن هذه النزعة التفاؤلية الإصلاحية تعرضت لضربة قاصمة مع اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية وما خلفته من دمار هائل ومئات الآلاف من القتلى. ومع تحول المجتمع الأمريكي نحو التصنيع والتوسع الحضري وتزايد الهجرة، بدأ الإنجيليون يشعرون بالتهديد وتراجعوا عن تفاؤلهم. في هذا السياق، ظهر جون نيلسون داربي بأفكاره التي روجت لعقيدة “ما قبل الألفية”، والتي تقترح أن العالم يتجه نحو الخراب الحتمي وأن عودة المسيح وشيكة لإنقاذ المؤمنين وإدانة الباقين. يصف بالمر هذه العقيدة بأنها “لاهوت اليأس”؛ لأنها أعفت الإنجيليين فعلياً من مسؤولية إصلاح المجتمع، ووجهت كل طاقاتهم نحو الخلاص الفردي والنجاة من الدينونة الوشيكة، تاركين الساحة السياسية والاجتماعية بالكامل.

تعمق هذا الانسحاب في عشرينيات القرن العشرين، خاصة مع تصاعد الخلافات الثقافية حول تدريس نظرية التطور، والتي بلغت ذروتها في محاكمة جون سكوبس الشهيرة عام 1925. رغم أن الإنجيليين كسبوا القضية قانونياً، إلا أنهم خسروها في ساحة الرأي العام، حيث تعرضوا لسخرية قاسية من الصحافة التي صورتهم كرجعيين معادين للعلم. كرد فعل على هذا العداء الثقافي، قرر الإنجيليون الانعزال التام عن المجتمع الواسع، وعمدوا إلى بناء ما يسميه بالمر “الثقافة الفرعية الإنجيلية”. شملت هذه الثقافة شبكة معقدة ومستقلة من الكنائس، والمخيمات الصيفية، ومعاهد الكتاب المقدس، والكليات، ودور النشر، بهدف حماية أبنائهم من التأثيرات العلمانية. هذا الانسحاب المنهجي جعل الإنجيليين غائبين عن الساحة السياسية لعقود طويلة، ينظرون إلى السياسة باعتبارها شأناً دنيوياً فاسداً لا يستحق العناء في عالم يتجه نحو نهايته المحتومة.

ومع ذلك، شهدت فترة السبعينيات محاولة جادة لإعادة إحياء الإرث التقدمي للإنجيلية. ففي عام 1973، اجتمع خمسة وخمسون من القادة الإنجيليين لإصدار “إعلان شيكاغو للاهتمام الاجتماعي الإنجيلي”. كان هذا الإعلان وثيقة فارقة أعادت التأكيد على التزام الإنجيليين التاريخي بمكافحة النزعة العسكرية، والعنصرية، والتفاوت الاقتصادي، كما شدد على ضرورة تحقيق المساواة للمرأة. تزامنت هذه الصحوة مع صعود جيمي كارتر، حاكم ولاية جورجيا ومعلم مدرسة الأحد الذي لم يخجل من إعلان إيمانه بوضوح كـ “مسيحي مولود من جديد”. قدم كارتر خطاباً يركز على العدالة العرقية، وإصلاح السجون، والصدق المطلق في أعقاب فضائح إدارة نيكسون. نجح كارتر في جذب أصوات الإنجيليين، ليس فقط بسبب وعوده السياسية، بل بدافع التعاطف مع مرشح ينتمي إلى ثقافتهم الفرعية، ليفوز بالرئاسة ويبدأ في تطبيق سياسات ركزت على حقوق الإنسان، وحماية البيئة، والسلام في الشرق الأوسط.

كان كارتر يمثل ظاهرة فريدة؛ فهو سياسي يجاهر بانتمائه العميق للتيار الإنجيلي، ويستخدم لغة إيمانية صريحة في خطاباته، بل ويقدم نفسه كنموذج للمسيحي الملتزم بقضايا العدالة وحقوق الإنسان. في ظل هذا المعطى، كان من المنطقي أن يحتضن الإنجيليون رئيساً يشاركهم قناعاتهم العميقة وينتمي إلى ثقافتهم الفرعية التي طالما شعرت بالاغتراب عن المركز السياسي في واشنطن. لكن ما حدث على أرض الواقع كان مناقضاً تماماً لهذه التوقعات. فبدلاً من أن يكون فوز كارتر تتويجاً لانخراط الإنجيليين الإيجابي في الشأن العام، تحولت سنوات حكمه إلى مسرح لتبلور حركة سياسية محافظة شديدة التنظيم والعداء له، وهي الحركة التي عُرفت لاحقاً باسم “اليمين الديني”. لفهم هذا التحول المفاجئ، يأخذنا راندال بالمر في كتابه نحو تفكيك واحدة من أكثر السرديات رسوخاً في التاريخ السياسي الأمريكي المعاصر، وهي السردية التي تدعي أن قرار المحكمة العليا بإباحة الإجهاض كان الشرارة التي أشعلت الغضب الإنجيلي ودفعتهم لاقتحام المعترك السياسي.

يركز بالمر في هذا الجزء من تحليله على تفكيك ما يطلق عليه “أسطورة الإجهاض”. لعقود طويلة، روج قادة اليمين الديني لقصة تأسيسية تبدو متماسكة ومثالية من الناحية الأخلاقية، تفيد بأن قرار المحكمة العليا الأمريكية في قضية “رو ضد وايد” عام 1973، والذي أقر حق النساء في الإجهاض، كان بمثابة الصدمة الأخلاقية التي أيقظت الإنجيليين من سباتهم الطويل ودفعتهم للعمل السياسي لإنقاذ أرواح الأجنة وتصحيح المسار الأخلاقي للأمة. هذه السردية أصبحت عقيدة راسخة في الخطاب السياسي المحافظ، وتُردد باستمرار كدليل على النقاء الأخلاقي والدافع الإنساني العميق وراء تحركات اليمين الديني. إلا أن تتبع السجلات التاريخية والمواقف الموثقة لقادة الإنجيليين في تلك الفترة، كما يعرضها الكتاب بشكل متأنٍ، يكشف صورة مغايرة تماماً، ويثبت أن هذه السردية لم تكن سوى واجهة تم اختلاقها لاحقاً لتغطية الدوافع الحقيقية والأقل نبلاً للحركة.

عندما صدر حكم “رو ضد وايد” في عام 1973، لم يشهد الشارع الإنجيلي أي حالة من الغضب أو الاستنفار. على العكس من ذلك، كانت ردود الفعل تتراوح بين اللامبالاة والتأييد الحذر. يعود بالمر إلى الأرشيف ليستخرج تصريحات لقادة بارزين مثل دبليو. إيه. كريسويل، القس السابق للكنيسة المعمدانية الأولى في دالاس وأحد أهم الأصوات المحافظة آنذاك، والذي صرح علناً بأنه يفضل قرار المحكمة العليا، مشيراً إلى أن الإيمان الإنجيلي يركز على قيمة الحياة بعد الولادة واستقلال الفرد، وأن الدولة لا ينبغي أن تتدخل في قرارات طبية شخصية. أكثر من ذلك، يعرض الكتاب قرارات رسمية صدرت عن “المؤتمر المعمداني الجنوبي”، وهو التجمع الأكبر للإنجيليين في الولايات المتحدة، في أعوام 1971 و1974 و1976. في جميع هذه المؤتمرات، مرر المندوبون قرارات تدعو إلى ضرورة حماية حق المرأة في الإجهاض في حالات الاغتصاب، وسفاح القربى، والتشوهات الجنينية الشديدة، والأضرار التي تلحق بالصحة الجسدية أو العاطفية للأم. كان المزاج العام الإنجيلي يميل إلى اعتبار الإجهاض شأناً شخصياً وطبياً، ورفضوا بشدة تبني موقف معارض له لسبب بالغ الأهمية في ذلك الوقت: لقد كان الإجهاض يُعتبر “قضية كاثوليكية” بامتياز. وبسبب التوترات اللاهوتية والتاريخية بين الإنجيليين والكاثوليك، رفض الإنجيليون الانخراط في حملة يقودها الفاتيكان وتتعارض مع مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة الذي كانوا يتمسكون به بشدة في تلك الحقبة.

إذا لم يكن الإجهاض هو المحرك الأساسي، فما الذي أخرج الإنجيليين من عزلتهم الطوعية ودفعهم لتشكيل قوة سياسية عاتية؟ هنا يضع بالمر يده على الجرح التاريخي ويكشف الجذور العرقية للحركة. يبدأ الخيط الحقيقي للقصة في أعقاب قرار المحكمة العليا في قضية “براون ضد مجلس التعليم” عام 1954، والذي قضى بعدم دستورية الفصل العنصري في المدارس العامة. هذا القرار التاريخي أحدث زلزالاً في المجتمعات البيضاء، خاصة في الجنوب الأمريكي. ورداً على محاولات فرض الاندماج العرقي في المدارس العامة، سارعت مئات المجتمعات المحلية إلى سحب أبنائها وتأسيس شبكة واسعة من المدارس الخاصة، والتي عُرفت لاحقاً بـ “أكاديميات الفصل العنصري”. ولإضفاء شرعية على هذه المؤسسات وحمايتها من النقد، تم تغليف العديد منها بطابع ديني إنجيلي، وأُطلق عليها اسم “الأكاديميات المسيحية”. كانت هذه المدارس تضمن للآباء البيض بيئة تعليمية نقية عرقياً لأبنائهم، بعيداً عن الاختلاط المفروض بقوة القانون الفيدرالي في المدارس العامة.

استمر هذا الوضع الموازي لسنوات، حيث تمتعت هذه المدارس الخاصة بوضع الإعفاء الضريبي كجمعيات خيرية أو تعليمية غير هادفة للربح. لكن في عام 1970، بدأت الأمور تتغير. رفعت مجموعة من أولياء الأمور السود في مقاطعة هولمز بولاية ميسيسيبي دعوى قضائية للمطالبة بمنع مصلحة الضرائب الأمريكية من منح إعفاءات ضريبية للمدارس الخاصة التي تمارس التمييز العرقي. أصدرت المحكمة الفيدرالية قراراً أولياً بمنع مصلحة الضرائب من منح هذه الإعفاءات، وفي العام التالي، أيدت المحكمة العليا هذا التوجه في قضية “غرين ضد كونالي”، مؤكدة أن أي مؤسسة تمارس التمييز العنصري لا يمكن اعتبارها مؤسسة خيرية يحق لها الاستفادة من الإعفاءات الضريبية. استجابت مصلحة الضرائب لهذه القرارات وبدأت في إرسال استبيانات للمدارس الخاصة، مطالبة إياها بإثبات التزامها بسياسات عدم التمييز العرقي للاحتفاظ بوضعها الضريبي.

هذا التدخل الفيدرالي في شؤون المؤسسات التعليمية الإنجيلية هو الذي أشعل شرارة الغضب الحقيقية. بالنسبة للقادة الإنجيليين، لم يكن الأمر مجرد مسألة مالية تتعلق بالضرائب، بل اعتبروه تعدياً سافراً من الحكومة الفيدرالية على استقلاليتهم وتدخلًا في كيفية إدارة شؤونهم الخاصة وحماية ثقافتهم الفرعية. كانت اللحظة الفارقة عندما وجهت مصلحة الضرائب أنظارها نحو “جامعة بوب جونز” في ولاية كارولينا الجنوبية، وهي مؤسسة تعليمية إنجيلية بارزة كانت ترفض تماماً قبول الطلاب السود حتى عام 1971. وحتى عندما اضطرت لقبولهم لاحقاً تحت ضغط قانوني، فرضت حظراً صارماً على المواعدة أو الزواج بين الأعراق المختلفة داخل الحرم الجامعي، مبررة ذلك بتفسيرات خاصة لنصوص الكتاب المقدس. في عام 1976، وفي عهد إدارة جيمي كارتر تحديداً، قررت مصلحة الضرائب رسمياً إلغاء الإعفاء الضريبي لجامعة بوب جونز بسبب سياساتها العنصرية.

هنا ظهر دور بول وايريتش، الاستراتيجي السياسي المحافظ الذي كان يبحث لسنوات عن قضية يمكن من خلالها حشد ملايين الإنجيليين وتوجيه أصواتهم لدعم الحزب الجمهوري والأجندة المحافظة. كان وايريتش قد جرب سابقاً إثارة قضايا مثل حظر الصلاة في المدارس، وتصاعد الحركات النسوية، وانتشار المواد الإباحية، لكن أياً من هذه القضايا لم تفلح في كسر حاجز الانعزال السياسي لدى الإنجيليين. وعندما تواصلت معه قيادات المؤسسات التعليمية الإنجيلية تشتكي من مضايقات مصلحة الضرائب، أدرك وايريتش فوراً أنه وجد ضالته. لقد مس التدخل الحكومي عصباً حساساً، وأثار مخاوف عميقة من فقدان السيطرة على المؤسسات التي أسسوها لحماية أبنائهم من التأثيرات الخارجية. نظم وايريتش سلسلة من اللقاءات مع قادة بارزين، وعلى رأسهم القس جيري فالويل، الذي كان يدير هو الآخر إحدى الأكاديميات التي تأسست في الأصل هرباً من الاندماج العرقي في ولاية فرجينيا. ومن خلال هذه التحركات، ولدت منظمة “الأغلبية الأخلاقية” في عام 1979، كآلية سياسية جبارة تهدف إلى حماية المؤسسات الإنجيلية من التدخل الحكومي.

ومع ذلك، واجه قادة هذه الحركة الناشئة معضلة استراتيجية كبرى. فقد أدرك وايريتش وفالويل وغيرهم أن بناء حركة سياسية وطنية واسعة النطاق حول مطلب الدفاع عن الفصل العنصري أو التمييز العرقي سيكون بمثابة انتحار سياسي وأخلاقي في أواخر السبعينيات، خاصة بعد أن أصبحت حركة الحقوق المدنية جزءاً لا يتجزأ من الوعي العام الأمريكي. كانوا بحاجة ماسة إلى غطاء أخلاقي نبيل يمكن من خلاله تسويق حركتهم وجذب متعاطفين من خارج دوائرهم الضيقة. في هذه المرحلة الحرجة، التقطوا إشارات التغيير التي أحدثها مفكرون إنجيليون مثل فرانسيس شيفر، الذي بدأ في أواخر السبعينيات يوجه انتقادات حادة للإجهاض من منظور حماية الحياة الإنسانية والكرامة. ببراعة سياسية وبتخطيط دقيق، قرر قادة اليمين الديني تحويل دفة خطابهم بالكامل. أدركوا أن قضية الإجهاض توفر لهم السلاح الأخلاقي المثالي؛ فهي تسمح لهم باتخاذ موقف المدافعين عن الأبرياء وحراس الأخلاق العامة، وتمنحهم الفرصة لاتهام خصومهم الليبراليين بالتخلي عن القيم الأساسية للمجتمع. هكذا، وفي عملية إحلال متعمدة، تم تهميش قضية الضرائب والمدارس العنصرية في الخطاب العلني، وتم تصعيد قضية الإجهاض لتصبح المعيار الأوحد الذي يُقاس به مدى التزام أي سياسي بالقيم المسيحية.

بمجرد اكتمال هذه الواجهة الأخلاقية الجديدة، وُجهت فوهات المدافع السياسية لليمين الديني نحو الرئيس جيمي كارتر. فرغم هويته الإنجيلية الواضحة والتزامه الديني الشخصي، اعتبره القادة الجدد للحركة خائناً. كانت إدارته هي التي طبقت قرارات مصلحة الضرائب بصرامة ضد مدارسهم وجامعاتهم، وكان يدعم في الوقت نفسه تعديل الحقوق المتساوية الذي تعارضه الحركات المحافظة. وفي انتخابات عام 1980، اتخذت “الأغلبية الأخلاقية” خطوة كانت لتبدو مستحيلة قبل سنوات قليلة: لقد تخلوا عن الرئيس الإنجيلي الذي يعلم في مدرسة الأحد، وألقوا بثقلهم المالي والتنظيمي خلف رونالد ريغان. كان ريغان سياسياً محافظاً، ممثلاً هوليوودياً سابقاً، ومطلقاً، ونادراً ما كان يُرى في الكنيسة، لكنه قدم لهم وعداً سياسياً واضحاً بتقليص تدخل الحكومة الفيدرالية في شؤونهم ودعم أجندتهم الاجتماعية المحافظة. هذا التحالف لم يكن مبنياً على تقارب لاهوتي أو التزام روحي مشترك، بل كان صفقة سياسية برغماتية بامتياز، دشن فيها اليمين الديني مرحلة جديدة من العمل السياسي القائم على تبادل المنافع واستخدام قضايا شائكة كالإجهاض كأدوات للحشد وحصد الأصوات.

وقد شكل فوز رونالد ريغان بالرئاسة عام مائة وتسعمائة وثمانين نصراً مؤزراً لهذه الحركة الفتية، إذ أثبتت للطبقة السياسية في واشنطن أن الأصوات الإنجيلية لم تعد كتلة هامشية أو معزولة، بل أصبحت ركيزة انتخابية حاسمة يُحسب لها ألف حساب. يواصل راندال بالمر في كتابه “سوء النية” تتبع الخيوط المعقدة لهذا المسار، كاشفاً كيف تحولت الحركة من مجرد ائتلاف دفاعي يحاول حماية مؤسساته التعليمية والثقافية إلى جبهة هجومية متكاملة تسعى لإعادة صياغة الهوية السياسية والاجتماعية والثقافية للولايات المتحدة الأمريكية وفق رؤية أيديولوجية محافظة ومتحالفة بالكامل مع أفكار السوق الحر والنظرية الاقتصادية اليمينية.

شهدت ثمانينيات القرن الماضي ترسيخ هذه المعادلة الجديدة من خلال التحالف الوثيق بين قيادات الإنجيليين والمؤسسة الحزبية الجمهورية. كان ريغان، برغم سلوكه الشخصي الذي لم يكن يجسد بالضرورة نمط الحياة الإنجيلي التقليدي، يمتلك قدرة فائقة على استخدام لغة رمزيّة استعادت المفاهيم الدينية الكلاسيكية ومزجتها بوعود الحرية الاقتصادية والقوة العسكرية. ومن خلال خطاباته التي وصف فيها الولايات المتحدة بـ “المدينة المقامة على جبل” والاتحاد السوفيتي بـ “إمبراطورية الشر”، قدم للجمهور الإنجيلي الرؤية المانوية الثنائية التي كان يبحث عنها، حيث ينقسم العالم ببساطة متناهية بين الخير المطلق والشر المطلق. يوضح بالمر أن الإنجيليين المحافظين لم يحصلوا في واقع الأمر على كل ما تمنوه في الجانب التشريعي خلال عهد ريغان؛ إذ لم يُقر تعديل دستوري يحظر الإجهاض، ولم تُعد الصلاة الإجبارية إلى المدارس العامة، إلا أنهم حصلوا على ما هو أهم في نظرهم: الاعتراف السياسي الصريح، ونفوذ هائل في اختيار القضايا الوطنية، والوصول المباشر إلى دوائر صنع القرار في البيت الأبيض والمؤتمرات الحزبية.

غير أن هذا النفوذ السياسي المكتسب حديثاً لم يأتِ بلا ثمن باهظ على الصعيد اللاهوتي والأخلاقي. يستعرض بالمر في هذا الجزء المظلم من تاريخ الحركة كيف جرت عملية إعادة تشكيل قسرية وعميقة لمفهوم الأخلاق المسيحية ذاتها. فبينما كانت الإنجيلية التاريخية، لا سيما في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تركز بشكل أساسي على خدمة الفقراء، ورعاية المظلومين، ومناهضة الجشع، والدعوة إلى السلام والعدالة الاجتماعية، أحدث اليمين الديني تحولاً جذرياً في أولويات الإيمان. تم تهميش تعاليم الموعظة على الجبل، وتراجع التزام الحركة بالعدالة الاجتماعية والمساواة العرقية، مقابل صعود عقيدة جديدة تُقدس الرأسمالية المطلقة، وتناهض الرعاية الاجتماعية الحكومية، وتدعم خفض الضرائب على الأثرياء، وتطالب بزيادة الإنفاق العسكري. أصبح الفقر يُفسر في الخطاب الإنجيلي الجديد كدليل على الفشل الفردي أو نقص الإيمان، في حين أُسبغت هالة من البركة الإلهية على الثروة والنجاح المادي، وهو ما أتاح مساحة واسعة لانتشار “لاهوت الازدهار” الذي غزا الشاشات والإذاعات الإنجيلية خلال تلك الفترة.

ولكي تحتفظ قيادات اليمين الديني بقاعدتها الشعبية مشتعلة ومستعدة دائماً للتعبئة الانتخابية، كان لا بد من تغذية الشعور المستمر بالخطر والتهديد الوجودي. ومن هنا بدأت مرحلة توسيع جبهات “الحروب الثقافية” لتشمل قضايا جديدة تجاوزت الإجهاض والمدارس. فتحت المنظمات الإنجيلية، وعلى رأسها “الأغلبية الأخلاقية” بزعامة جيري فالويل ثم “التحالف المسيحي” الذي أسسه بات روبرتسون ودارَ عجلةَ إدارته الشاب البراغماتي رالف ريد، نيراناً كثيفة على الحركة النسوية، معتبرة أن المطالبة بالمساواة بين الجنسين وتعديل الحقوق المتساوية تشكل تهديداً مباشراً للبناء الأسري التقليدي الصارم الذي أراده الرب. كما استُهدفت أبسط محاولات إدماج حقوق الأقليات الجنسية والمجتمعات المثالية، حيث جرى استغلال أزمة وباء نقص المناعة البشري المكتسب في الثمانينيات للترويج لخطاب ديني متطرف يصور المرض كعقاب إلهي مسلط على المجتمع بسبب التخلي عن الأخلاق المسيحية.

ولم تقف الحروب الثقافية عند حدود القضايا الاجتماعية والأسرية، بل امتدت لتخوض معارك شراسة داخل نظام التعليم العام والمؤسسات الثقافية والأكاديمية. قادت الجماعات الإنجيلية حملات منظمة لرقابة المناهج الدراسية، وحظر الكتب التي تُعتبر غير أخلاقية أو إنسانية علمانية، والدفع نحو تدريس نظرية “الخلق” أو ما سُمي لاحقاً بـ “التصميم الذكي” جنبًا إلى جنب مع نظرية التطور في دروس العلوم. كانت هذه الحملات تُدار تحت شعار حماية الأطفال من “العلمانية الشاملة” و”الإلحاد الممنهج” الذي تسعى الدولة الفيدرالية والمؤسسات التعليمية إلى غرسة في نفوس الأجيال الجديدة. ويرى بالمر أن هذا الخطاب خلق حالة من الشك والريبة العميقة لدى الإنجيليين تجاه المؤسسات العلمية والجامعات والإعلام الرئاسي، وهو ما أدى بمرور الوقت إلى بناء فقاعة معرفية مغلقة لا يتلقى فيها الفرد الإنجيلي معلوماته إلا من الإذاعات والقنوات والمجلات التابعة للحركة.

مع بداية عقد التسعينيات وصعود الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون إلى البيت الأبيض عام مائة وتسعمائة واثنين وتسعين، دخل اليمين الديني مرحلة جديدة من التعبئة الشرسة والمواجهة السياسية المباشرة. لم يكن كلينتون مجرد منافس سياسي للحزب الجمهوري، بل أُعطي في الأدبيات الإنجيلية صفة الرمز الحي لجيل الستينيات التحرري الذي دمر القيم التقليدية للأمة. وعندما اندلعت الفضائح السياسية والشخصية التي لاحقت إدارة كلينتون، وتوجت بتحقيقات قضية مونيكا لوينسكي، وجد اليمين الديني فرصة ذهبية لإعادة صياغة خطابه الأيديولوجي حول مفهوم “الاستقامة الأخلاقية للشخصية”. أنتجت القيادات الإنجيلية، بالتعاون مع مراكز الفكر المحافظة، آلاف المقالات والكتب والخطب التي تؤكد على أن “الشخصية الأخلاقية للمرشح هي المعيار الأساسي والأهم لأهليته لتولي السلم القيادي في الدولة”. جادل قادة مثل جيري فالويل وجيمس دوبسون، مؤسس منظمة “التركيز على الأسرة”، بأن القائد الذي يكذب في حياته الشخصية ويمارس الخيانة الزوجية لا يمكن الوثوق به في إدارة شؤون الأمة أو حماية مبادئها الدستورية، مشددين على أن النقاء الأخلاقي والسلوك الشخصي القويم لا ينفصلان بأي حال من الأحوال عن الأداء السياسي.

يكشف راندال بالمر في كتابه القناع عن النفاق والازدواجية الشديدة التي وسمت هذه المرحلة. فبينما كانت الحركة تطالب بأعلى المعايير الأخلاقية من الخصوم السياسيين وتتذرع بالمبادئ المسيحية لإسقاطهم، كانت تغمض أعينها تماماً عن الممارسات الفاسدة والانحرافات التابعة لحلفائها السياسيين من الحزب الجمهوري. لقد تحولت “الأخلاق” في يد اليمين الديني من منظومة قيمية سامية تُطبق بعدالة وتجرد على الجميع، إلى مجرد سلاح سياسي نفعي يُشهر في وجه الخصوم ويُطوى عندما يتعلق الأمر بالحلفاء. أدى هذا الاستخدام الذرائعي للدين إلى تجريف عميق للمرجعية الأخلاقية للكنيسة الإنجيلية ذاتها في نظر قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي؛ إذ أصبح الكثيرون يراقبون كيف يُضحى بالمبادئ المسيحية التأسيسية كالمحبة، والتواضع، والصدق، ورحمة الضعفاء، على مذبح الحصول على قوة التأثير التشريعي والسياسي.

لعب الإعلام الإنجيلي والتنظيم المحلي دوراً محورياً في تمكين هذا المشروع السياسي وتثبيته في البنية الاجتماعية الأمريكية. لم تعد الحركة تعتمد فقط على المواعظ في الكنائس يوم الأحد، بل شيّدت شبكة إعلامية وإذاعية وإلكترونية متطورة تصل إلى ملايين البيوت يومياً. كانت برامج الإذاعة الإنجيلية، وقنوات التلفزيون الفضائي، والنشرات الدورية المنظمة تُغذي المشاهد والمستمع بجرعات يومية من الغضب الشعبي والتعبئة المستمرة ضد المخاطر التي تهدد “الأمة المسيحية”. وعلى المستوى الميداني، أثبتت منظمة “التحالف المسيحي” كفاءة غير مسبوقة في تنظيم القواعد الشعبية على مستوى الدوائر الانتخابية الصغيرة والمجالس المحلية المدرسية. جرى تدريب متطوعين على كيفية التأثير على الانتخابات المحلية، وتوزيع دليل الاقتراع الأخلاقي أمام الكنائس في أيام الانتخابات لتوجيه الناخبين نحو المرشحين الجمهوريين المحافظين. وبحسب بالمر، أصبحت الكنيسة المحلية في كثير من المناطق القروية والضواحي البيضاء أشبه بفرع تنفيذي للحزب الجمهوري، يُمارس فيه العمل الحزبي تحت غطاء الشعائر الدينية.

رغم أن اليمين الديني نجح في تقديم نفسه طوال التسعينيات كحارس للأخلاق العامة وللأسرة التقليدية، إلا أن الجذور العرقية القوية التي أسست الحركة لم تختفِ قط، بل ظلت تغلي تحت السطح وتشكل اللاوعي الجمعي للجمهور الإنجيلي الأبيض. تجلى ذلك في المعارضة الشديدة لبرامج التمييز الإيجابي، والرفض القاطع لسياسات الهجرة، والمواقف المناهضة لحركات العدالة العرقية. استغل اليمين الديني مخاوف التغير الديمغرافي في الولايات المتحدة والشعور المتزايد لدى الأمريكيين البيض بفقدان هيمنتهم الثقافية والاجتماعية التاريخية. جرى استخدام مصطلحات وسياسات محددة تتسم بالقسوة للحديث عن الجريمة والرعاية الاجتماعية للفقراء، وهي مصطلحات كانت تُحمل في طياتها تلميحات عرقية مبطنة تستهدف الأقليات، وخاصة الأمريكيين من أصل أفريقي، مما أدى إلى تعميق الاستقطاب العرقي والمجتمعي داخل الجسد الأمريكي وتأطيره في إطار صراع ديني مقدّس بين الحق والباطل.

إن هذا الإرث المعقد من التسييس المكثف، والازدواجية الأخلاقية، واستغلال الخوف الاجتماعي والعرقي، وخلق إعلام بديل مغلق، هو الذي أرسى القواعد والركائز الأساسية التي سمحت مستقبلاً بظهور ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ السياسة الأمريكية. فعندما يفرغ التيار الديني قيمَه من مضمونها الروحي الحقيقي ويجعل من الوصول إلى السلطة السياسية وحماية الهيمنة الثقافية الهدف الأسمى والوحيد، يصبح مستعداً في نهاية المطاف لعقد أعتى الصفقات وأكثرها تناقضاً مع كافة المبادئ التي جرى رفعها لسنوات طويلة. يرى بالمر أن المسار الذي بدأ في قاعات الاجتماعات المغلقة لحماية أكاديميات الفصل العنصري في السبعينيات، ومر بالحروب الثقافية ومحاكمات التفتيش الأخلاقي في الثمانينيات والتسعينيات، لم يكن سوى التمهيد الضروري والمحتم للحظة التي سيتخلى فيها اليمين الديني عن خطابه الشكلي حول “استقامة الشخصية” ليقف بكل قوته وثقله خلف قائد يجسد نقائض كل القواعد الأخلاقية التي دافعوا عنها علناً لعقود.

إلى مطلع القرن الحادي والعشرين، وهي الفترة التي شهدت وصول الحركة الإنجيلية إلى ذروة تمكينها السياسي المؤسسي، يعقبها انكشاف أخلاقي غير مسبوق أطاح بكافة الشعارات والقيم التي نظرت لها الحركة طوال ثلاثة عقود. تبدأ هذه المرحلة مع انتخاب جورج بوش الابن رئيساً للولايات المتحدة في عام ألفين، وهو المرشح الذي قدم نفسه كـ “مسيحي إعادة ولادة” واثق من إيمانه، يمارس الصلاة اليومية ويقتبس من الكتاب المقدس في أحاديثه العامة. بالنسبة لليمين الديني، كان بوش الابن بمثابة الحلم المتحقق؛ قائد لا يحتاج إلى إقناع بمبادئهم، بل ينتمي إلى نسيجهم الروحي والفطري. وفي عهده، تكرست سياسات “المحافظة العطوفة”، وحصلت المؤسسات الدينية على دعم الحكومة الفيدرالية من خلال مبادرات التمويل المباشر للجمعيات القائمة على الإيمان. غير أن هذا الفردوس الإنجيلي التليد سرعان ما اصطدم بتحديات جيوسياسية واقتصادية عاتية عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر أيلول ألفين وواحد، حيث تم إضفاء الشرعية على حرب العراق والإنفاق العسكري الهائل والتوسع في صلاحيات الأجهزة الأمنية تحت غطاء لاهوتي يصور الولايات المتحدة كخادمة العناية الإلهية لإنقاذ العالم ونشر الحرية، مما أدى إلى مزيد من تسييس الإيمان وربطه بالنزعة القومية الإمبراطورية.

لكن الصدمة الحقيقية التي هزت أركان اليمين الديني وأعادت استدعاء دوافعه التأسيسية القائمة على العرق والهوية البيضاء تمثلت في الوصول التاريخي لباراك أوباما إلى البيت الأبيض في عام ألفين وثمانية كأول رئيس أمريكي من أصل أفريقي. يحلل بالمر هذه اللحظة الفارقة بعمق شديد، موضحاً أن اعتلاء رجل أسود لسدة الحكم في أمة ظلت الهيمنة فيها حصراً على البيض أشعل موجة غير مسبوقة من القلق الوجودي والخوف الاجتماعي لدى القواعد الإنجيلية البيضاء. لم يكن الأمر مجرد خلاف سياسي حول الضرائب أو الرعاية الصحية أو تعيين القضاة، بل كان شعوراً بالتهديد المباشر للمكانة الاجتماعية والرمزية التي تتمتع بها الثقافة الإنجيلية البيضاء. تجسد هذا الخوف في ظهور حركة “حفلة الشاي” والتصاعد الهائل لنظريات المؤامرة التي شككت في مكان ولادة أوباما وديانته وولائه القومي. يرى بالمر أن مرحلة أوباما أزالت كل المساحيق التجميلية التي استخدمها اليمين الديني لعقود، وكشفت عن أن المحرك العاطفي والسياسي الأعمق للحركة لم يكن يوماً قضية الإجهاض ولا القضايا الأخلاقية المجردة، بل كان الدفاع عن الهيمنة الثقافية والديمغرافية والسياسية للمجتمع الأبيض في مواجهة أمريكا المتنوعة والتعددية المتغيرة.

ومع اقتراب انتخابات عام ألفين وستة عشر، بلغ الاستقطاب الذروة، وجاء الدخول العاصف لرجل الأعمال والنجم التلفزيوني دونالد ترامب إلى الحلبة السياسية ليدشن الاختبار الأكبر والأخطر لليقين الأخلاقي لليمين الديني. ظاهرياً، كان ترامب يمثل نقيض كل المبادئ الأخلاقية التي دافع عنها قادة الإنجيليين خلال حقبة بيل كلينتون في التسعينيات. كان ترامب شخصية منغمسة في الثراء الفاحش، مطلقاً مرتين ومتزوجاً ثلاث مرات، ممتلئاً بتصريحات علنية تنضح بالافتخار بالذات والاستهانة بالآخرين، متورطاً في فضائح أخلاقية ومالية متعددة، ولم يسبق له أن أظهر أي التزام بالممارسات الإنجيلية التقليدية أو التوبة الدينية. لو طبقت قواعد التسعينيات التي كانت تعتبر “استقامة الشخصية الأخلاقية للمرشح شرطاً أساسياً لا يمكن التنازل عنه لتولي الرئاسة”، لكان ترامب أول مطرود من جنة التأييد الإنجيلي. إلا أن ما حدث كان العكس تماماً؛ إذ سارعت قيادات اليمين الديني، من أمثال فرانكلين غراهام وبولا وايت وجيري فالويل الابن وتوني بيركنز، إلى تقديم كل المبررات اللاهوتية الممكنة لإعادة تسويق ترامب أمام قواعدهم الشعبية.

اخترع قادة الحركة لغة لاهوتية جديدة لتبرير هذا التحالف الغريب، مقنعين أتباعهم بأن الله كثيراً ما يستخدم “أواني غير كاملة” أو قادة غير مؤمنين لتحقيق مقاصده السامية، وشبهوا ترامب بالملك الفارسي قورش الأكبر، الذي صوره العهد القديم كحاكم وثني استُخدم لحماية الشعب المختار وإعادة بناء الهيكل. أظهر هذا التحول الشرس كيف تم إسقاط معيار “استقامة الشخصية” فوراً وبلا أدنى تردد بمجرد أن لوح ترامب بالقوة والمكاسب السياسية. وفي نوفمبر ألفين وستة عشر، منح واحد وثمانون بالمائة من الناخبين الإنجيليين البيض أصواتهم لدونالد ترامب، وهي أعلى نسبة تأييد يحصل عليها مرشح رئاسي من هذه الفئة في التاريخ الأمريكي الحديث. يرى بالمر أن هذا الرقم الذهلي لم يكن زلة قدم أو استثناءً تاريخياً، بل كان النتيجة المنطقية والمحتومة لمسار تاريخي قائم على النفعية والصفقات البراغماتية منذ تأسيس الحركة. لقد كانت صفقة واضحة ومباشرة: يقدم الإنجيليون الولاء السياسي المطلق والتغطية الأخلاقية لترامب، وفي المقابل يمنحهم ترامب القوة المحافظة في القضاء الفيدرالي، ويحمي مؤسساتهم التعليمية والدينية من أي تدقيق حكومي، ويثبت أركان هيمنتهم في وجه التغيرات الثقافية السريعة.

خلال سنوات حكم ترامب الأربع، تجلى هذا التحالف التبادلي في أبهى وأبشع صوره على حد سواء. وفى ترامب بتعهداته للمجموعة عبر تعيين ثلاثة قضاة محافظين في المحكمة العليا الأمريكية، إلى جانب مئات القضاة في المحاكم الفيدرالية الاستئنافية والجزئية، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وفرض قيود صارمة على الهجرة والتعديات الحدودية، وإلغاء القرارات التنفيذية التي تحمي حقوق الأقليات، وقمع حركات العدالة العرقية التي اندلعت في أعقاب مقتل جورج فلويد. وفي المقابل، غض القادة الإنجيليون الطرف عن كل الممارسات الخطابية والسياسية لترامب، بما في ذلك التشكيك في نزاهة الانتخابات وتفريق المحتجين بالقوة للحصول على صورة تذكارية وهو يحمل الكتاب المقدس أمام كنيسة القديس يوحنا في واشنطن. وكان التتويج التاريخي لهذه الصفقة في صيف عام ألفين واثنين وعشرين، عندما أصدرت المحكمة العليا ذات الأغلبية المحافظة قرارها في قضية “دوبس ضد منظمة صحة المرأة في جاكسون”، والذي ألغى رسمياً حكم “رو ضد وايد” وأنهى الحق الدستوري الفيدرالي في الإجهاض بعد نحو نصف قرن من إقراره.

برغم أن قادة اليمين الديني احتفلوا بقرار إلغاء “رو ضد وايد” باعتباره النصر الأكبر في تاريخ حركتهم وتحقيقاً لحلم استمر خمسين عاماً، إلا أن راندال بالمر يوضح في تحليله النافذ أن هذا النصر كان مؤزراً ومسموماً في الوقت نفسه. لقد كشف القرار عن الطبيعة الحقيقية للحركة وأعاد إثبات أطروحة الكتاب الرئيسية: إن الإجهاض لم يكن السبب التأسيسي للحركة، ولكنه كان الأداة الأكثر نجاحاً واستدامة لتجميع القوة وتثبيت النفوذ وتغطية الدوافع العنصرية الأصلية. وما إن تحقق هذا الهدف الأسمى في الظاهر، حتى انكشفت الحركة أمام المجتمع الأمريكي والعالم بلا أدنى غطاء أخلاقي. أدى هذا الالتصاق الكامل بظاهرة ترامب واليمين المتطرف إلى نزوح جماعي وغير مسبوق للمسيحيين الشباب، والأقليات العرقية داخل الكنائس الإنجيلية، والنساء المتعلمات في الضواحي، الذين شعروا بالاشمئزاز من تحول إيمانهم الروحي إلى مجرد بضاعة سياسية خالية من المحبة والعدالة والمبادئ الإنسانية الأساسية.

إن النتيجة النهائية لهذا المسار المأساوي كانت تجريفاً هائلاً لسلطة الكنيسة الأخلاقية في أمريكا ورسم صورة ذهنية لدى الأجيال الجديدة تربط المسيحية بالتعصب والعنصرية والسعي المجرد خلف القوة. ومما زاد الطين بلة أن هذا التحالف البراغماتي لم يقف عند حدود الانتخابات التشريعية أو تعيين القضاة، بل أثر بشكل عميق على الثقافة الجمعية للإنجيليين البيض، حيث أصبحت القضايا الصحية العامة، وعلوم المناخ، والمساواة العرقية، ومفهوم الديمقراطية ذاته، موضع تشكيك وعداء مستمر. هذا التحول  جعل الحركة الإنجيلية في حالة عزلة متزايدة عن المجرى العام للمجتمع الأمريكي، معتمدة بشكل كامل على آليات الهيمنة السياسية غير المباشرة وقوانين تقييد التصويت لحماية مكتسباتها.

إلى المشهد المعاصر الذي أعقب قرار المحكمة العليا التاريخي بإلغاء حكم “رو ضد وايد” في صيف عام ألفين واثنين وعشرين. كان يُفترض بهذا القرار، بحسب السردية التعبوية التي عاش عليها اليمين الديني لخمسة عقود، أن يمثل نقطة التحول الكبرى ونهاية المطاف، حيث تُغلق جراح الأمة الأخلاقية وتعود البركة الإلهية لتغمر المجتمع الأمريكي. غير أن ما حدث على أرض الواقع أحدث صدمة مدوية داخل أروقة الحركة ذاتها؛ إذ تبين أن الانتصار التشريعي لم يكن سوى انتصار  كشف عن العزلة الثقافية والسياسية الحادة التي بات يعيش فيها اليمين الديني. فبدلاً من أن يؤدي إلغاء القرار إلى نهضة روحيّة أو قبول مجتمعي عام، أجج موجات عارمة من الرفض السياسي والشعبي، وكشف للجميع أن الحركة التي زعمت لعقود أنها تدافع عن الحياة الإنسانية، كانت في جوهرها تسعى لتثبيت نمط محدد من السيطرة السياسية والفرض القسري لأجندة أيديولوجية لا تحظى بإجماع غالبية المواطنين. لقد أدى هذا “الانتصار” المسموم إلى تعميق الهوة بين الإنجيلية والمجتمع الأمريكي الحديث، وأتاح لقطاعات واسعة من الرأي العام رؤية الحقيقة التي حاول قادة الحركة إخفاءها طويلاً: إن النضال لم يكن في يوم من الأيام حول الأخلاق المجرّدة، بل كان دائماً حول القوة والنفوذ والهوية العرقية.

يترتب على هذا التكشف نتائج ديمغرافية ومجتمعية كارثية باتت تهدد المستقبل المؤسسي للإنجيلية الأمريكية برمتها. يستعرض بالمر البيانات والأرقام الإحصائية التي تؤكد حدوث نزيف ديمغرافي غير مسبوق في صفوف الكنائس المحافظة، وهي الظاهرة التي يُطلق عليها علماء الاجتماع اسم “الهرب الإنجيلي الكبير”. أظهرت أجيال الشباب من جيل الألفية وجيل “زد”، الذين نشأوا في كنف العائلات الإنجيلية، نفوراً كاملاً واشمئزازاً عميقاً من الارتباط بحركة أصبحت في نظرهم مرادفة للتعصب العرقي، وكراهية الأجانب، ومناهضة العلم، والولاء السياسي الأعمى لشخصيات تحوم حولها شبهات أخلاقية جسيمة. أدى هذا الرفض الشديد إلى تزايد أعداد غير المنتمين لأي دين، والمعروفين بـ “اللا منتمين دينيا”، حيث لم يعد الكثير من الشباب يطيقون العيش تحت مظلة ثقافة فرعية تُقايض تعاليم المسيح حول المحبة والخدمة والمساواة بمصالح الحزب الجمهوري وأجندة اليمين المتطرف. وهكذا، فإن الحركة التي ادعت أنها جاءت لإنقاذ الأمة من الإلحاد والعلمانية، انتهت في واقع الأمر إلى كونها أكبر محرك للارتداد عن الدين والنفور منه في التاريخ الأمريكي الحديث.

* الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى