أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

من حي بن يقظان إلى روبنسون كروزو

جسور الفكر المنسية بين الإسلام والغرب.. من “حي بن يقظان” إلى “روبنسون كروزو”

في عالم تتقاذفه أمواج الاستقطاب الحادة، وتحكمه سرديات الانفصال والعداء، يبرز كتاب “نيتشه في الفردوس: حيوات متوازية بين الإسلام والغرب” (Nietzsche in Paradiso: Vite parallele tra Islam e Occidente) للباحثة والأكاديمية فرانشيسكا بوكا-ألداقري (Francesca Bocca-Aldaqre)، كصرخة فكرية مدوية تتحدى القوالب الجاهزة. هذا الكتاب لا يكتفي بطرح أسئلة حول الهوية، بل يعيد تشكيل خارطة الفكر الإنساني برمتها، مقدماً رؤيةفلسفية،  فالكاتبة التي تدرس الثقافة العربية في الجمعية الإنسانية والحضارة الإسلامية في جامعة فيتا-سالوتي سان رافاييل في ميلانو، تأخذنا في رحلة من حي بن يقظان إلى روبنسون كروزومن حي بن يقظان إلى روبنسون كرو لفك ارتباط الغرب بحاجته الماسة إلى تعريف نفسه من خلال التضاد مع الإسلام.

يبدأ هذا الكتاب برفض قاطع لنظريات “صدام الحضارات” و”نهاية التاريخ”، معتبراً إياها طرقاً مسدودة لم تفلح في قيادة البشرية نحو هوية حقيقية أو أسطورة مؤسسة أو ثقافة جامعة. بدلاً من ذلك، تطرح بوكا-ألداقري فرضية جريئة وساحرة: العلاقة بين الإسلام والغرب ليست صراعاً حتمياً، بل هي طريق موجود بالفعل ولكنه “مكسور” أو مقطوع. وفي محاولة جادة لإعادة ترميم هذا الطريق، لا تلجأ الكاتبة إلى الجغرافيا أو الأيديولوجيا، بل تجسد هذه الهويات في “رجال”؛ شخصيات تاريخية وأدبية، واقعية ومتخيلة، تقف وجهاً لوجه في كل فصل من فصول الكتاب لتتعارف، وتتحدد، وتكتمل ببعضها البعض.

في مقدمة الكتاب، تضعنا المؤلفة أمام مشاهد سريالية عبقرية تسلب الألباب وتدفع للتأمل العميق: الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه يجد نفسه في الفردوس ضمن الرحلة السماوية التي سطرها الشاعر المسلم محمد إقبال، في حين يقف الأديب الفرنسي العظيم فيكتور هوغو ليروي بخشوع وإجلال اللحظات الأخيرة في حياة نبي الإسلام في ديوانه “أسطورة القرون”. هذه ليست مجرد حكايات عابرة أو نوادر مسلية، بل هي أمثلة حية، وشهادات دامغة على مسار دائم الحضور بين الإسلام والغرب، وهو مسار لم يُروَ كما يجب حتى الآن.

إن جوهر هذا المشروع الفكري يكمن في إظهار كيف أن الأصداء الثقافية للإسلام قد تغلغلت في الخيال الغربي بطرق غير متوقعة. فالشك الديكارتي، الذي يعتبر ذروة الفكر الغربي، يمكن قراءته بعمق من خلال عدسة الإمام الغزالي، ونهاية الميتازيقيا عند الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر تتقاطع وتتشابك مع أفكار المتصوف الأكبر محيي الدين بن عربي. هذه المقاربات لا تهدف إلى كتابة تاريخ جديد، بل هي محاولة خالصة لـ “الفكر” ذاته؛ فالفكر الإنساني، في جوهره، هو فكر واحد.

في هذا السياق الفصل الأول يحمل عنوان “الجزيرة المهجورة”، والذي يقدم مقارنة مبهرة وعميقة بين شخصيتين أسطوريتين: “حي بن يقظان” لابن طفيل، و”روبنسون كروزو” لدانييل ديفو. تتساءل الكاتبة بأسلوب استقصائي رشيق: إذا جردنا الإنسان من كل محددات الولادة والبيئة، وتخلصنا من أعباء الزمن، فماذا يتبقى منه؟. الإجابة تأتي أولاً من الأندلس، تحديداً من غرناطة عام 1175، عبر قصة حي بن يقظان. هذا الكائن الذي وُلد بلا أب ولا أم، ونشأ من أبخرة الأرض في جزيرة استوائية.

تُقسم حياة حي بن يقظان إلى دورات سباعية (سبع دورات، كل منها سبع سنوات). في هذا العزل التام، وبدون حتى استخدام لغة منطوقة، يصل حي، وهو في ذروة قدراته العقلية والروحية، إلى إدراك “الواحد” الذي يكمن خلف كل الأشياء، معتمداً على الحدس، الملاحظة، التجريب العلمي، والتأمل الخالص. وتوضح بوكا-ألداقري أن هذا العمل الأدبي يعتبر أدباً عالمياً أصيلاً، وقد انتقل إلى الغرب ليخلق “حركة مرور” و”لعبة مرايا” عبر الترجمات. فقد تُرجم إلى العبرية، وامتلك بيكو ديلا ميراندولا نسخة منه في القرن الخامس عشر، ثم جاءت الترجمة اللاتينية في أكسفورد عام 1671 لتسحر عقول فلاسفة كبار مثل سبينوزا ولايبنتز. لايبنتز نفسه كان يشير إلى أصدقائه بمدى سمو الفكر العربي الذي تجلى في هذا الكتاب، مؤكداً أن مشاعرهم تجاه الإلهي تعادل مشاعر أسمى الفلاسفة المسيحيين.

ولكن، وكما تلاحظ الكاتبة، بدأ التشويه والابتعاد عن الأصل مع ترجمة العنوان إلى اللاتينية ليصبح (Philosophus autodidactus) أو “الفيلسوف المتعلم ذاتياً”. وتجادل بوكا-ألداقري بأن حي لم يكن فيلسوفاً بالمعنى الغربي الحديث للكلمة؛ فكل ما كان يفعله لم يكن موجهاً نحو التنظير، بل كان مدفوعاً بضرورة روحية خالصة. كما أنه لم يكن “متعلماً ذاتياً” بشكل مطلق، فالكتاب الإسلامي يبدأ بالاقتباس القرآني الذي يؤكد أن الله هو “الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم”؛ فالله هو المعلم الوحيد في مسيرة حي.

في السنوات الثمانية والعشرين الأولى من حياته، يمر حي برحلة مذهلة تبدأ برعاية غزالة له، مروراً باكتشافه للموت عند وفاة أمه بالتبني، ثم اكتشافه للنار، وصولاً إلى إدراك أن لكل موجود سبباً، وأن هناك “علة أولى”. عندما يصل حي إلى هذه المعرفة، يغوص في التأمل ولا يرى في المخلوقات إلا الصانع، فيتجاوز الحاجة إلى دراسة الطبيعة ليندمج في الرؤية الروحية.

على النقيض تماماً من هذه الطمأنينة الروحية، يظهر انعكاس هذا العمل في الرواية الإنجليزية “روبنسون كروزو” لدانييل ديفو. عندما تصل فكرة الجزيرة المهجورة إلى عصر الحداثة الغربية، تتحول كل القيم إلى النقيض. فالبحر والجزيرة عند كروزو يصبحان صدى لـ “الوحدة” والعزلة الموحشة، وهو تأثير الأدب الرومانسي، بينما الفضول الهادئ لدى حي يخلو من أي شعور بالأسى أو المعاناة النفسية. حي يتأمل، بينما روبنسون “يفعل”.

روبنسون كروزو هو ابن الحداثة الغربية بامتياز، تسيطر عليه حالة قلق عميقة من مرور الوقت، مما يدفعه إلى صنع “تقويم” لتتبع الأيام، بينما حي لا يهتم بمرور الأجرام السماوية إلا كعلامات تدل على الخالق، وليس كأدوات للحساب. الأهم من ذلك، أن روبنسون تسيطر عليه رغبة وحاجة ملحة في تشكيل كل شيء يقع أمامه: الجزيرة، كائناتها، وحتى خادمه الذي أسماه “يوم الجمعة”.

هذه المفارقة الجلية تبلغ ذروتها في مشهد اللقاء مع الآخر. حي بن يقظان يلتقي بالمتصوف “أبسال” الذي جاء إلى الجزيرة بحثاً عن العزلة. حي يراقب أبسال ويتعلم منه اللغة وعلوم الدين، مدفوعاً بالرحمة والرغبة في إرشاد الآخرين، فيسافر معه إلى مجتمع البشر. لكن عندما يدرك حي أن طريقته الروحية العميقة لا تناسب عامة الناس (الذين يقودهم سلامان)، يعود بهدوء مع أبسال إلى جزيرته ليكمل مسيرته الروحية. بالمقابل، تلمح الكاتبة إلى أن لقاء روبنسون كروزو مع “الهمج” ومع “يوم الجمعة” هو ترجمة مشوهة ومباشرة للقاء حي وأبسال؛ حيث يرفض روبنسون أن يتبنى أي شيء من هؤلاء “الهمج”، حتى أنه يجردهم من أسمائهم الأصلية ويفرض عليهم التبعية. حي يصل إلى “المعرفة”، بينما روبنسون يصل إلى “السيطرة”.

لم تتوقف أصداء هذه المقارنة عند ديفو، بل امتدت لتؤثر على جان جاك روسو في كتابه التربوي الشهير “إيميل”. فروسو، الذي كره المجتمع الزائف، أراد تربية طفله المثالي “إيميل” بعيداً عن مفاسد الحضارة، ولم يسمح له في فترة معينة إلا بقراءة كتاب واحد: ليس أرسطو ولا بليني، بل “روبنسون كروزو”. ورغم التشابه الظاهري بين عزلة حي وعزلة إيميل، إلا أن بوكا-ألداقري تفكك هذا التشابه . إيميل يخضع لتوجيه صارم من معلمه بهدف محدد: إعداده للعودة إلى المجتمع كمواطن قوي قادر على محاربة الفساد السياسي والاجتماعي، فالعزلة هنا مجرد أداة وتدريب. أما حي بن يقظان، فعزلته وتكوينه الروحي هما غاية بحد ذاتها؛ لقد أدرك أن للعامة طريقهم المتمثل في الالتزام بالقانون والشريعة، بينما يمتلك هو طريق النخبة الروحية (الاستبصار المباشر). لم يحتقر حي الجماهير، بل تركهم بلطف وعاد إلى عزلته السامية.

تختتم المؤلفة هذا الفصل بتوضيح الفارق الجوهري بين النماذج الثلاثة. روبنسون وإيميل هما نموذجان في متناول القارئ الغربي الحديث؛ بأي قدر من روح المغامرة أو التوجيه التربوي الصارم، يمكن لأي إنسان أن يصبح روبنسون أو إيميل، فهما يقدمان “تقنية” ومنهجاً قابلاً للتطبيق العملي والاستعماري. أما حي بن يقظان، فهو يمثل “أرستقراطية الروح” والنخبة التي اختارها الله للوصول إلى المعرفة الخالصة، وهي رؤية تتجذر بعمق في تاريخ الفلسفة الإسلامية التي آمن بها مؤلفه ابن طفيل وصديقه ابن رشد. إن اشتعال العقل وانفتاح بوابات القلب هما ما يحرك الفلاسفة والمتمردين والشعراء والقديسين

بعد أن تركنا في الفصل الأول عزلة “حي بن يقظان” وطموح “روبنسون كروزو” اللامحدود للسيطرة على الطبيعة والمادة، ننتقل الآن إلى أفق أكثر رحابة وتمرداً وصخباً. نغادر جزر المحيطات الاستوائية المهجورة لنحلق في السماوات العُلا، حيث تضعنا المؤلفة أمام واحد من أكثر اللقاءات الفكرية غرابة وإثارة للدهشة، بل وللاستفزاز في تاريخ الأدب المقارن والفلسفة الحديثة: لقاء يجمع بين الفيلسوف الألماني الذي زلزل أركان أوروبا وأعلن “موت الإله” فريدريك نيتشه، وبين الشاعر والفيلسوف المسلم، الأب الروحي لدولة باكستان الحديثة، محمد إقبال.

إذا كان الفصل الأول قد ناقش كيف تعامل الخيال الغربي والإسلامي مع الطبيعة والعزلة التامة، فإن هذا الفصل الثاني يغوص بجرأة نادرة في أعماق أزمة “الإنسان الحديث” ومآلاته الروحية. تبدأ بوكا-ألداقري بتسليط الضوء  على رائعة محمد إقبال الخالدة “جاويد نامة” أو “كتاب الخلود”، والتي تُعد بمثابة “كوميديا إلهية” إسلامية بامتياز تتناص مع تراث المعراج. في هذه الملحمة الشعرية الفلسفية، يقوم بطل القصة برحلة سماوية لاختراق الحجب الكونية والمجرات، متخذاً من المتصوف والشاعر العظيم جلال الدين الرومي مرشداً روحياً له، تماماً كما اتخذ دانتي أليغييري من الشاعر الروماني فيرجيل دليلاً في رحلته عبر الجحيم والمطهر. ولكن المفاجأة المدوية التي تفجرها المؤلفة تكمن في إحدى المحطات المتقدمة من هذه الرحلة المعراجية؛ ففي مكان يتجاوز النجوم، وفي سماء مليئة بالتجليات والنور الخالص، يلتقي إقبال بشخصية أوروبية غير متوقعة على الإطلاق. إنه فريدريك نيتشه، يقف هناك، في الفردوس الأعلى.

هنا تطرح الكاتبة تساؤلاً جوهرياً يمس عصب الفكر الديني والفلسفي معاً، ويصلح لأن يكون عنواناً عريضاً في أي نقاش ثقافي: ما الذي يفعله فيلسوف العدمية، الرجل الذي هاجم الأديان بضراوة واعتبر المسيحية أخلاقاً للضعفاء والعبيد، في فردوس شاعر مسلم مؤمن يرتكز مشروعه على إحياء الدين؟ كيف يمكن لمن أمسك مطرقته ليهدم مقدسات أوروبا أن يجد له مكاناً وثيراً في سماء الإسلام الشعري؟ تفكك بوكا-ألداقري هذه المفارقة الظاهرية. هي توضح  أن إقبال لم ينظر إلى نيتشه ككافر أو زنديق يستحق العذاب الأبدي والإقصاء، بل رآه كشخصية تراجيدية نبيلة، كمتصوف صادق ضل طريقه في غياهب العقل، أو كما يصفه إقبال نفسه بعبارة مذهلة بأنه “حلاج بلا حبل”؛ في إشارة عميقة الدلالة إلى المتصوف الإسلامي الشهير الحسين بن منصور الحلاج الذي صُلب بسبب شطحاته الروحية وكشوفاته التي لم يستوعبها أهل ظاهره. نيتشه في نظر إقبال، وفي قراءة بوكا-ألداقري التحليلية، هو رجل امتلك الرؤية والبصيرة الثاقبة، ولامس تخوم الحقيقة المطلقة، لكنه افتقر إلى النور النبوي والهداية التي تنقذه من ظلمات كشوفاته القاسية.

تتعمق المؤلفة بعد ذلك في مقارنة بين مشروعي الرجلين الفكريين. كلاهما عاش في فترة احتقان تاريخي شديد التحولات، وكلاهما أدرك مبكراً وبحس استشرافي أن الحضارة القديمة تتهاوى، وأن إنسان ذلك العصر قد أصبح كائناً مشوهاً، مستلباً، وتائهاً في مادية خانقة. نيتشه، من جهته، رأى الحل في مفهوم “الإنسان الأعلى” أو السوبرمان، ذلك الكائن الجبار الذي يتجاوز ضعفه البشري الموروث، ويخلق قيمه بنفسه من العدم، مستنداً إلى “إرادة القوة” وحدها. وفي المقابل التام والمتوازي، قدم إقبال مفهوم “الإنسان الكامل” أو “المؤمن”، مستلهماً إياه من أعماق التراث الصوفي والفلسفي الإسلامي. غير أن التباين الجوهري والحاسم، كما تبرزه بوكا-ألداقري  ، يكمن في نقطة الانطلاق والمنتهى لكلتا الفكرتين. فإنسان نيتشه الأعلى وُلد حصرياً من رحم “موت الإله”، فهو إنسان يتأله بقطع جذوره عن السماء ليحكم الأرض بمنطق القوة الفردية المجردة. أما إنسان إقبال الكامل، فقد وُلد من رحم “التوحيد” المطلق، حيث لا تُمحى “الأنا” أو الذات (والتي يسميها إقبال: الخودي) في الحضرة الإلهية لتتلاشى كما في بعض المذاهب الصوفية المغرقة في السلبية، بل تشتد وتصقل وتصل إلى أقصى درجات قوتها وفاعليتها في التاريخ من خلال الخضوع الطوعي والواعي للخالق.

تشير الكاتبة  إلى نقطة تقاطع مذهلة؛ فنيتشه، في تمرده الشرس على أوروبا المحافظة والمريضة بالانحطاط -كما كان يراها- كان يبحث بشكل يائس عن نقطة ارتكاز جديدة، كان يبحث عن “عين من خارج أوروبا” ليرى بها العالم من جديد. لقد كان الفيلسوف الألماني معجباً بشدة بالثقافات الشرقية، وكان يكنّ احتراماً خفياً وقوياً للإسلام كدين يؤكد على الحياة، ويدعو إلى القوة والرجولة والفاعلية، على العكس تماماً مما كان يراه في أخلاق الخضوع والاستسلام الأوروبية في عصره. إقبال، وهو الدارس المتعمق للفلسفة الغربية، التقط هذا الخيط الدقيق جداً، وأدرك أن صرخة نيتشه العنيفة والمدوية ضد الأديان لم تكن في جوهرها الأصيل سوى صرخة وجودية للتحرر من الأصنام المؤسسية والمادية التي استعبدت الإنسان.

في مبدأ التوحيد الإسلامي، هناك شقان متلازمان: النفي الحازم “لا إله”، والإثبات اليقيني “إلا الله”. وترى بوكا-ألداقري، متفقة تماماً مع قراءة إقبال الفلسفية والشعرية، أن نيتشه قد وصل بصدق جارح وشجاعة فكرية منقطعة النظير إلى مرحلة النفي العظيم “لا إله”، حيث حطم بضراوة كل أصنام الحداثة، والعقلانية الزائفة، والأخلاق المستعبدة التي كبلت الروح الإنسانية، لكنه للأسف توقف هناك عند عتبة النفي. لقد غرق الفيلسوف الألماني في عواصف العدمية العاتية، ولم يستطع القيام بتلك الوثبة الإيمانية الضرورية نحو الإثبات “إلا الله”. لقد فقد عقله في نهاية المطاف لأنه حاول استيعاب اللانهائي والمطلق بأدوات العقل المحدود والمنطق البشري الصرف، دون أن يمتلك مرشداً روحياً كـ “الرومي” ليعلمه لغة “الحب” الصوفي القادرة على تجاوز تناقضات العقل.

إن عبقرية هذا الفصل امن الكتاب تكمن في قدرة المؤلفة على جعلنا نرى نيتشه بعيون شرقية خالصة، وفي الوقت نفسه نرى إقبال كفيلسوف عالمي يخاطب أزمات الغرب الحديث بلسان الند للند. لقد تمكنت بوكا-ألداقري من نسج حوار متخيل بين القمتين، ولكنه حوار حقيقي جداً وعميق في جوهره الفكري. محمد إقبال لم يرفض حداثة الغرب جملة وتفصيلاً، بل أخذ “مطرقة” نيتشه ليحطم بها الجمود الفقهي والتخلف والركود الذي أصاب العالم الإسلامي في عصره، ولكنه بدلاً من أن يترك شعبه يسقط في فراغ العدمية القاتلة كما حدث في الغرب، ملأ هذا الفراغ باليقين الروحي المتجدد والمحفز للعمل. نيتشه، في فردوس إقبال، ليس مجرد ضيف شرف أو زينة شعرية، بل هو تجسيد حي للمأساة الغربية المعاصرة بأسرها: عقل جبار قطع صلته بالسماء فالتهم نفسه من شدة الجوع للمعنى.

تختتم المؤلفة هذا الفصل بتأكيد مبهر ورؤيوي على أن الجسور الفكرية والروحية بين الإسلام والغرب لم تنقطع يوماً، بل اتخذت أشكالاً باطنية معقدة وغير مرئية للعين السطحية. إن وضع شخصية كنيتشه في الفردوس ليس مجرد استفزاز لاهوتي أو لعب بالكلمات، بل هو اعتراف إنساني عميق بأن البحث الصادق والملتهب عن الحقيقة، حتى لو انتهى بالجنون أو الإنكار الظاهري، هو محاولة روحية لها وزنها ومكانتها في ميزان الخلود. لقد استخدم إقبال نيتشه كمرآة عاكسة ليرى فيها أزمة الروح الإنسانية، وتستخدم بوكا-ألداقري الاثنين معاً لتخبرنا رسالة واضحة: إن المعاناة الإنسانية في البحث عن المعنى والتجاوز هي معاناة واحدة، وصرخة واحدة، سواء نُطقت بالألمانية، أو كُتبت بالأردية والفارسية.

بعد أن حلقنا في الفصل السابق في السماوات الفلسفية المفتوحة مع فريدريك نيتشه ومحمد إقبال، حيث تقاطعت العدمية المدمرة مع اليقين الروحي، نهبط الآن إلى الأرض، تحديداً إلى القرن التاسع عشر، لنقف أمام جبل شاهق من جبال الأدب العالمي. نغادر التعقيدات الفلسفية الألمانية لندخل في صميم الروح الرومانسية الفرنسية، حيث تفرد المؤلفة فصلاً للكثير من القوالب النمطية، تستكشف فيه العلاقة العميقة، وشبه المنسية، بين أمير الأدب الفرنسي فيكتور هوغو، ونبي الإسلام محمد.

إذا كان الغرب الحديث يبحث عن جذوره وهويته الثقافية، فإن فيكتور هوغو يقف بلا شك كواحد من أهم أعمدتها التأسيسية. ولكن، ما تكشفه بوكا-ألداقري ، هو أن هذا العمود الغربي الأصيل يحمل في نقوشه الداخلية إعجاباً وتبجيلاً عميقاً للإسلام، ليس كفولكلور شرقي غريب، بل كقوة روحية وأخلاقية فاعلة في تاريخ البشرية. ينصب التركيز التحليلي في هذا الفصل على ديوان هوغو الملحمي الخالد “أسطورة القرون” (La Légende des siècles)، والذي يُعد محاولة شعرية جبارة لكتابة تاريخ الإنسانية وتطورها الروحي. وفي قلب هذا المشروع الضخم، يطالعنا هوغو بقصيدة مكرسة بالكامل للأيام الأخيرة من حياة النبي محمد، تحمل عنوان “العام التاسع للهجرة”.

تبدأ المؤلفة بالسياق التاريخي والثقافي الذي كُتبت فيه هذه القصيدة. في ذلك العصر، كان الاستشراق الأوروبي في أوج انغماسه في تصوير الشرق كعالم من الغرائبية السحرية، أو الاستبداد السياسي، أو الحريم والعنف، وهي صور نمطية صُممت لتبرير المد الاستعماري وتأكيد التفوق الحضاري الغربي. غير أن هوغو، ومن منفاه القاسي في جزيرة غيرنزي، اختار مساراً معاكساً تماماً ومدمراً لكل هذه السرديات الكسولة. توضح بوكا-ألداقري كيف أن هوغو لم يلتفت إلى أساطير المستشرقين السطحية، بل غاص في دراسة المصادر التاريخية المتاحة له بجدية، ليقدم صورة إنسانية، نبيلة، ومهيبة لنبي الإسلام، صورة تتجاوز الانتماءات الجغرافية لتخاطب الضمير الإنساني الكوني.

تأخذنا الكاتبة في رحلة تحليلية لآبيات القصيدة، حيث يرسم هوغو مشهداً لشيخ جليل، تملأ التجاعيد وجهه، يقف على حافة الموت، لكنه لا يزال ينضح بجلال سماوي وقوة داخلية لا تُقهر. ما يلفت انتباه بوكا-ألداقري، وما تبرزه كجوهر للتقاطع الثقافي، هو التركيز المكثف من قبل هوغو على “التواضع” الشديد للنبي. تصف القصيدة كيف كان هذا الرجل، الذي دانت له الجزيرة العربية وتزلزلت له عروش الإمبراطوريات، يحلب شاته بنفسه، ويرقع ثوبه، ويجلس على الأرض مع أبسط الناس. هذا التناقض الظاهري بين السلطة المطلقة والتجرد المادي الكامل، هو ما سحر عقل هوغو ووجدانه. بالنسبة لأديب ثائر ومناهض للطغيان والإمبراطوريات الزائفة في زمانه، كان هذا النموذج النبوي يمثل الرد الأمثل على فساد السلطة وغرور الملوك في أوروبا.

تطرح بوكا-ألداقري سؤالاً عميقاً: لماذا اختار هوغو التركيز على لحظة “الموت” تحديداً؟ وتجيب بأن اللحظات الأخيرة هي الكاشف الحقيقي لجوهر الرسالات. لقد أظهر هوغو النبي محمد ليس ككائن أسطوري خالد لا يمسه الموت، بل كبشر يعاني سكرات النهاية، ويطلب المغفرة من محيطه، ويعرض ظهره للقصاص إن كان قد ظلم أحداً. هذه الرؤية الموغلة في الإنسانية، تتوافق بشكل مدهش مع العقيدة الإسلامية التي تؤكد بشدة على بشرية الرسول، وتنفي عنه أي صفة ألوهية، وهي نقطة التقاء جوهرية مع فكر هوغو الذي كان يمقت الكهنوت والسلطة الدينية المعصومة. لقد رأى الأديب الفرنسي في الإسلام ديناً بلا وساطة معقدة بين الخالق والمخلوق، ديناً يرتكز على العقل الواضح والمسؤولية الفردية المباشرة، وهو ما كان يتماهى تماماً مع قناعاته الروحية الشخصية التي كانت ترفض مؤسسات الكنيسة التقليدية المنغلقة.

تتوسع الكاتبة في قراءتها لتشمل البعد الفلسفي لهذا الانجذاب الرومانسي. تشير إلى أن هوغو، الذي كان مسكوناً بفكرة العدالة والرحمة (كما تجلى في روايته “البؤساء”)، وجد في شخصية نبي الإسلام تجسيداً لقائد يحمل عبء آلام البشرية. في القصيدة، يصور هوغو النبي وهو ينظر بأسى إلى معاناة الضعفاء والمظلومين، ويشعر بثقل الأمانة التي يحملها. إنها صورة البطل المخلص الذي لا يبحث عن المجد الشخصي، بل يحترق كالشمعة ليضيء دروب الآخرين. هذه الرؤية تقوض تماماً أطروحة “صدام الحضارات”، وتثبت أن القيم الإنسانية الكبرى كالمساواة، الرحمة، والعدالة، هي لغة مشتركة يمكن لعملاق فرنسي أن يجدها في أصفى تجلياتها في سيرة نبي عربي.

إن أهمية هذا الفصل من كتاب “نيتشه في الفردوس” لا تقتصر فقط على إنصاف الوعي الغربي وإبراز جوانبه المضيئة تجاه الإسلام، بل تمتد لتكون دعوة صريحة لإعادة قراءة التراث الأدبي الغربي بعيون جديدة. توضح بوكا-ألداقري أن هذا الانفتاح لم يكن مجرد صدفة أو نزوة شعرية عابرة لدى هوغو، بل كان جزءاً من تيار خفي لكنه أصيل في الفكر الأوروبي؛ تيار يبحث عن الحكمة أينما وجدت، ويدرك أن إقصاء الآخر هو إفقار للذات أولاً وقبل كل شيء. عندما نقرأ هوغو اليوم وهو يمجّد النبي محمد، فإننا لا نقرأ مجرد نص أدبي من الماضي، بل نقف أمام وثيقة حية تتحدى كل خطابات الكراهية والإسلاموفوبيا المعاصرة، وتذكرنا بأن الجسور التي بُنيت في الخيال والأدب هي جسور عصية على الهدم، حتى لو حاولت السياسة طمسها.

وتختتم المؤلفة قراءتها لهذه المحطة بتأمل شاعري يليق بعظمة الموقف؛ مؤكدة أن هوغو، في قصيدته تلك، قد خلق “فردوساً” أدبياً التقى فيه الغرب والشرق في لحظة صفاء وخشوع خالصين. إن استحضار هذه اللحظة اليوم، في عالمنا الممزق، هو ضرورة ملحة لاستعادة البوصلة الأخلاقية والروحية التي فقدناها في زحام الصراعات المادية. لقد قرأ هوغو سيرة النبي بعين القلب والإنصاف، فكتب نصاً يقف كشاهد عدل على أن العظمة الحقيقية لا تعترف بالحدود الجغرافية أو العرقية، بل تخترق حجب الزمان والمكان لتستقر في وجدان كل حر.

بعد أن استكشفنا  الرؤية الرومانسية المشرقة التي حملها فيكتور هوغو تجاه نبي الإسلام، نغادر الآن عوالم الشعر والأدب لندخل في صميم المتاهة الفلسفية القاسية. تضعنا المؤلفة في هذا الفصل أمام مواجهة إبستمولوجية (معرفية) من الطراز الرفيع، مواجهة تحدد بدقة ملامح العقل الغربي الحديث وتضعه وجهاً لوجه أمام نظيره الإسلامي الكلاسيكي. إننا نقف هنا أمام قمتين شاهقتين في تاريخ الفكر الإنساني: الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، الملقب بأبي الفلسفة الحديثة، وحجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي، أحد أعظم مفكري العصر الذهبي الإسلامي.

تبدأ بوكا-ألداقري هذا الفصل برصد حالة “الزلزال” النفسي والفكري الذي ضرب كلا الرجلين، مبينة كيف أن مسيرتهما نحو الحقيقة لم تكن ترفاً أكاديمياً، بل كانت مسألة حياة أو موت روحي. تقارن الكاتبة بحنكة بين كتابين يعدان من أهم نصوص السيرة الذاتية الفكرية في التاريخ: “مقال في المنهج” (أو التأملات) لديكارت، وكتاب “المنقذ من الضلال” للغزالي. المذهل في الأمر، والذي تبرزه الكاتبة ،ألا هو التطابق شبه الحرفي في مسار الأزمة لدى كليهما. كلاهما نظر إلى المعارف السائدة في عصره، من فلسفة ولاهوت وعلوم، فوجدها مليئة بالتناقضات والهشاشة. وكلاهما قرر، بشجاعة نادرة، أن يهدم كل ما تعلمه ليبدأ من نقطة الصفر، معتمداً سلاحاً واحداً فتاكاً: “الشك المنهجي”.

تأخذنا المؤلفة في رحلة داخل عقل كل من الغزالي وديكارت أثناء ممارسة هذا الشك الجذري. لقد شك كلاهما في حواسهما؛ فالبصر يخدعنا ويجعل النجم البعيد يبدو بحجم عملة معدنية، فكيف نثبت أن حواسنا لا تخدعنا دائماً؟ ثم انتقل الشك إلى مرتبة أعلى، إلى العقل ذاته والرياضيات. هنا، يتطابق الفيلسوفان في طرح حجة “الحلم” المرعبة: ما أدرانا أن هذه الحياة التي نعيشها ونحسبها حقيقة يقينية، ليست سوى حلم طويل سنستيقظ منه بعد الموت لنكتشف واقعاً مختلفاً تماماً؟ أمام هذا الانهيار المعرفي الشامل، حيث لم يعد هناك أي أساس صلب يمكن الوقوف عليه، دخل الرجلان في أزمة وجودية طاحنة.

تصف بوكا-ألداقري المشهد المكاني الذي رافق هذه الأزمة. ديكارت، أثناء شتائه في ألمانيا، يعزل نفسه طوعاً في غرفة مدفأة (آتون) هرباً من صقيع الطبيعة وصقيع الشك، ليغوص في تأملاته الباطنية. أما الغزالي، فقد كانت أزمته أشد عنفاً، إذ تحولت من أزمة فكرية إلى مرض سيكوسوماتي (نفسي جسدي) أفقده القدرة على النطق والتدريس، مما دفعه لترك منصبه الرفيع في المدرسة النظامية ببغداد، والتخلي عن جاهه وثروته، ليهيم على وجهه متخفياً، ويعزل نفسه في خلوة قاسية في منارة الجامع الأموي بدمشق. إن العزلة هنا، كما تشير الكاتبة، ليست مجرد انسحاب مكاني، بل هي انسلاخ كامل عن كل المرجعيات الخارجية بحثاً عن نقطة ارتكاز داخلية.

وهنا، نصل إلى ذروة الفصل، نقطة التلاقي والانفصال العظيمة التي تفسر الكثير من الاختلافات بين الحضارتين. كيف خرج كل منهما من بئر الشك المظلم؟ بالنسبة لديكارت، جاء طوق النجاة من العقل نفسه. لقد وجد نقطة اليقين في عملية الشك ذاتها؛ فحتى لو كنت أشك في كل شيء، فلا يمكنني أن أشك في أنني “أشك”، والشك يتطلب مفكراً، إذن: “أنا أفكر، إذن أنا موجود” (الكوجيتو). تؤكد الكاتبة أن هذه الجملة لم تكن مجرد استنتاج منطقي، بل كانت إعلان ولادة “الإنسان الغربي الحديث”، الإنسان الذي يجعل من “أناه” المفكرة مركزاً للكون ومقياساً للحقيقة، ومنفصلاً تماماً عن جسده وعن العالم الخارجي.

أما الغزالي، فقد أدرك، بخبرته الروحية الأعمق كما تلمح المؤلفة، أن العقل الذي أوصله إلى الشك لا يمكن أن يكون هو ذاته الأداة التي تخرجه منه. إن محاولة إثبات صحة العقل بالعقل هي دورة مفرغة. لذلك، لم تكن نقطة ارتكاز الغزالي استنتاجاً منطقياً كالكوجيتو الديكارتي، بل كانت، كما يصفها هو نفسه، “نوراً قذفه الله في صدري”. لقد تجاوز الغزالي العقل المجرد ليصل إلى “الكشف” الصوفي، والحدس الروحي المباشر الذي لا يدرك بالبرهان الرياضي، بل بالذوق والتجربة الروحية. لقد استعاد الغزالي يقينه، لا عبر تضخيم “الأنا” المفكرة، بل عبر إخضاع هذه الأنا لنور اليقين الإلهي.

تطرح بوكا-ألداقري في تحليلها النقدي سؤالاً جوهرياً يمس صميم الأزمة المعاصرة: هل كان انتصار العقلانية الديكارتية الخالصة في الغرب نعمة أم نقمة؟ تجادل الكاتبة بأن ثنائية ديكارت (التي فصلت العقل عن الجسد، والمادة عن الروح) قد قادت الغرب إلى إنجازات علمية هائلة، ولكنها في الوقت نفسه أدخلت الإنسان الحديث في حالة من الاغتراب القاسي، وجعلت الطبيعة مجرد آلة ميتة قابلة للاستغلال. في المقابل، قدم نموذج الغزالي رؤية شمولية متكاملة، لا تلغي العقل بل تضعه في مكانه الصحيح ضمن تسلسل هرمي يتوجه الإدراك الروحي، مما حافظ على انسجام الإنسان مع الكون والخالق.

تتطرق الكاتبة أيضاً إلى الجدل التاريخي العتيق: هل قرأ ديكارت الغزالي؟ وهل سُرقت فكرة “الشك المنهجي” من الفيلسوف المسلم عبر الترجمات اللاتينية التي كانت منتشرة في أوروبا آنذاك؟ بذكاء شديد، تتجاوز بوكا-ألداقري فخ الاستشراق العكسي أو المفاخرة التاريخية الجوفاء. إنها تؤكد أن القيمة الحقيقية لا تكمن في إثبات “السرقة الفكرية” أو التأثير المباشر، بل في إثبات “وحدة المسار الإنساني”. إن تطابق الأسئلة والأزمات والمنهجيات بين مفكر عاش في بغداد في القرن الحادي عشر، وآخر عاش في فرنسا في القرن السابع عشر، هو الدليل الساطع على أن العقل الإنساني واحد، وأن الأسئلة الوجودية الكبرى لا تحمل جنسية ولا جواز سفر.

تختتم المؤلفة هذا الفصل بوضعنا أمام مرآة قاسية. لقد اختار الغرب طريق ديكارت، فأنتج حضارة مادية جبارة ومسيطرة، لكنها تعاني اليوم من تصحر روحي مخيف، وتحاول عبثاً البحث عن أجزائها المفقودة. بينما تراجع الشرق عن طريق البحث الفلسفي المفتوح الذي أسسه أمثال الغزالي ليغرق في عصور من الجمود. إن وضع ديكارت والغزالي وجهاً لوجه في هذا الكتاب ليس مجرد تمرين أكاديمي في تاريخ الفلسفة، بل هو دعوة ماسة وحقيقية لدمج “كوجيتو” ديكارت الصارم مع “نور” الغزالي الكاشف، في محاولة لإنقاذ إنسان القرن الحادي والعشرين من شتاته بين عقلانية باردة وروحانية مفتقدة.

نصل في هذه المحطة الختامية إلى الذروة التجريدية الأشد عمقاً وإشراقاً في هذا المجلد الفكري؛ حيث تنتهي بنا مسارات الحيوات المتوازية عند مساحة أنطولوجية (وجودية) شاهقة، تتجاوز حدود العقلانية والمنطق الصوري لتغوص في أسرار “الكينونة”. تضعنا المؤلفة في هذا الفصل الأخير أمام مقاربة فلسفية وفريدة، تجمع بين الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، العقل الأكثر تعقيداً وخطورة في الفلسفة الغربية الحديثة، وبين الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، سلطان العارفين وإمام التصوف الفلسفي في الإسلام.

تستهل بوكا-ألداقري هذا الفصل بوضعنا في قلب الأزمة التي صرّخ بها هايدغر طوال حياته الفكرية: أزمة “نسيان الوجود”. ترى الكاتبة أن هايدغر قد شخّص الفلسفة الغربية، منذ أفلاطون وأرسطو وصولاً إلى ديكارت ونيتشه، بأنها انحرفت عن مسارها الأصيل؛ إذ انشغلت بدراسة “الموجودات” المادية والأشياء القابلة للقياس والسيطرة، ونسيت “الوجود” ذاته في انسيابه الأول وحقيقته الخالصة. لقد أدى هذا النسيان، في نظر هايدغر، إلى تحويل العالم إلى مجرد خزان للموارد التقنية، وإلى تحويل الإنسان إلى كائن مغترب ومسكون بـ “القلق الوجودي”، يعيش في ظل نظام تقني صارم يجرده من أي معنى أصيل للوجود. ومن هنا، حاول هايدغر إعلان “نهاية الميتافيزيقا” والبحث عن طريق جديد للإصغاء إلى “صوت الوجود”.

في المقابل التام من هذه المحاولة الغربية المتعثرة لتجاوز الميتافيزيقا الميتة، تفتح بوكا-ألداقري أبواب العوالم الصوفية الشاسعة لمحيي الدين بن عربي، وتحديداً رؤيته الخالدة القائمة على “وحدة الوجود”. تبين المؤلفة  أن “الوجود” عند ابن عربي ليس مقولة ذهنية مجردة، ولا هو مجرد تجميع كلي للشيئية المادية، بل هو الحقيقة الحية والوحيدة التي تنبع منها كل الصور والمظاهر. الكون عند ابن عربي ليس مفصولاً عن الخالق، بل هو ساحة لـ “التجلي” الإلهي المستمر؛ حيث تتجدد الكائنات في كل لحظة وفي كل نفس عبر الإشراق، ولا يوجد في هذا الكون شيء ميت أو محايد، بل كل ما في الوجود يسبح بنور الحقيقة المعتم والظاهر في آن واحد.

تأخذنا الباحثة إلى منطقة التقاطعات الساحرة بين المفكرين، مشيرة إلى أن كلاً من هايدغر وابن عربي حاول بضراوة كسر الثنائية التقليدية الحادة بين “الذات” و”الموضوع”، أو بين “العالم” و”الإنسان”. هايدغر طرح مفهومه الشهير “الدازاين” (Dasein) للتعبير عن الإنسان كـ “وجود في العالم”، كائن لا يمكن فصله عن محيطه وسياقه الوجودي. وبالمثل، رأى ابن عربي أن الإنسان هو “الكون الأصغر” الذي تتجمع فيه كل حقائق الكون الأكبر، بل إنه المجلَى الأتم الذي يتعرف الوجود من خلاله على نفسه. كلاهما رفض قاطعاً النظرة الديكارتية التي تجعل الإنسان سيداً مستعلياً على الطبيعة يحاول إخضاعها بالتقنية والسيطرة المادية، ودعوا بدلاً من ذلك إلى نوع من “السكون” والإنصات العميق للحقائق الوجودية التي تتجلى أمامنا.

ولعل أكثر نقاط هذا الفصل بريقاً ، هو ذلك التحليل البديع لدور “اللغة” عند الرجلين. هايدغر يطلق عبارته الشهيرة المدوية: “اللغة هي بيت الوجود”، معتبراً أن الشعراء والمفكرين هم حراس هذا البيت الذين يستمعون إلى نداء الكينونة ويصيغونه كلمات. وفي مقاربة تفيض بالشعرية والعمق، تشير بوكا-ألداقري إلى أن هذا المعنى يجد جذوره الأعمق والأنقى في ميتافيزيقا ابن عربي؛ حيث الكون بأكمله ليس إلا “كلمات” ألقاها النفس الرحماني، والحروف واللغات ليست مجرد أدوات للتواصل البشري السطحي، بل هي رموز تكوينية ووسائط روحية تخلق الواقع وتعيد تشكيله. إن اللقاء بين هايدغر وابن عربي هو لقاء بين فلسفة غربية أدركت أزمتها وحاولت العودة إلى المنبع، وبين رؤية إسلامية عارفة عاشت في ذلك المنبع واستقت منه مباشرة عبر الكشف والشهود.

ومع ختام هذا الفصل، ترتفع بوكا-ألداقري بقلمها لتصوغ الرؤية الكلية الجامعة لكتاب “نيتشه في الفردوس” بأكمله، مستعرضة المسار العظيم الذي قطعه القارئ عبر الحيوات المتوازية الخمس. لقد بدأنا الرحلة في الجزيرة المهجورة بين الفطرة الروحية لـ “حي بن يقظان” والإرادة الاستعمارية لـ “روبنسون كروزو”، ثم حلقنا إلى السماوات العُلا لنرى صرخة نيتشه العدمية تحظى بالاحتواء والرحمة في فردوس محمد إقبال، وهبطنا إلى الأرض لنستمع إلى الأديب الفرنسي فيكتور هوغو وهو ينشد بحب وتجليل لسيرة النبي محمد، وعبرنا ممر الشك الجذري المظلم لنرى كيف خرج ديكارت بـ “الكوجيتو” المنفصل والغزالي بـ “النور” الصوفي، وصولاً إلى هذه القمة التي التقى فيها هايدغر وابن عربي عند حدود الوجود واللغة.

إن هذا العمل الاستثنائي لا يكتفي بإعادة قراءة التاريخ الأدبي والفلسفي، بل يقدم إدانة ضمنية ومهذبة لكل المحاولات السطحية التي تسعى إلى اختزال العلاقات بين الإسلام والغرب في مجرد حروب وصراعات وأحقاد استشراقية أو أيديولوجية. تثبت فرانشيسكا بوكا-ألداقري، بعمق أكاديمي ، أن روح الغرب لم تكن يوماً مكتفية بذاتها، وأن أنبل وأعمق لحظات التجلي الفكري الغربي كانت دائماً تصدى، بشكل مباشر أو غير مباشر، لأصداء روحية وفلسفية قادمة من أعماق العالم الإسلامي. إن الفكر الإنساني، في أرفع مستوياته، لا يعترف بالحدود الشائكة ولا بخرائط الجغرافيا السياسية، بل يتحرك في أفق واحد يبحث فيه الإنسان، في كل زمان ومكان، عن معناه وأصله ومصيره.

تنهي المؤلفة هذا السفر برؤية استشرافية تنبض بالأمل، مؤكدة أن “الطريق المكسور” بين الحضارتين ليس مصيراً حتمياً، بل هو إهمال تاريخي يمكن ترميمه ومتى ما امتلكنا الشجاعة الفكرية والروحية لنرى الآخر كمرآة عاكسة لذواتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى