بريكست.. زلزال العقد الذي حرر بريطانيا من أوروبا ومزقها من الداخل

في عالم السياسية والتاريخ المعاصر، تصدر أعمال لتوثق لحدث جلل أحدث زلزالاً في بنية دولة كبرى، كما يفعل هذا الكتاب المعنون “The Brexit Effect, 2016–2026 (Anthony Seldon) “. هذا العمل، الذي قام بتحريره المؤرخ المرموق السير أنتوني سيلدون بمساعدة ريكس بوديكومب، والصادر عن مطبعة جامعة كامبريدج، يمثل محاولة جادة وصارمة لفهم واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً وانقساماً في التاريخ البريطاني الحديث والمتمثلة في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
إن الكتاب لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يغوص في أعماق العقد الماضي، مقدماً تشريحاً دقيقاً لقرار بريطانيا بمغادرة الاتحاد الأوروبي، وهو القرار الذي يعتبر ربما الحدث الأكثر إثارة للانقسام والأكثر عواقبية في السياسة البريطانية الحديثة. ولتقييم هذا التأثير الضخم في الذكرى العاشرة للاستفتاء الذي أُجري في عام 2016، يجمع السير أنتوني سيلدون قائمة لا مثيل لها من الكُتّاب والسياسيين والخبراء من جميع أطراف النزاع والنقاش. تتضمن هذه القائمة شخصيات بارزة شكلت المشهد، مثل النائب المؤيد لبريكست ستيف بيكر، وسكرتير مجلس الوزراء السابق سيمون كيس، وخبير الانتخابات جون كيرتس، والاقتصادي بول جونسون، ووزير الخارجية السابق ديفيد ميليباند، والوزيرة السابقة في حكومة الظل إميلي ثورنبيري، والمحامين البارزين مارينا ويلر وجوناثان سمبشن، بالإضافة إلى رئيس أساقفة كانتربري السابق روان ويليامز. يقوم هؤلاء جميعاً بتحليل دقيق للأسباب التي أدت إلى حدوث الاستفتاء، وكيف تحول بريكست إلى قانون نافذ، وصولاً إلى تأثيره العميق على كل زاوية من زوايا الحياة البريطانية.
ولكي ندرك القيمة التاريخية لهذا العمل، يجب أن ننظر إلى الإشادات التي حظي بها من قامات إعلامية وسياسية كبيرة. فقد وصفه ستيف ريتشاردز بأنه “قراءة ضرورية لنا جميعاً ممن يريدون فهم كل ما جرى”، بينما اعتبرته كاتيا أدلر، بعد عشر سنوات من الاستفتاء المثير للانقسام، بمثابة “محادثة” مستنيرة بين شخصيات بارزة من معسكري البقاء والمغادرة. وتضيف أدلر نقطة جوهرية مفادها أن العلاقات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي لا تزال تتطور، وأن بريكست ربما يكون قد “أُنجز” ولكنه بالتأكيد لم يُطوَ سِجِلُّه بعد. من جانبه، صرح نيك فيراري بأنه قد حان الوقت لتبديد أي حيرة أو غموض حول بريكست، مشيداً بالكتاب الذي قام بتشريح الأسباب والنتائج بمصادر موثوقة وبطريقة رائعة للأجيال الحالية والمستقبلية. أما توم ماكتاغ، فقد وصف المجموعة بأنها متوازنة بشكل مثير للإعجاب، وتدفع النقاش العام إلى الأمام في وقت الحاجة الماسة إليه، بينما أكدت راشيل سيلفستر أن هذه المجموعة من المقالات تقدم سرداً مقنعاً للقوى التي دفعت نحو هذا التصويت الزلزالي.
إن السير أنتوني سيلدون ليس غريباً على هذا النوع من التوثيق المؤسسي والتاريخي؛ فهو يُعد واحداً من أبرز المؤرخين السياسيين في البلاد والسلطة الوطنية المعترف بها في كل ما يتعلق بالحكومة ورئاسة الوزراء في “10 داونينغ ستريت”. هذا الكتاب يأتي كحلقة حديثة ضمن سلسلة كتب “التأثير” (The Effect) التي بدأ سيلدون تحريرها منذ ما يقرب من أربعين عاماً، انطلاقاً من كتاب “تأثير تاتشر”، والذي صُمم ليكون بمثابة عملية تدقيق محاسبية وتقييمية لتأثير حكومة تاتشر والحكومات المتعاقبة، أو في هذه الحالة، لتأثير الأحداث التاريخية الفاصلة.
في مقدمته للكتاب، يضعنا سيلدون أمام حقيقة مؤلمة وصارخة: لقد كان بريكست قضية مثيرة للانقسام بشكل عميق، بل وبشكل يفوق أي قضية أخرى في التاريخ البريطاني منذ عام 1945. لقد مزق هذا الحدث عائلات بأكملها، وفرّق بين الرفاق وزملاء العمل، وشق صفوف الأحزاب السياسية والشركات الإعلامية وحتى المؤسسات الدينية. إنه أدى إلى كسر صداقات وعلاقات عمل، وما زال يفعل ذلك حتى بعد مرور عشر سنوات. ويشير الكاتب بأسلوب نقدي لاذع إلى أن الكثيرين لا يزالون يصرون على أن وجهة نظرهم قد ثبتت صحتها، وأن البعض منغمسون جداً في تأكيد صوابهم لدرجة أنهم ينتقون الحقائق التي تناسبهم ويتناقضون في الحجج التي يطرحونها.
ويؤكد سيلدون أن بريكست لم يكن مجرد قضية واحدة ذات بُعد واحد، بل كان قضية متعددة الأبعاد، تمس مفاهيم شديدة الحساسية مثل الهوية، والأمة، والقبيلة، والمصالح الاقتصادية، والأمن القومي. ويوضح أنه حتى أولئك الذين يقفون على نفس الجانب من الانقسام لم يكونوا يتحدثون دائماً نفس اللغة أو يحملون نفس الفهم لما يعنيه “الخروج” أو “البقاء”. لقد كانت العاطفة هي الحاكم الأبرز، حيث سيطر القلب على العقل لدى الكثيرين، وهو ما ميز النقاش بأكمله طوال تلك السنوات، ومن هنا يأتي هذا الكتاب كمحاولة طموحة لعكس هذا الترتيب وإعادة السيادة للعقل على حساب العاطفة الجياشة.
يأخذنا الكتاب بعد ذلك في رحلة تاريخية وجيوسياسية عميقة من خلال الفصل التمهيدي الذي كتبه اللورد جوناثان سمبشن، تحت عنوان “بريطانيا وأوروبا: النظرة الطويلة”. يفتتح سمبشن تحليله بوصف حملة الاستفتاء في عام 2016 بأنها كانت “حوار طرشان” بامتياز، حيث خاض المعسكران معاركهما بناءً على أجندات مختلفة تماماً. فبالنسبة لمعسكر البقاء (Remainers)، كانت القضية المركزية والمحورية هي الاقتصاد، بينما بالنسبة لمعسكر المغادرة (Leavers)، كانت القضية تتعلق بالسيادة، والتي تجسدت بشكل صارخ ومكهرب في مسألة الهجرة. ويشير سمبشن إلى مفارقة مذهلة؛ فقد غابت المثالية حول فكرة “أوروبا الموحدة” تقريباً عن أجندة أنصار البقاء، في حين كانت المثالية حول “الهوية البريطانية” قوية جداً ومحركة لمشاعر أنصار المغادرة.
يطرح سمبشن تساؤلاً فلسفياً عميقاً: ربما يكون السؤال الأكثر أهمية الذي يمكن لأي مجتمع أن يطرحه على نفسه هو “من نحن؟”. ويستحضر الدرس المستفاد من استفتاء استقلال اسكتلندا الذي سبقه بعامين، والذي أظهر أن أقوى الحجج الاقتصادية لا تحمل سوى وزن ضئيل نسبياً لدى الجمهور العام، حيث يهتم الناس أكثر بقضايا الهوية والاستقلالية الذاتية. وفي تصريح جريء وواضح، يصف سمبشن بريكست بأنه كان بمثابة “تخريب اقتصادي جسيم” (gross economic vandalism)، مشيراً إلى أن العديد من مؤيدي الخروج كانوا يدركون ذلك في حينه، لكنهم كانوا غير مبالين؛ فقد بدا لهم أن الضربة الاقتصادية هي ثمن يستحق الدفع مقابل الاستقلال. لقد أثبت شعار “استعادة السيطرة” (Take Back Control) أنه الصيغة السحرية للفوز.
ولكن سمبشن لا يكتفي بالتحليل الآني، بل يغوص في عمق خمسة قرون من الانخراط البريطاني مع أوروبا ليفكك هذه العقلية. يوضح أن المشاركة والتدخل في شؤون أوروبا كانت ضرورة استراتيجية وحتمية لبريطانيا منذ قرون طويلة. منذ عهد الملكة إليزابيث الأولى، كان المحور الثابت للسياسة الخارجية البريطانية هو الحفاظ على توازن القوى في القارة الأوروبية ومقاومة هيمنة أي قوة منفردة عليها. لقد كان هذا التوجه مدفوعاً برغبة بريطانية قوية في التأثير على الأولويات السياسية للدول الأوروبية وتشكيل سياساتها بما يخدم المصالح البريطانية، وهو أمر يستحيل تحقيقه إذا ما خضعت القارة لهيمنة قوة واحدة.
ويسرد سمبشن أمثلة تاريخية حية؛ فقد أرسلت الملكة إليزابيث الجيوش إلى فرنسا وهولندا لاحتواء هيمنة إسبانيا. وفي القرن الثامن عشر، عندما كانت فرنسا هي القوة المهيمنة، تدخلت الحكومات البريطانية لمقاومتها بدعم من حلفاء أوروبيين أقوياء. بل إن بريطانيا كانت القوة الأوروبية الوحيدة التي واجهت فرنسا الثورية والنابليونية طوال الفترة من 1794 إلى 1815. وامتد هذا النهج ليشمل المواجهة الطويلة مع روسيا في القرن التاسع عشر، ثم صعود ألمانيا الموحدة في أواخر القرن التاسع عشر والذي مثل تحدياً جديداً. ويستشهد بمذكرة شهيرة من عام 1907 للقيادي في وزارة الخارجية السير إير كرو، الذي وصف سعي بريطانيا لتحقيق توازن القوى بأنه “أشبه بقانون من قوانين الطبيعة”، مشدداً على ضرورة احتواء ألمانيا التي باتت القوة المهيمنة.
كانت الساحة الدفاعية لبريطانيا لقرون ليست بحر المانش، بل نهر الراين أو نهر الأودر. كان الخوف الدائم هو أنه في مواجهة قوة أوروبية مهيمنة عبر القناة، ستفقد بريطانيا السيطرة على مصيرها. ولم تكن هذه السياسة استراتيجية وعسكرية فحسب، بل كانت ثقافية واقتصادية أيضاً؛ ثقافية لأنها وُجهت ضد الاستبداد النابليوني والقيصري والنازي للحفاظ على نظام ليبرالي عالمي، واقتصادية لأن أي أوروبا تهيمن عليها قوة واحدة ستكون قادرة على تعطيل التجارة والتمويل البريطاني، تماماً كما حاول النظام القاري لنابليون أن يفعل.
في المقابل، يناقش الكاتب في هذا الفصل التيار المعاكس في التفكير الاستراتيجي البريطاني، والذي يُطلق عليه اسم “الأطلسية” (Atlanticism). هذا التيار كان يدعو دائماً إلى فك الارتباط عن مشاكل القارة الأوروبية والتركيز على المحيطات الواسعة، مقدماً الإمبراطورية والبحرية كبدائل لأوروبا والجيش. ورغم أن سياسيين محافظين كبار مثل الفيلسوف بولينجبروك، وبنجامين دزرائيلي، وحتى وينستون تشرشل، قد تعاطفوا مع هذه الفكرة الرومانسية في أوقات مختلفة، إلا أن الواقع كان يفرض نفسه دائماً. يؤكد سمبشن أن سياسة “العزلة المجيدة” نادراً ما كانت قابلة للتطبيق، وعندما جربتها بريطانيا دفعت ثمناً دبلوماسياً وعسكرياً باهظاً وسرعان ما عكست مسارها، لأن الأزمات الأوروبية تتحول حتماً إلى أزمات إنجليزية.
إن هذا الاستعراض التاريخي العميق الذي يقدمه الكتاب في بدايته، يمهد الطريق لفهم العقلية التي صاغت لاحقاً معارضة بريطانيا للاندماج الأوروبي الحديث بعد الحرب العالمية الثانية، ومخاوفها المستمرة من فقدان السيادة والذوبان في كيان فيدرالي يقوده المحور الفرنسي-الألماني.
إن الانتقال من الجذور التاريخية العميقة التي أسس لها اللورد جوناثان سمبشن في الفصل الافتتاحي للكتاب، يقودنا حتماً إلى معترك السياسة المعاصرة، حيث تحولت الهواجس التاريخية إلى تكتيكات سياسية يومية وحركات تمرد داخلية. في هذا الجزء نغوص في كواليس الانشقاقات الحزبية وكيفية ترجمة حلم الانفصال إلى واقع تشريعي وإداري ألقى بظلاله على مختلف مفاصل الدولة.
ولعل القيمة الكبرى والأهم لهذا السِفر الضخم تكمن في قدرة سيلدون على جمع قائمة غير مسبوقة من صناع القرار والمطلعين على الخبايا العميقة؛ إذ يضم الكتاب مقالات لثلاثة وأربعين مؤلفاً مختلفاً، من بينهم سبعة لوردات، وأربع بارونات، وسيدة حاصلة على لقب “ديم”، وثلاثة فرسان من فرسان المملكة. هذا الحشد الهائل من الشخصيات الرفيعة يجعل من هذا العمل أقرب ما نكون إليه من تفكير شبه رسمي وتوثيق مؤسسي صلب لأسباب وعواقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويضعنا بشكل مباشر في قلب العاصفة التي عصفت بأروقة وستمنستر العريقة.
عند تفكيك ديناميكيات حملة الخروج وما تلاها من أحداث، يقدم الكتاب شهادات حية ومؤلمة أحياناً من قادة الحملة أنفسهم. ففي تأملاته حول المكاسب والخسائر، يقدم بول ستيفنسون، مدير الاتصالات السابق في حملة “صوّت للمغادرة” (Vote Leave)، وصفا للانتصار الذي حققوه في صناديق الاقتراع، واصفاً إياه بأنه كان انتصاراً “حلواً ومراً” في آن واحد. ويشرح ستيفنسون هذه المفارقة قائلاً إن معسكر الخروج تمكن بصعوبة بالغة من انتزاع النصر من براثن الهزيمة في لحظات حاسمة، ولكنه سرعان ما سمح بأن يُنتزع هذا النصر منه مرة أخرى في أروقة السياسة ودهاليز التفاوض المعقدة. هذا الشعور بالانتصار المجهض والضائع يتردد صداه بقوة في مقال دوغلاس كارسويل، الناشط المخضرم المناهض للاتحاد الأوروبي والنائب السابق عن حزب الاستقلال الديمقراطي (Ukip)، والذي يختتم تحليله في الكتاب باستنتاج كئيب ومحبط للآمال. يعترف كارسويل بصراحة أن حملة “صوّت للمغادرة” ربما تكون قد أكسبت بريطانيا الحكم الذاتي والاستقلال السياسي المأمول، لكنه يستدرك بمرارة قائلاً إنهم لم يتمكنوا بعد من حكم أنفسهم بشكل جيد. هذه العبارة الصادمة تلخص أزمة القيادة التي تلت الاستفتاء، والتي تجلت في تعاقب ستة رؤساء وزراء منذ عام 2016، مما يدفع المراقبين وصناع القرار للتساؤل بجدية عما إذا كانت بريطانيا ما بعد بريكست قابلة للحكم على الإطلاق.
وإذا كانت السياسة قد نجحت في استصدار قرار الخروج، فإن الإدارة والحكم قد تعثرا بشكل مروع في تنفيذه. وهنا يفتح الكتاب ملفاً بالغ الأهمية والحساسية يتعلق بدور الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة العميقة في إدارة هذه الأزمة غير المسبوقة. يبرز في هذا السياق مقال السير سيمون كيس، سكرتير مجلس الوزراء السابق، والذي جاء تحت عنوان قاطع: “تنفيذ بريكست: الفشل في إدارة ثورة”. يوجه كيس انتقادات لاذعة ومباشرة لطريقة التعامل مع النتائج، معترفاً بأن رؤية الأمة التي تحررت من أغلال بيروقراطية بروكسل، تحولت بسرعة مذهلة إلى واقع مرير من التفكير المشوش، والمفاوضات العقيمة غير المثمرة، والمستنقع البرلماني العميق، والارتباك الإداري الشامل.
ويتقاطع هذا التحليل مع تساؤلات جوهرية يطرحها اللورد سيمون ماكدونالد في فصله، حيث يتساءل بصراحة عما إذا كانت الخدمة المدنية مستعدة بشكل كافٍ وصحيح للتعامل مع زلزال بريكست وتداعياته المستمرة. ولإكمال هذه اللوحة الإدارية المعقدة، تتدخل هيلين ماكنمارا، نائبة سكرتير مجلس الوزراء السابقة، لتقدم تشريحاً دقيقاً لمسألة حيدة الخدمة المدنية البريطانية وسط هذا الاستقطاب السياسي الحاد الذي لم يسبق له مثيل في العصر الحديث. ولا يقف النقد الإداري عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل جودة العمل الحكومي ككل، وهو ما يتصدى له كل من جيل روتر وأليكس توماس في مساهمتهما التي تسلط الضوء على جودة الحكومة في خضم الفوضى التي أعقبت الاستفتاء.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، يقدم الكتاب أبعاداً عالمية لهذا التراجع الداخلي. حيث تتناول البارونة كاثي أشتون تأثير بريكست على السياسة الخارجية للمملكة المتحدة، وتداعيات ذلك على مكانتها الدولية وتحالفاتها الاستراتيجية. وتتكامل هذه الرؤية مع طروحات اللورد كيم داروش حول مستقبل العلاقات عبر الأطلسي، وما إذا كانت بريطانيا قادرة على تعويض خسارتها الأوروبية بتقارب أكبر مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ولا يتجاهل الكتاب التكلفة الاقتصادية الباهظة التي رافقت هذه التحولات السياسية والإدارية العنيفة. يناقش ديفيد ميليباند، وزير الخارجية السابق، في فصله الخاص المكانة الاقتصادية لبريطانيا والعلاقات المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي، كاشفاً عن حقائق لا يمكن تجاهلها حول الانكماش المالي. وتؤكد التحليلات المستقلة، مثل دراسة جامعة ستانفورد الحديثة التي تزامنت مع التقييمات، أن بريكست بحلول عام 2025 أدى إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة بنسبة تتراوح بين ستة وثمانية بالمائة مقارنة بما كان يمكن أن يكون عليه الحال لو بقيت في الاتحاد. كما انكمش الاستثمار بنسب حادة، وتراجعت معدلات التوظيف والإنتاجية بنسب ملحوظة. المثير للدهشة، كما يشير التحليل النقدي للكتاب، هو أن قادة معسكر الخروج الأذكياء كانوا يدركون تماماً أن شيئاً من هذا القبيل سيحدث، وأن الألم الاقتصادي كان قادماً لا محالة. ومع ذلك، كانوا يعتقدون بصدق أن هذا الثمن الاقتصادي الباهظ هو مجرد ضريبة تستحق الدفع مقابل تحقيق التجديد السياسي واستعادة السيطرة، وهو الشعار الذي كان يشكل الهدف الفعلي والحقيقي للحملة بأكملها.
هكذا، يكشف الكتاب عن الفجوة الهائلة بين مثالية الخطاب السياسي الذي وعد بالتحرر واستعادة المجد، وبين براغماتية الواقع الإداري والاقتصادي الذي اصطدم بتعقيدات الانفصال المؤسسي والتجاري. غير أن هذا الإخفاق الإداري والاقتصادي لا يقدم القصة الكاملة للمشهد البريطاني. فهناك “فيل في الغرفة” كما وصفه بعض النقاد، وهناك أزمة هوية أعمق بكثير من مجرد حسابات الربح والخسارة.
نصل إلى المنطقة الأكثر وعورة وحساسية في هذا الملف بأسره. إننا نقف الآن أمام “الفيل في الغرفة”، ذلك المحرك الخفي والعميق الذي أشعل شرارة الانفصال ولم يجرؤ الكثيرون على تسميته باسمه الحقيقي في خضم الحملات الانتخابية الصاخبة. هذا المحرك هو “أزمة الهوية” وتصاعد ما يمكن أن نطلق عليه بوضوح “القومية الإنجليزية”، التي اختبأت طويلاً خلف شعارات السيادة البريطانية واستعادة السيطرة، لتنفجر في صناديق الاقتراع كحالة من التمرد الثقافي والاجتماعي العنيف ضد النخب السياسية والاقتصادية.
يقدم الكتاب من خلال مساهمات نخبة من علماء الاجتماع والمفكرين السياسيين تشريحاً دقيقاً ومؤلماً لهذا الصدع الثقافي الذي شق المجتمع البريطاني إلى نصفين لا يكاد أحدهما يفهم لغة الآخر. لم يكن التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي في جوهره تصويتاً على اتفاقيات تجارية أو حصص صيد أو تنظيمات جمركية، بل كان في صميمه صرخة مدوية من فئات واسعة من المجتمع شعرت بالتهميش والإقصاء. لقد كان تمرداً إنجليزياً بامتياز، قادته المدن والبلدات الإقليمية والمناطق الصناعية السابقة التي عانت من تراجع مستويات المعيشة وتقلص الفرص، ضد النخب المتروبوليتانية في لندن والمدن الجامعية الكبرى، التي استفادت من العولمة والانفتاح الاقتصادي وحرية الحركة الأوروبية. يوضح المحللون في هذا السفر الضخم كيف أن بريكست كشف عن شرخ عميق بين ما يسميه بعض علماء الاجتماع “أبناء مكان ما”، وهم أولئك الذين ترتبط هويتهم بقوة بمجتمعاتهم المحلية وتقاليدهم ويرون في التغيير السريع تهديداً لنمط حياتهم، وبين “أبناء أي مكان”، وهم النخبة المتعلمة والمعولمة التي تتنقل بسهولة عبر الحدود وتتبنى قيماً عالمية ليبرالية وتنظر إلى الهوية الوطنية نظرة تتسم بالمرونة وربما بالتجاوز.
المفارقة المذهلة التي يتوقف عندها الكتاب طويلاً، والتي تمثل ظاهرة نفسية وسياسية فريدة في التاريخ الحديث، هي تلك الحالة من “غربة المنتصرين”. فمن المنطقي أن تشعر الجماهير التي حققت انتصاراً تاريخياً في استفتاء عام 2016 بالرضا والنشوة بعد أن تم تنفيذ قرار الخروج وأصبح أمراً واقعاً. ولكن الواقع، كما توثقه فصول الكتاب بدقة، يظهر صورة مغايرة تماماً؛ إذ لا يزال قطاع واسع من مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يشعرون بغضب عارم، وبمرارة شديدة، وبإحساس عميق بالخيانة. يفسر الكتاب هذه الظاهرة المعقدة بأن الوعود التي قُدمت خلال حملة الاستفتاء لم تكن مجرد وعود سياسية أو اقتصادية قابلة للقياس، بل كانت أقرب إلى يوتوبيا قومية، ووعداً بالعودة إلى عصر ذهبي متخيل حيث تكون بريطانيا، وتحديداً إنجلترا، سيدة مصيرها بالكامل، خالية من التعقيدات الحديثة ومن تحديات الهجرة وتغير الديموغرافيا.
عندما اصطدمت هذه الأحلام الرومانسية بالواقع الجيوسياسي والاقتصادي الصلب، وعندما اكتشف الناس أن “استعادة السيطرة” لا تعني بالضرورة تحسين الخدمات العامة أو إنهاء طوابير الانتظار في المستشفيات أو إعادة الحياة للمصانع المغلقة، نشأت حالة من الإنكار والبحث عن كباش فداء. يشير الكتاب إلى كيف تطور خطاب المؤامرة داخل المعسكر المؤيد لبريكست، حيث بات يُلقى باللائمة في أي فشل أو تراجع على “الدولة العميقة”، أو على الخدمة المدنية “المعرقلة”، أو على النخب السياسية التي قيل إنها “خانت” بريكست الحقيقي وقدمت نسخة مشوهة منه. هذا الشعور المستمر بالخيانة جعل من بريكست ثورة دائمة لا يمكن إرضاء قادتها أو جمهورها، لأن الهدف الذي كانوا يسعون إليه كان في جوهره نفسياً وعاطفياً أكثر منه سياسياً وقابلاً للتنفيذ على أرض الواقع.
ولا يتوقف تأثير هذا الزلزال الهوياتي عند حدود إنجلترا، بل يمتد ليهدد بنية “المملكة المتحدة” نفسها، وهو أحد أخطر الملفات التي يناقشها الكتاب بجدية بالغة. لقد كان بريكست، كما يصفه أحد الباحثين في الكتاب، بمثابة قنبلة موقوتة زُرعت في قلب الاتحاد الذي يجمع أمم بريطانيا الأربع. في اسكتلندا، التي صوتت بأغلبية ساحقة لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، تحول بريكست إلى أقوى حجة يمتلكها الحزب الوطني الاسكتلندي للمطالبة بالاستقلال. لقد شعرت اسكتلندا بأنها جُرت قسراً خارج المنظومة الأوروبية رغماً عن إرادتها الديمقراطية، وبسبب أصوات الناخبين الإنجليز، مما أجج المشاعر القومية الاسكتلندية ودفع بالعلاقة بين إدنبرة ولندن إلى حافة أزمة دستورية مستديمة.
أما في أيرلندا الشمالية، فقد كان تأثير بريكست أكثر تعقيداً وخطورة، حيث هدد بنسف عقود من جهود السلام التي توجت باتفاق الجمعة العظيمة. لقد فرض خروج بريطانيا من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي واقعاً جغرافياً وسياسياً مستحيلاً: كيف يمكن بناء حدود جمركية بين أيرلندا الشمالية (التابعة للمملكة المتحدة) وجمهورية أيرلندا (العضو في الاتحاد الأوروبي) دون إثارة التوترات الطائفية والعنف مجدداً؟ يشرح الكتاب بالتفصيل الممل كيف أن الحلول الترقيعية، مثل بروتوكول أيرلندا الشمالية وإطار عمل وندسور، لم تكن سوى محاولات بائسة للتوفيق بين متناقضات لا يمكن التوفيق بينها، مما ترك أيرلندا الشمالية في حالة من الشلل السياسي والمؤسسي، وعمّق من شعور الوحدويين الموالين لبريطانيا بالخيانة والعزلة عن وطنهم الأم، في مفارقة أخرى من مفارقات بريكست التي لا تنتهي.
هكذا، يضعنا الكتاب أمام لوحة قاتمة ومربكة لأمة انتصرت في معركة خاضتها ضد نفسها، لتكتشف في النهاية أن الغنائم التي حصدتها كانت مجرد شظايا من هويتها الممزقة. لقد تحول بريكست من مشروع للاستقلال الوطني إلى آلة جبارة لإعادة تشكيل الانتماءات، تمزق النسيج الاجتماعي وتطرح أسئلة وجودية لم تكن بريطانيا مستعدة للإجابة عليها. ولكن، كيف ترجمت هذه التحولات الثقافية والاجتماعية العميقة نفسها داخل أروقة البرلمان؟ وكيف تسببت في زلزال دمر الهياكل التقليدية للأحزاب السياسية البريطانية العريقة؟ وكيف أدى هذا كله إلى اختراق ما عُرف تاريخياً بـ “الجدار الأحمر” العمالي وتأسيس واقع سياسي جديد تماماً؟ هذه التساؤلات المحورية، بالإضافة إلى استكشاف مستقبل الديمقراطية البريطانية في ظل هذا المشهد المضطرب والمستقطب.
فإذا كانت شوارع المدن الإقليمية وبلدات الساحل هي من أطلقت شرارة التمرد الهوياتي، فإن البرلمان البريطاني والأحزاب التقليدية العريقة هي من تكبدت العبء الأكبر لهذا الانفجار، حيث أسفر زلزال بريكست عن إعادة رسم الخريطة السياسية للمملكة المتحدة بطرق لم يكن يتخيلها أعتى المراقبين الاستراتيجيين قبل عام 2016.
يُفصّل الكتاب كيف تحول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من مجرد قضية سياسة خارجية أو تنظيم تجاري إلى “حمض نووي” جديد أعاد تشكيل ولاءات الناخبين وهياكل الأحزاب. لقد كان الحزب المحافظ، تاريخياً، حزب المؤسسات، والبراغماتية الاقتصادية، والشركات الكبرى، والحفاظ على الوضع القائم. لكن فصول هذا الكتاب توثق كيف ابتلع بريكست هذا الحزب العريق وأعاد إنتاجه في صورة حركة شعبوية، أقرب إلى القومية الإنجليزية الراديكالية. لقد شهدنا، كما يحلل المساهمون في الكتاب، عملية “تطهير” غير مسبوقة داخل صفوف المحافظين، حيث تم إقصاء النواب المعتدلين المؤيدين لأوروبا، واستُبدلوا بطبقة سياسية جديدة تدين بالولاء المطلق لمشروع الانفصال. وتجلى هذا التحول الدراماتيكي في أبهى صوره خلال الانتخابات العامة لعام 2019، عندما قاد بوريس جونسون الحزب تحت شعار واحد لا يقبل التأويل: “إنجاز بريكست” (Get Brexit Done)، وهو الشعار الذي ضرب على وتر الإرهاق الشعبي من الشلل البرلماني وحوّل الانتخابات إلى استفتاء ثانٍ حسم المعركة بشكل قاطع.
وهنا نصل إلى الظاهرة السياسية الأبرز التي يفرد لها الكتاب مساحة واسعة من التحليل ، وهي ظاهرة انهيار “الجدار الأحمر” (Red Wall). لقد ظلت مناطق الشمال الإنجليزي وميدلاندز لعقود طويلة قلاعاً حصينة لحزب العمال، حيث ارتبط التصويت للعمال بالهوية الطبقية للعمال في فترات ما بعد الصناعة. غير أن بريكست أحدث شرخاً زلزالياً في هذا الجدار؛ فقد وجد هؤلاء الناخبون التقليديون أنفسهم في تناقض صارخ مع قيادات حزبهم التي مالت نحو البقاء في أوروبا. يشرح علماء السياسة في الكتاب كيف نجح المحافظون في استثمار هذا الاغتراب الثقافي، مقنعين الطبقة العاملة بأن حزب العمال قد تخلى عنهم لصالح نخب المدن الكبرى (المتروبوليتانية) والشباب الجامعي المؤيد للعولمة. لم يكن تصويت الجدار الأحمر للمحافظين تصويتاً للرأسمالية وحرية السوق، بل كان تصويتاً ثقافياً وعاطفياً بامتياز، رفضا للهجرة غير المنضبطة، ودفاعا عن القيم التقليدية، ورغبة عارمة في توجيه صفعة للمؤسسة السياسية التي طالما تجاهلت معاناتهم.
في المقابل، يرسم الكتاب صورة قاتمة لحزب العمال خلال تلك الحقبة الممتدة، حيث وجد الحزب نفسه مشطوراً إلى نصفين ومحاصراً في حرب أهلية طاحنة. فمن جهة، كان هناك القاعدة الانتخابية الحضرية الشابة والمتعلمة التي تطالب بتبني موقف صريح ومناهض لبريكست، ومن جهة أخرى، كانت هناك القاعدة العمالية التقليدية في الشمال التي صوتت بقوة لصالح الخروج. يوضح المحللون كيف أدت سياسة الغموض الاستراتيجي ومحاولة إمساك العصا من المنتصف التي انتهجها جيريمي كوربين إلى كارثة انتخابية مدوية في عام 2019. وحتى مع مجيء كير ستارمر لاحقاً، استمر شبح بريكست يطارد الحزب، مما أجبر القيادة الجديدة على تبني سياسة “الصمت المطبق” وتجنب ذكر كلمة بريكست أو التعهد بالعودة إلى الاتحاد الأوروبي، خوفاً من إثارة غضب ناخبي الجدار الأحمر الذين يحاول الحزب استعادتهم بشق الأنفس. لقد أصبح بريكست بمثابة “الفولتامورت” السياسي للعمال، الاسم الذي لا يجب النطق به في الحملات الانتخابية.
ولا تقتصر تداعيات هذا العقد الاستثنائي (2016-2026) على تغيير ألوان الدوائر الانتخابية، بل تمتد لتشمل أزمة دستورية ومؤسسية غير مسبوقة يوثقها الكتاب بكثير من القلق. فقد وضع بريكست البرلمان في مواجهة مباشرة مع السلطة التنفيذية، وفي مواجهة مع السلطة القضائية، بل وفي مواجهة مع إرادة الشعب المباشرة المتمثلة في نتيجة الاستفتاء. يستعيد الكتاب بمرارة تلك اللحظات الحرجة التي اتُهم فيها قضاة المحكمة العليا بأنهم “أعداء الشعب”، وتلك الأيام التي حاولت فيها الحكومة تعليق عمل البرلمان (Prorogation) لتمرير سياساتها دون تدقيق دستوري. لقد أدى هذا الاستقطاب الحاد إلى تآكل خطير في تقاليد الديمقراطية البرلمانية البريطانية التي كانت مضرباً للمثل في الاستقرار، وخلق بيئة سياسية تتسم بالعداء والتخوين، حيث تم تهميش الأعراف الدستورية غير المكتوبة لصالح حسابات سياسية ضيقة وآنية.
لقد غير بريكست قواعد اللعبة السياسية في بريطانيا إلى الأبد، محطماً التحالفات القديمة، وخالقاً انقسامات جديدة لم تعد تُعرّف باليمين واليسار الماركسي الكلاسيكي، بل بـ “المنفتحين” مقابل “المنغلقين”، و”المعولمين” مقابل “القوميين”. هذه التشوهات السياسية المعقدة تضعنا مباشرة أمام التساؤل الأكبر والأخير: بعد مرور عشر سنوات كاملة، ما هي الحصيلة النهائية لهذا الزلزال؟ وكيف يُقيّم التاريخ، لا السياسة اليومية، هذا العقد المضطرب؟
يأخذنا سيلدون، في استنتاجاته الختامية هو ونخبة كتابه من أمثال خبير الانتخابات السير جون كيرتس والاقتصادي بول جونسون ورئيس أساقفة كانتربري السابق روان ويليامز، إلى مواجهة حتمية مع مفهوم “بريطانيا العالمية” (Global Britain)، وهو الشعار البراق الذي طرحته حكومات ما بعد الاستفتاء كبديل استراتيجي للانضواء تحت مظلة الاتحاد الأوروبي. كانت الرؤية الحالمة تعد ببريطانيا حرة، رشيقة، قادرة على عقد صفقات تجارية سريعة مع القوى الاقتصادية الصاعدة في آسيا والمحيط الهادئ، ومتحررة من قيود البيروقراطية في بروكسل. ولكن، وكما تكشف التحليلات الرصينة في فصول هذا الكتاب، اصطدمت هذه الرؤية بجدار واقع عالمي يزداد حمائية وتكتلاً. لقد اكتشفت لندن بالطريقة الصعبة أن الحجم يهم في المفاوضات التجارية الدولية، وأن قوة المساومة التي كانت تتمتع بها كجزء من تكتل يضم نصف مليار مستهلك لا يمكن تعويضها بسهولة كدولة منفردة، مهما بلغ حجم اقتصادها. وبدلاً من أن تتحول بريطانيا إلى “سنغافورة على نهر التايمز”، وجدت نفسها تكافح لتعويض جزء يسير من الخسائر التجارية التي تكبدتها جراء وضع حواجز جمركية وغير جمركية مع شريكها التجاري الأقرب والأكبر عبر القناة الإنجليزية.
على الصعيد الاقتصادي، يقدم الكتاب جردة حساب لا تقبل الجدل، معتمداً على بيانات وإحصاءات دقيقة تبلورت على مدار عقد كامل. لم يكن الألم الاقتصادي مجرد صدمة قصيرة الأجل كما روج بعض المتفائلين، بل تحول إلى “تآكل بنيوي” بطيء ومستمر. يتحدث الخبراء في الكتاب عن تراجع مزمن في معدلات الاستثمار الأجنبي المباشر، ونقص حاد في العمالة الماهرة وغير الماهرة في قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية والزراعة والخدمات اللوجستية، وانخفاض في الإنتاجية أدى إلى ركود في الأجور الحقيقية. ورغم محاولات الحكومة المستميتة لعقد اتفاقيات تجارية جديدة، إلا أن الفوائد الاقتصادية الصافية لهذه الاتفاقيات ظلت هامشية مقارنة بتكلفة الخروج من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي. إن الحصيلة الاقتصادية لعقد بريكست، كما يقرأها الكتاب، هي حصيلة دولة اختارت طواعية، ولأسباب سياسية وهوياتية، أن تفرض عقوبات اقتصادية على نفسها، في سابقة لا تكاد تجد لها مثيلاً في التاريخ الاقتصادي الحديث.
لكن ربما يكون الأثر الأعمق والأكثر ديمومة الذي يوثقه هذا العمل المرجعي، هو ذلك المتعلق بالديموغرافيا والفجوة الجيلية المتسعة. يطرح الكتاب تحليلاً اجتماعياً بالغ الأهمية حول الأجيال الشابة التي لم يكن يحق لها التصويت في عام 2016، والتي أصبحت اليوم، في عام 2026، قوة انتخابية وازنة وعصب القوى العاملة. تشعر هذه الأجيال، وبمرارة شديدة، بأن مستقبلها والفرص التي كانت متاحة لها للعيش والدراسة والعمل بحرية في سبع وعشرين دولة أوروبية، قد صودرت منها بقرار اتخذته أجيال أكبر سناً مدفوعة بحنين إلى ماضٍ إمبراطوري أو قومي لم يعايشه الشباب ولم يستهوهم يوماً. هذا الغضب الجيلي الصامت، والذي يتصاعد ببطء، يشكل قنبلة موقوتة تحت أسس التسوية السياسية الحالية. فالشباب البريطاني اليوم، وبحسب الاستطلاعات التي يوردها خبير الانتخابات جون كيرتس، يميل بأغلبية ساحقة إلى اعتبار بريكست خطأً تاريخياً فادحاً، مما يطرح تساؤلات جدية حول مدى استدامة هذا الانفصال على المدى الطويل، وما إذا كانت العقود القادمة ستشهد محاولات حتمية، وإن كانت خجولة في البداية، لإعادة الاندماج أو على الأقل إيجاد صيغة شراكة أعمق بكثير مع القارة الأوروبية.
وإلى جانب هذا الصدع الجيلي، يقف الكتاب طويلاً أمام التصدع الأخلاقي والسياسي الذي أصاب الثقافة العامة في المملكة المتحدة. فكما أشار السير أنتوني سيلدون في مقدمته، لقد كان بريكست القضية الأكثر انقساماً منذ عام 1945، ممزقاً العائلات، وصادعاً الأحزاب، ومهشماً الصداقات. لقد أدى تغليب العاطفة على العقل، وهيمنة لغة التخوين والشعبوية على لغة الحوار العقلاني، إلى تسميم بئر السياسة البريطانية. يشير المساهمون في الكتاب إلى أن الثمن الديمقراطي والمؤسسي كان باهظاً؛ فقد تم تهميش البرلمان، والتشكيك في استقلالية القضاء، وتخويف الخدمة المدنية المحايدة، كل ذلك باسم تنفيذ “إرادة الشعب” التي تم تحويلها إلى صنم سياسي لا يجوز المساس به أو إعادة تفسيره في ضوء المعطيات المتغيرة. لقد خلّف بريكست وراءه ديمقراطية بريطانية منهكة، مستقطبة، وأقل ثقة في مؤسساتها وفي نفسها.
وفي الختام، يضعنا هذا الكتاب، كجزء من سلسلة كتب “التأثير” (The Effect) التي صُممت كعملية تدقيق محاسبية للأحداث الكبرى، أمام حقيقة تاريخية لا مفر منها. إن تقييم زلزال بحجم بريكست لا يمكن أن يتم من خلال عدسة الربح والخسارة الآنية فحسب، بل من خلال تأثيره على الروح الوطنية والقدرة على التكيف في عالم سريع التغير. لقد أراد معسكر المغادرة أن يكتب فصلاً جديداً من الاستقلال المطلق، مستلهمين أحلاماً عن السيادة والهوية. ولكن وكما يخلص اللورد جوناثان سمبشن، فإن العزلة المجيدة نادراً ما كانت قابلة للتطبيق في تاريخ بريطانيا الممتد لخمسة قرون من الانخراط مع أوروبا. لقد أثبتت السنوات العشر الماضية أن الهروب من جغرافيا القارة وتعقيداتها هو محض وهم، وأن بريطانيا، أينما ذهبت وكيفما حاولت إعادة تعريف نفسها، ستجد أن مصيرها مرتبط ارتباطاً عضوياً بجيرانها عبر القناة.




