أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

قصص الصحراء

تبدأ الحكاية من نقطة بعيدة جداً عن الرمال الحارقة والكثبان الذهبية، تبدأ من قلب الشرق الأقصى، حيث ولدت الكاتبة “تشين ماوبينغ” في عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين في مدينة تشونغتشينغ الصينية، قبل أن تضطر عائلتها، في خضم الاضطرابات السياسية والتحولات التاريخية الكبرى التي عصفت بالصين، إلى الانتقال واللجوء إلى جزيرة تايوان. في تلك الجزيرة التي كانت تعيش تحت وطأة الأحكام العرفية والمناخ السياسي المشحون والقيود الاجتماعية الصارمة، نشأت طفلة لا تشبه أقرانها، طفلة تحمل في داخلها بذور تمرد مبكر وروحاً وثابة لا ترضى بالقوالب الجاهزة ولا تقبل بالمسارات المرسومة سلفاً. كانت تايوان في تلك الحقبة تتسم بالمحافظة الشديدة، حيث كان يُتوقع من الفتيات الالتزام بمسار تقليدي يبدأ بالتعليم الصارم وينتهي بالزواج وتكوين أسرة هادئة، لكن “ماوبينغ” كانت تنظر إلى العالم بعينين مختلفتين، عينين تبحثان عن شيء أبعد من الأفق المرئي، وشيء أعمق من الروتين اليومي الخانق.

لم تكن تجربتها مع التعليم التقليدي سلسة على الإطلاق، بل كانت مليئة بالصدامات والانكسارات النفسية. كانت ترى في المدرسة نظاماً قمعياً يحاول تأطير خيالها ومصادرة حريتها، مما أدى إلى إصابتها بحالة من الاكتئاب والعزلة الذاتية التي دفعتها للانقطاع عن المدرسة الرسمية لفترة طويلة. في تلك الفترة من العزلة، وجدت ملاذها الوحيد في القراءة النهمة، حيث التهمت عيناها كلاسيكيات الأدب العالمي والفلسفة، وغاصت في عوالم الكتاب والفلاسفة الذين شكلوا وعيها المبكر وأمدوها بالأدوات اللازمة لفهم عبثية الوجود والبحث عن المعنى. في هذه المرحلة بالذات، بدأت تتبلور شخصيتها الأدبية، واختارت لنفسها اسماً مستعاراً هو “سانماو”، وهو اسم يعود لشخصية كرتونية صينية شهيرة لفتى يتيم ومهمش لا يملك في رأسه سوى ثلاث شعرات. لم يكن اختيار هذا الاسم مجرد صدفة أو عبث طفولي، بل كان إعلاناً صريحاً عن انحيازها التام للمهمشين والفقراء والبسطاء، وتعبيراً عن رغبتها العميقة في التجرد من المظاهر الزائفة والانتماء إلى الإنسانية في أنقى صورها وأكثرها تجرداً.

مع مرور السنوات، ضاقت تايوان بطموحات سانماو وأحلامها المتمردة، فقررت أن تكسر قوقعتها وتنطلق نحو العالم الواسع. بدأت رحلتها الطويلة التي قادتها إلى أكثر من خمسة وخمسين بلداً، لتكون واحدة من أوائل النساء الآسيويات اللواتي يسافرن بمفردهن في تلك الحقبة الزمنية. سافرت إلى أوروبا، ودرست الفلسفة في ألمانيا، ثم انتقلت إلى إسبانيا، وهناك في مدريد، بدأت فصلاً جديداً من حياتها سيلعب دوراً حاسماً في رسم مصيرها. في إسبانيا، تعرفت على الشاب الإسباني “خوسيه ماريا كيرو”، الذي كان يصغرها بعدة سنوات، ورغم الفارق العمري واختلاف الثقافات، نشأت بينهما رابطة روحية وعاطفية استثنائية. كان خوسيه يرى في سانماو تجسيداً للحرية والجمال الغامض، بينما رأت هي فيه قلباً نقياً مستعداً لمجاراتها في جنونها وأحلامها غير المألوفة. ورغم هذا الحب، ظلت روح سانماو القلقة تدفعها للبحث عن شيء مجهول، شيء لم تكن تعرف كنهه حتى وقعت بين يديها مصادفة نسخة من مجلة “ناشيونال جيوغرافيك”.

في تلك المجلة، قرأت سانماو مقالاً مفصلاً وشاهدت صوراً عن الصحراء الإسبانية، أو ما يُعرف بالصحراء الكبرى في شمال أفريقيا. في تلك اللحظة الفارقة، وبمجرد أن وقعت عيناها على صور الكثبان الرملية المترامية الأطراف والخيام البدوية والوجوه السمراء التي لوحتها شمس الصحراء، شعرت بصدمة روحية عنيفة، وكأن نداءً خفياً قادماً من أعماق التاريخ، أو ربما من حياة سابقة، يصرخ في داخلها ويدعوها للقدوم. لم ترَ في الصحراء مجرد امتداد جغرافي قاحل أو بيئة قاسية طاردة للحياة، بل رأت فيها انعكاساً لروحها التواقة للانعتاق، ومسرحاً مثالياً لاختبار قدرتها على العيش في أقصى درجات التجرد والبدائية. كانت الصحراء بالنسبة لها تمثل اللاشيء الذي يحتوي على كل شيء، الفراغ الذي يمتلئ بالمعاني، والصمت الذي يعلو فوق كل أصوات الحضارة الزائفة والصاخبة.

لم تتردد سانماو طويلاً، فاتخذت قرارها الحاسم بالانتقال للعيش في تلك الأرض المجهولة. وحين أخبرت المحيطين بها بقرارها، ظن الكثيرون أنها فقدت صوابها؛ فكيف لامرأة متعلمة، شابة، قادمة من مدينة نابضة بالحياة، أن تترك كل وسائل الراحة والأمان لتلقي بنفسها في قلب واحدة من أقسى البيئات على وجه الأرض؟ لكن خوسيه، حبيبها المخلص، كان الوحيد الذي فهم عمق هذا النداء في روحها. وبدون أن يسألها الكثير من الأسئلة، قام بترتيب أموره واستبقها بالذهاب إلى هناك للحصول على وظيفة في شركة مناجم الفوسفات، ليمهد لها الطريق ويكون بانتظارها حين تصل.

وهكذا، حزمت سانماو حقائبها التي لم تكن تحتوي على الكثير من الملابس الفاخرة، بل على أدوات بسيطة وكتب وذكريات وأحلام بحجم السماء، وتوجهت نحو مدينة “العيون”، المستوطنة الصغيرة القابعة في قلب الصحراء. حين وطأت قدماها تلك الأرض لأول مرة، لم تجد رومانسية هوليوودية ولا واحات خضراء، بل وجدت واقعاً قاسياً، مدينة صغيرة تتناثر فيها بيوت متواضعة، رياح عاتية تذرو الرمال في كل زاوية، ومجتمعاً قبلياً منغلقاً تحكمه تقاليد صارمة وظروف معيشية بالغة الصعوبة. كانت الحرارة لا تُطاق نهاراً، والبرودة قاسية ليلاً، وشح المياه يمثل التحدي الأكبر لكل من يقطن تلك البقاع. ومع ذلك، لم تشعر سانماو بالندم أو الخوف، بل شعرت أخيراً أنها وصلت إلى بيتها الحقيقي، المكان الذي انتظرته وانتظرها طويلاً.

في تلك البيئة القاسية، بدأت سانماو تخط أولى فصول ملحمتها الشخصية، مقررة أن لا تكون مجرد سائحة عابرة أو مراقبة من بعيد، بل قررت أن تندمج بكل جوارحها في تفاصيل هذه الحياة الجديدة. كان المنزل الذي استأجرته مع خوسيه عبارة عن بيت صغير ومتهالك، جدرانه تتهاوى، وسقفه لا يحمي من شمس ولا من ريح، يقع في حي فقير تحيط به القمامة ومقبرة قديمة. لكن بعينيها المحبتين للجمال، ويديها الماهرتين في صنع المعجزات من الأشياء البسيطة، قامت سانماو بتحويل هذا الخراب إلى قصر صغير يشع بالدفء. جمعت الصناديق الخشبية القديمة من مكبات النفايات لتحولها إلى أثاث أنيق، واستخدمت الزجاجات الفارغة لتصنع منها مزهريات تضع فيها أغصاناً شوكية من الصحراء، وزينت الجدران بلمسات فنية جمعت بين ثقافتها الآسيوية والروح الإسبانية والبيئة البدوية المحيطة بها. لم يكن هذا البيت مجرد مأوى يقيها من قسوة الطبيعة، بل كان إعلاناً عن قدرة الإنسان على خلق واحة من الجمال والسكينة في أحلك الظروف وأقساها.

من خلال هذه البداية، وهذا التأسيس النفسي والمكاني للرحلة، نرى كيف خلعت سانماو عن كاهلها كل أثقال الحضارة المادية، لتدخل الصحراء متخففة إلا من حبها للحياة وشغفها باكتشاف الآخر. لقد كانت هذه الخطوة الأولى في الصحراء الكبرى بمثابة ولادة جديدة لامرأة قررت أن تكتب تاريخها بنفسها، ليس بحبر على ورق فاخر، بل بعرق ورمال وأمل لا ينضب، لتفتح الباب واسعاً أمام مغامرات ومواقف إنسانية عميقة .

بعد أن أرست سانماو قواعد مملكتها الصغيرة في قلب الخراب الجميل لمدينة العيون، بدأت تتكشف أمامها فصول جديدة من ملحمة البقاء والتكيف في بيئة لا تعترف بأنصاف الحلول. لم تكن الصحراء الكبرى مجرد خلفية جغرافية جامدة للأحداث، بل كانت كائناً حياً يتنفس، يزأر في ليالي العواصف الرملية، ويهمس بالسكينة في الأمسيات المقمرة. في هذا الامتداد اللامتناهي من الرمال والرياح، حيث تبدو الحياة البشرية مجرد خدش بسيط على وجه الأبدية، أدركت سانماو أن الصمود لا يتطلب فقط جسداً قوياً، بل خيالاً محلقاً وروحاً ترفض الاستسلام لرتابة العدم. وهنا، في قلب هذا العزلة الموحشة، برزت تفاصيل حياتها الزوجية مع خوسيه كواحة من الدفء والكوميديا العبثية التي شكلت درعاً نفسياً ضد قسوة المكان، لتنسج لنا حكايات تفيض بالغرابة والحب المبطن بالسخرية.

كان خوسيه يعمل في مناجم الفوسفات، يغادر مع بزوغ الفجر المليء ببرودة الصحراء القارسة، ليعود في المساء منهكاً، تغطي طبقات الغبار والرمال ملامحه الشابة. وفي المقابل، كانت سانماو تنتظره في ذلك البيت المتواضع الذي حولته إلى تحفة فنية نابضة بالحياة، لكنها لم تكن تنتظره بملل الزوجات التقليديات، بل كانت تعد له في كل يوم مفاجأة تحيل حياتهما إلى مسرحية هزلية راقية. لم تكن رومانسية هذه العلاقة تُقاس بمعايير الهدايا الفاخرة أو الكلمات المعسولة، بل كانت تتجلى في الفهم العميق لجنون الآخر وتقبله بصدر رحب. ولعل أبرز تجليات هذا الفهم المتبادل هو ما حدث في فترة خطوبتهما أو ما قبل زفافهما مباشرة، حين أراد خوسيه أن يقدم لها هدية زفاف تعبر عن مدى حبه ومعرفته العميقة بروحها المتمردة. لم يختر خاتماً من الماس أو باقة من الورد النادر، بل عاد إليها ذات يوم يحمل صندوقاً ضخماً، وبداخله جمجمة جمل مكتملة العظام، بأسنانها المخيفة وتجاويف عينيها الفارغتين، بعد أن وجدها في الصحراء وقام بتنظيفها وتلميعها بعناية فائقة. بالنسبة لأي امرأة أخرى، قد تبدو هذه الهدية نذير شؤم أو مزحة سمجة، لكن بالنسبة لسانماو، كانت تلك الجمجمة هي أثمن ما يمكن أن تتلقاه، فقد رأت فيها تجسيداً لروح الصحراء الخشنة، ودليلاً قاطعاً على أن هذا الرجل يفهم تركيبة عقلها المعقدة ولا يحاول ترويضها.

من رحم هذا التناغم الروحي، برزت مهارات سانماو في اختلاق السعادة من العدم، وتحديداً من داخل مطبخها الصغير الذي أطلقت عليه بسخرية محببة اسم “مطعم الصحراء”. كانت الطرود البريدية التي تصلها من عائلتها في تايوان محملة بالمؤن والمكونات الآسيوية الغريبة بالنسبة للبيئة الصحراوية، ولخوسيه الإسباني على حد سواء. وهنا، تجلت براعتها في تحويل إعداد الطعام إلى لعبة كوميدية تخدع بها زوجها بمنتهى الحب والخباثة الأنثوية اللذيذة. في إحدى الأمسيات، قامت بطهي أكلة آسيوية تعتمد على المعكرونة الشفافة الدقيقة المعروفة بالشعيرية، وحين سألها خوسيه باندهاش عن ماهية هذه الخيوط العجيبة التي يراها لأول مرة، أجابته بمنتهى الجدية والوجه الخالي من أي تعبير بأنها “مطر الربيع الأول”. نسجت له أسطورة خيالية عن كيف تقوم القبائل الآسيوية القديمة بتسلق الجبال العالية لجمع خيوط المطر المتجمدة في أوائل الربيع، وحفظها بعناية لتُطبخ في المناسبات الخاصة. ابتلع خوسيه الطعم، وتناول “مطر الربيع” بشهية ورهبة، مصدقاً حكايتها الأسطورية. ولم تتوقف مقالبها عند هذا الحد، بل أطعمته في يوم آخر أوراق الطحالب البحرية المجففة (النوري)، وحين استغرب قوامها ولونها الأسود الداكن، أقنعته بأنها “أوراق كربون” للنسخ، ولكنها من نوع سري وخاص لا يترك أثراً على الأسنان، بل يذوب في الفم ليعطي طاقة خارقة. هذه التفاصيل اليومية البسيطة، التي تسردها سانماو بأسلوب يجمع بين خفة الظل والعمق الإنساني، لم تكن مجرد طرائف عابرة، بل كانت تمثل طريقتها الفذة في محاربة العدم الصحراوي، وفي تحويل قسوة الغربة إلى وطن صغير يتسع لضحكاتهما التي تكسر صمت الكثبان.

وبعيداً عن أسوار هذا العش الزوجي الغريب، كانت علاقة سانماو بمحيطها الاجتماعي تمثل تحدياً من نوع آخر، تحدياً يتطلب قدراً هائلاً من الصبر والدبلوماسية وسعة الصدر. كان جيرانها من البدو والساكنين المحليين يمتلكون مفهوماً مختلفاً تماماً عن الخصوصية والملكية الفردية. بالنسبة لهم، كان ما تملكه جارتهم الغريبة الملامح هو مشاع للجميع. كانت النساء يطرقن بابها في كل وقت، ليس للزيارة والدردشة فقط، بل لاستعارة كل ما تقع عليه أعينهن؛ من البصل والملح والزيت، إلى أدوات التجميل، والملابس، بل وحتى فرشاة الأسنان، والأحذية، والمجلات التي لا يجدن قراءتها. كانت هذه الانتهاكات اليومية المستمرة للخصوصية كفيلة بدفع أي شخص للجنون أو الهرب، لكن سانماو، بفضولها الأنثروبولوجي وروحها المتعاطفة، اختارت أن تغوص في أعماق هذا المجتمع بدلاً من التذمر منه. كانت تراقب عن كثب تفاصيل حياتهم، طقوسهم في الاستحمام الجماعي الذي تصفه في إحدى قصصها كحدث ملحمي يمتزج فيه الطين بالماء الشحيح، وطريقتهم في الاحتفال، ونظرتهم البدائية للأمراض والشفاء.

ومن هذا الاحتكاك اليومي اللصيق، ولدت واحدة من أروع تجليات شخصية سانماو في الصحراء؛ دور “طبيبة القبيلة” أو “الساحرة الطيبة”. في مجتمع محافظ ومغلق، كانت النساء الصحراويات يرفضن بشكل قاطع الذهاب إلى العيادة المحلية أو المستشفى الصغير في البلدة، لأن الأطباء المتواجدين هناك كانوا من الرجال الإسبان، وكان كشف المرأة عن جسدها أمام طبيب غريب يُعد من المحرمات المطلقة. ونتيجة لذلك، كانت الكثير من النساء والأطفال يعانون بصمت من أمراض والتهابات يمكن علاجها بسهولة، وتتفاقم حالاتهم لتصل إلى حد الموت في بعض الأحيان بسبب الجهل وانعدام الرعاية. هنا، لم تستطع سانماو أن تقف مكتوفة الأيدي. بجرأة تقترب من التهور، وبوازع إنساني عميق، قررت أن تفتتح “عيادتها” الخاصة في منزلها. لم تكن تملك أي شهادة طبية، بل كانت مسلحة بصيدلية منزلية جيدة التجهيز أرسلتها لها عائلتها، وكتب طبية مبسطة، والأهم من ذلك: حدس قوي وشجاعة لا تلين.

بدأت الشائعات تنتشر في الحي عن المرأة الأجنبية التي تملك أدوية سحرية، وتوافدت عليها النساء حاملات أمراضهن وآلامهن المخفية. كانت سانماو تعالج الجروح السطحية، وتصرف الأدوية المسكنة، بل وذهبت إلى أبعد من ذلك حين استخدمت معجون فول الصويا الآسيوي لعلاج التهابات جلدية مستعصية، مدعية أنه مرهم سحري قادم من بلاد تركب التنانين. والمدهش في الأمر أن العديد من هؤلاء المرضى تماثلوا للشفاء التام، ربما بفضل الأدوية البسيطة، وربما بفضل التأثير النفسي العميق لثقتهم المطلقة في هذه المرأة التي خصصت وقتها وجهدها للاستماع إليهم ولمس آلامهم بيديها العاريتين. تروي سانماو بقلب يقطر ألماً وقصة فتاة شابة كانت على حافة الموت بسبب سوء التغذية الحاد ونقص الفيتامينات، وكيف انقضت عليها بجرعات مكثفة ومنتظمة من الفيتامينات حتى أعادت الدم إلى عروقها والحياة إلى وجهها الشاحب. ورغم تحذيرات زوجها خوسيه المتكررة من العواقب القانونية الوخيمة إذا ما توفي أحد المرضى بين يديها، إلا أنها لم تتوقف. كانت ترى في عيون أولئك النساء استغاثة صامتة لا يمكن تجاهلها، وكانت تعتبر أن مسؤوليتها الإنسانية تتجاوز أي قوانين وضعية أو تحذيرات عقلانية.

ولم تكتفِ سانماو باقتحام المجال الطبي الشعبي، بل سعت لترسيخ استقلاليتها في هذا المحيط الصحراوي الشاسع من خلال سعيها للحصول على رخصة قيادة سيارة. في عالم ذكوري بامتياز، كانت فكرة امرأة تجلس خلف المقود وتقود سيارتها بمفردها وسط الكثبان الرملية فكرة مستهجنة ومثيرة للاستغراب. لكنها واجهت البيروقراطية المحلية، واجتازت الاختبارات، وحصلت على رخصتها لتصبح سيارتها بمثابة جناحين تحلق بهما في فضاء الصحراء اللامحدود. كانت تقود لمسافات طويلة، تقطع الطرق الوعرة، وتلتقط عابري السبيل من البدو الذين تقطعت بهم السبل في عرض الصحراء، مستمعة إلى حكاياتهم، ومشاركة إياهم زادها وماءها. في تلك اللحظات، وهي تمسك بعجلة القيادة وسط بحر من الرمال الذهبية وتحت سماء زرقاء لا متناهية الاتساع، كانت سانماو تتذوق المعنى الحقيقي للحرية المطلقة؛ حرية أن تكون سيدة مصيرها، وأن تترك أثراً لعجلاتها في أرض لم تكن يوماً ممهدة للغرباء.

لم تكن الصحراء الكبرى، بكل جبروتها واتساعها، مجرد مسرح خلفي لمغامرات سانماو المنزلية الخفيفة أو محاولاتها الطبية العابرة، بل كانت كياناً حياً قاهراً يفرض شروطه القاسية على كل من يجرؤ على السير فوق رماله. ومع مرور الأيام والشهور، بدأت قشرة الرومانسية الغرائبية، التي غلفت نظرتها الأولى وتطلعاتها الحالمة، تتقشر شيئاً فشيئاً، لتكشف عن وجه آخر للصحراء؛ وجه شديد التجهم، تحكمه تقاليد، وقسوة مجتمعية لا ترحم، وطبيعة فيزيائية قادرة على ابتلاع البشر في جوفها دون أن تترك وراءهم أثراً يُذكر. في هذه المرحلة المتقدمة من حياتها هناك، تحولت سانماو من مجرد مراقبة شغوفة، تبحث عن الطرائف والاختلافات الثقافية، إلى شاهدة عيان على مآسٍ إنسانية عميقة، تدون بقلمها ما تعجز العدسات عن التقاطه، وتغوص بشجاعة في أعماق البنية الاجتماعية المعقدة والطبقية الصارمة لسكان تلك الأصقاع المنسية من العالم المتمدن.

كانت أشد الصدمات الثقافية والنفسية التي واجهتها سانماو تتجلى بوضوح في الأعراف الاجتماعية العنيفة المتعلقة بالمرأة والزواج. وفي واحدة من أكثر قصصها إيلاماً ووجعاً وقدرة على استفزاز الضمير، تروي مأساة جارتها الطفلة “غويغا”، التي لم تكد تبلغ عامها العاشر حتى تم بيع طفولتها ومصادرة مستقبلها تحت مسمى الزواج التقليدي. لم يكن الزفاف في تلك الثقافة المغلقة احتفالاً بالحب أو بداية طبيعية لحياة مشتركة بين شريكين، بل كان طقساً عنيفاً ومروعاً يكرس لهيمنة ذكورية مطلقة، ويسحق براءة الطفولة بلا أدنى رحمة. تصف سانماو بتفاصيل تدمي القلب وتثير الحنق، كيف كانت الفتيات الصغيرات يُجبرن على الزواج من رجال يكبرونهن بعقود، وكيف كانت التحضيرات القاسية لهذا الزفاف تشبه التحضير لساحة معركة تُساق إليها ضحية لا تملك من أمرها شيئاً. في ليلة زفاف غويغا، جلست سانماو في منزلها المتواضع تستمع إلى الطبول المحلية التي كانت تدق بعنف كأنها تعلن عن إعدام وشيك، وإلى الأغاني والزغاريد التي كانت تخفي خلف ألحانها الصاخبة صرخات مكتومة للخوف والرهبة. وقفت سانماو عاجزة تماماً، تتآكلها مشاعر الغضب والقهر؛ فلم تكن طبيبة ساحرة قادرة على تضميد جرح الروح العميق، ولا ثائرة مسلحة قادرة على تغيير نظام اجتماعي متجذر ومسنود بسلطة القبيلة منذ قرون. كان سلاحها الوحيد هو قلمها، الذي استخدمته كمشرط حاد لتشريح هذه العادات الوحشية، مدونة إدانة تاريخية واضحة ومباشرة لكل مجتمع يضحي بأطفاله على مذبح التقاليد الصماء.

ولم تتوقف مشاهدات سانماو الثاقبة عند مأساة النساء القاصرات، بل امتدت لتشمل الطبقات الأكثر تهميشاً وسحقاً في ذلك المجتمع الطبقي الذي لا يرحم الضعفاء. ففي قصتها المؤثرة التي حملت عنوان “العبد الأبكم”، تسلط الكاتبة الضوء بجرأة على واقع العبودية الصادم الذي كان لا يزال يمارس في تلك الأرجاء، بعيداً عن أعين القوانين الدولية والعالم الحديث. التقت سانماو برجل أسود أبكم، كان مملوكاً بالكامل لإحدى العائلات الثرية والمتنفذة في المنطقة، يعمل ليل نهار في ظروف بهيمية غير إنسانية، مجرداً من أي حقوق أساسية، بل وحتى من حقه الفطري في الكلام والتعبير عن ألمه بسبب إعاقته. راقبت سانماو هذا الرجل طويلاً، ولاحظت كيف كان يتحمل الإهانات اليومية والعمل المضني بصمت مطبق، وكيف كانت عيناه المجهدتان تحملان حزناً غائراً يعكس قروناً متراكمة من استعباد الإنسان لأخيه الإنسان. بوازع من إنسانيتها المفرطة التي لا تعترف بالفوارق، حاولت سانماو اختراق هذا الجدار السميك من الصمت والعزلة؛ فكانت تقدم له الطعام اللائق خلسة، وتمنحه الأغطية والملابس ليتقي بها برد الصحراء القارس في ليالي الشتاء، وتحاول التواصل معه بلغة الإشارة والابتسامات الصادقة التي يفتقدها في محيطه. لكنها كانت تدرك في قرارة نفسها وبمرارة شديدة، أن هذه الإيماءات اللطيفة، وإن كانت تمنحه لحظات عابرة من الدفء البشري والكرامة المستردة، إلا أنها لا تستطيع كسر قيوده الحقيقية الملتفة حول رقبته. وعندما قررت عائلة العبد الانتقال فجأة، وبيع أسرته وتفريقه القسري عن زوجته وأطفاله كما تُباع الماشية، وقفت سانماو مرة أخرى أمام جدار العجز المطلق لتشهد فصلاً جديداً من فصول العبث الإنساني. بكت بحرقة وانهيار وهي ترى العبد الأبكم يُساق بعيداً مقهوراً، ليدرك القارئ من خلال هذه القصة القاتمة أن الصحراء الكبرى لم تكن مجرد رمال ذهبية وجفاف شاعري، بل كانت سجناً مفتوحاً تضيع فيه حقوق البشر وتُسحق فيه الأرواح تحت وطأة الجهل وقسوة القلوب.

وإلى جانب هذه القسوة البشرية البشعة، كانت الصحراء نفسها كبيئة جغرافية تخبئ لسانماو وخوسيه امتحانات مميتة لا ترحم، لتذكرهما دائماً، وبطرق عنيفة، بمدى هشاشة وجودهما في هذا الفضاء الشاسع الذي لا يقبل الضعفاء. في إحدى مغامراتهما الاستكشافية الجريئة التي كانا يقومان بها باستمرار للبحث عن الحفريات القديمة وجماجم الحيوانات المنقرضة، انطلقا بسيارتهما العتيقة نحو منطقة نائية ومهجورة تُعرف بصعوبة تضاريسها الشديدة وخطورة مسالكها الوعرة. ومع حلول الغسق وتسلل الظلام، انزلقت سيارتهما فجأة في فخ طبيعي مرعب؛ مستنقع طيني لزج وخبيث يختبئ ببراعة تحت طبقة رقيقة ومخادعة من الرمال الجافة. وفي محاولته اليائسة والمندفعة لإخراج السيارة من هذا الفخ، غاص خوسيه بقدميه في الطين اللزج المتجمد، ومع كل حركة مقاومة كان يقوم بها، كان يغوص أعمق فأعمق حتى ابتلع الطين الجليدي نصف جسده السفلي تماماً. هبط الليل بسرعة مخيفة، وانخفضت درجة الحرارة بشكل حاد إلى ما دون الصفر مئوية، وتحولت الصحراء الرومانسية الهادئة في لمح البصر إلى وحش كاسر يتربص لابتلاعهما.

في تلك اللحظات الكابوسية الفاصلة بين الحياة والموت، تجلت شجاعة سانماو الخرافية وغريزة البقاء الفولاذية لديها بأبهى صورها الممكنة. أدركت بوضوح أن البقاء بجانب خوسيه والتباكي المستسلم لن يفعل شيئاً سوى التعجيل بنهايتهما المحتومة. اتخذت قراراً مجنوناً؛ تركته يصارع الطين والبرد القارس وحده، وانطلقت تركض كالمجنونة في الظلام الدامس وسط الرمال الموحشة بحثاً عن أي مساعدة عابرة. وبعد مسيرة مرعبة ومضنية، لمحت أخيراً أضواء خافتة لسيارة تقترب من بعيد. صرخت بكل ما أوتيت من قوة ولوحت بيديها في الظلام، وتوقفت السيارة لينزل منها رجال محليون. لكن الكابوس المرعب لم ينتهِ هنا، بل أخذ منحنى أكثر ظلامية، فقد اكتشفت سانماو سريعاً أن هؤلاء الرجال لم يأتوا بدافع النجدة وتقديم المساعدة، بل رأوا فيها فريسة سهلة وامرأة أجنبية وحيدة وضعيفة في قلب الظلام المطلق بعيداً عن أي قانون. حاولوا الاعتداء عليها وسرقتها بوحشية بدلاً من الاستماع لاستغاثاتها وإنقاذ زوجها الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة في الطين المتجمد.

في هذه اللحظة الفارقة، تحولت الكاتبة الرقيقة والزوجة الحالمة إلى لبوة شرسة تدافع عن شرفها وحياتها وحياة حبيبها المهددة. قاومتهم بشراسة لا نظير لها، وضربت، وصرخت كالوحوش الجريحة، وتمكنت بأعجوبة مذهلة من الإفلات من قبضتهم والهرب في الاتجاه المعاكس نحو المكان الذي تركت فيه خوسيه. ولما أدركت بشكل قاطع أنه لا أمل يُرجى في الحصول على مساعدة خارجية لإنقاذه، خلعت ملابسها الخارجية الثقيلة، ومزقتها بأظافرها وأسنانها بقوة يأس محضة لتصنع منها حبلاً طويلاً، وربطته بقطع من إطارات السيارة الاحتياطية لتزيد من متانته، وألقت بهذا الحبل الارتجالي لخوسيه الذي كانت قواه قد خارت تماماً، وتجمدت أطرافه واقترب من فقدان الوعي. بشق الأنفس، وبعد صراع طويل ومرير استنزف كل قطرة من طاقتها الجسدية والنفسية، تمكنت من سحبه شبراً شبراً، سنتيمتراً بسنتيمتر، من فم المستنقع الجائع، ليرتميا معاً في النهاية على الرمال الجافة المحيطة، يلهثان في صمت مطبق، بينما كانت نجوم الصحراء اللامعة تراقبهما من السماء ببرود شديد وحياد تام.

هذه الحادثة المروعة، التي وضعت حدودهما البشرية قيد الاختبار الأقصى، لم تكن مجرد مغامرة عابرة تروى للتسلية، بل كانت تعميداً حقيقياً بالدم والخوف لسانماو في كنيسة الصحراء القاسية. لقد أدركت في تلك الليلة الطويلة أن الرومانسية السطحية وحدها لا تكفي للعيش والتنفس هنا، وأن البقاء والاستمرار يتطلب شراسة تفوق شراسة المكان نفسه، وصلابة توازي صلابة صخورها. عادت من تلك الرحلة المميتة امرأة مختلفة كلياً، أكثر صلابة، وأكثر وعياً بالموت الذي يحوم دائماً فوق الرؤوس وينتظر الزلة الأولى. ومع ذلك، وبطريقة تتحدى المنطق البشري المعتاد، لم تفقد حبها وشغفها بتلك الأرض الغادرة، بل زادها الخطر تعلقاً واندماجاً بها، وكأنها أدمنت هذا الرقص المستمر على حافة الهاوية، منتظرة بثبات ورواقية ما ستخبئه لها الأيام والرياح القادمة من أحداث كبرى ستغير مجرى حياتها إلى الأبد، وهو ما سيمهد الطريق للمرحلة القادمة والأكثر اضطراباً في مسيرتها الصحراوية المليئة بالتناقضات المدهشة.

لم تكن الشراسة التي استُدعت في تلك الليالي العصيبة سوى درعٍ واقٍ فرضته الطبيعة على روح سانماو، لكن تحت هذا الدرع الصلب، كانت تعيش امرأة تلتهمها الرغبة في النفاذ إلى ما وراء المادة، ولتأمل السر الأبدي الذي تحمله الصحراء بين ثنايا رمالها المترامية. فبعد أن تجاوزت صدمات التكيف الأولى، وعرفت أسرار المجتمع المحلي وخباياه المظلمة والمضيئة، بدأت مرحلة جديدة من وجودها هناك، مرحلة اتسمت بالصمت التأملي والغوص العميق في ماورائيات هذا القفر الشاسع. لم تعد الصحراء بالنسبة لسانماو مجرد جغرافيا أو مكان للإقامة مع زوجها، بل تحولت إلى مرآة صقيلة تعكس كل مكامن المغامرة والتمرد في روحها، وإلى محراب تجريدي تخوض فيه تجارب روحية وشبه سريالية لا يمكن أن تحدث في أي مكان آخر على وجه الأرض.

في تلك الليالي الممتدة التي ينخفض فيها الشفق تدريجياً ليفسح المجال لظلمة صحراوية مطلقة وثقيلة، كانت سانماو تخرج غالباً بمفردها، تاركة البيت والبلدة وراء ظهرها، لتمشي مسافات طويلة في اتجاه المقبرة القديمة القريبة من حيهم الفقير. بالنسبة لشخص عادي، قد يبدو السير حافياً أو وحيداً بين قبور البدو الصحراويين في جوف الليل خطوة مجنونة أو نذير شؤم يبعث على الرعب، لكن بالنسبة لسانماو، كان هذا المكان هو النقطة الوحيدة التي تلتقي فيها كل تناقضات الحياة والموت في سلام تام. كانت تجلس فوق الرمال الباردة المحيطة بالشواهد الحجرية البسيطة، تتأمل سماءً مرصعة بمليارات النجوم التي تبدو قريبة جداً حتى يخيل للمرء أنه قادر على قطافها بيده. في تلك الساعات من العزلة الشديدة، كانت تختبر ما أسمته بـ “الخراب الشاعري”، وهو شعور يتجاوز الحزن التقليدي ليلامس الطمأنينة المطلقة؛ شعور بأن الإنسان رغم صغره وضآلته الفائقة أمام هذا الكون الفسيح، إلا أنه يمتلك قدرة غير محدودة على الشعور بالجمال والانتماء إلى الأبدية.

ولم تقتصر تجاربها الصحراوية على التأمل الهادئ، بل امتدت لتشمل الظواهر الغامضة التي تحيط بهذا المكان المجهول. تحدثت سانماو في بعض مقالاتها عن تلك اللحظات السريالية التي يلتقي فيها العقل بالخيال على حافة السراب؛ حيث تتراءى للمسافر في عرض الصحراء مشاهد لمدن غارقة في الضباب، أو بحيرات وهمية تتلألأ تحت الشمس الحارقة، بل وحتى أضواء غريبة تحلق في السماء الصحراوية الصافية في أنصاف الليالي، حوارات صامتة مع الغيب تجعل المرء يشك في حقيقة حواسه. كانت ترى أن الصحراء تمتلك سحراً قادراً على تحريف الواقع وتشكيله من جديد، وأن من يعيش فيها لفترة طويلة يجب أن يتقبل فكرة أن العالم ليس مجرد أرقام وحقائق صلبة، بل هو أيضاً ظلال وأسرار وأحلام تتجسم أمام الأعين. وفي قلب هذا الغموض المربك، كانت سانماو تزداد يقكاً بأنها تنتمي إلى فئة خاصة من البشر، فئة “النعاج السوداء” التي لا تجد لها مكاناً ثابتاً في أي مجتمع تقليدي، سواء كان ذلك مجتمعها الأم في تايوان، أو المجتمع الأوروبي في إسبانيا، أو حتى المجتمع البدوي المحافظ. لقد كانت تعيش على الهامش دائماً، لكنه هامش يتسع للعالم بأكمله.

في تلك الفترة تحديداً، وبالموازاة مع هذه التأملات الروحية، بدأت تحولاً دراماتيكياً في مسيرتها ككاتبة. كانت تجلس في زاوية بيتها المتواضع، تحت ضوء مصباح الكيروسين الضعيف الذي يتراقص ظله على الجدران الطينية، وتضع دفترها على طاولتها الخشبية المبتكرة من الصناديق المعاد تدويرها، لتبدأ في تسجيل هذه التجارب بحبر يمتزج برائحة الزيت والرمال. لم تكن تكتب بروح المؤرخ الذي يدون الأحداث التاريخية، ولا بروح السائح الذي يبحث عن اللقطات الطريفة، بل كانت تكتب بقلب شاعر وعين صحفية استقصائية تسبر أغوار النفس البشرية. كانت ترسل هذه النصوص القابلة للقراءة كرسائل مقالية عبر البريد الصحراوي البطرق نحو مجلة “المجلة أوف إيدوكيشن” وبعض الصحف الكبرى في تايوان. ولم تكن تتوقع على الإطلاق رد الفعل الذي أحدثته كلماتها هناك؛ ففي جزيرة تايوان التي كانت تخضع لنظام صارم وتعيش تحت إيقاع مدرسي ووظيفي خانق، نزلت مقالات سانماو الصحراوية كالقنبلة الأدبية. تفاجأ القرّاء بشخصية كتابية لا تشبه أي شيء عرفوه من قبل؛ امرأة تتحدث بجرأة نادرة، تعيش في بيت مبني من الرمال والأثاث الملقى في القمامة، تتزوج إسبانياً في أقاصي أفريقيا، وتعالج المرضى بمعجون الصويا، وتتأمل المقابر ليلاً. أصبح اسمها على كل لسان، وتحولت “قصص الصحراء” إلى ظاهرة ثقافية عابرة للأجيال، حيث وجد الشباب التايوانيون في أدبها نافذة سحرية لتنفس الحرية، ورمزاً لإمكانية العيش بشغف وتمرد خارج حدود المألوف.

ولكن، بينما كانت شهرتها الأدبية تتصاعد وتصل إلى الآفاق في شرق آسيا، كانت الظلال السياسية المظلمة تبدأ في التجمع والتكاثف ببطء فوق أرض الصحراء الإسبانية، لتعلن عن قرب نهاية هذا الفردوس العزلي الغريب الذي بنته سانماو مع خوسيه. ففي منتصف السبعينيات، وتحديداً في عام ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين، بدأت الرقعة السياسية في المنطقة تعاني من اضطرابات وثورات متسارعة، مع اقتراب نهاية الاستعمار الإسباني للصحراء. بدأت الشوارع الهدئة لمدينة العيون تتغير ملامحها؛ واختفت تلك الروح الصحراوية البسيطة لتفسح المجال لأجواء متوترة شحنت بالخوف والترقب والشك المتبادل. أصبحت الدوريات العسكرية الإسبانية تطوف الشوارع باستمرار، وأُعلنت أحكام حظر التجوال في الليالي، وبدأت التنظيمات الوطنية والحركات المسلحة، مثل جبهة البوليساريو، تنشط في الخفاء والعلن للمطالبة بالاستقلال وجلاء القوات الأجنبية.

كان هذا التحول السياسي الدراماتيكي بمثابة الصدمة القاسية لسانماو، التي كانت ترى في الصحراء ملاذاً إنسانياً خالياً من صراعات الحدود والأيديولوجيات الضيقة. وفجأة، وجدت أن نسيج العلاقات الإنسانية الرائعة الذي اجتهدت في نسجه مع جيرانها وأصدقائها من السكان المحليين بدأ يتقطع ويتآكل تحت وطأة الشحن السياسي والعنصري. الجيران الذين كانوا يطرقون بابها يومياً لاستعارة السكر والزيت، والنساء اللاتي كن يلجأن إليها للطبابة والعلاج، أصبحوا ينظرون إليها وإلى زوجها خوسيه بعيون مختلفة؛ عيون ملؤها الشك والحذر، باعتبارهما يمثلان المحتل الأجنبي المستعمر، بصرف النظر عن مشاعرهما الذاتية أو خدماتهما الإنسانية السابقة. أصبحت الابتسامات الدافئة تُستبدل بنظرات باردة ومتحفظة، وبدأت الهمسات والتهديدات المبطنة تتسلل إلى حيهم الذي كان آمناً، وتلاشى ذلك الأمان الفطري الذي كان يسمح لسانماو بالتجول بمفردها بين الكثبان.

تجلت هذه التراجيديا في مصير بعض أصدقائها المقربين من السكان المحليين، الذين وجدوا أنفسهم ممزقين بين ولائهم لصداقتهم مع سانماو وخوسيه، وبين الضغوط القاسية الممارسة عليهم من قبل مجتمعهم الثائر. تروي الكاتبة بكثير من الشجن والحرقة كيف تحول بعض الأشخاص الذين عرفتهم بأرواحهم النقية إلى ضحايا للاقتتال السياسي والوشايات القاتلة. رأت بعينيها كيف تقتاد الصراعات الكبرى البسطاء والمهمشين إلى مسارات من العنف والدمار، وكيف يضيع صوت العقل والإنسانية عندما ترتفع صيحات الحرب والتعصب القومي. لم تعد الصحراء ذلك المكان الشاعري الذي تلتقي فيه الأرواح الحرة، بل تحولت إلى مسرح لسباق محموم على السلطة والأرض، حيث أصبحت القنابل البدائية والاشتباكات المسلحة تعكر صفو السكون الأبدي للرمال.

أمام هذا الواقع القاسي والمتفجر، وجد خوسيه وسانماو أنفسهما أمام حقيقة مريرة لا مفر منها: إن الفصل الصحراوي من حياتهما قد أوشك على الانتهاء، وأن البقاء في مدينة العيون لم يعد مجرد مغامرة خطرة، بل أصبح انتحاراً مؤكداً. تلقت إدارة مناجم الفوسفات التي يعمل بها خوسيه تعليمات صارمة بإجلاء الرعايا الإسبان والأجانب لحمايتهم من أخطار المواجهات المسلحة الوشيكة، وبدأت الإسبان يغادرون المدينة في أفواج متتالية، لتتحول العيون إلى مدينة أشباح ينتظر الجميع انفجارها في أي لحظة.

كان قرار الرحيل بالنسبة لسانماو بمثابة اقتلاع قسري لقلبها من حشاياه. لقد أحبت هذه الأرض القاحلة بحب يوازي حبها للحياة نفسها، وبنت في هذا البيت المتواضع جصاً ورصيفاً وذكريات تمثل أجمل سنين عمرها وأكثرها صدقاً. وفي أيام الرحيل الأخيرة، بدأت في تفكيك هذا العش الصغير الذي صنعته بيديها؛ أزالت الزخارف واللوحات التي علقتها، وضبت كتبها ودغادغ ذكرياتها، ووقفت طويلاً تتأمل تلك الجمجمة العظيمة للجمل التي أهداها إياها خوسيه في أول أيام زواجهما، والتي كانت تزين جدار بيتهما كرمز لحبهما غير التقليدي. كانت كل قطعة تمسك بها وتحزمها في الصناديق تحمل معها حكاية، وضحكة، ودمعة، وموقفاً إنسانياً عاشته بين هذه الجدران الطينية.

حين وقفت سانماو في اليوم الأخير أمام باب بيتهم المغلق، وألقت نظرة وداع أخيرة على الشارع الأغبر الذي احتضن جنونها وشغفها وطبابتها للمرضى، لم تكن تبكي خوفاً من المستقبل، بل كانت تبكي حزناً على هذا الفردوس المفقود الذي اضطرت لتركه تحت وطأة الحروب والسياسة. لقد علمتها الصحراء أن كل شيء في هذا العالم مؤقت، وأن أجمل الواحات قد تذروها الرياح في لحظة خاطفة، لكنها علمتها أيضاً أن الروح التي عاشت الحرية المطلقة مرة واحدة في عمرها، لا يمكن لأي قفص في العالم أن يستعبدها بعد ذلك. وبنهاية هذه المرحلة المتوترة والمليئة بالشجن والترقب، كانت سانماو تستعد لخوض رحلة العودة إلى أوروبا، وهي تحمل في حقائبها نصوصاً ستحفر اسمها بمداد من نور في تاريخ الأدب العالمي، وفي قلبها جراح وأحزان ستظل تلاحقها حتى الفصل الأخير من حياتها.

تخلت سانماو وخوسيه عن بيتهما المليء بالذكريات والأشجان في مدينة العيون، متوجهين نحو أرخبيل جزر الكناري الإسبانية القابعة في أحضان المحيط الأطلسي، وتحديداً إلى جزيرة “غران كناريا” ثم مستقرين لاحقاً في جزيرة “لا بالما”. هناك، حيث يمتزج المدى الأزرق الهادر بالخضرة الداكنة للجبال والبراكين الممتدة، بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه نقيض تام لقسوة الصحراء الكبرى وجفافها الحارق الذي ألفاه لسنوات. لكن سانماو، التي تركت جزءاً أصيلاً ومقتطعاً من روحها مدفوناً بين الكثبان الرملية الذهبية، لم تستطع أن تفصل نفسها بسهولة عن سحر ذلك القفر الموحش. كانت تنظر من نافذة بيتها الجديد إلى المحيط الممتد، فتسمع في صرير أمواجه العاتية صدى رياح الصحراء الهوجاء، وتمرر يدها على أوراق الأشجار النضرة فتفتقد خشونة الحجارة والأعشاب الشوكية التي ألفتها ودونتها في مذكراتها القديمة. في هذه المحطة الجديدة من حياتهما، حاولا إعادة بناء شتات وجودهما الهادئ، وتأسيس عش زوجي جديد يلملم جراح الرحيل القسري والنزاع السياسي الذي حرمهما من موطنهما الإفريقي البديل. أقام الزوجان في بيت ريفي أبيض بسيط يطل على البحر، تزينه الأزهار الملونة والشرفات الخشبية، واستعاد خوسيه عمله المحبب كغواص محترف لدى الشركات البحرية التجارية، بينما واصلت سانماو كتابة نصوصها الساحرة، تنشرها تباعاً للجمهور العريض الذي كان يلتهم كلماتها بنهم شغوف في تايوان والصين ومختلف مجتمعات الشتات الآسيوي. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الظاهر المستقر وتلك اللحظات التي بدت ممتلئة بالسكينة والسلام، كانت هناك ظلال ثقيلة من الحدس الشوم والتوجس الخفي تطوف حول قلبهما، كأنما كانت تلك الأيام الهادئة على ضفاف الأطلسي مجرد استراحة قصيرة وهشة تسبق عاصفة عاتية ستقتلع كل شيء من جذوره دون إنذار.

في خريف عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين، وتحديداً في اليوم الثلاثين من شهر سبتمبر المشؤوم، وقعت الفاجعة الكبرى التي زلزلت عالم سانماو، وهدمت أركان حياتها النفسية والوجودية إلى الأبد. كان خوسيه يقود مهمة غوص روتينية في مياه جزيرة “لا بالما” الباردة، حيث يعتمد عمله اليومي على النزول إلى الأعماق السحيقة لتفقد المنشآت والأنابيب البحرية. وفي ذلك اليوم الحزين، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ انقطع حبل الحياة الإنساني في جوف الماء المظلم، وتعرض خوسيه لحادث غوص مأساوي قاد إلى غرقه وحيداً في الأعماق السحيقة دون أن يكون أحد بجانبه لينقذه أو يسمع صرخاته الأخيرة. حين تلقت سانماو النبأ القاتل، انهارت بنيتها النفسية كلياً وسارعت إلى موقع الحادث كالمجنونة، لتقف أمام جثة حبيبها وزوجها وتوأم روحها الذي انتُشل من البحر جثة هامدة بلا حراك. تصف المراجع التاريخية والمذكرات المقربة تلك اللحظات الفاجعة بكونها انكساراً كلياً ونهائياً لنفسية الكاتبة؛ حيث رفضت تماماً تصديق الواقع، وجلست بجانب جثمانه البارد في المشفى تحاكيه وتناد باسمه، وتلمس وجهه الشاحب، وتدفن رأسها في صدره المحروم من ألم الحياة، محاولة بأظافرها ودموعها الساخنة أن تنفخ فيه الحياة من جديد أو تسحبه من براثن الموت. بوفاة خوسيه، لم تفقد سانماو شريك حياتها وزوجها فحسب، بل فقدت مرساتها الوحيدة والأخيرة في هذا العالم المائج، والرجل الوحيد الذي استطاع بفهمه العميق أن يتقبل جنونها، ويمشي معها في قفار الصحراء، ويتفهم عزلتها ورغبتها الأبدية في التمرد. كانت المأساة أشد قسوة من أن يتحملها عقلا الشاعرة والكاتبة؛ فدفنته بيديها المرتجفتين في مقبرة “سانتا كروز” في جزيرة لا بالما، ودفنت معه كل شغفها بالحياة ورغبتها في البقاء، لتبدأ من تلك اللحظة رحلة الشبحية والتلاشي النفسي البطيء.

عادت سانماو إلى تايوان بعد ذلك بقلب مكلوم وروح محطمة، تجر وراءها أثقال الفاجعة وذكرى خوسيه المؤلمة التي لم تفارق خيالها ليلة واحدة. ورغم أن استقبالها في وطنها الأم كان استقبال الأبطال والأيقونات الأدبية الاستثنائية، حيث كانت كتبها ومقالاتها عن الصحراء وجزر الكناري تتصدر المبيعات وتُدرس في المناهج والجامعات، وتتهافت عليها وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية لإلقاء المحاضرات والمشاركة في الندوات، إلا أن كل هذه الأضواء والتصفيق الحار لم تكن بالنسبة لها سوى ضجيج فارغ يزيد من عمق عزلتها الداخلية وحزنها المقيم. كانت تجلس على منصات المحاضرات أمام آلاف المعجبين والطلاب الذين ينظرون إليها بإجلال كرمز للحرية والمغامرة والأنوثة المستقلة، بينما كانت في داخلها تتآكل ألماً وتتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها لترتاح من هذا العذاب الأبدي. عملت لفترة أستاذة للتدريس الجامعي في جامعة الثقافة الصينية بتايبيه، وبدأت تتنقل بين تايوان وإسبانيا والولايات المتحدة، ودارت في جولات ثقافية واستكشافية جديدة إلى أجزاء مختلفة من أمريكا اللاتينية لتكتب أدب رحلات جديداً، لكن كتاباتها في تلك المرحلة المتأخرة اتسمت بروح غائمة، ومسحة حزن شفيفة لا تخطئها العين، ورغبة ملحة ومستمرة في الانضمام إلى خوسيه تحت التراب. أصبحت تشعر في كل زاوية بتفاهة العالم المادي وزيف الشهرة، وتخاطب روح خوسيه في مذكراتها ورسائلها الشخصية كأنه لا يزال حياً يجلس معها في الغرفة نفسها، تحكي له عن شوقها القاتل، وعجزها المأساوي عن الاستمرار في التنفس بدون شعلة حبه التي كانت تنير ظلمات نفسها العليلة.

في سنواتها الأخيرة، خاضت سانماو تجربة فنية جديدة وأخيرة زادت من إحباطها الشديد ورغبتها في الرحيل، تمثلت في كتابة السيناريو السينمائي للفيلم الشهير “الغبار الأحمر” (Red Dust) الذي عُرض عام ألف وتسعمائة وتسعين، ودارت أحداثه حول قصة حب مأساوية في فترة الحرب والاضطرابات السياسية في الصين. وضعت سانماو في هذا العمل كل مشاعر الفقد والعزلة التي عاشتها، ولكن حين رُشح الفيلم للعديد من الجوائز السينمائية المرموقة، خسر السيناريو جائزة أفضل كتابة، وهو ما اعتبرته سانماو ضربة معنوية جديدة لروحها المنهكة التي لم تعد تحتمل أي خيبات أضافية. وبالموازاة مع هذا الإحباط الفني، بدأت جراح الروح تنعكس بجلاء مروع على جسدها المتهالك؛ فساءت صحتها البدنية بشكل ملحوظ، وأصبحت تعاني من آلام المزمنة في الجسد، واضطرابات حادة في النوم، وحالات اكتئاب سوداوية كانت تزداد ضراوة وقسوة مع كل ذكرى سنوية لرحيل خوسيه أو زيارة لمقبرته البعيدة في الكناري.

وفي أواخر عام ألف وتسعمائة وتسعين، أدخلت سانماو إلى مستشفى “تايبيه فيترانس العامة” لإجراء فحوصات طبية وعملية جراحية بسيطة لعلاج أورام حميدة، بالإضافة إلى محاولة متابعة حالتها النفسية المتدهورة تحت إشراف طبي. وفي الفجر المبكر ليوم الرابع من يناير عام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين، حانت اللحظة الحازمة التي اختارت فيها سانماو أن تضع بنفسها السطر الأخير والنهائي في كتاب حياتها الحافل بالآلام والمغامرات الشاهقة. استغلت غياب الممرضات والأطباء في سكون الليل، وقامت بشنق نفسها باستخدام جوارب حريرية في حمام غرفتها بالمستشفى، وهي لم تتجاوز بعد الثامنة والأربعين من عمرها. لم تترك سانماو خلفها أي رسالة انتحار رسمية، وكأنها أرادت أن تظل نهايتها مغلفة بذات السحر والغموض والشعرية التي اكتنفت حياتها برمتها. أحدث نبأ رحيلها صدمة كهربائية عنيفة زلزلت العالم الأدبي والثقافي في تايوان والصين والشتات؛ حيث خرج الملايين لوداع الكاتبة التي علمتهم كيف يحلمون، وكيف يعشقون الصدق، وكيف يكسرون القيود الاجتماعية، وتصدر خبر انتحارها الصفحات الأولى في كبرى الصحف والمجلات العالمية، مخلفاً وراءه تساؤلات على واحدة من أكثر الأرواح الأدبية ندرة في القرن العشرين.

من كتاب Stories of the Sahara، Sanmao

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى