عندما اصبح الإله أبيض

في عالم النقاش اللاهوتي والاجتماعي المسيحي المعاصر، نجد عملاً يجرؤ على اختراق الحجب الكثيفة للسرديات التاريخية والدينية الراسخة تقدمتها الكاتبة جريس جي-سون كيم في كتابها “عندما أصبح الله أبيض: تفكيك البياض من أجل مسيحية أكثر عدالة When God Became White, Dismantling Whiteness For A More Just Christianity”. يمثل هذا الكتاب صرخة في وجه اللاهوت التي تم التلاعب به تاريخياً لخدمة فئات معينة، وهو بمثابة رحلة استكشافية جريئة تسعى إلى فك الارتباط المعقد بين العرق، والدين، والسلطة.
يبدأ الكتاب بتصدير بقلم ديفيد بي. جوشي، الذي يضع القارئ مباشرة أمام الأهداف الاستراتيجية الثلاثة التي يحققها هذا العمل الاستثنائي. أولاً، يقدم الكتاب نقداً مستداماً وعميقاً ليس فقط لمفهوم “البياض”، بل للذكورية البيضاء باعتبارها أيديولوجية ولاهوتاً متكاملاً. يشير جوشي إلى أن كيم تجادل بأن المسيحية، التي بدأت كحركة شرق أوسطية، خضعت لهيمنة رجال السلطة الأوروبيين بعد تحول قسطنطين ورومنة الدين ثم أوربته. هؤلاء الرجال، في الحقبة الاستعمارية، حملوا نسختهم الخاصة من المسيحية إلى جميع أنحاء العالم، وبدأوا تدريجياً في تعريف أنفسهم كعرق أبيض متفوق على الأعراق “الدنيا” التي واجهوها وقهروها واستعبدوها. بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك حين صاغوا صورة لإلههم ليكون شبيهاً بهم؛ كأعظم الفاتحين الذكور البيض.
ثانياً، يبرز جوشي كيف تنسج المؤلفة أجزاءً من قصتها الشخصية المؤلمة كمهاجرة كورية انتقلت مع عائلتها أولاً إلى كندا ثم إلى الولايات المتحدة، وكيف أُلقيت هذه العائلة في أتون الفقر والصدمة الثقافية. ثالثاً، يقدم الكتاب مساراً جديداً للتفكير في طبيعة الله، وهو مسار يساهم في تفكيك هذا اللاهوت الموروث والمدمر، مقترحاً بدائل لاهوتية تستند إلى نصوص توراتية تتجاوز التقسيمات الجندرية والعرقية، مثل التركيز على مفاهيم الروح، والنور، والرياح، والحكمة.
في مقدمة الكتاب، تأخذنا كيم في رحلة عاطفية إلى طفولتها المبكرة في السبعينيات في مدينة لندن بمقاطعة أونتاريو الكندية. هناك، كطفلة مهاجرة، أدركت سريعاً أن كندا تُعتبر دولة مسيحية، وأن الانتماء إلى هذا الوطن الجديد يتطلب منها ومن عائلتها اعتناق المسيحية لتندمج في المجتمع. تروي كيف بدأت العائلة بحضور الكنيسة كطريقة لبناء مجتمع وتكوين أسرة ممتدة مع مهاجرين كوريين آخرين، وكيف تطور الأمر ليصبح ارتياد الكنائس المتعددة (الكورية والبيضاء على حد سواء) وسيلة غير مباشرة لتعلم اللغة الإنجليزية وفهم الثقافة البيضاء المحيطة بهم.
ولكن اللحظة الأكثر تأثيراً في هذه المقدمة تتجلى في قصة اللوحة الشهيرة “رأس المسيح” للفنان وارنر سلمان، والتي كانت معلقة في غرفة المعيشة بمنزل العائلة. توضح كيم كيف أن هذه اللوحة المطبوعة الرخيصة، التي تصور يسوع كرجل أبيض، كانت تحظى بتبجيل كبير من والدتها التي كانت تعاملها كأيقونة مقدسة. كانت هذه اللوحة تُعلق دائماً فوق الأريكة لتنزل “البركة” على الجالسين، وتُحزم بعناية فائقة في كل مرة تنتقل فيها العائلة من سكن إلى آخر. تعترف الكاتبة بأن هذه الصورة حفرت في وعيها الباطن فكرة أن يسوع، وبالتالي الله نفسه، هو رجل أبيض. لم يكن من الممكن بالنسبة لها كفتاة آسيوية صغيرة أن تشكك في هذه الصورة التي كانت منتشرة في كل مكان؛ في الكتب، والزجاج الملون، وحتى في كنائس كوريا والهند التي زارتها لاحقاً. هذا الغرس المبكر لصورة الإله الذكر الأبيض ترك ندوباً عميقة، وتطلب من الكاتبة رحلة طويلة ومؤلمة للتخلص من هذه الصور اللاهوتية المشوهة التي تدعم التفوق الأبيض وتقمع الأقليات.
في الفصل الأول، الذي يحمل عنوان “مواجهة البياض”، تفتح كيم جراح الهجرة والتمييز العنصري المباشر. هاجرت عائلتها من كوريا في يناير من عام 1975 هرباً من عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي الذي خلفته الحرب الكورية، واستقروا في شقة قذرة وموبوءة بالحشرات . تصف الكاتبة قسوة الشتاء الكندي، حيث كانت الثلوج تصل إلى خصرها الضعيف، مما جعل طريقها إلى المدرسة معاناة يومية. لكن البرد القارس لم يكن أسوأ ما واجهته؛ بل كانت صدمة الثقافة والعنصرية الفجة في روضة الأطفال. تعرضت كيم للسخرية المستمرة من زملائها البيض بسبب ملامحها الآسيوية، حيث كانوا يشدون عيونهم للسخرية من شكل عينيها ويطلقون مصطلحات مهينة مثل “تشينغ تشونغ”، كل ذلك تحت أنظار المعلمين الذين اختاروا تجاهل هذا السلوك العنصري. ولّدت هذه التجارب القاسية داخلها رغبة يائسة ومستحيلة في التخلص من “آسيويتها” ولون بشرتها الأصفر.
من هذا الألم الشخصي، لتحليل جذور “العرق” والتأكيد على قوة الكلمات في تشكيل وعي المجتمعات. تؤكد كيم أن العرق ليس حقيقة بيولوجية، بل هو مفهوم اجتماعي تم اختراعه وتغذيته بواسطة الأوروبيين في القرن السادس عشر لتبرير ديناميكيات السلطة القائمة ولترسيخ الاعتقاد بتفوق مجموعات معينة ودونية أخرى. تكشف الكاتبة كيف تطورت هوية “البيض” تاريخياً؛ فقبل القرن السابع عشر، لم يكن الأوروبيون ينظرون إلى أنفسهم كعرق أبيض موحد، بل كأفراد ينتمون لمناطق مختلفة في أوروبا. ظهرت فكرة العرق الأبيض وتبلورت في المستعمرات الأمريكية وجزر الهند الغربية كأداة اقتصادية بحتة.
تشرح كيم كيف اعتمد أصحاب المزارع في البداية على الخدم الأوروبيين المتعاقدين، ولكن مع تدهور ظروف العمل وتراجع أعداد هؤلاء الخدم، تحول المستعمرون إلى استعباد الأفارقة. في البداية، استُخدمت الهوية الدينية المسيحية لتبرير استعباد الأفارقة باعتبارهم “كفاراً”. ولكن عندما بدأ المبشرون المسيحيون في تعميد الأفارقة المستعبدين في سبعينيات القرن السابع عشر، واجه أصحاب المزارع معضلة قانونية واقتصادية تهدد ثرواتهم. للتغلب على هذا التهديد، تم تشريع قوانين تنفي أن يكون التعميد سبباً للحرية، والأهم من ذلك، تم خلق فئة وهوية جديدة: “الناس البيض”. قوانين مثل قانون الخدم لعام 1681 في جامايكا بدأت في وصف الطبقة المميزة بأنهم “بيض” بدلاً من “مسيحيين”، مما خلق تمييزاً قانونياً واجتماعياً قوياً يبرر استعباد الأفارقة مدى الحياة ويمنح الأوروبيين تفوقاً مطلقاً.
وتستمر الكاتبة في كشف هشاشة وسيولة مفهوم “البياض”. توضح كيف أن المجتمع الأمريكي قبل منتصف القرن التاسع عشر كان يميز بين درجات متفاوتة من البياض؛ فالساكسونيون كانوا يُعتبرون بيضاً “متفوقين”، بينما كان الأيرلنديون (الكلت) يُعتبرون بيضاً “أدنى”، بل وأشير إليهم أحياناً بعبارات عنصرية قاسية مثل “زنوج مقلوبين من الداخل إلى الخارج”. ومع تدفق المهاجرين من جنوب وشرق أوروبا، استمرت هذه التصنيفات الهرمية داخل البياض نفسه، ولم يتم دمج هؤلاء جميعاً تحت مظلة “البياض” الشاملة والمتفوقة إلا بحلول الأربعينيات من القرن العشرين، عندما بسّط علماء الأنثروبولوجيا التصنيفات إلى ثلاثة أعراق رئيسية: القوقازي، والمغولي، والزنجي. هذا الاندماج أدى إلى “محو عرقي” للهويات الثقافية الأوروبية المختلفة لصالح هوية بيضاء موحدة تهدف أساساً إلى إبقاء الأشخاص الملونين في مرتبة أدنى.
في الفصل الثاني، تتناول كيم “مشكلة البياض” في الحياة اليومية المعاصرة، مؤكدة أن البياض ليس مجرد لون بشرة، بل هو سلوك مكتسب وفضاء ثقافي مشبع بالسلطة السياسية والامتيازات التي تهدف إلى إبقاء الملونين مهمشين ومقهورين. تستعرض الكاتبة الاعتداءات الدقيقة والمستمرة التي يتعرض لها الآسيويون في أمريكا، مثل العبارات التي تبدو بريئة كـ “لغتك الإنجليزية جيدة جداً!” أو السؤال المتكرر “من أين أنت حقاً؟”، والتي ترسخ صورة الآسيوي كـ “أجنبي دائم” لا يمكن أن يكون أمريكياً أصيلاً مهما تعاقبت أجيال عائلته في البلاد. كما تشير إلى التصاعد المخيف في جرائم الكراهية ضد الآسيويين خلال جائحة كوفيد-19، حيث سجلت منظمة “أوقفوا كراهية الآسيويين وسكان جزر المحيط الهادئ” أكثر من 11,500 حادثة عنصرية بين مارس 2020 ومارس 2022.
لإبراز مدى تجذر التفوق الأبيض في التصرفات اليومية، تروي كيم حادثة مؤلمة تعرضت لها مع ابنتها البالغة من العمر أحد عشر عاماً على متن طائرة متجهة من دالاس إلى فيلادلفيا. أثناء الاستعداد للنزول من الطائرة، قامت امرأة بيضاء مسنة بتخطي دورها بشكل فج لتتجاوز الكاتبة وابنتها. وعندما سألت الكاتبة زوج المرأة بأدب عما إذا كان يرغب في المرور ليرافق زوجته، تفاجأت بالمرأة وهي توبخ زوجها بصوت مسموع على جسر النزول قائلة: “لا أستطيع أن أصدق أنك سمحت للصينيين بالتقدم عليك!”. هذه الحادثة، كما تحللها كيم، ليست مجرد وقاحة عابرة، بل هي انعكاس عميق لامتياز أبيض يعطي هذه المرأة الإذن بالاعتقاد بأنها تمتلك الحق المطلق في التمييز، وأن الأشخاص الآسيويين لا يجب، بأي حال من الأحوال، أن “يتقدموا” على البيض في أي جانب من جوانب الحياة.
تنتقل الكاتبة في الفصل الثالث، “أن نصبح مسيحية بيضاء”، لتربط بين هذا الاستعلاء العرقي وتاريخ الكنيسة. تبدأ الفصل بسرد انطباعاتها عن زيارتها لتركيا مع ابنها، حيث استكشفا المدن تحت الأرض في كابادوكيا التي بناها الفريجيون واستخدمها المسيحيون الأوائل للاختباء من الاضطهاد المروع. وتتأمل في عظمة وحزن كنيسة آيا صوفيا في إسطنبول، التي تحولت عبر التاريخ من كنيسة إلى مسجد ثم إلى متحف. هذه المعالم التاريخية تذكرنا بأن المسيحية بدأت كحركة مضطهدة. وتصل ذروة التحليل عندما تروي زيارتها لمصر لحضور مؤتمر المناخ (COP27)، حيث لاحظت البشرة الداكنة للمصريين، مما جعلها تدرك حقيقة لاهوتية وتاريخية طمسها البياض: عندما هرب الطفل يسوع وعائلته إلى مصر للنجاة من الإبادة الجماعية التي أمر بها الملك هيرودس، كان لزاماً عليهم أن يندمجوا مع السكان المحليين دون أن يُلفتوا الانتباه. تستنتج كيم أن يسوع كان رجلاً داكن البشرة، ولو كان ذا بشرة فاتحة وعيون زرقاء كما تصوره المسيحية الأوروبية، لكان من المستحيل أن يختفي في مصر.
وتوضح كيم كيف أن هذه المسيحية الشرق أوسطية الأصل، والتي أسسها معلم يهودي داكن البشرة قاوم الإمبراطورية الرومانية، تعرضت لعملية تحول جذري لتصبح الدين الرسمي للإمبراطورية في عام 313 م بموجب مرسوم ميلانو الذي أصدره الإمبراطور قسطنطين الأول. هذا التحول لم يكن مجرد شرعنة للعبادة، بل كان بداية لتحويل المسيحية إلى دين إمبراطوري يعكس صورة قادته الرومان ومن ثم الأوروبيين المتفوقين
تشرح الكاتبة كيف أن انتقال مركز الثقل المسيحي من الشرق الأوسط إلى أوروبا لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل كان استلاباً ثقافياً وعرقياً كاملاً. بمجرد أن استقرت المؤسسة الدينية في القارة الأوروبية، بدأت عملية منهجية لإعادة صياغة كل شيء وفقاً للمقاس الأوروبي. تم تجريد يسوع التاريخي من هويته الشرق أوسطية، ومن بشرته الداكنة، ومن انتمائه لطبقة العمال المضطهدين تحت نير الاستعمار الروماني. وبدلاً من ذلك، تم إلباسه عباءة الملوك والفاتحين. هذا التحول لم يكن صدفة فنية أو براءة لاهوتية، بل كان ضرورة سياسية ملحة. فلكي يصبح الدين أداة للحكم، كان يجب أن يكون الإله شبيهاً بالحكام. وهنا بدأت عملية تشريح التاريخ الكنسي التي تقدمها كيم، حيث تبرز كيف تضافرت جهود اللاهوتيين والسياسيين والفنانين في عصر النهضة لترسيخ هذه الصورة البصرية والذهنية. لوحات مايكل أنجلو وليوناردو دا فينشي وغيرهم لم تكن مجرد إبداع فني مجرد، بل كانت حملات إعلامية هائلة النطاق، غسلت أدمغة أجيال متعاقبة وجعلتهم يربطون القداسة والنقاء والكمال المطلق بالملامح الأوروبية البيضاء.
وتنتقل جريس جي-سون كيم لربط هذه الصورة البصرية الكاذبة بالكوارث التاريخية الكبرى التي لحقت بالبشرية. فبمجرد أن أصبح الله “أبيض” في المخيلة الجماعية، أصبح من السهل جداً تبرير تفوق الإنسان الأبيض على بقية خلق الله. تسلط الكاتبة الضوء على حقبة الاستكشافات الجغرافية التي قادتها القوى الأوروبية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. في تلك الفترة، لم تكن السفن الأوروبية تحمل فقط المستكشفين والجنود، بل كانت تحمل معها منظومة لاهوتية كاملة تشرعن الغزو. تستدعي الكاتبة المراسيم البابوية، مثل مرسوم “رومانوس بونتيفيكس” و”دوم ديفيرساس”، التي منحت الملوك الأوروبيين تفويضاً إلهياً كاملاً لغزو الأراضي غير المسيحية، واستعباد سكانها الأصليين، ومصادرة ممتلكاتهم. هذه المراسيم أسست لما عُرف لاحقاً بـ “عقيدة الاكتشاف”، وهي العقيدة التي منحت الغزاة تبريراً أخلاقياً ودينياً لإبادة شعوب بأكملها في الأمريكيتين، واستنزاف ثروات إفريقيا وآسيا. لم يكن الغازي الأبيض يرى نفسه مجرماً أو سارقاً، بل كان يعتقد بصدق، بفضل هذا اللاهوت المشوه، أنه ينفذ مشيئة إلهية عليا، وأنه يجلب “نور” الحضارة البيضاء إلى “ظلام” الشعوب المتوحشة.
وتتعمق الكاتبة في تشريح التبريرات اللاهوتية للاستعباد، وهي واحدة من أكثر الفصول قتامة في التاريخ البشري. تشير كيم إلى الكيفية التي تم بها التلاعب بالنصوص المقدسة لتبرير تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي. لقد تم استدعاء نصوص توراتية بعينها، مثل قصة “لعنة حام”، وإعادة تأويلها وتفسيرها بشكل متعسف ومغرض لتقنع العالم بأن الأفارقة وأصحاب البشرة الداكنة هم أبناء حام الملعونين، وأن قدرهم الإلهي هو العبودية وخدمة العرق الأبيض الأسمى. هذا الاستغلال البشع للنصوص الدينية لم يكن يقتصر على تبرير الاستعباد الجسدي فحسب، بل كان يهدف إلى تدمير الروح المعنوية للمستعبدين أنفسهم. فاللاهوت الأبيض لم يكتفِ بتكبيل أيدي وأرجل الملونين بالسلاسل، بل سعى إلى تكبيل عقولهم وأرواحهم، وجعلهم يؤمنون بأن دونيتهم هي إرادة سماوية لا فكاك منها. وعندما يحاول المستعبد التمرد على سيده الأبيض، فإنه، وفقاً لهذا المنطق اللاهوتي الأعوج، يتمرد على الله ذاته.
ولا تقف كيم عند حدود التاريخ البعيد، بل تسحب خيوط التحليل لتصل إلى عصرنا الحديث، متناولةً مفهوم “المصير المتجلي” (Manifest Destiny) الذي هيمن على العقلية الأمريكية في القرن التاسع عشر. توضح الكاتبة كيف أن هذا المفهوم، الذي زعم أن المستوطنين البيض في أمريكا الشمالية مقدر لهم إلهياً التوسع عبر القارة من الساحل إلى الساحل، كان امتداداً طبيعياً للاهوت التفوق الأبيض. تحت مظلة هذا المبرر الإلهي، تم تبرير طرد السكان الأصليين (الهنود الحمر) من أراضيهم، ومذابح التهجير القسري التي عُرفت بـ “درب الدموع”، بالإضافة إلى سرقة الأراضي المكسيكية. كان الله الأبيض يقف دائماً في صف المنتصر الأبيض، يبارك بنادقه، ويشرعن توسع إمبراطوريته على حساب دماء وأرواح الشعوب الملونة التي كانت تُعتبر مجرد عقبات في طريق التقدم والحضارة.
كما تفتح جريس جي-سون كيم جبهة أخرى للتحليل البالغ الأهمية، ألا وهي تقاطع العرق مع الجندر (النوع الاجتماعي) في بنية اللاهوت الأبيض. فالإله الذي تم اختراعه لم يكن أبيض فحسب، بل كان ذكراً أبيضاً بامتياز. هذا التصور الأبوي للإله جعل من الرجل الأبيض قمة الهرم الخليقي، مما أدى إلى تهميش وقمع مضاعف للنساء، وخاصة نساء الأقليات والنساء الملونات. تناقش الكاتبة، انطلاقاً من خلفيتها كعالمة لاهوت نسوية وآسيوية، كيف أن السلطة الكنسية والمؤسسات الدينية تم تصميمها لاستبعاد النساء من مواقع القيادة والتأثير. فالصورة الذكورية للإله انعكست مباشرة على البنية التنظيمية للكنيسة، حيث تم احتكار الكهنوت والتفسير والقيادة في أيدي الرجال البيض. هذا الاحتكار جعل من التجربة الروحية واللاهوتية للنساء الملونات تجربة غير مرئية وغير معترف بها. إن اللاهوت الأبوي الأبيض يخلق بيئة تكون فيها المرأة الملونة في أدنى درجات السلم الاجتماعي والديني، حيث تُطالب بالخضوع المزدوج: لسلطة العرق الأبيض من جهة، ولسلطة الذكورة من جهة أخرى.
وتصل الكاتبة إلى واحدة من أكثر النقاط إيلاماً في كتابها، وهي ما يمكن تسميته بـ “الاستعمار الداخلي” أو الاستيعاب القسري. تشرح كيم كيف أن اللاهوت الأبيض كان له تأثير مدمر على النفسية الداخلية للمؤمنين من الأقليات والشعوب الملونة. فبسبب الهيمنة المطلقة لهذا اللاهوت على مناهج التعليم الديني، والكتب المقدسة المصورة، والترانيم، وأيقونات الكنائس، بدأ الملونون أنفسهم في استبطان هذه الدونية. تصف الكاتبة كيف أن العديد من الكنائس الكورية، والأفريقية، واللاتينية حول العالم لا تزال ترفع صور يسوع الأبيض، وكيف أن العديد من رجال الدين في هذه الكنائس لا يزالون يتبنون تفاسير لاهوتية كتبها رجال بيض في أوروبا وأمريكا، متجاهلين سياقاتهم الثقافية والاجتماعية الخاصة. هذا التبني الأعمى يؤدي إلى حالة من الاغتراب الروحي، حيث يجد المؤمن الملون نفسه مضطراً للتنكر لهويته وثقافته ولون بشرته من أجل الاقتراب من إله تم تصويره على أنه نقيضه تماماً. إنها حالة من كراهية الذات المزروعة بمهارة داخل الخطاب الديني، حيث يشعر الفرد بأن اقترابه من القداسة يتطلب منه بالضرورة الاقتراب من معايير البياض الغربية.
لقد نجحت جريس جي-سون كيم في هذا القسم من الكتاب في تعرية الأساس الأخلاقي الذي قامت عليه الإمبراطوريات الغربية الحديثة، مبطلةً كل الادعاءات التي حاولت تصوير التوسع الاستعماري كحركة تبشيرية نبيلة. لقد كشفت بالأدلة القاطعة أن ما تم تصديره إلى العالم لم يكن رسالة المحبة والخلاص، بل كان أيديولوجية التفوق العرقي مغلفة بورق السلوفان الديني. إن الكنيسة، في الكثير من محطاتها التاريخية، لم تكن ضحية للتلاعب السياسي، بل كانت شريكاً نشطاً ومهندساً أساسياً لمنظومة القهر العالمي.
هذه المراجعة التاريخية واللاهوتية التي تقدمها المؤلفة كما تقول ليست مجرد بكاء على أطلال الماضي بل هي عملية جراحية دقيقة لاستئصال ورم خبيث تغلغل في جسد العقيدة لقرون طويلة. إن إدراك حجم التزييف الذي مورس على صورة الله هو الخطوة الأولى والأكثر أهمية نحو التحرر الروحي والاجتماعي. فما دام الله محتجزاً داخل قالب البياض والذكورة، ستظل العدالة والمساواة الحقيقية مجرد شعارات رنانة لا مكان لها في الواقع.
تفتح الكاتبة الفصل السادس بالوقوف عند واحدة من أكبر المفارقات التاريخية واللاهوتية في الديانة المسيحية، وهي التحول المنهجي لشخصية يسوع التاريخي. تذكّرنا كيم بأن يسوع الناصري، وفق المعطيات التاريخية والجغرافية والبيئية المتوفرة، كان رجلاً شرق أوسطياً، ينتمي إلى قومية يهودية عاشت تحت نير الاحتلال الروماني في القرن الأول الميلادي. كان ذا بشرة داكنة أو سمراء، يعيش بساطة العمال والفقراء، وينطق بالآرامية. ومع ذلك، عبر قرون من الهيمنة الثقافية الغربية، تم محو هذه الهوية التاريخية بالكامل، لتُستبدل بشخصية ذات ملامح قوقازية ناصعة: عيون زرقاء، وبشرة بيضاء فاتحة، وشعر أشقر أو بني انسدالي.
تشرح كيم كيف أن هذا التحول البصري لم يكن مجرد تنوع فني غير مقصود، بل كان نتيجة لعملية تراكمية شارك فيها كبار الفنانين الأوروبيين في عصر النهضة، وصولاً إلى عصر الإنتاج الصناعي والإعلام الحديث. تتوقف الكاتبة بشغف تحليلي عند لوحة “رأس المسيح” للرسام الأمريكي وارنر سلمان (1940)، والتي طُبعت منها مئات الملايين من النسخ ووزعت في جميع أنحاء العالم. هذه الصورة لم تكن مجرد عمل فني، بل أصبحت الأيقونة النموذجية لـ “يسوع الأبيض” في الكنائس والمنازل من أمريكا الشمالية إلى آسيا وإفريقيا.
وتوضح كيم الآثار النفسية واللاهوتية المدمرة لهذه الأيقونة. فعندما يُعرض “يسوع الأبيض” باعتباره المخلص والمثال الأعلى للكمال البشري، يتم إرساء رسالة مضمرة مفادها أن البياض هو القرب من الإلهي، وأن المعايير الجمالية والأخلاقية الأوروبية هي المعيار الوحيد للقداسة. في المقابل، يُستبعد الأشخاص غير البيض من هذه الصورة الشريفة، ويُحكم عليهم بالدونيات الروحية والجمالية. إن “يسوع الأبيض” تحول، حسب تحليل كيم، من معلم متواضع ينحاز للمهمشين والمقهورين إلى صنم عرقي يُستخدم لتبرير التفوق الأبيض ورعايته.
تنتقل جريس جي-سون كيم في الفصل السابع للغوص في مسألة أكثر تجريداً وخطورة: إسباغ البياض على “الله” نفسه. إذا كان تحويل يسوع إلى رجل أبيض قد وجد مبرره الظاهري في تجسده الإنساني، فإن تصوير الله الآب — أصل الوجود والمتعالي عن كل شكل وجنس ولون — برداء البياض يمثل أوج الشطط اللاهوتي والأيديولوجي.
تبين الكاتبة كيف أسهم اللاهوت الغربي، المترابط مع الفلسفة اليونانية والرومانية، في تجسيد الله كشخصية ذات ملكات وسلطة استبدادية تتشابه تماماً مع صورة الحاكم أو الإمبراطور الأبيض. اللوحات الجدارية الشهيرة، مثل لوحة “خلق آدم” لمايكل أنجلو في سقف كنيسة السيستين، والتي تصور الله كرجل أبيض مسن ذي لحية بيضاء كثيفة يطير في السماء، حفرت في الوعي الجمعي الغربي والرمزي صورة إله ينتمي عرقياً إلى أوروبا.
تستعرض كيم الخطورة المترتبة على هذا الاختزال. فعندما يُنظر إلى الله باعتباره “أبيض”، يصبح البياض متسامياً ومقدساً بطبعه. ويتحول هذا التصور إلى دعم لا شعوري لنظم التمييز العنصري، والقومية البيضاء، والامتياز العرقي. فالإنسان الأبيض، في ظل هذا الخطاب، لا يرى نفسه مجرد فرد ينتمي لسلالة معينة، بل يرى في ملامحه ولونه انعكاساً للذات الإلهية، مما يعطيه تفوقاً أخلاقياً وسلطوياً على بقية الشعوب. وترى الكاتبة أن إسباغ العرق على الله يفرغ مفهوم الألوهية من جوهرها الحقيقي القائم على المطلقية والشمولية، ويحيل الدين إلى أداة لترسيخ عرق بعينه على حساب باقي الخليقة.
تصل الكاتبة في الفصل الثامن إلى حيث تجمع بين نقد البياض ونقد النظام الذكوري الأبوي (Patriarchy). تؤكد كيم أن الصورة السائدة للإله في المسيحية الاستعمارية والغربية ليست مجرد صورة لكيان أبيض، بل لـ “رجل أبيض” (White Male God). هذا التقاطع المزدوج بين العرق والنوع الاجتماعي ينشئ منظومة قمع مضاعفة.
تدرس الكاتبة كيف أدى هذا التصور لـ “الذكر الأبيض المقذوف في السماء” إلى إعطاء شرعية إلهية للتراتبية الاجتماعية السياسية؛ حيث يقبع الرجل الأبيض في قمة الهرم البشري، يليه الرجل غير الأبيض، ثم المرأة البيضاء، وفي القاع تقبع المرأة الملونة (غير البيضاء). هذا السلم التراتبي لم يكن مجرد بناء اجتماعي عابر، بل صُيغ بلغة لاهوتية تسعى لإقناع الجميع بأن هذا الترتيب يمثل الإرادة الإلهية للكون.
تستعرض كيم تجارب النساء الملونات — وخاصة النساء الآسيويات والأفريقيات واللاتينيات — اللواتي يجدن أنفسهن أمام إله لا يشبههن ولا يعكس تجاربهن الإنسانية. وتوضح كيف استخدمت المؤسسات الكنسية واللاهوتية هذه الصورة المذكرة للذات الإلهية لإبراز هيمنة الذكور على أدوار الكهنوت والقيادة والتشريع الديني، وإخضاع النساء وصوتهن. إن اللاهوت المذكر الأبيض يمارس إقصاءً بحق المرأة، حيث يُطلب منها الخضوع لسلطتين متداخلتين: سلطة العرق المفضل وسلطة الجنس الأسمى.
وتشير كيم إلى أن هذا التصور الضيق للإله ينتهك النصوص الكتابية واللاهوتية القديمة نفسها، والتي تحتوي على استعارات وتشبيهات متنوعة للألوهية تتجاوز الذكورية والبياض، مثل صور الحكمة والروح والنور والعناية الأمومية. إلا أن السلطة التنظيمية والأنظمة اللاهوتية الذكورية عملت على طمس هذه المفاهيم وتهميشها لصالح نموذج “الأب الحاكم الأبيض”، حفاظاً على الامتيازات السياسية والاجتماعية للطبقة الحاكمة.
الآن، تطرح كيم سؤالاً جوهرياً ومصيرياً: إذا كنا قد أدركنا حجم التزييف الذي طال صورة الله، فما هو البديل؟ وكيف يمكن للمسيحية، وللأديان بشكل عام، أن تتحرر من هذه السجون البصرية والأيديولوجية لتقدم إلهاً يتسع للجميع؟ لا تكتفي الكاتبة بهدم الأصنام اللاهوتية القديمة، بل تغوص في أعماق النصوص المقدسة والتراث الإنساني لتستخرج مفاهيم وصوراً إلهية طُمست عمداً، وتقدمها كطوق نجاة روحي وفكري. وفي هذا الجزء، سنسلط الضوء على استراتيجياتها اللاهوتية الجريئة التي تعتمد على استعادة مفاهيم “الروح” (Ruach)، وحيوية الطاقة (Chi)، والحكمة الإلهية (Sophia)، كبدائل قوية تطيح بمركزية الإله المذكر الأبيض.
أولاً: تجاوز التجسيد المادي.. لماذا يجب أن يفقد الله “بياضه” و”ذكورته”؟ تبدأ الكاتبة هذه المرحلة بتأكيد نقطة لاهوتية مركزية: إن محاولة حصر الله في شكل بشري، وتحديداً في شكل رجل أبيض، هي في جوهرها خطيئة “وثنية” مغلفة برداء التوحيد. فالإله المطلق، خالق الكون بكل تنوعه واتساعه، لا يمكن أن يُختزل في خصائص عرقية أو بيولوجية تخص فئة واحدة من البشر. تشير كيم إلى أن التراث اللاهوتي الغربي وقع في فخ “التجسيم” (Anthropomorphism) المفرط، حيث خلق الإنسانُ الغربي اللهَ على صورته ومثاله، وليس العكس. هذا التجسيم لم يكن بريئاً، بل كان أداة سياسية بامتياز؛ فعندما يكون الله رجلاً أبيض، يصبح من الطبيعي أن يكون الرجل الأبيض هو الحاكم، والمشرّع، والكاهن، والسيد. وللخروج من هذا المأزق، تدعو كيم إلى ثورة في المخيلة الدينية، ثورة تعيد الله إلى صفته المتعالية والمجردة التي لا يمكن الإمساك بها أو احتكارها. إن تحرير الله من “البياض” و”الذكورة” ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل هو ضرورة حيوية لشفاء ملايين المؤمنين من الأقليات والنساء الذين شعروا طويلاً بالاغتراب الروحي، والذين تم إقناعهم بأنهم أبعد عن الكمال الإلهي بسبب لون بشرتهم أو جنسهم.
ثانياً: العودة إلى “الرواح” (Ruach).. الأنوثة المقدسة وروح الله الحرة في سعيها لتقديم بديل لاهوتي متين، تعود جريس جي-سون كيم إلى الجذور اللغوية والنصية الأولى في العهد القديم (الكتاب المقدس العبري)، وتتوقف طويلاً عند كلمة “رواح” (Ruach). هذه الكلمة العبرية، التي تُترجم عادة إلى “روح” أو “ريح” أو “نَفَس”، تحمل في طياتها دلالات عميقة تم تهميشها عبر قرون من الترجمات والتفاسير الأبوية والذكورية. والأهم من ذلك، أن كلمة “رواح” في اللغة العبرية هي كلمة مؤنثة من الناحية النحوية. عندما يفتتح سفر التكوين قصة الخلق، يصف كيف كانت “روح الله” (الرواح) ترفرف أو تهافت على وجه المياه لخلق الحياة من العدم. هذا التصوير لا يقدم إلهاً يجلس على عرش كإمبراطور روماني يلقي الأوامر، بل يقدم طاقة أنثوية، ديناميكية، حية، ومحيطية، تشبه الأم التي تحتضن الحياة وتنفثها في أرجاء الكون. تستخدم كيم مفهوم “الرواح” لتحطيم الصورة الصلبة للإله الأبيض المذكر. فالروح (أو الريح) لا لون لها، ولا عرق لها، ولا يمكن القبض عليها أو حصرها في قوالب جغرافية أو مؤسسية. إنها تهب حيث تشاء، تتجاوز الحدود القومية، وتخترق الجدران العرقية التي بناها اللاهوت الغربي. من خلال إحياء صورة الله كـ “روح” حرة ومحيية، تمنح الكاتبة المهمشين إلهاً يمكنهم التواصل معه مباشرة، إلهاً يسري في عروقهم وفي أنفاسهم، ولا يشترط عليهم التماهي مع ثقافة المستعمر الأوروبي ليحظوا برضاه.
ثانياً: تقاطع اللاهوت مع الحكمة الشرقية.. طاقة “التشي” (Chi) وتوسيع المدارك الدينية لا تكتفي الكاتبة بالتراث العبري المسيحي المباشر، بل تستحضر ببراعة هويتها الآسيوية الكورية لتطرح تقاطعاً لاهوتياً مذهلاً يوسع من آفاق الفهم المسيحي للإله. تستدعي كيم المفهوم الآسيوي العريق “تشي” (Chi) أو كما يُنطق بالكورية “كي” (Ki)، وهو يمثل قوة الحياة، أو الطاقة الحيوية الكونية التي تتدفق عبر كل الكائنات الحية وتربط الكون ببعضه البعض. تقارن كيم بين “الرواح” العبرية و”التشي” الآسيوية، وتجد بينهما انسجاماً عميقاً. فكلاهما يعبر عن قوة غير مرئية، لا شكلية، تمنح الحياة وتحافظ على التوازن الكوني. إن إدخال مفهوم “التشي” إلى اللاهوت المسيحي يعتبر خطوة تحررية كبرى لعدة أسباب؛ فهو أولاً يسقط احتكار الفلسفة اليونانية-الرومانية (التي ركزت على المنطق الجامد والتراتبية) كعدسة وحيدة لفهم الله. وثانياً، يمنح المؤمنين الآسيويين، والملونين عموماً، الثقة بأن تراثهم الثقافي وتاريخهم الروحي ليس “وثنياً” أو “أدنى” من التراث الأوروبي، بل يمكن أن يكون وعاءً مقدساً وصالحاً لفهم الذات الإلهية والتعبير عنها. هذا اللاهوت الذي يمزج بين “الرواح” و”التشي” يقدم صورة لله كطاقة علائقية أفقية، تربط البشر بعضهم ببعض، وتربطهم بالطبيعة والبيئة المحيطة. في هذا التصور، لا يعود الإله سيداً منعزلاً يراقب الكون من برج عاجي بعيد، بل يصبح حاضراً في كل نبضة حياة، مما يسقط تلقائياً كل مبررات الاستغلال، سواء كان استغلالاً لإنسان آخر عبر العبودية والعنصرية، أو استغلالاً للبيئة عبر التدمير الرأسمالي الذي برره اللاهوت الاستعماري الأبيض.
رابعاً: استعادة “صوفيا” (Sophia).. الحكمة الإلهية كبديل ناعم وقوي وتستمر كيم في استكشاف الصور التوراتية البديلة، لتصل إلى مفهوم “صوفيا” أو الحكمة. في الأسفار الحكمية (مثل سفر الأمثال وغيرها)، تتجسد حكمة الله في شخصية أنثوية تُدعى “صوفيا”، تنادي في الشوارع، وترشد البشر إلى طريق الحق والعدل والسلام. لقد كانت الكنيسة الأولى تعتبر “صوفيا” تعبيراً أصيلاً عن الوجود الإلهي بين البشر، لكن مع تعاظم النفوذ البطريركي (الأبوي الذكوري) في الكنيسة الإمبراطورية، تم تهميش هذه الصورة الأنثوية وإخفاؤها خلف تفسيرات ركزت حصرياً على الرموز الذكورية (الأب والابن). ترى الكاتبة أن إعادة الاعتبار لـ “صوفيا” ليست مجرد مسألة إنصاف لغوي أو تاريخي، بل هي علاج ضروري للسموم التي بثها لاهوت السيطرة والعنف. إن إله الحكمة الأنثوية (صوفيا) لا يحمل سيفاً لاستعمار الشعوب، ولا يبارك قهر النساء، ولا يبرر الإبادات الجماعية، بل يدعو إلى التأمل، والعدالة الاجتماعية، والمحبة العميقة الخالية من شروط الهيمنة. إنها صورة إلهية تدعم القيادة القائمة على الرعاية والاحتواء، وليس على القوة الغاشمة والتراتبية الهرمية الصارمة.
خامساً: الانعكاسات النفسية والاجتماعية لهذه الثورة اللاهوتية إن إزاحة صورة الإله الذكر الأبيض واستبدالها بصور الروح والحكمة والطاقة الحيوية، يُحدث زلزالاً إيجابياً في البنية النفسية للأفراد والمجتمعات المهمشة. توضح جريس جي-سون كيم أن الإنسان الذي ينشأ وهو يتخيل الله كطاقة محبة لا شكل لها (الرواح/التشي)، سيتوقف عن الشعور بالدونية بسبب لون بشرته. لن تشعر المرأة بأنها خلقت في مرتبة أدنى من الرجل، ولن يشعر الآسيوي أو الأفريقي أو اللاتيني بأن عليه أن يتصرف مثل الرجل الأبيض ليصبح مقبولاً في ساحة القداسة. هذا التحول اللاهوتي ينزع الشرعية عن كل الهياكل الكنسية والسياسية التي لا تزال تستثمر في الامتياز الأبيض. فإذا كان الله ليس رجلاً أبيض، فإن السلطة المطلقة التي يمنحها الرجل الأبيض لنفسه في الكنيسة والمجتمع بناءً على هذا التصور تصبح سلطة باطلة وفارغة من أي غطاء إلهي.
تستهل كيم رؤيتها العملية بالدعوة إلى ثورة بصرية وحسية داخل أروقة دور العبادة نفسها، مؤكدة أن الفضاء المكاني والمادي يلعب دوراً حاسماً في تشكيل الوعي الباطن للمؤمنين وتحديد هويتهم الروحية. الخطوة الأولى والبديهية في مسار الإصلاح تتطلب إزالة الأيقونات واللوحات الجدارية والزجاج الملون الذي يكرس حصرية القداسة في الملامح الأوروبية الفاتحة. لا تنادي الكاتبة بتحطيم الفن أو التمرد الأعمى على التراث، بل تدعو إلى تحرير المخيلة الروحية من احتكار نموذج عرقي واحد. يتطلب هذا المسار إدخال تعبيرات فنية متنوعة تعكس التعددية الثقافية للمجتمعات الحديثة، والتوجه نحو الفن التجريدي والرمزي الذي يعبر عن الله كـ “روح” أو “حكمة” أو “طاقة محيية” دون تأطيره في جسد بشري محدد يقصي الآخرين. إلى جانب الفنون البصرية، تمتد هذه المراجعة الشاملة لتشمل الترانيم الموسيقية، والصلوات المكتوبة، واللغة الطقسية المستخدمة بشكل يومي. فكثير من الترانيم الكلاسيكية الموروثة تحمل، عن قصد أو بدونه، مفردات تعلي من شأن “البياض” كرمز حصري للنقاء والخلاص، وتربط في المقابل “السواد” أو الظلام بالخطيئة والشر المطلق. تطالب كيم بضرورة صياغة ليتورجيا (طقوس عبادة) جديدة ومتحررة، تستوعب أوجاع المهمشين، وتنطق بلغاتهم وثقافاتهم، وتحتفي بتجاربهم الروحية المستقلة عن الإرث الاستعماري الذي صاغ قوالب الإيمان لقرون طويلة.
وعلى الصعيد الأكاديمي والتعليمي، توجه الكاتبة نقداً منهجياً لاذعاً لمناهج كليات اللاهوت والمعاهد الدينية حول العالم، والتي لا تزال في مجملها تدور في فلك المفكرين الأوروبيين والأمريكيين البيض، محتكرةً بذلك سلطة التفسير وإنتاج المعرفة الدينية. لإنهاء هذا الاحتكار المعرفي الذي يغذي العقلية الاستعلائية، تقترح كيم عملية إصلاح جذرية للمناهج الدراسية تتضمن إدماجاً حقيقياً ومركزياً لأصوات علماء اللاهوت من آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، ومفكرين من السكان الأصليين. إن تدريس نصوص وتأملات هؤلاء المفكرين ليس مجرد محاولة شكلية لإضفاء طابع من التنوع على المؤسسات الأكاديمية، بل هو ضرورة حتمية لتقديم قراءات متباينة للنص المقدس، قراءات تنطلق من مواقع الألم، والتهميش، وتجربة الاستعمار. عندما يتعلم الجيل الجديد من القادة الدينيين والكهنة أن هناك طرقاً متعددة ومشروعة لفهم الله خارج الإطار الأبوي الغربي الصارم، فإنهم سيمتلكون الأدوات الفكرية والروحية اللازمة لقيادة مجتمعاتهم نحو وعي أكثر شمولية وعدالة. هذا التحول الأكاديمي يضمن عدم إعادة إنتاج القادة الذين يتبنون، بوعي أو بغير وعي، آليات الاستعلاء العرقي والجندري في خطاباتهم الدعوية وممارساتهم الرعوية اليومية.
لا تقتصر مهمة التغيير الجذري على مواجهة الهياكل السلطوية البيضاء في المؤسسات الرسمية، بل تمتد لتشمل عملاً داخلياً شاقاً ومؤلماً يجب أن تقوم به مجتمعات الأقليات والشعوب الملونة ذاتها. تخصص كيم مساحة تحليلية واسعة للحديث عن ظاهرة “الاستعمار الداخلي” أو استعمار العقول، حيث استبطنت العديد من هذه المجتمعات معايير النقص والدونية التي فرضت عليها عبر أجيال متلاحقة من الهيمنة اللاهوتية. تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في محاولات التماهي المستمر مع الثقافة المهيمنة، والسعي المحموم للحصول على الاعتراف والقبول من خلال تبني سلوكيات وقناعات تخدم المركزية الغربية وتتبرأ من الجذور الأصلية. للخروج من هذا المأزق النفسي والروحي العميق، تدعو الكاتبة إلى عملية “شفاء جماعي” تبدأ بالاعتراف بجمال وقيمة الهويات الثقافية الأصلية. يجب على المجتمعات الآسيوية، والأفريقية، واللاتينية أن تتوقف فوراً عن قياس قيمتها الروحية والإنسانية بمدى اقترابها من النموذج الأبيض. عوضاً عن ذلك، يجب أن تستكشف كنوزها الثقافية الخاصة وتدمجها بشجاعة وفخر في ممارساتها الإيمانية. وتقترح كيم تقوية أواصر التضامن الأفقي بين مختلف الفئات المهمشة، محذرة بصرامة من الفخ الذي تنصبه الأنظمة العنصرية حين تدفع الأقليات للتنافس الشرس فيما بينها على مكاسب ضئيلة تقربها من قمة الهرم الاجتماعي الذي يسيطر عليه الرجل الأبيض. إن التضامن التقاطعي بين الحركات المناهضة للعنصرية، مثل التحالفات بين المدافعين عن حقوق السود والنشطاء المناهضين للكراهية ضد الآسيويين، يمثل القوة الهيكلية الحقيقية القادرة على زلزلة أسس الامتياز العرقي.
تنتقل الكاتبة بعد ذلك إلى تحديد دور المؤسسة الدينية في الفضاء العام والسياسي، مشددة على أن الإيمان الذي يتقوقع داخل جدران الكنيسة ولا يُترجم إلى فعل اجتماعي يقاوم الظلم هو في الحقيقة إيمان ميت ومفرغ من مضمونه. إذا كان الله في جوهره يمثل العدالة المطلقة والمحبة غير المشروطة، فإن أي صمت كنسي أو مؤسسي تجاه قضايا العنصرية الممنهجة، وعنف الأجهزة الأمنية ضد الأقليات، وسياسات الهجرة القاسية التي تشتت العائلات، هو خيانة مباشرة لهذه المبادئ الإلهية. تستدعي كيم تجربتها الشخصية المؤلمة وتجارب آلاف المهاجرين الذين يواجهون التهميش القانوني والاجتماعي كل يوم، لتؤكد أن العقيدة يجب أن تكون درعاً للمستضعفين، لا غطاءً لسياسات الدولة القمعية أو أداة لتبرير الفجوات الطبقية. يتطلب هذا الانخراط في الشأن العام شجاعة لاهوتية استثنائية للوقوف في وجه التشريعات التي تكرس التفاوت الاقتصادي والاجتماعي، والعمل الميداني على إرساء سياسات عامة تحتفي بالتنوع وتضمن تكافؤ الفرص والكرامة للجميع بغض النظر عن أصولهم العرقية، أو خلفياتهم الثقافية، أو وضعهم المادي.
٠ الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة




