أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

العصر المظلم الجديد

هناك مشهد يتكرر كل يوم، ولا ننتبه لغرابته إلا إذا توقفنا قليلاً. تفتح هاتفك صباحاً، فتنهال عليك الأخبار من كل حدب وصوب، أرقام الأسواق ترتفع وتهبط أمام عينيك في الزمن الحقيقي، صور الأقمار الصناعية للعاصفة التي تقترب من السواحل، تحليل لخطاب سياسي أُلقي قبل دقائق، ونظرية مؤامرة جديدة ولدت الليلة الماضية وانتشرت كالنار في الهشيم. نحن نعرف أكثر من أي جيل سبقنا في تاريخ البشرية، ومع ذلك فإن شعوراً غامضاً يطاردنا: أننا نفهم أقل. هذه هي المفارقة التي ينطلق منها الكاتب والفنان البريطاني جيمس برايدل في كتابه المقلق “العصر المظلم الجديد: التكنولوجيا ونهاية المستقبلNew Dark Age: Technology and the End of the Future”، ليعلن أننا دخلنا، دون أن نوقع أي إعلان حرب، عصراً مظلماً جديداً، ليس لأن المعرفة اختفت، بل لأنها فاضت عن حاجتنا حتى أغرقتنا.

برايدل ليس كاتباً تقنياً تقليدياً يبشر بالمستقبل أو يحذر من روبوتات ستسيطر على العالم. هو فنان وباحث يستقصي كيف تحولت أدواتنا إلى قوى تتجاوزنا. عنوان كتابه مستعار من عبارة استخدمها مصمم الخرائط في العصور الوسطى عندما كان يصل إلى حافة العالم المعروف فيكتب “هنا توجد وحوش”. نحن اليوم رسمنا خريطة العالم كله، صورنا كل شارع بالقمر الصناعي، ووضعنا كل كتاب في جيوبنا، ومع ذلك عدنا لنكتب نفس العبارة على حواف خرائطنا الذهنية: هنا توجد وحوش، لكنها هذه المرة من صنعنا.

يبدأ برايدل كتابه بتشبيه يكاد يكون مفتاحاً لفهم كل ما سيأتي بعده. يقول إن تعلم البرمجة وحده لا يكفي لفهم التكنولوجيا، تماماً كما أنك لست مضطراً لأن تكون سباكاً لكي تدخل الحمام. لكن المفارقة الأعمق، كما يلمح، هي أن نظام السباكة هذا قد يكون يحاول قتلك فعلاً، ونحن نصر على تجاهل هذه الحقيقة. أنظمتنا الحاسوبية المعقدة لم تعد مجرد أدوات نستخدمها، بل أصبحت هي البنية التحتية التي نعيش داخلها. نحن نسكن داخل الشبكة، نتنفس هواءها، نشرب من أنابيبها، وحين تتسرب هذه الأنابيب أو تنفجر، لا نملك حتى اللغة لوصف ما يحدث.

المفهوم المركزي الذي يؤسس له برايدل في الفصل الافتتاحي الذي أسماه “الهوة” Chasm هو أن الهوة لم تعد بيننا وبين آلاتنا، كما كنا نتصور في أفلام الخيال العلمي القديمة، بل أصبحت داخل الشبكة نفسها. الشبكة هنا ليست الإنترنت فقط، بل هي الكيان الهجين الذي يضم البشر والسياسة والثقافة والتكنولوجيا والطاقة والمناخ في حساء واحد لا يمكن فصل مكوناته. هذه الهوة هي فجوة في الفهم والقدرة على الفعل. نحن ننتج بيانات أكثر مما يمكن لأي عقل بشري أو حتى آلي أن يستوعبها، ونبني أنظمة نعجز عن تفسير قراراتها، ثم نطالب هذه الأنظمة بأن تتخذ قرارات مصيرية نيابة عنا في المحاكم والبنوك وساحات الحرب.

ولكي يفسر كيف وصلنا إلى هنا، يعود برايدل إلى تاريخ استعارة صغيرة خدعتنا جميعاً: السحابة. يذكرنا بأن المهندسين في خمسينيات القرن الماضي، عندما كانوا يرسمون مخططات الأنظمة الكهربائية، كانوا يرسمون دائرة غامضة مشوشة الحواف ويكتبون بداخلها “سحابة” لتمثل كل شيء لا يريدون التفكير فيه. كان هذا اختصاراً هندسياً بريئاً. لكن مع نمو الشبكات، كبرت هذه السحابة وتضخمت حتى أصبحت مركز الكون الرقمي. صرنا نقول “صورنا في السحابة، أموالنا في السحابة، ذكرياتنا في السحابة”. هذه الاستعارة الجميلة هي أكذب استعارة في تاريخ التكنولوجيا. فالسحابة ليست خفيفة ولا شفافة ولا بلا وزن. هي أسلاك هاتف قديمة، وكابلات ألياف ضوئية تمتد في قاع المحيط، وأقمار صناعية، ومستودعات ضخمة من الخوادم تستهلك من الماء والكهرباء ما تستهلكه مدن كاملة، وتخضع لقوانين دول وضرائب ملاذات آمنة. حين تقول جوجل وفيسبوك إنهما تبنيان مراكز بياناتهما في أيرلندا أو في شمال السويد، فالسبب ليس جمال الطبيعة، بل الضرائب المنخفضة والطاقة الرخيصة والتبريد المجاني. وحين تحتفظ الإمبراطوريات الرقمية بجزر متنازع عليها مثل دييغو غارسيا أو قبرص، فالسبب أن السحابة تلمس الأرض هناك، ويمكن استغلال غموضها القانوني.

هذا التعتيم متعمد. فغياب الفهم ليس خللاً جانبياً، بل هو ميزة أساسية في اقتصاد السحابة. عندما لا تفهم أين تذهب بياناتك، تفقد القدرة على مساءلة من يملكها. رسائلك، صور أطفالك، سجلاتك الصحية، تفضيلاتك السياسية، كلها على بنية تحتية يملكها شخص آخر. السحابة ليست مجرد استعارة سيئة، إنها علاقة قوة، ومعظمنا ليس في الجانب الأقوى منها.

لكن برايدل لا يتوقف عند هذا النقد المادي، وهو نقد مهم وضروري. إنه يذهب أبعد من ذلك ليستعيد معنى آخر للسحابة، منسياً منذ القرن الرابع عشر، من كتاب صوفي مسيحي مجهول عنوانه “سحابة اللا-معرفة”. في ذلك الكتاب، السحابة التي تفصل بين الإنسان والله لا يمكن اختراقها بالمعرفة والعقل، بل بالحب والتخلي عن الرغبة في المعرفة الكاملة. يقول المؤلف المجهول: “المعرفة قد تخدعك بدافع الكبرياء، لكن هذا الحب اللطيف لن يخدعك”. هنا يلتقط برايدل خيطه الفلسفي الأخطر: حلم التنوير الذي قام على أن المزيد من المعلومات يؤدي بالضرورة إلى قرارات أفضل، هو حلم انهار. الإنترنت في بداياته قُدم لنا على أنه “طريق المعلومات السريع” الذي سينير العالم. وها نحن اليوم متصلون بمستودعات هائلة من المعرفة، ومع ذلك لم نتعلم كيف نفكر. بل على العكس، الوفرة أنتجت ظلاماً.

يستشهد برايدل في هذه النقطة باقتباس مرعب للكاتب هوارد لافكرافت كتبه عام 1926: “أكثر الأشياء رحمة في العالم، في اعتقادي، هي عجز العقل البشري عن ربط كل محتوياته ببعضها. نحن نعيش في جزيرة هادئة من الجهل وسط بحار سوداء من اللانهاية، ولم يُكتب لنا أن نذهب بعيداً”. كان لافكرافت يخشى أن يؤدي ربط المعارف المنفصلة ببعضها إلى كشف حقائق لا يحتملها العقل. برايدل يقول إن هذا هو ما يفعله الإنترنت بنا الآن بالضبط. إنه يربط كل شيء بكل شيء، فيكشف لنا اتساع جهلنا وهشاشة قصصنا التي كنا نطمئن بها أنفسنا.

العتمة التي يتحدث عنها برايدل إذن ليست جهل العصور الوسطى حين لم تكن الكتب موجودة. إنها عتمة من نوع جديد، عتمة ناتجة عن الوهج الشديد. عجز واضح عن رؤية ما هو أمامنا مباشرة، وعجز عن الفعل بفاعلية وعدالة في هذا العالم. ولكي لا يُتهم بالعدمية، يستدعي برايدل صوتين نسائيين من قلب الظلام نفسه. فيرجينيا وولف في يومياتها في أحلك ساعات الحرب العالمية الأولى عام 1915 كتبت: “المستقبل مظلم، وهذا أفضل ما يمكن أن يكون عليه المستقبل، في اعتقادي”. تعلق الباحثة ريبيكا سولنيت على هذه الجملة بأنها احتفال بالظلام، رفض لتحويل المجهول إلى معروف زائف عبر التنجيم الكاذب أو السرديات السياسية القاتمة. إنها رغبة في البقاء غير متأكدة حتى من تأكيدها نفسه. ثم يستدعي دونا هاراواي التي تذكرنا بنداء وولف في كتابها “حجارة المليونيرات الثلاث” عام 1938: “لينفقر في المكاتب، وفي الحافلات، ونحن واقفون وسط الحشود نشاهد تتويج الملوك… دعونا لا نتوقف أبداً عن التفكير: ما هذه الحضارة التي نجد أنفسنا فيها؟”.

بهذه الروح، يضع برايدل أطروحته : التكنولوجيا ليست مجرد صنع أدوات واستخدامها، بل هي صنع استعارات. عندما نصنع أداة، فإننا نثبت فيها فهماً معيناً للعالم، وهذا الفهم المتجسد يصبح قادراً على إحداث آثار في العالم، وفي نفس الوقت يصبح جزءاً متحركاً من فهمنا للعالم، غالباً دون وعي منا. المطرقة، كما يقول المثل، تجعل كل شيء يبدو مسماراً. لكننا نسينا أن نفكر في المطرقة نفسها. المطرقة يمكن أن تخلع المسامير أيضاً، ويمكن أن تشكل الحديد والخشب والحجر، ويمكن أن تحفر الأحافير، ويمكن أن تثبت المراسي لمتسلقي الجبال. بيد إله، يمكنها أن تصنع الطقس. مطرقة ثور، ميولنير، لم تكن تخلق الرعد والبرق فقط، بل كانت تتحول إلى تمائم على شكل مطرقة لحماية الناس. نحن بحاجة إلى إعادة سحر أدواتنا، كما يقول برايدل، أن نراها مرة أخرى كأحجار رعدية، غامضة وقوية، وليست مجرد أدوات نجار مملة. لأن أزماتنا اليوم، من تغير المناخ إلى انهيار التوافق الاجتماعي، ليست أزمات نقص معلومات، بل هي أزمات ناتجة عن عدم قدرتنا على فهم المخرجات المضطربة والمتشابكة لاختراعاتنا. وما لم نتعلم التفكير بشكل مختلف داخل الشبكة ومن خلالها، فإن الظلام سيبتلعنا، ليس لأننا لا نعرف، بل لأننا اعتقدنا أن المعرفة وحدها كافية للخلاص.

في عام 1948، نصبت شركة آي بي إم آلة عملاقة في واجهة عرض زجاجية في شارع فيفتي سيفينث في نيويورك، خلف زجاج سميك، ليراها المارة. كانت تسمى الحاسبة الإلكترونية ذات التسلسل الانتقائي، SSEC. لم تكن مجرد آلة، بل كانت مسرحاً. أراد توماس واتسون، رئيس آي بي إم، أن يثبت للجمهور أن منتجاته لا تهدف إلى استبدال البشر، لأن الكلمة نفسها، كلمة كمبيوتر، كانت لا تزال تطلق على البشر الذين يقومون بالحساب. فطلب من مهندسيه إزالة الأعمدة القبيحة التي تملأ المكان، وعندما عجزوا، طلب منهم أن يزيلوها من صور الدعاية بفرشاة الرسم الهوائي. هذه هي اللحظة التي يبدأ منها جيمس برايدل فصل الحوسبة، ليخبرنا أن علاقتنا بالحاسوب بدأت بالخداع البصري. آلة إنياك ENIAC السابقة كانت صاخبة، تصدر وميضاً يمكن تتبعه، تسمع صوتها وهي تفكر. أما آلة آي بي إم الجديدة فكانت أنيقة، صامتة، غامضة، تضع واجهة بينها وبين الجمهور. منذ تلك اللحظة، والحوسبة تتجه نحو الإخفاء.

برايدل يعيدنا إلى هذه البداية ليصحح سوء فهم شائعاً يغذي عصرنا المظلم. نحن نظن أن الحوسبة هي شيء يمكن فهمه، مجرد حسابات سريعة جداً. لكن الحوسبة الحقيقية، كما تطورت، هي شيء آخر تماماً. إنها بناء نماذج للعالم تعمل وفق منطقها الخاص. ويضرب مثلاً لا يزال يرن في ذاكرة الجميع: الشطرنج. في عام 1997، هزم الحاسوب ديب بلو بطل العالم غاري كاسباروف. فُسرت الحادثة على أنها انتصار الآلة على الإنسان. لكن برايدل يقلب الطاولة. كاسباروف نفسه، بعد سنوات من الهزيمة، ابتكر نوعاً جديداً من الشطرنج أسماه الشطرنج المتقدم أو القنطوري، حيث يلعب إنسان وآلة كفريق واحد ضد فريق آخر من إنسان وآلة. والنتيجة المذهلة أن فرقاً من هواة بمساعدة حواسيب متواضعة كانت تهزم عمالقة الشطرنج وأقوى الحواسيب وحدها. لماذا؟ لأن القيمة لم تكن في الحساب الخام، بل في الطريقة التي يفكر بها الإنسان والآلة معاً. الإنسان يجلب الحدس والاستراتيجية طويلة المدى، والآلة تجلب التكتيك والحساب الدقيق.

لكن شركات التكنولوجيا لم تتعلم هذا الدرس. بدلاً من بناء أنظمة قنطورية تتعاون مع البشر، بنت أنظمة تريد أن تحل محلهم. وصلنا إلى ألفا جو، البرنامج الذي هزم بطل العالم في لعبة جو، وهي لعبة أكثر تعقيداً من الشطرنج بملايين المرات. ألفا جو لم يكن يحسب كل الاحتمالات، كان يتعلم بطريقة غريبة، يطور حدساً خاصاً به. وعندما سُئل خبراء جو عن نقلاته، قالوا إنها جميلة لكنها غريبة، نقلات لم يفكر بها أي إنسان من قبل، نقلات غير بشرية. هنا تكمن النقلة الخطيرة. الحواسيب لم تعد تحاكي تفكيرنا، بل تفكر بطريقة أخرى لا يمكننا فهمها، ومع ذلك نحن نثق بها ونسلمها مفاتيح حياتنا.

وهنا ينتقل برايدل إلى الفصل الأكثر إلحاحاً في الكتاب، فصل المناخ، حيث يصبح هذا العجز عن الفهم مسألة حياة أو موت. يقول إن أزمة المناخ هي في جوهرها أزمة حوسبية. ليس لأننا لا نملك بيانات كافية، بل لأن البيانات التي نملكها ضخمة لدرجة أنها تتجاوز قدرتنا على التمثيل. النماذج المناخية التي تبنيها وكالات مثل ناسا أو الأرصاد الجوية البريطانية هي من أكثر البرامج الحاسوبية تعقيداً التي صنعها الإنسان. إنها تقسم الغلاف الجوي إلى مكعبات ثلاثية الأبعاد، وتحاول حساب تفاعل الحرارة والرياح والرطوبة والغيوم والمحيطات داخل كل مكعب، وتأثير كل مكعب على جاره. هذه النماذج تحتاج إلى حواسيب عملاقة تستهلك طاقة مدينة صغيرة. وهي، رغم كل ذلك، تبقى تقريبية.

المفارقة التي يكشفها برايدل هنا مدهشة. لكي نفهم الكوكب، نحتاج إلى حواسيب تستهلك طاقة تساهم هي نفسها في تسخين الكوكب. نحن نحرق العالم لنفهم كيف يحترق. لكن المشكلة الأعمق ليست في استهلاك الطاقة، بل في طبيعة المعرفة التي تنتجها هذه النماذج. هذه النماذج لا تعطينا حقيقة نهائية، بل تعطينا احتمالات، سيناريوهات، توزيعات إحصائية. تقول: إذا استمر انبعاث الكربون بهذا المعدل، فإن هناك احتمالاً بنسبة 95% أن ترتفع الحرارة بين درجتين وثلاث درجات. هذا كلام علمي دقيق، لكن العقل السياسي والعقل الشعبي لا يتعامل مع الاحتمالات، بل مع اليقين. نريد إجابة بسيطة: هل سيغرق بيتي أم لا؟

ويكشف برايدل كيف استغل منكرو التغير المناخي هذه الفجوة بين لغة العلم الاحتمالية ولغة السياسة اليقينية. في تسعينيات القرن الماضي، مولت شركات النفط العملاقة دراسات تشكك في النماذج، ليس لأن النماذج خاطئة، بل لأنها غير مؤكدة بنسبة مائة بالمائة. زرعوا فكرة أن عدم اليقين المطلق يعني أننا لا نعرف شيئاً. وهذا هو جوهر العصر المظلم الجديد: استخدام وفرة المعلومات، أو بالأحرى وفرة الشك حول المعلومات، لشل القدرة على الفعل.

ثم يأخذنا برايدل إلى مكان مادي ملموس: مدينة لامبيدوزا الإيطالية، وأرخبيل سفالبارد النرويجي. في سفالبارد، هناك قبو البذور العالمي، الذي يحفظ نسخاً من كل بذور العالم تحسباً لكارثة. وفي نفس الجبال، هناك منجم فحم مهجور، ومركز بيانات ضخم لشركات السحابة، ومحطة أرضية للأقمار الصناعية. في بقعة واحدة من الأرض، يجتمع الماضي الأحفوري، والحاضر الرقمي، والمستقبل المناخي. يذهب برايدل إلى هناك ويصف كيف أن الغيوم الحقيقية، غيوم القطب الشمالي، تختفي، بينما غيوم البيانات، السحابة الرقمية، تتضخم. يقول إننا صرنا نثق في الصور التي تأتينا من الأقمار الصناعية أكثر من ثقتنا في ما نراه بأعيننا.

في إحدى الفقرات الأكثر شاعرية في الكتاب، يروي برايدل كيف كان علماء المناخ الأوائل في الحرب العالمية الثانية يستخدمون شبكات الرادار لتتبع الطقس، وكيف أن صور الأقمار الصناعية الأولى للأرض ككرة زرقاء معلقة في الظلام، تلك الصورة الشهيرة “الشروق الأرضي”، هي التي ولدت الوعي البيئي. لقد احتجنا إلى آلة في الفضاء لنرى كوكبنا كوحدة واحدة. لكن نفس الآلات التي جعلتنا نرى الوحدة، جعلتنا أيضاً غير قادرين على التصرف كوحدة. نحن نرى كل شيء ولا نفعل شيئاً.

يختم برايدل هذا المقطع بفكرة مقلقة: الحوسبة وعدتنا بأنها ستجعل العالم قابلاً للفهم والتحكم. لكنها في مجال المناخ، فعلت العكس. كلما زادت دقة نماذجنا، زاد إدراكنا لحجم التعقيد الذي لا يمكن التحكم فيه. نحن لا نواجه نقصاً في المعلومات، بل نواجه فيضاً من المعلومات التي تثبت لنا أن العالم أكثر تشابكاً مما يمكن لأي نموذج أو حكومة أو شركة أن تسيطر عليه. وهذا هو الدرس الأول من العصر المظلم: الحل ليس المزيد من البيانات، بل تعلم كيفية العيش واتخاذ القرار في ظل عدم اليقين، تماماً كما يفعل بحار قديم يقرأ الغيوم الحقيقية، لا يتنبأ بها بدقة، لكنه يعرف كيف يبحر رغمها.

في مطلع الثمانينيات، وقف عالم الرياضيات الأمريكي ثيودور كازينسكي في كوخه الصغير في مونتانا، يكتب بيده بياناً طويلاً ضد المجتمع الصناعي. بعد سنوات، سنعرف أن المجتمع الصناعي نفسه هو من سيطبع بيانه على أوراق أكثر فخامة، عندما أجبرت صحيفتا واشنطن بوست ونيويورك تايمز على نشره تحت تهديد التفجيرات. كان الرجل المعروف بيونابومبر يرى أن التكنولوجيا ستسلب الإنسان حريته. قصة غريبة ليبدأ بها فصل عن الحساب، لكن برايدل يضعها عمداً، لأن كازينسكي كان قبل أن يصبح إرهابياً، عبقرياً في الرياضيات، يدرس ما يسمى بالأنظمة المعقدة. وما فشل في رؤيته هو أن الأنظمة المعقدة لا تحتاج إلى مؤامرة لتكون قمعية، يكفي أن تكون معقدة لدرجة لا نفهمها.

هذا هو جوهر فصل الحساب Calculation، وهو ربما أكثر فصول الكتاب إثارة للقلق. يأخذنا برايدل إلى قلب ما يسمى اليوم بالذكاء الاصطناعي، ويكشف أنه ليس ذكاءً بالمعنى الذي نفهمه، بل هو حساب إحصائي هائل. يذكرنا بأن الحاسوب في الأصل هو آلة حساب، calculator، لكن الحساب الحديث لم يعد جمعاً وطرحاً، بل أصبح تقديراً احتمالياً. عندما تطلب من جوجل ترجمة جملة، أو من فيسبوك أن يريك ما يهمك، فالآلة لا تفهم المعنى، بل تحسب الاحتمال الأكثر ترجيحاً بناء على مليارات الأمثلة السابقة.

المشكلة، كما يشرح برايدل، أن هذا النوع من الحساب ينتج عنه ما يسميه المهندسون بـ black box، الصندوق الأسود. خوارزمية التعلم العميق تتكون من ملايين المعاملات التي تعدل نفسها بنفسها أثناء التدريب. في النهاية، تعطيك نتيجة صحيحة في كثير من الأحيان، لكن لا أحد، ولا حتى من صممها، يستطيع أن يشرح لماذا اتخذت هذا القرار بالذات. وهنا يضرب مثالاً صادماً لا يزال يتردد في المحاكم حتى اليوم: نظام كومباس COMPAS المستخدم في المحاكم الأمريكية لتقييم خطر عودة المجرم إلى الجريمة. هذا النظام، الذي تبيعه شركة خاصة، يقرر ما إذا كان شخص ما يجب أن يبقى في السجن أو يخرج بكفالة، بناء على حساب غامض. وعندما حلل صحفيون من موقع بروبابليكا قراراته، وجدوا أنه يميل بشكل ممنهج إلى الحكم على السود بأنهم أكثر خطراً من البيض، حتى عندما تكون سوابقهم متشابهة. الشركة رفضت كشف كيفية عمل الخوارزمية، بحجة الأسرار التجارية. وهكذا أصبح لدينا عدالة تحكمها آلة عنصرية لا يمكن استجوابها.

برايدل يسمي هذا الشكل الجديد من السلطة بـ “الحساب دون فهم”. نحن ننتقل من عالم كان فيه للقرارات أسباب يمكن مناقشتها، إلى عالم تكون فيه القرارات نتائج إحصائية لا يمكن الطعن فيها. وعندما يخطئ الحساب، لا أحد يتحمل المسؤولية. الطيار الآلي يتحطم، والطبيب الذي وثق به يلام، والخوارزمية تظل بريئة.

ومن الحساب ينتقل إلى التعقيد Complexity، وهو الفصل الذي يكاد يكون فلسفياً. يستعير برايدل فكرة من علماء الأحياء: أن بعض الأنظمة معقدة بطبيعتها، وليست معقدة فقط لأننا لم نفهمها بعد. الفرق دقيق لكنه حاسم. النظام المعقد ليس آلة ساعة يمكن تفكيكها قطعة قطعة وفهمها. هو مثل الطقس، أو مثل سوق الأسهم، أو مثل مدينة كبيرة. كل جزء فيه يؤثر في الأجزاء الأخرى بطرق غير خطية، وتظهر خصائص جديدة على مستوى الكل لا يمكن التنبؤ بها من دراسة الأجزاء.

ويقدم مثالاً مذهلاً من عالمه كفنان. في عام 2014، اكتشف أن هناك فيديوهات على يوتيوب مصنوعة بالكامل بواسطة خوارزميات لأطفال، شخصيات كرتونية غريبة تردد أغاني مسخ، تحصد ملايين المشاهدات. هذه الفيديوهات لم يصنعها بشر، بل صنعتها خوارزميات تحاول إرضاء خوارزمية أخرى، خوارزمية يوتيوب التي تقترح الفيديوهات. خوارزمية تخاطب خوارزمية بلغة لا يفهمها الأطفال ولا آباؤهم. هذا هو التعقيد الحقيقي للشبكة. لم يعد الإنسان هو المستخدم الوحيد للإنترنت. جزء هائل من حركة البيانات اليوم هو آلات تتحدث إلى آلات، تتفاوض، تبيع، تشتري، تخدع بعضها بعضاً، ونحن في الوسط نراقب شيئاً لا نفهمه.

في ذروة هذا التشابك، يصل برايدل إلى فصل الإدراك Cognition، حيث يوجه ضربة قاضية لأكثر أساطير عصرنا رواجاً: أسطورة الذكاء الاصطناعي الخارق الذي سيصبح مثلنا أو أذكى منا. يقول برايدل إننا وقعنا في فخ لغوي. عندما سمينا هذه الأنظمة “ذكية”، تصورنا أنها تفكر مثلنا، لكن بدرجة أفضل. الحقيقة أن الذكاء ليس شيئاً واحداً، بل هو طيف واسع من طرق الوجود في العالم. ذكاء الأخطبوط يختلف تماماً عن ذكاء الغراب، وذكاء الغراب يختلف عن ذكاء الإنسان، وذكاء الإنسان نفسه ليس مركزياً في الدماغ فقط، بل موزع في الجسد والثقافة والأدوات.

ويأخذنا إلى تجربة شهيرة أجراها عالما النفس روزنتال وجاكوبسون في ستينيات القرن الماضي: أخبروا معلمين أن بعض الطلاب في صفهم عباقرة، بينما كان هؤلاء الطلاب عاديين تماماً. وبعد سنة، وجدوا أن هؤلاء الطلاب فعلاً تحسن أداؤهم بشكل مذهل، لأن المعلمين عاملوهم على أنهم أذكياء. هذا ما يسمى بتأثير بجماليون. برايدل يقول إننا نفعل نفس الشيء مع الآلات. نحن نسميها ذكية، فنبدأ في معاملتها على أنها ذكية، فنمنحها سلطة لا تستحقها.

ثم يعرض لنا أبحاثاً حديثة عن ذكاء الحيوانات والنباتات. شجرة الزان تتواصل مع أشجار أخرى عبر شبكة فطرية تحت الأرض، ترسل لها المغذيات وتحذرها من الحشرات. الأخطبوط يحل مسائل معقدة بأذرعه الثماني التي تحتوي كل واحدة منها على دماغ صغير مستقل. هذه أشكال إدراك لا مركزية، موزعة، تعاونية، لا تشبه أبداً نموذج الدماغ المركزي الذي بنينا عليه حواسيبنا. عندما نصر على أن الذكاء هو ما تفعله حواسيبنا، فإننا لا نرفع من شأن الحواسيب، بل نحط من شأن كل أشكال الذكاء الأخرى في الكوكب، بما في ذلك ذكاؤنا نحن.

الخلاصة التي يصل إليها برايدل في هذه الثلاثية ثقيلة: نحن نستخدم حساباً لا نفهمه لنبني أنظمة معقدة لا يمكن التحكم فيها، ثم نسمي نتيجة ذلك ذكاءً ونسلمها زمام أمورنا. هذا ليس تقدماً تقنياً، بل هو تنازل معرفي. لقد توقفنا عن محاولة الفهم، واكتفينا بالحصول على النتائج. وإذا كان العصر المظلم الأول قد تميز بأن الناس آمنوا بما لا يفهمونه لأن الكهنة قالوا لهم ذلك، فإن العصر المظلم الجديد يتميز بأن الناس يؤمنون بما لا يفهمونه لأن الخوارزمية قالت لهم ذلك. الفرق الوحيد أن الكاهن الجديد لا يعرف هو نفسه لماذا قال ما قال.

في عام 2010، جلس مهندس شاب في مكتب جميل في وادي السيليكون، يكتب سطراً من الكود. كان يعمل على تحسين خوارزمية لاقتراح مقاطع فيديو على يوتيوب. كان سعيداً، راتبه مجزٍ، ومكتبه يقدم قهوة مجانية. في نفس الوقت، على بعد آلاف الكيلومترات، في قاعدة عسكرية في نيفادا، كان طيار يجلس في حاوية مكيفة، يحدق في شاشة، ويضغط على زر فيقتل شخصاً في وزيرستان لم يره في حياته، اعتماداً على بيانات جمعتها نفس البنية التحتية التي كان المهندس يحسنها. هذه ليست قصة خيالية، بل هي البنية الحقيقية لعالم اليوم، وهي ما يسميه جيمس برايدل في الفصل السادس بالتواطؤ Complicity.

التواطؤ، عند برايدل، ليس أنك شخص سيئ يفعل أشياء سيئة، بل أنك شخص عادي يعمل داخل نظام معقد لدرجة أنك لا تستطيع رؤية نتائج عملك. هذا هو الدرس الأكثر مرارة في العصر المظلم الجديد. لم تعد هناك حاجة لأشرار بملامح واضحة. يكفي أن تكون لدينا تقسيم عمل هائل، وتجريد للمعلومات، حتى نصبح جميعاً متواطئين دون أن نعرف. يأخذنا برايدل إلى وادي السيليكون ليفكك أسطورة المبرمج البريء. يروي كيف أن شركات مثل جوجل وفيسبوك وبالنتير Palantir بنت أدوات تحليل البيانات الضخمة بدعوى تنظيم العالم وجعله أكثر انفتاحاً، ثم باعت نفس الأدوات لوكالة الأمن القومي ولوزارة الدفاع الأمريكية ولوكالات الهجرة. الموظفون الذين صمموا أدوات البحث عن الإرهابيين وجدوا أنفسهم يصممون أدوات لملاحقة المهاجرين وأطفالهم على الحدود. وعندما احتج بعضهم، قيل لهم إن هذه مجرد أدوات محايدة، وإن استخدامها ليس مسؤوليتهم.

لكن برايدل يذهب أبعد من لوم الشركات. يقول إن التواطؤ مبني في البنية التحتية نفسها. خادم البيانات الذي يحفظ صور قطتك، هو نفسه الذي يحفظ صور المراقبة الجماعية. كابل الألياف الضوئية الذي ينقل مكالمة فيديو لجدتك، هو نفسه الذي ينقل أوامر طائرة مسيرة. لا يمكنك فصل الاستخدام الجيد عن الاستخدام السيئ، لأن النظام مصمم ليكون غير مرئي وغير قابل للفصل. وهذا يخلق نوعاً جديداً من العجز الأخلاقي. حتى لو أردت أن تكون نقياً، لا يمكنك. مجرد امتلاكك لهاتف ذكي يجعلك جزءاً من سلسلة توريد تشمل مناجم الكوبالت في الكونغو التي يعمل فيها الأطفال، ومصانع التجميع في الصين، ومكبات النفايات الإلكترونية في غانا. التواطؤ لم يعد خياراً، بل أصبح حالة وجودية.

ومن هذا الشعور الثقيل بالتواطؤ والعجز، يولد الفصل التالي الأكثر إظلاماً: المؤامرة Conspiracy. إذا كان الفصل السابق يقول إن النظام معقد لدرجة أن لا أحد يسيطر عليه، فإن فصل المؤامرة يقول إن عقولنا لا تستطيع تحمل هذه الفكرة. الإنسان كائن يبحث عن القصة، عن السبب، عن الفاعل. عندما يواجه نظاماً معقداً بلا وجه، فإنه يخترع وجهاً له. وهذا بالضبط ما يفعله الإنترنت.

يعود برايدل إلى حادثة بيتزاغيت الشهيرة عام 2016، عندما اقتنع رجل أمريكي بأن مطعم بيتزا في واشنطن هو واجهة لشبكة دعارة أطفال يديرها الديمقراطيون، فحمل سلاحه وذهب ليحرر الأطفال. لم يكن الرجل مجنوناً بالمعنى الطبي السريري، بل كان منطقياً بطريقة مأساوية. لقد كان يطبق نفس المنهجية التي يطلبها منه الإنترنت كل يوم: اربط النقاط، ابحث في البيانات، اكتشف النمط الخفي. المشكلة أن الإنترنت يوفر لك عدداً لا نهائياً من النقاط لتربطها. أي رسالتي بريد إلكتروني مسربتين، وصورة لمطعم، وتغريدة لسياسي، يمكن أن تتحول إلى دليل قاطع إذا كنت تريد لها أن تكون كذلك.

برايدل يجادل بأن نظريات المؤامرة ليست خللاً في الإنترنت، بل هي نتاج طبيعي لمنطقه. محرك البحث جوجل يعمل على مبدأ أن كل شيء مرتبط بكل شيء، وأن الأكثر ارتباطاً هو الأكثر حقيقة. يوتيوب يعمل على مبدأ أنه إذا شاهدت فيديو عن الأرض المسطحة، فستشاهد فيديو آخر أكثر تطرفاً ليبقيك على المنصة. هذه ليست مؤامرة من جوجل، بل هي مؤامرة بلا متآمرين، مؤامرة تظهر تلقائياً من تفاعل خوارزميات تريد زيادة التفاعل وبشر يريدون تفسيراً بسيطاً لعالم معقد.

والأخطر أن برايدل يرينا كيف أن خطاب مكافحة نظريات المؤامرة نفسه أصبح جزءاً من المشكلة. عندما نقول للناس إنهم يؤمنون بنظرية مؤامرة، فنحن نستخدم نفس لغة المؤامرة: هناك حقيقة خفية يعرفها الخبراء، وأنتم الجهلة لا تعرفونها. هذا يعزز الشعور بأن هناك نخبة تخفي الحقيقة. الحل، كما يقترحه برايدل، ليس المزيد من التصحيح وتفنيد الحقائق، لأن التفنيد يفترض أن المشكلة هي نقص معلومات، بينما المشكلة هي وفرة معلومات بلا سياق وبلا ثقة. الثقة هي التي انهارت، وليست المعلومات.

ثم يأتي الفصل التاسع، التزامن Concurrency، وهو فصل يبدو تقنياً لكنه في الحقيقة عن الزمن نفسه. كلمة concurrency في علوم الحاسب تعني حدوث أشياء كثيرة في نفس الوقت. حياتنا اليوم متزامنة بشكل لم يسبق له مثيل. آلاف الفيديوهات تُبث مباشرة الآن، ملايين المحادثات تجري في نفس اللحظة، خوارزميات التداول تبيع وتشتري في جزء من الثانية. برايدل يأخذنا إلى عالم البث المباشر على فيسبوك ويوتيوب، حيث يصور الناس حياتهم وموتاهم في الزمن الحقيقي. يروي قصة مقلقة عن موقع بث مباشر كان يستخدمه مراهقون لنشر لحظات انتحارهم، بينما خوارزمية الموقع تقترح الفيديو لآخرين لأنه يحقق مشاهدة عالية.

التزامن يدمر قدرتنا على التفكير التاريخي. عندما يحدث كل شيء الآن، يصبح الماضي غير مهم والمستقبل غير قابل للتخيل. نحن نعيش في حاضر دائم، حاضر مسطح، حيث تغريدة من عام 2012 يمكن أن تظهر بجانب خبر عاجل، وكلاهما له نفس الوزن. هذا الحاضر الدائم هو ما يجعل التخطيط للمستقبل، سواء كان مستقبل المناخ أو مستقبل الديمقراطية، مستحيلاً. كيف يمكنك أن تخطط لخمسين سنة قادمة، بينما شاشتك تطلب منك الرد في خمس ثوان؟

يقول برايدل هذه الثلاثية القاتمة: التواطؤ يجعلنا مذنبين دون أن نعرف، المؤامرة تعطينا قصة كاذبة لنبرر ذنبنا، والتزامن يمنعنا من التوقف والتفكير في القصة الحقيقية. نحن ندور في حلقة مفرغة من الفعل غير المفهوم، والتفسير الخاطئ، والاستجابة الفورية. هذا هو جوهر العصر المظلم الجديد، ليس أننا لا نملك نوراً، بل أننا نملك الكثير من الأضواء الساطعة الوامضة التي تعمينا عن رؤية الظلام الذي نصنعه بأيدينا.

في صيف عام 2015، وقفت سفينة غريبة قبالة سواحل مدينة مرسيليا الفرنسية، تسحب خلفها حزمة كابلات سميكة كذراع رجل. على الشاطئ، كان عمال يرتدون خوذاً برتقالية يحفرون خندقاً في الرمال. لم يكن أحد من المارة يعرف أن ما يحدث هو ولادة جزء صغير من السحابة. كان هذا هو الكابل البحري الجديد SEA-ME-WE 5، الذي يربط أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا، يمر بمصر التي تقف على مفترق كل كابلات العالم تقريباً. هذه الصورة هي التي يختم بها جيمس برايدل كتابه في فصله الأخير، فصل السحابة Cloud، ليهدم تماماً آخر أوهامنا عن هذا العالم الرقمي الخفيف.

نحن نعيش في مصر، ونمر يومياً بجانب هذه البنية التحتية دون أن نراها. في أبو تلات بالإسكندرية، وفي الزعفرانة على البحر الأحمر، تخرج الكابلات من البحر، تدخل إلى مبانٍ صغيرة بلا نوافذ، محاطة بأسوار عالية وكاميرات. هذه هي النقاط التي يلمس فيها الإنترنت الأرض، وهذه هي السحابة الحقيقية. ليست بيضاء ولا ناعمة، بل هي نحاس وصلب وبلاستيك، واتفاقيات دولية معقدة، وحقوق مرور، وتهديدات جيوسياسية. عندما تقطع سفينة مرساها بالخطأ كابلاً في البحر المتوسط، كما حدث عدة مرات، يتباطأ الإنترنت في الهند وباكستان. عندما تقرر الحكومة المصرية، كما فعلت في يناير 2011، أن تطفئ الإنترنت، فإنها لا تطفئ سحابة في السماء، بل تطفئ مفاتيح كهربائية في غرف محددة.

برايدل يأخذنا في جولة عالمية لتتبع جسد السحابة. يذهب إلى مراكز البيانات في ولاية أوريغون الأمريكية، حيث تستهلك كل قاعة خوادم من الكهرباء ما تستهلكه بلدة صغيرة، وحيث يتطلب تبريدها ملايين الجالونات من الماء. يذهب إلى مناجم الليثيوم في تشيلي التي تصنع منها بطاريات هواتفنا، وإلى مناجم الكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية. يذهب إلى مقلب أغبوغبلوشي في غانا، حيث يحرق الأطفال الأسلاك النحاسية من أجهزة الكمبيوتر القديمة لاستخراج المعادن، ويتنشقون دخاناً ساماً. السحابة لها وزن، لها حرارة، لها رائحة دخان. وعندما نسميها سحابة، فإننا نقوم بعملية غسيل لغوي، ننظفها من دمها وترابها.

لكن الفصل الأخير ليس مجرد كشف مادي، بل هو محاولة للإجابة على السؤال الذي تركه معلقاً طوال الكتاب: إذا كنا في عصر مظلم جديد، فكيف نخرج منه؟ برايدل يرفض تماماً الحلول التقنية السهلة. لا يقول لنا احذفوا فيسبوك، ولا يقول نظموا الإنترنت بقوانين أكثر. يقول إن المشكلة أعمق، وهي في طريقة تفكيرنا نفسها. نحن ورثنا من عصر التنوير فكرة أن المعرفة هي تراكم حقائق، وأن الحقيقة يمكن اختزالها في بيانات، وأن الفهم يعني القدرة على التنبؤ والتحكم. هذه الفكرة هي التي بنت السحابة، وهي نفسها التي تجعلنا عاجزين أمامها.

يقترح برايدل بدلاً من ذلك ما يسميه محو الأمية النظامية systemic literacy. ليس محو الأمية الرقمية بمعنى تعلم البرمجة، بل محو أمية من نوع جديد: القدرة على رؤية الأنظمة، على فهم الترابطات، على التفكير بشكل بيئي وليس بشكل آلي. يضرب مثلاً من علم الأحياء مرة أخرى. عندما ننظر إلى غابة، لا نرى أشجاراً منفصلة، بل نرى نظاماً بيئياً، شبكة من العلاقات بين الأشجار والفطريات والحيوانات والتربة والمناخ. نحن لا نحاول التحكم في الغابة، بل نحاول فهمها والعيش ضمنها. لماذا لا ننظر إلى شبكتنا التقنية بنفس الطريقة؟

هذا يتطلب ما يسميه علم الجمال الجديد New Aesthetic، وهو مصطلح يقصد به جعل غير المرئي مرئياً. أن نبدأ في رؤية البكسلات، ورؤية الكابلات، ورؤية الخوارزميات وهي تعمل. أن نرسم خرائط جديدة لا تخفي التعقيد بل تكشفه. يذكر مشروعاً فنياً قام به، حيث وضع سيارة ذاتية القيادة في موقف سيارات ورسم حولها خطوطاً بيضاء تشبه تلك التي تراها السيارة، ليظهر كيف ترى الآلة العالم. كانت النتيجة أن السيارة ارتبكت وتوقفت. عندما جعلنا رؤيتها مرئية لنا، كشفنا حدودها.

ويختم برايدل كتابه بعودة إلى فيرجينيا وولف وندائها للتفكير. يقول إن الخروج من العصر المظلم لا يكون بمزيد من الضوء، بل بتعلم الرؤية في الظلام. الظلام هنا ليس جهلاً، بل هو الاعتراف بحدود المعرفة، هو التواضع أمام التعقيد. يقتبس من كتاب السحابة الصوفي مرة أخرى: لا يمكنك اختراق السحابة بالمعرفة، بل بالحب. والحب هنا ليس عاطفة رومانسية، بل هو ممارسة، هو الاهتمام، هو الرعاية، هو الاعتراف بأننا مترابطون وأن أفعالنا لها عواقب لا نراها.

٠ الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى