التاريخ المبتور: الحاضرية وتقصير المنظور في كتابة التاريخ الأفريقي

تبدأ ورقة الماضي والحاضرية: فترة ما قبل الاستعمار وتقصير منظور التاريخ الأفريقي Past and Presentism: ThePrecolonial and the Foreshortening of African History من قلق عميق يشعر به المؤرخ الذي قضى سنوات طويلة في أرشيفات شرق أفريقيا، وهو أن التاريخ الأفريقي نفسه يتم تقزيمه أمام أعيننا، ليس بفعل قوى خارجية معادية للتاريخ، بل بفعل تحولات داخلية في مهنة التأريخ، وفي تمويل البحث، وفي الذوق العام، وفي السياسة الأكاديمية. الفكرة المحورية التي يصوغها ريد هي مفهومان متلازمان: الـ Presentism أو الحاضرية، أي قراءة الماضي كله من خلال عدسة الحاضر ومشكلاته، والـ Foreshortening أو تقصير المنظور التاريخي، أي اختزال آلاف السنين من التاريخ الأفريقي في قرن ونصف فقط هو القرن التاسع عشر والعشرون. ما يحدث، في نظر ريد، هو أن التاريخ الأفريقي الطويل، العميق، ما قبل الاستعمار، يتم طيه ودفعه إلى الهامش، بينما يتضخم تاريخ العبودية الأطلسية، والاستعمار، وما بعد الاستعمار، وحتى الأزمات المعاصرة كالإيدز والحرب والتنمية، ليحتل كل المساحة.
ريتشارد ريد ليس باحثا هامشيا يكتب من خارج الحقل، بل هو أحد أبرز المؤرخين المعاصرين لأفريقيا، متخصص في تاريخ إثيوبيا وإريتريا وأوغندا ومنطقة البحيرات العظمى، وله كتب عن الحرب والعنف في أفريقيا ما قبل الاستعمار، وبالتالي فهو يكتب من داخل المطبخ الأكاديمي وهو يرى كيف تتحول أولويات التمويل والنشر. يفتتح ورقته بملاحظة كمية بسيطة لكنها كاشفة: لو استعرضت عناوين الكتب والمقالات والأطروحات في الدراسات الأفريقية خلال العقدين الأخيرين، لوجدت أن الغالبية الساحقة تركز على فترة ما بعد 1850 تقريبا. حتى عندما يكتب المؤرخون عن تجارة الرقيق، فإنهم يكتبون عنها بوصفها بوابة لفهم الحاضر، عن الشتات والهوية والعنصرية، لا عن بنية المجتمعات الأفريقية الداخلية التي أنتجت وتفاعلت مع تلك التجارة على مدى قرون.
يعود ريد إلى الستينيات والسبعينيات، وهي ما يسميه العصر الذهبي القصير للتاريخ ما قبل الاستعماري. في تلك اللحظة التاريخية، كانت هناك حاجة سياسية وفكرية ملحة لإثبات أن لأفريقيا تاريخا قبل وصول الأوروبي. كانت موجة الاستقلال تتطلب سردية وطنية، وظهر جيل من المؤرخين الأفارقة والبريطانيين مثل بيثويل أوغوت وكينيث دايك وجان فانسينا الذين استخدموا التاريخ الشفهي واللسانيات والآثار لإعادة بناء ممالك ودول وشبكات تجارية عمرها قرون. كان التاريخ ما قبل الاستعماري آنذاك هو قلب المشروع الأفريقي. لكن هذا المشروع سرعان ما انحسر. يسرد ريد أربعة أسباب مترابطة لهذا الانحسار.
السبب الأول هو خيبة الأمل السياسية. الدولة الوطنية الأفريقية ما بعد الاستقلال لم تحقق وعودها، ودخلت في أزمات انقلابات وحروب أهلية وانهيار اقتصادي في السبعينيات والثمانينيات. فبدأ المؤرخون، وخاصة من اليسار، يطرحون سؤالا مختلفا: لماذا فشلت الدولة؟ وهذا السؤال جرهم قسرا نحو دراسة الاستعمار نفسه، لأنه هو من رسم الحدود وصمم مؤسسات الدولة. وهكذا تحول التركيز من ممالك بوغندا وأشانتي وزولو في القرن الثامن عشر إلى دراسة الإدارة الاستعمارية البريطانية والفرنسية.
السبب الثاني هو التحول النظري في الأكاديميا الغربية عموما. مع صعود ما بعد الحداثة والدراسات الثقافية ودراسات الخطاب، أصبح الاهتمام منصبا على تمثيل أفريقيا، وعلى الاستشراق، وعلى كيفية كتابة الآخر. أصبح من الأكثر جاذبية أن تكتب عن روايات المستكشفين الأوروبيين عن أفريقيا، من أن تكتب عن نظام الري في مرتفعات إثيوبيا في القرن الخامس عشر. التاريخ أصبح تاريخا للتمثيلات أكثر منه تاريخا للوقائع والمجتمعات.
السبب الثالث، وهو الأهم في تحليل ريد، هو اقتصاد البحث نفسه. يقول ريد إن البحث التاريخي في أفريقيا اليوم ممول في الغالب من مؤسسات تنموية، ومن منظمات غير حكومية، ومن مجالس بحثية غربية تريد أجوبة لمشاكل آنية: الفقر، الصراع، الإيدز، الديمقراطية، حقوق الإنسان، المصالحة. الممول لا يريد أن يعرف كيف كانت مملكة بوروندي تدير العدالة في 1700، بل يريد أن يعرف لماذا حدثت الإبادة الجماعية في رواندا في 1994، وكيف يمكن منعها. وهذا يخلق ما يسميه ريد بـ NGO-ization of history، أي تحويل التاريخ إلى أداة لحل مشاكل المنظمات غير الحكومية. فتجد أطروحات لا حصر لها عن العنف الجنسي في الحرب الأهلية، وعن أطفال الجنود، وعن ذاكرة الاستعمار، بينما يختفي البحث عن أنظمة الحكم ما قبل الاستعمارية، عن الزراعة، عن التكنولوجيا المحلية، عن الفكر الديني الداخلي.
السبب الرابع هو أخلاقي وسياسي، وهو شعور بالذنب الغربي. بعد عقود من تجاهل تجارة الرقيق، أصبح هناك اندفاع هائل لدراستها، لكنها دراسة تتمحور حول الذنب الغربي والتعويض والاعتذار. مرة أخرى، أفريقيا تصبح موضوعا للذنب الأوروبي، وليس فاعلا تاريخيا مستقلا. التاريخ الأفريقي يصبح مجرد مقدمة طويلة لتجارة الرقيق، وتجارة الرقيق مقدمة للعنصرية الغربية.
هنا يدخل مفهوم التقصير البصري أو Foreshortening. ريد يستعير المصطلح من الرسم، حيث يبدو الجسم القريب ضخما بينما يصغر البعيد. هكذا أصبح القرن العشرون ضخما، يملأ كل الكتب، بينما تبدو القرون من الخامس إلى الثامن عشر صغيرة وبعيدة وضبابية. النتيجة الخطيرة، كما يجادل، هي أننا فقدنا القدرة على فهم جذور الظواهر الأفريقية المعاصرة نفسها. لا يمكنك أن تفهم لماذا تنهار الدولة في الصومال اليوم دون أن تفهم أنماط الرعي والصراع على الماء في القرن السادس عشر، ولا يمكنك أن تفهم طبيعة السلطة في أوغندا دون أن تفهم مفهوم الكباكا في مملكة بوغندا. عندما نقطع التاريخ، نحن لا نقطع الماضي فقط، بل نقطع قدرتنا على تفسير الحاضر بعمق.
ريد يخصص جزءا مهما من الورقة لنقد ما يسميه الأدب الأفرو-مركزي Afrocentric الذي ملأ الفراغ الذي تركه البحث الجاد. عندما انسحب المؤرخون المحترفون من دراسة الماضي العميق، تقدم كتاب غير متخصصين ليكتبوا قصصا مجيدة عن أفريقيا القديمة، عن مصر الفرعونية، عن ممالك عظيمة، لكنها قصص بلا منهج ولا أرشيف، تستبدل الأسطورة بالبحث. وهو يميز بين هذا الأدب الشعبي وبين ما تريده الجماهير. يلاحظ أن القراء العاديين، حتى في بريطانيا، لا يزالون مفتونين بقصص القرن التاسع عشر الأفريقي، بقصة الإمبراطور تيودروس في إثيوبيا، أو بحرب الزولو عام 1879، والتي صدر عنها وحده في عام 2010 أربعة كتب موجهة لهواة التاريخ العسكري. هناك تعطش للقصة البطولية، للمحارب الأفريقي النبيل المهزوم في النهاية، لكن الأكاديميا لا تلبي هذا التعطش ببحث رصين، فتتركه للصحافة التجارية.
عند هذا التوتر: بين سوق شعبية تريد الماضي الدرامي، وأكاديميا تريد الحاضر المفيد، وبينهما يضيع التاريخ الأفريقي الطويل. يمهد في الصفحات التالية لتقديم أمثلة ملموسة من شرق أفريقيا، وتحديدا من أوغندا وإثيوبيا، ليبين كيف أن تجاهل الماضي العميق يؤدي إلى سوء فهم كارثي للحرب والعنف والسلطة اليوم.
ينتقل ريتشارد ريد بعد تشخيصه العام لظاهرة التقصير التاريخي إلى تشريح الآلية المؤسسية التي تنتج هذا التقصير، وهي آلية لا تتعلق بنوايا سيئة لدى المؤرخين بقدر ما تتعلق ببنية اقتصاد المعرفة نفسه. يصف ريد كيف تحولت الجامعات الغربية، وخاصة في بريطانيا وأمريكا، إلى مؤسسات تعتمد بشكل متزايد على التمويل الخارجي المشروط. المجلس البريطاني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية، ومؤسسة ويلكوم للأبحاث الطبية، والاتحاد الأوروبي، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، كلها لا تمول مشروعا عنوانه “أنظمة الحكم في مملكة بونيورو 1650-1800”. هي تمول مشروعا عنوانه “الصراع والحوكمة والصحة العامة في منطقة البحيرات العظمى: دروس للمصالحة”. وهكذا يجد الباحث الشاب نفسه مضطرا لإعادة تغليف شغفه بالماضي العميق في لغة الحاضر. يكتب مقترحا عن الحرب في القرن التاسع عشر، لكنه يبرره بأنه سيساعدنا على فهم تجنيد الأطفال اليوم. يكتب عن الطب التقليدي في القرن السابع عشر، لكنه يقول إنه سيساهم في فهم وباء الإيدز. في البداية تكون هذه مجرد استراتيجية لغوية للحصول على التمويل، لكنها مع الوقت تتحول إلى طريقة تفكير. يبدأ الباحث نفسه في تصديق أن الماضي لا قيمة له إلا بمقدار ما يخدم الحاضر، وتلك هي الحاضرية في أخطر صورها.
ويضرب ريد مثالا من تجربته في أوغندا. عندما بدأ العمل في أرشيفات بوغندا، كان مهتما بتاريخ مؤسسة الكباكا، الملكية المقدسة، وكيف تطورت عبر أربعة قرون من نظام حكم قائم على القرابة والطقوس إلى دولة عسكرية مركزية. لكنه وجد أن كل الأسئلة التي تطرح عليه في المؤتمرات، وكل تعليقات المحكمين على أوراقه، كانت تدور حول سؤال واحد: ما علاقة هذا بعيدي أمين؟ ما علاقة هذا بميلتون أوبوتي؟ ما علاقة هذا بحرب الشمال مع جيش الرب؟ كأن أربعة قرون من التاريخ لا تكتسب شرعيتها إلا إذا كانت تفسيرا لعقدين من الدكتاتورية. وهذا بالضبط ما يسميه ريد اختطاف الماضي لخدمة حاضر مضطرب. بل إن هذا الاختطاف ينتج تاريخا مشوها، لأننا عندما نقرأ مملكة بوغندا في القرن الثامن عشر كمجرد مقدمة لعيدي أمين، فإننا نحولها إلى قصة حتمية عن الاستبداد الأفريقي، ونغفل عن كل ما فيها من مرونة وتفاوض وتوازنات وابتكار سياسي.
ثم ينتقل ريد إلى تأثير حقل دراسات الذاكرة والإبادة الجماعية، وهو حقل نما بشكل هائل بعد مآسي رواندا والبوسنة. يقول إن هناك اليوم مكتبة كاملة عن الإبادة في رواندا عام 1994، وهي مأساة تستحق الدراسة بلا شك، لكن المشكلة هي أن هذه المكتبة بدأت في ابتلاع كل التاريخ الرواندي السابق. أصبح تاريخ رواندا كله يقرأ كمسار حتمي نحو الإبادة. المؤرخون يبحثون في مملكة رواندا في القرن التاسع عشر عن جذور الانقسام بين الهوتو والتوتسي، ويتجاهلون أن هذا الانقسام نفسه كان مرنا ومتحولا ولم يكن هوية صلبة بالمعنى الحديث. النتيجة هي أننا نكتب تاريخا غائيا، تاريخا يرى النهاية معروفة سلفا، فيفسر كل شيء في الماضي على ضوء تلك النهاية. وهو يستدعي هنا مقولة المؤرخ البريطاني ج. هـ. بلمب J.H. Plumb التي تقول إن الماضي يموت عندما يصبح مجرد تعليق على الحاضر.
ويقدم ريد مقارنة مضيئة: يقول إن ما يحدث للتاريخ الأفريقي يشبه ما حدث للتاريخ الأوروبي لفترة وجيزة بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أصبح كل التاريخ الألماني يقرأ كطريق حتمي نحو هتلر. استغرق المؤرخون الألمان عقودا للخروج من هذا الفخ، وليكتبوا تاريخا ألمانيا لا يكون مجرد مقدمة للرايخ الثالث. أفريقيا اليوم عالقة في نفس الفخ، لكن الفخ أوسع، لأن النهاية المأساوية التي نفسر بها كل شيء ليست حدثا واحدا، بل سلسلة من النهايات المأساوية: العبودية، الاستعمار، الفشل، الحرب، المرض.
في الصفحات الوسطى من الورقة، يتوقف ريد عند مفهومين يرى أنهما كانا ضحية هذا التقصير: مفهوم الدولة ومفهوم العنف. في الكتابات الرائجة اليوم، تظهر الدولة الأفريقية ما قبل الاستعمار ككيان هش، استبدادي، غير قادر على حماية شعبه، وبالتالي فهي تمهد لفكرة الدولة الفاشلة المعاصرة. لكن الأرشيف يقول عكس ذلك تماما. يأخذ ريد مثال إثيوبيا التي يعرفها جيدا. في القرن السادس عشر والسابع عشر، كانت الإمبراطورية الإثيوبية تدير نظاما معقدا لتعبئة الموارد، ونظاما قضائيا متنقلا يرافق الإمبراطور، وشبكة أديرة تحفظ المعرفة. كانت دولة قوية بمعايير عصرها، قادرة على صد الغزو العثماني والبرتغالي. لكنك لن تجد هذا في الكتب المدرسية التي تختزل تاريخ إثيوبيا في مجاعة 1984 وحربها مع إريتريا.
والأمر نفسه ينطبق على العنف. اليوم، يكتب الكثيرون عن العنف في أفريقيا كأنه جزء من طبيعة أفريقية، أو كأنه نتاج مباشر للاستعمار. ريد، الذي كتب كتابه الشهير “الحرب في ما قبل الاستعمار في شرق أفريقيا”، يجادل أن العنف كان له تاريخ، وله منطق، وله أخلاقيات. الحرب في مملكة بونيورو لم تكن فوضى، بل كانت مؤسسة اجتماعية منظمة لها مواسمها وقواعدها وطقوسها للمصالحة. عندما نتجاهل هذا التاريخ، فإننا نحول العنف المعاصر إلى شيء غامض وغير مفهوم، أو نلصقه بالاستعمار وحده، فنفقد القدرة على رؤية الاستمراريات الحقيقية. الاستمرارية ليست أن الأفارقة عنيفون بطبيعتهم، بل أن هناك ثقافات عسكرية قديمة تم تدميرها وتشويهها ثم إعادة توظيفها بشكل مشوه في الدولة الحديثة.
ثم يصل ريد إلى نقطة حادة تتعلق بالجمهور. من يقرأ التاريخ الأفريقي؟ يقول إن هناك انفصالا متزايدا بين ما يكتبه الأكاديميون وما يريد الجمهور قراءته. الجمهور، سواء في أفريقيا أو في الغرب، لا يزال يريد قصصا عن ملوك ومحاربين ورحلات. والدليل هو النجاح التجاري الهائل لكتب التاريخ العسكري الشعبي عن حروب الزولو أو عن مقاومة المهدي في السودان. لكن الأكاديميا تحتقر هذا النوع من التاريخ وتعتبره قديما وذكوريا وعسكريا. فتترك الساحة لكتاب هواة يكتبون قصصا مثيرة لكنها مليئة بالأخطاء والرومانسية الاستعمارية، بينما ينكفئ الأكاديميون على كتابة مقالات معقدة عن الخطاب والجسد والتمثيل لا يقرأها إلا خمسة من زملائهم.
هذه الفجوة، في نظر ريد، هي أخطر ما في الأمر، لأنها تعني أن التاريخ الأفريقي العميق يموت مرتين: مرة عندما لا يموله أحد، ومرة عندما لا يقرأه أحد. وهو يحذر من أن النتيجة النهائية ستكون جيل كامل من الطلاب الأفارقة أنفسهم الذين يعرفون كل شيء عن تجارة الرقيق عبر الأطلسي، ولا يعرفون شيئا عن تجارة الذهب والملح عبر الصحراء التي استمرت ألف عام قبلها، ويعرفون كل شيء عن مؤتمر برلين 1884، ولا يعرفون شيئا عن مؤتمر الملوك في إثيوبيا في القرن الخامس عشر.
وينهي هذا الجزء من الورقة بنداء غير مباشر لزملائه: إذا كنا نريد أن نفهم أفريقيا حقا، فلا بد أن نستعيد شجاعة المؤرخين الأوائل في الستينيات، لكن بأدوات اليوم. أن نعود إلى الأرشيف، إلى اللغات المحلية، إلى علم الآثار، وأن نكتب تاريخا لا يعتذر عن كونه قديما، تاريخا يؤمن بأن الماضي له قيمة في ذاته، وليس فقط لأنه يفسر الإيدز أو الحرب.
ينتقل ريتشارد ريد في ثلث الورقة الأخير إلى ما يمكن تسميته جغرافيا إنتاج المعرفة، ويسأل سؤالا بسيطا لكنه مؤلم: أين يدرس التاريخ الأفريقي اليوم، ومن يدرسه، وبأي لغة؟ في الستينيات، كان قسم التاريخ في جامعة ماكيريري في كمبالا، أو في جامعة إبادان في نيجيريا، أو في جامعة دار السلام، هو القلب النابض لإنتاج التاريخ ما قبل الاستعماري. كان الطلاب يتعلمون لغاتهم المحلية كلغات أرشيف، ويذهبون إلى القرى ليسجلوا التاريخ الشفهي من أفواه الشيوخ. كان هناك إيمان بأن الأفريقي هو صاحب تاريخه. اليوم، يقول ريد، انقلبت الصورة. أقسام التاريخ في كثير من الجامعات الأفريقية تعاني من نقص حاد في التمويل والكوادر والمكتبات، وأصبحت تعتمد على مناهج مستوردة تركز على مواضيع منها التنمية وحقوق الإنسان ، وهي مواضيع مهمة لكنها تأتي على حساب التخصص التاريخي العميق. الطالب في ماكيريري اليوم قد يتخرج دون أن يقرأ كتابا واحدا عن مملكة بوغندا قبل عام 1900، لكنه قرأ عشرات التقارير عن الحكم الرشيد. وهكذا يتم إنتاج جيل من المؤرخين الأفارقة أنفسهم لا يعرف تاريخ بلاده العميق.
في المقابل، في الجامعات الغربية، وخاصة في أمريكا الشمالية، حدث تحول ديموغرافي ومؤسسي آخر. لم تعد وظائف التاريخ الأفريقي تذهب بالضرورة لمؤرخين متخصصين في الأرشيف واللغات الأفريقية، بل أصبحت تذهب لباحثين قادمين من دراسات الشتات الأفريقي، أو من الدراسات الأمريكية الأفريقية، أو من دراسات العبودية. هذا ليس تقليلا من أهمية تلك الحقول، لكنه يعني أن الشخص الذي يدرس تاريخ أوغندا قد يكون في الحقيقة متخصصا في تجارة الرقيق عبر الأطلسي، ويقرأ أوغندا من خلال عيون أرشيفات ليفربول وجزر الكاريبي، لا من خلال عيون أرشيفات أوغندا نفسها. وهنا يعود مفهوم التقصير: أفريقيا تصبح مجرد ملحق لتاريخ الشتات، وليس مركزا تاريخيا قائما بذاته. حتى اللغة نفسها تتغير. قلة قليلة من طلاب الدكتوراه اليوم في الغرب يتعلمون الأمهرية أو اللوغندية أو التغري أو الكيسواحيلية القديمة. هم يتعلمون النظرية النقدية، ويقرؤون فوكو وأغامبن، لكنهم لا يستطيعون قراءة وثيقة محلية واحدة. كيف يمكن أن تكتب تاريخا عميقا لمجتمع دون أن تفهم لغته؟
ريد يخصص فقرة للحديث عن موت التاريخ الشفهي كمنهج. في السبعينيات، كان جان فانسينا يضع قواعد صارمة لكيفية جمع وتقييم الرواية الشفهية، وكان المؤرخون يقضون شهورا في القرى. اليوم، يعتبر هذا العمل مكلفا وبطيئا وغير مواكب للموضة. من الأسهل أن تذهب إلى أرشيف رقمي في لندن وتنزل وثائق وزارة المستعمرات، وتكتب عنها باستخدام برنامج لتحليل الخطاب. النتيجة هي أن الأرشيف الاستعماري نفسه، الذي كان المؤرخون الأوائل يحاولون تجاوزه والبحث خلفه، عاد ليصبح هو المصدر الوحيد. نحن نكتب تاريخ أفريقيا مرة أخرى من خلال عيون المستعمر، لكن هذه المرة بلباس نقدي. نكتب عن كيف مثل المستعمر الأفريقي، لا عن كيف كان الأفريقي يمثل نفسه.
وهنا يطرح ريد فكرة محورية يسميها استعادة الجسد السياسي الأفريقي. يقول إن التاريخ ما قبل الاستعماري لم يكن مجرد تاريخ ملوك، بل كان تاريخا لأفكار سياسية أصيلة. كانت هناك نظريات أفريقية عن العدالة، عن الشرعية، عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم، عن الثروة والفقر. في مملكة بوروندي مثلا، كان هناك مفهوم “أوبوغابو” الذي يعني التوازن بين القوة والرحمة، وكان الملك الذي يفشل في تحقيق هذا التوازن يفقد شرعيته ويقتل طقسيا. في إثيوبيا، كان هناك مفهوم “صهيون” كفكرة عن العدالة الإلهية على الأرض، وكانت الكنيسة تلعب دور المحكمة الدستورية. هذه الأفكار السياسية لم تأت من أوروبا، ولم تكن بدائية، بل كانت أنظمة فكرية معقدة تطورت عبر قرون. عندما نهمل دراسة هذه الأنظمة لأنها قديمة، فإننا نرسخ فكرة أن أفريقيا لم يكن لديها فكر سياسي قبل وصول الاستعمار، وأن كل مفاهيم الديمقراطية والعدالة مستوردة. وهذا خطأ تاريخي وسياسي فادح، لأنه يحرم الأفارقة اليوم من موارد فكرية محلية يمكن أن تساعدهم على بناء أنظمة حكم أكثر أصالة.
ويستمر ريد في تفنيد الحجة الشائعة التي تقول إن التركيز على الحاضر أكثر فائدة وأخلاقية. كثير من الباحثين الشباب يقولون له: لماذا أضيع وقتي في دراسة مملكة من القرن السابع عشر بينما هناك أطفال يموتون من الإيدز اليوم؟ وجواب ريد ليس إنكارا لأهمية الحاضر، بل هو أن الحاضر نفسه لا يمكن فهمه دون الماضي العميق. يأخذ مثالا من الصحة. كثير من الدراسات عن الإيدز في أوغندا تتحدث عن الوصمة والثقافة كعوائق أمام العلاج، وتلوم الثقافة الأفريقية. لكن لو درسنا تاريخ الطب في بوغندا، لوجدنا أن هناك تقليدا طويلا من الحجر الصحي، ومن تنظيم الأسواق لمنع انتشار الأمراض، ومن دور المعالجين التقليديين كجزء من نظام صحي متكامل. الثقافة ليست عائقا، بل هي مورد، لكننا لا نرى هذا المورد لأننا لا نعرف التاريخ. نفس الشيء ينطبق على الزراعة. مشاريع التنمية التي تفشل في شرق أفريقيا غالبا ما تفشل لأنها تتجاهل أن المزارعين المحليين لديهم معرفة متراكمة عبر قرون عن التربة والمطر والبذور، معرفة لا تظهر في تقارير البنك الدولي.
ثم ينتقل إلى نقد ما يسميه عبادة الأرشيف الجديد. يقصد بذلك الهوس الحالي بالأرشيفات الرقمية الضخمة لتجارة الرقيق، مثل قاعدة بيانات Voyages، والتي أحصت رحلات السفن. هذه قواعد بيانات مذهلة، لكنها خلقت وهما بأننا نعرف كل شيء عن تجارة الرقيق، وبالتالي أصبحنا نركز كل جهودنا عليها. بينما في المقابل، لا توجد قاعدة بيانات واحدة لتجارة الملح عبر الصحراء التي استمرت ألف عام، ولا لتجارة الحديد في منطقة البحيرات العظمى، ولا لهجرات الرعاة في القرن الخامس عشر. الأرشيف الرقمي المتاح يحدد ما ندرسه، وما هو متاح رقميا هو في الغالب الأرشيف الأوروبي، لأن الأوروبيين هم من رقمنوا وثائقهم. وهكذا مرة أخرى، التقنية التي يفترض أن توسع معرفتنا، تقوم بتقليصها وتوجيهها نحو الموضوعات الأوروبية.
يطرح ريد سؤالا: هل يمكن للتاريخ الأفريقي أن ينجو كحقل مستقل، أم أنه سيذوب في حقول أخرى؟ هل سيصبح مجرد فرع من دراسات التنمية، أو فرع من دراسات الشتات، أو فرع من دراسات حقوق الإنسان؟ وهو يخشى أن الإجابة هي نعم، إذا استمر المسار الحالي. ويستشهد بإحصائية غير رسمية جمعها من برامج مؤتمرات جمعية الدراسات الأفريقية الأمريكية: في عام 1980، كان أكثر من نصف الأوراق عن فترة ما قبل 1900، وفي عام 2010، لم تتجاوز النسبة عشرة بالمائة. هذا ليس تغيرا طبيعيا في الاهتمامات، بل هو انقراض.
يبدأ ريد برنامجه العلاجي بفكرة بسيطة لكنها ثورية في سياق الأكاديميا الحالية: يجب أن نستعيد شجاعة كتابة التاريخ الطويل، ما يسميه الفرنسيون la longue durée. لا يقصد بذلك كتابة موسوعات مملة تسرد الملوك عاما بعد عام، بل يقصد استعادة القدرة على ربط قرون ببعضها دون أن نقع في فخ الحتمية. التاريخ الطويل ليس خطا مستقيما من الماضي إلى الحاضر، بل هو تاريخ طبقات، كل طبقة تترك أثرها في التي تليها. ويضرب مثالا من أوغندا مرة أخرى: لا يمكنك أن تفهم لماذا يتمتع ملك بوغندا اليوم، رغم أنه بلا سلطة سياسية رسمية، بهذه الشعبية الجارفة، إلا إذا فهمت كيف تحولت الملكية عبر أربعة قرون من مؤسسة عسكرية دموية إلى مؤسسة أخلاقية تحفظ الثقافة. هذا التحول لم يحدث في 1962 مع الاستقلال، ولا في 1966 مع إلغاء الممالك، بل بدأ في القرن السابع عشر عندما قرر أحد الملوك أن يقلل من سلطة زعماء العشائر عبر خلق نظام جديد من الموظفين. هذا القرار القديم هو الذي يفسر مشهدا تراه في كمبالا اليوم. بدون تلك الطبقة العميقة، يبدو المشهد الحالي مجرد فولكلور.
ولكي نكتب هذا التاريخ الطويل، يقول ريد إننا نحتاج إلى ثورة منهجية. أولا، العودة إلى اللغات. لا يمكن أن نكتب تاريخا أفريقيا عميقا بالإنجليزية وحدها. الوثائق الإثيوبية مكتوبة بالجعزية والأمهرية، والوثائق السواحيلية القديمة مكتوبة بالعربية، والتقاليد الشفهية في البحيرات العظمى محفوظة باللوغندية والرونيورو. ريد يعترف بتواضع أن جيله هو آخر جيل تعلم هذه اللغات بشكل جدي في بريطانيا، وأن برامج الدكتوراه اليوم لا تشجع الطلاب على قضاء سنتين لتعلم الأمهرية، لأن ذلك يؤخر التخرج ويقلل من الإنتاجية المقاسة بعدد المقالات. لكنه يجادل أن بدون اللغة، سنظل أسرى الترجمة الاستعمارية. كلمة واحدة مثل “أوموامي” في رواندا ترجمت في الأرشيف البلجيكي إلى “ملك”، لكنها في الحقيقة تعني شيئا أكثر تعقيدا: هي مزيج من القاضي والكاهن وقائد الجيش. عندما نترجمها إلى ملك، نحن نفرض نموذجا أوروبيا على مؤسسة أفريقية.
ثانيا، العودة إلى التحالف مع علم الآثار واللسانيات والأنثروبولوجيا التاريخية. في الستينيات، كان هذا التحالف هو القاعدة. كان المؤرخون يعملون مع علماء الآثار لحفر مواقع المدن القديمة، ومع اللغويين لتتبع هجرات الشعوب. اليوم، انفصلت هذه الحقول عن بعضها. علم الآثار الأفريقي أصبح يركز على عصور ما قبل التاريخ السحيقة، واللسانيات أصبحت حقلا نظريا، والتاريخ أصبح نصيا. ريد يدعو إلى إعادة بناء الجسور. يذكر كيف أن الحفريات الأخيرة في إثيوبيا كشفت عن شبكات ري معقدة من القرن الثاني عشر، وهذه الشبكات تفسر لماذا كانت مناطق معينة أكثر قدرة على الصمود أمام المجاعات من غيرها، وهو درس مباشر لمشاريع التنمية اليوم، لكنه درس لا يمكن الوصول إليه من خلال أرشيف وزارة المستعمرات.
ثالثا، وهو الأهم سياسيا، إعادة بناء العلاقة مع الجامعات الأفريقية على أساس جديد. ريد ينتقد بشدة نموذج البحث الحالي الذي يشبه الاستخراج: باحث غربي يأتي، يجمع الوثائق، يأخذها إلى لندن أو نيويورك، يكتب كتابا، ثم يعود ليقدم نسخة للجامعة المضيفة. هذا النموذج استعماري بامتياز. البديل الذي يقترحه هو مشاريع بحثية مشتركة طويلة الأمد، حيث يتم تدريب طلاب أفارقة على الأرشفة الرقمية بلغاتهم، وحيث يتم حفظ الأرشيفات المحلية نفسها قبل أن تتلف. يذكر أن كثيرا من الأرشيفات في أوغندا وإثيوبيا تتعرض للتلف بسبب الرطوبة والحشرات والإهمال، وأن إنقاذها هو عمل تاريخي في حد ذاته. بل إن كثيرا من التاريخ الشفهي يموت كل يوم مع وفاة الشيوخ. إنقاذ هذا التاريخ ليس عملا رومانسيا، بل هو عمل عاجل.
ثم يصل ريد إلى نقطة شائكة لكنه يعالجها بصراحة: هل يجب أن نعود إلى التاريخ السياسي؟ لعقود، كان التاريخ السياسي، تاريخ الملوك والحروب والدول، يعتبر تاريخا رجعيا، ذكوريا، نخبويا. وجاءت موجة التاريخ الاجتماعي لتكتب تاريخ الفلاحين والنساء والعبيد، وهي موجة ضرورية ومهمة. لكن ريد يجادل أننا رمينا الطفل مع ماء الاستحمام. عندما تجاهلنا تاريخ الدولة، لم نتجاهل النخبة فقط، بل تجاهلنا الفكر السياسي الأفريقي نفسه. الدولة ما قبل الاستعمارية لم تكن مجرد أداة قمع، بل كانت ساحة للنقاش حول العدالة والشرعية. تجاهلها يعني أننا تركنا فراغا ملأته نظريات الدولة الفاشلة المستوردة. يجب أن نكتب تاريخا سياسيا جديدا، ليس تاريخا للملوك المنتصرين، بل تاريخا للأفكار السياسية، للصراع على السلطة، للمقاومة، للتفاوض. تاريخا يرى الدولة الأفريقية ككائن حي له منطقه الخاص، وليس كفشل مبكر للدولة الأوروبية.
ويخصص جزءا للدفاع عن التاريخ العسكري، وهو تخصصه. يقول إن هناك خوفا مفهوما من كتابة تاريخ الحروب في أفريقيا، لأن ذلك قد يغذي صورة أفريقيا كقارة عنيفة. لكن تجاهل تاريخ الحرب أخطر. الحرب في أفريقيا ما قبل الاستعمار كانت لها قواعد وأخلاقيات، وكانت مرتبطة بالاقتصاد والدين. عندما ندرسها، نفهم أن العنف المعاصر ليس استمرارا لهمجية قديمة، بل هو نتيجة تدمير تلك القواعد القديمة. في القرن التاسع عشر، أدخلت تجارة السلاح الناري والرقيق تغييرا جذريا على طبيعة الحرب، فحولتها من صراع محدود على الماشية إلى حرب إبادة للسيطرة على البشر. هذا التحول هو الذي يفسر كثيرا من عنف القرن العشرين، لكننا لا نراه إذا قفزنا مباشرة من 1800 إلى 1990.
وأخيرا، يتحدث عن الكتابة للجمهور. ريد لا يرى تعارضا بين البحث الأكاديمي الرصين والكتابة الشعبية الجذابة. هو نفسه كتب كتبا أكاديمية وكتبا موجهة للقراء العامين. ويجادل أن المؤرخين يجب أن يستعيدوا فن السرد. التاريخ الأفريقي مليء بقصص لا تقل إثارة عن أي رواية: قصة الملكة نزنغا التي حاربت البرتغاليين ثلاثين عاما، قصة الإمبراطور تيودروس الذي انتحر على قمة جبل مجدلا بدلا من الاستسلام للبريطانيين، قصة ثورة الماجي ماجي. هذه القصص ليست مجرد تسلية، بل هي الطريقة التي يدخل بها التاريخ إلى الوعي العام. إذا لم نكتبها نحن بمنهجية رصينة، سيكتبها غيرنا بأساطير.
يلخص ريد موقفه: إن التقصير التاريخي ليس مجرد مشكلة أكاديمية، بل هو مشكلة سياسية وأخلاقية. عندما نقصر تاريخ أفريقيا، فإننا نقول ضمنا إن أفريقيا بلا عمق، وإن حاضرها بلا جذور، وإن مستقبلها لا يمكن أن يبنى إلا على نماذج مستوردة. إعادة إطالة التاريخ هي في جوهرها عمل تحرري، لأنها تعيد لأفريقيا حقها في أن يكون لها ماض معقد وطويل ومليء بالتناقضات، مثلها مثل أي قارة أخرى.
ما يقترحه ريد هو أن مهمة المؤرخ اليوم هي أن يكون حارس العمق. في عالم يريد كل شيء سريعا ومفيدا وقابلا للتطبيق، يحتاج العالم إلى من يذكره بأن البشر عاشوا لآلاف السنين قبل المنظمات غير الحكومية، وأنهم ابتكروا حلولا لمشاكلهم دون خبراء دوليين. هذا لا يعني الهروب إلى الماضي، بل يعني استخدام الماضي لتوسيع خيالنا السياسي. عندما نعرف أن مملكة بوغندا كانت لديها آلية لعزل الملك الظالم، فإن فكرة المساءلة في أوغندا اليوم لا تبدو فكرة مستوردة من الغرب، بل تبدو استعادة لذاكرة محلية. وعندما نعرف أن إثيوبيا كانت تدير نظاما للرعاية الاجتماعية عبر الكنيسة والأديرة، فإن فكرة الدولة الاجتماعية لا تبدو فكرة اشتراكية مستوردة.
تنتهي ورقة ريد باقتباس غير مباشر من ج. هـ. بلمب يقول فيه إن الماضي يموت عندما لا يعود الناس يريدون سماعه. ريد يخشى أننا وصلنا إلى تلك اللحظة بالنسبة لأفريقيا ما قبل الاستعمار. لكنه ينهي أيضا بنداء هادئ للعمل: اذهبوا إلى الأرشيفات قبل أن تختفي، تعلموا اللغات قبل أن تموت، اسمعوا الشيوخ قبل أن يرحلوا، واكتبوا قصصا يريد الناس قراءتها. ليس لأن الماضي أهم من الحاضر، بل لأن الحاضر نفسه سيظل فقيرا ومشوها إذا فقد ذاكرته العميقة.
بعد أن أنهى ريتشارد ريد تشريحه لأزمة التقصير واقترح برنامجه لإعادة الإطالة، يترك القارئ أمام سؤال أخير لا يجيب عنه بشكل مباشر لكنه يلوح في كل صفحة: لماذا يهمنا هذا الماضي العميق الآن، في عالم يغرق في أزمات المناخ والحروب والذكاء الاصطناعي؟ وجوابه الضمني هو أن الماضي العميق هو الذي يمنحنا القدرة على تخيل مستقبلات مختلفة. عندما نختزل تاريخ أفريقيا في مأساة العبودية والاستعمار، فإننا نرسخ في الوعي أن أفريقيا ضحية أبدية، وأن الحل الوحيد هو الإنقاذ الخارجي. لكن عندما نستعيد تاريخ الممالك التي استمرت ستمائة عام، وتاريخ المدن التجارية التي ربطت تمبكتو بفاس والقاهرة، وتاريخ الأنظمة الزراعية التي أطعمت الملايين دون أسمدة كيماوية، فإننا نستعيد فكرة أن أفريقيا كانت ذات يوم صاحبة حلول، ويمكن أن تكون كذلك مرة أخرى. التاريخ الطويل ليس ترفا أكاديميا، بل هو خزان للبدائل.
*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة




