أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

تايوان:كيف تحولت جزيرة منسية إلى ديمقراطية تصنع مستقبل العالم؟

حين ترد كلمة تايوان في نشرات الأخبار اليوم، فإنها تكاد لا تخرج أبدا من سياقين اثنين، الأول هو شريحة إلكترونية صغيرة تخرج من مصنع عملاق اسمه TSMC لتقرر مصير الاقتصاد العالمي، والثاني هو طائرة حربية صينية تعبر خط الوسط في المضيق أو تصريح أمريكي عن الدفاع عن الجزيرة. تايوان في المخيال الإخباري المعاصر ليست مكانا يعيش فيه الناس، بل هي ورقة جيوسياسية، ورقاقة، وخط أحمر. وهنا تكمن أولى ضربات المعلم التي يسددها المؤرخ الأمريكي إيفان ن. دولي في كتابه الجديد الصادر عن دار رياكشن بوكس في لندن عام 2026 بعنوان “تايوان: تاريخ شعب Taiwan – A People’s History“. إنه يرفض ببساطة أن يبدأ من حيث يبدأ الجميع. لا يبدأ من بكين، ولا من واشنطن، ولا حتى من عام 1949 حين وصل تشيانغ كاي شيك مهزوما إلى الجزيرة، بل يبدأ من الناس أنفسهم، من أولئك الذين كانوا هناك قبل أن يكون هناك شيء اسمه الصين أو اليابان أو الولايات المتحدة بالمعنى الحديث، وقبل أن يكون هناك مفهوم الدولة القومية أصلا.

يفتح دولي كتابه بمشهد رمزي ، وهو ليس مشهدا سياسيا، بل مشهد معماري في قلب تايبيه. فندق غراند هوتيل الشهير بأسقفه الصفراء العميقة وأعمدته الحمراء الذي يطل على نهر كيلونغ. هذا الفندق الذي يبدو للسائح اليوم وكأنه رمز للصينية التقليدية، بني في عام 1952 فوق أنقاض ما كان أهم مؤسسة دينية في الجزيرة إبان الحكم الياباني، وهو ضريح تايوان الشنتوي الذي كرس للأمير كيتاشيراكاوا الذي قاد الغزو الياباني عام 1895. أن تضع فوق ضريح استعماري ياباني فندقا يقلد المدينة المحرمة في بكين، فتلك ليست مجرد صدفة معمارية، بل هي خلاصة تاريخ تايوان كله، تاريخ من محو وإعادة كتابة، من يابنة ثم إعادة صينة، من محاولة كل نظام جديد أن يجعل الناس ينسون النظام الذي قبله، ومن قدرة الناس في الآن ذاته على تذكر كل شيء وتخزينه في ذاكرة جماعية صلبة.

إن اختيار دولي لعنوان “تاريخ شعب” يضعه مباشرة في تقليد مدرسة التاريخ من الأسفل التي ازدهرت منذ سبعينيات القرن الماضي، لكنه يطبقها على حالة آسيوية معقدة. فالشعب هنا ليس كتلة واحدة متجانسة. هو في الأصل شعوب. هناك الشعوب الأصلية الأسترونيزية التي سكنت الجزيرة منذ آلاف السنين والتي ينحدر منها اليوم ما يقارب ست عشرة مجموعة معترفا بها رسميا، والتي كانت لغاتها هي اللغات الأصلية للجزيرة قبل أن يصل أي حرف صيني إليها. وهناك الهوكلو والهاكا الذين عبروا المضيق من مقاطعة فوجيان وغوانغدونغ خلال القرون السبعة عشر والثمانية عشر والذين حولوا السهول الغربية إلى حقول أرز وقصب سكر. وهناك الوافدون بعد 1945 الذين يسمون أنفسهم وايشنغ رن، أي أبناء الأقاليم الخارجية، ومعهم مليون ونصف جندي وموظف وصلوا مع الحزب القومي. ثم هناك اليابانيون الذين استوطنوا الجزيرة لنصف قرن كامل. تايوان إذن ليست جزيرة بها شعب، بل هي جزيرة صنعتها هجرات متلاحقة، وكل هجرة تركت لغتها ومطبخها ومعبدها ومقبرتها.

وفي زمن تتجه فيه أنظار العالم كله إلى احتمالات الحرب في مضيق تايوان، يأتي هذا الكتاب ليذكرنا بأن تايوان ليست مشكلة استراتيجية تحتاج إلى حل، بل هي مجتمع حي عمره أربعة قرون من الخبرة في التعامل مع الإمبراطوريات التي تأتي وتذهب. من الهولنديين في القرن السابع عشر الذين بنوا قلعة زيلانديا في تاينان، إلى الإسبان في الشمال، إلى أسرة تشنغ التي حكمت الجزيرة كقاعدة لاستعادة حكم المينغ، إلى أسرة تشينغ التي اعتبرت تايوان في البداية أرضا متوحشة وراء البحر ثم حولتها إلى محافظة في عام 1887، إلى اليابانيين الذين جلبوا السكك الحديدية والكهرباء والتعليم الإلزامي، إلى الحزب القومي الذي جلب معه القمع والأحكام العرفية ثم التنمية الاقتصادية، كل هؤلاء مروا، وبقي الناس.

إذا كان تاريخ الصين يبدأ عادة بالإمبراطور الأصفر، وتاريخ اليابان يبدأ بإلهة الشمس أماتيراسو، فإن إيفان دولي يصر في كتابه “تايوان: تاريخ شعب” أن يبدأ تاريخ تايوان من مكان أبعد من ذلك بكثير، من المحيط نفسه. وهذا ليس خيارا شعريا، بل هو خيار علمي صارم أثبتته العقود الثلاثة الأخيرة من الأبحاث في علم اللغة والآثار والوراثة الجزيئية. فاللغات التي كانت تنطق في جبال ووسط تايوان قبل أربعة قرون، والتي لا تزال تنطق حتى اليوم في ست عشرة قبيلة معترفا بها رسميا، ليست لهجات صينية ولا فروعا منها، بل هي أصول لعائلة لغوية هائلة تسمى الأسترونيزية تضم أكثر من ألف ومئتي لغة تمتد من مدغشقر قبالة سواحل أفريقيا إلى جزيرة القيامة في قلب المحيط الهادئ، ومن هاواي شمالا إلى نيوزيلندا جنوبا. والدهشة التي يبني عليها دولي فصله الأول بعنوان “الشعوب الأصلية والعالم الأسترونيزي” هي أن هذه العائلة اللغوية الضخمة التي غطت نصف الكرة الأرضية، يبدو أن مهدها كان هنا، في هذه الجزيرة الصغيرة التي تبلغ مساحتها ستة وثلاثين ألف كيلومتر مربع.

يستند دولي في ذلك إلى ما يسميه علماء اللغة نظرية “الخروج من تايوان” التي طورها كل من روبرت بليند وبول جن-كوي لي وغيرهما، والتي تقول إن المتحدثين بالبروتو-أسترونيزية كانوا مزارعين للدخن والأرز عاشوا في تايوان قبل خمسة آلاف إلى ستة آلاف سنة، ثم بدأوا يبنون زوارق الكانو المزدوجة ويبحرون جنوبا إلى الفلبين ثم إلى إندونيسيا وماليزيا ثم إلى المحيط الهادئ المفتوح. بمعنى آخر، فإن تايوان ليست هامشا للصين، بل هي مركز لعالم كامل، عالم أسترونيزي، وهي حقيقة يحاول السرد القومي الصيني التقليدي طمسها عبر القول إن تايوان كانت دائما جزءا من الصين منذ العصور القديمة، بينما تقول الأدلة الأثرية التي يعرضها الكتاب إن الجزيرة كانت مأهولة بمجتمعات صيد وجمع وزراعة لا علاقة لها ثقافيا أو لغويا بالسهل الأوسط الصيني، وأن الصينيين الهان لم يبدأوا الوصول بأعداد كبيرة إلا في القرن السابع عشر.

وهنا يتوقف دولي طويلا أمام ما يسميه “الوهم البصري للخريطة”. فحين تنظر إلى خريطة شرق آسيا الحديثة، تبدو تايوان قريبة جدا من الساحل الصيني، على بعد مئة وثلاثين كيلومترا فقط من فوجيان، فتبدو كأنها امتداد طبيعي لها. لكن البحارة القدامى كانوا ينظرون إلى الجغرافيا بشكل مختلف. فالمضيق المعروف باسم مضيق تايوان، والمعروف محليا بالبحر الأسود بسبب تياراته القوية ورياحه الموسمية العاتية، كان حاجزا خطيرا قبل اختراع السفن الشراعية الكبيرة. بينما كان الطريق البحري جنوبا عبر الفلبين أسهل بكثير للأسترونيزيين الأوائل بفضل الرياح الموسمية المواتية. ولذلك ظلت تايوان لآلاف السنين جزءا من عالم بحري جنوبي، وليس جزءا من عالم قاري شمالي.

يأخذنا الكتاب بعد ذلك إلى داخل الجبال، إلى الشعوب التي يسميها التايوانيون اليوم يوانتشومين، أي السكان الأصليون، والتي كانت حتى مطلع القرن العشرين تسمى في الوثائق الصينية واليابانية “المتوحشين” أو “الهمج”. ودولي يتعمد هنا أن يستعيد كرامتهم التاريخية من خلال تفصيل أنظمتهم الاجتماعية المعقدة. فهذه لم تكن قبائل بدائية تعيش في حالة طبيعة، بل كانت مجتمعات لها زراعة متقدمة تعتمد على حرق الغابات بنظام دوري، ولها أنظمة قرابة أمومية في بعض القبائل مثل الأميس، وأبوية في قبائل أخرى مثل البايوان التي كان زعماؤها يبنون بيوتا حجرية ضخمة من ألواح الأردواز. وكانت لها تقاليد غنية في النسيج والوشم وصيد الرؤوس كطقس للعبور إلى الرجولة، وهي التقاليد التي حاول المبشرون والمستعمرون لاحقا القضاء عليها باعتبارها بربرية.

النقطة المحورية التي يركز عليها الفصل الأول هي إظهار كيف أن فكرة “تايوان” كوحدة جغرافية واحدة لم تكن موجودة لدى السكان الأصليين أنفسهم. فكل قبيلة كانت تطلق على نفسها اسما يعني “البشر” أو “الناس الحقيقيون”، وكانت تنظر إلى القبائل المجاورة كغرباء. وحتى كلمة “تايوان” نفسها، كما يشرح دولي نقلا عن أحدث الأبحاث، هي على الأرجح تحريف لكلمة من لغة قبيلة السيرايا التي كانت تسكن حول مدينة تاينان الحالية، وكانت تطلق على مكان صغير ثم عممها الهولنديون على كل الجزيرة. أي أن الاسم نفسه هو نتاج لقاء استعماري، وليس اسما أصليا للجزيرة.

ثم يأتي الفصل الثاني لينقلنا فجأة إلى القرن السابع عشر، وهو القرن الذي يسميه دولي “قرن المنافسة الإمبراطورية”، حين أصبحت تايوان فجأة مهمة لأن العالم كله أصبح مهتما بتجارة الحرير والفضة والخزف. هنا يدخل الهولنديون من شركة الهند الشرقية الهولندية في عام 1624، ويبنون قلعة زيلانديا على شريط رملي قبالة تاينان، ليس حبا في تايوان بل لأنهم طردوا من جزر البنغو وخليج الصين وفشلوا في احتلال ماكاو، فأرادوا قاعدة يتوقفون فيها لشراء الحرير الصيني وبيعه في اليابان مقابل الفضة اليابانية. ويأتي الإسبان في نفس الوقت ليبنوا حصنا في كيلونغ في الشمال، ويحاولوا تحويل السكان الأصليين إلى الكاثوليكية، قبل أن يطردهم الهولنديون في عام 1642.

ما يهمنا في رواية دولي ليس تواريخ الحصون، بل ما فعلته هذه الشركات الاستعمارية بالبشر. فالهولنديون، لزيادة إنتاج قصب السكر والأرز والجلود الغزلانية التي كانوا يصدرونها، بدأوا يستوردون عمالا من مقاطعة فوجيان عبر مضيق تايوان. هؤلاء العمال الفوجيانيون، الذين كانوا يتحدثون لهجة الهوكلو، هم أجداد غالبية التايوانيين اليوم الذين يسمون أنفسهم بنسنج رن، أي أبناء هذه المحافظة. وهكذا فإن الاستيطان الصيني الكبير في تايوان لم يكن حركة طبيعية تلقائية، بل كان مشروعا استعماريا هولنديا بامتياز، خلق لأول مرة مجتمعا مزدوجا في السهول الغربية، مجتمع من السكان الأصليين المستقرين ومجتمع من المهاجرين الصينيين الجدد.

ويصف دولي كيف بدأ هذا التوتر المبكر بين المجموعتين، وكيف حاول الهولنديون استخدام وثائق ملكية الأراضي المكتوبة بالهولندية لتنظيم العلاقة، وكيف قاوم السكان الأصليون بقيادة شخصيات مثل قبيلة ماتاو وغيرها. ثم يأتي شخصية كوكسينغا أو تشنغ تشنغ قونغ، الذي يعتبره الكتاب الصيني بطلا قوميا استعاد تايوان من الاستعمار، لكن دولي يعيد قراءته كأمير حرب مينغي مهزوم جاء إلى تايوان في عام 1661 ليس ليحررها بل ليجد قاعدة عسكرية يشن منها هجوما لاستعادة الصين من أسرة تشينغ المنشورية. وخلال حكم أسرة تشنغ القصير من 1661 إلى 1683، تضاعف عدد المهاجرين الصينيين، وبدأت عملية استيعاب قسري للسكان الأصليين في السهول الذين أصبحوا يعرفون لاحقا باسم بينغبو، أي سكان السهول، والذين فقدوا لغاتهم وذابوا تدريجيا في المجتمع الهان.

إذا كان الهولنديون قد فتحوا باب تايوان للهجرة الصينية، فإن أسرة تشينغ المنشورية التي حكمت الصين من عام 1644 إلى عام 1911 هي التي حولت هذا الباب المفتوح إلى فيضان بشري غير مسار الجزيرة إلى الأبد. وهنا ينتقل إيفان دولي في الفصل الثالث والرابع من كتابه من تاريخ شركات الهند الشرقية إلى تاريخ إمبراطورية قارية ضخمة لم تكن تعرف ماذا تفعل بهذه الجزيرة التي ورثتها عن خصمها تشنغ كيشوانغ في عام 1683. فالإمبراطور كانغشي نفسه قال جملته الشهيرة التي يوردها دولي في مطلع الفصل، إن تايوان ليست سوى “كرة من الوحل وراء البحر”، لا تستحق أن تنفق عليها الدولة جنديا واحدا أو حبة أرز واحدة، واقترح بعض مستشاريه إجلاء سكانها الصينيين جميعا وإعادتهم إلى البر الرئيسي وتركها للسكان الأصليين، لكن وزيرا آخر حذره من أن ذلك سيحولها إلى ملاذ للقراصنة واليابانيين، فتقرر على مضض ضمها كمقاطعة تابعة لمقاطعة فوجيان.

هذا التردد الإمبراطوري هو مفتاح فهم مئة وخمسين عاما من حكم تشينغ في تايوان، وهي الفترة التي يسميها دولي “حكم الحدود”. فالدولة لم تكن تريد أن تحكم تايوان بشكل كامل، بل أرادت فقط أن تمنع الآخرين من استخدامها ضدها. ولذلك أقامت في البداية ما يشبه الحزام الأمني على طول الساحل الغربي، ومنعت الهجرة الرسمية، ووضعت قوانين تحرم على سبيل المثال هجرة النساء والأطفال حتى لا يستقر المهاجرون بشكل دائم، لكن كل هذه القوانين فشلت فشلا ذريعا. فالفلاحون الفقراء من تشيوانتشو وتشانغتشو في فوجيان، ومن ميشيان في غوانغدونغ الذين يتحدثون لهجة الهاكا، كانوا يركبون قوارب التهريب ليلا ويعبرون المضيق الذي كانوا يسمونه “خندق الموت الأسود” لأن نسبة الغرق فيه كانت عالية، ليصلوا إلى سهول تايوان الخصبة التي كانت تنتج ثلاثة محاصيل أرز في السنة مقارنة بمحصول واحد في فوجيان القاحلة.

يصف دولي هذه الهجرة ليس كحركة منظمة، بل كعملية فوضوية وعنيفة صنعت مجتمع تايوان كما نعرفه اليوم. فالمهاجرون لم يأتوا كأسر، بل كعصابات من الرجال العزاب المسلحين يسمون لوحان، أي الرجال الوحيدون، الذين كانوا يشكلون جماعات قرابية أو لهجية للدفاع عن قطعة أرض انتزعوها من الغابة أو من قرية أصلية. ومن هنا ولدت ظاهرة تاريخية تايوانية خالصة وثقها دولي بدقة، وهي “المعارك الطائفية” أو فينلي شيو دو، أي النزاعات المسلحة بين جماعات الهوكلو والهاكا، أو بين الهوكلو من تشيوانتشو والهوكلو من تشانغتشو، والتي كانت تشتعل أحيانا لمجرد نزاع على قناة ري أو على حق المرور في سوق. كانت تايوان في القرن الثامن عشر تبدو لمن يزورها كأنها مجتمع مسلح باستمرار، كل قرية لها سور من الخيزران وميليشيا خاصة بها، وكل مدينة لها زعيم يدفع الرشاوى للموظفين التشينغيين ليغضوا الطرف.

وهنا تكمن مقاربة دولي التي تجعل كتابه تاريخا للشعب وليس تاريخا للدولة. فبدلا من أن يركز على أسماء الحكام الإمبراطوريين في بكين، يركز على كيف اخترع هؤلاء المهاجرون نظاما اجتماعيا جديدا للتعايش. فالمعابد التي بنوها لم تكن مجرد أماكن عبادة، بل كانت مجالس بلدية ومراكز دفاع ومحاكم عرفية في آن واحد. فمعبد مازو، إلهة البحر التي تحمي البحارة، كان يجمع تبرعات من كل القادمين الجدد، ومعبد باوشنغ الذي يكرس طبيبا أسطوريا، كان يفصل في النزاعات على الأراضي. كما اخترعوا مؤسسات ائتمانية مثل “جمعيات الروتاري” المبكرة التي تسمى هيوي، يجمع فيها التجار مدخراتهم لإقراض أحدهم ليبدأ مشروعا، وهي البذرة الأولى للرأسمالية التايوانية التي ستزدهر لاحقا.

أما السكان الأصليون في السهول، الذين يسميهم دولي بينغبوتسو، فقد وجدوا أنفسهم في قلب هذه العاصفة الاستيطانية. ويخصص الكتاب صفحات مؤلمة لوصف كيف تم دفعهم تدريجيا من السهول الخصبة إلى سفوح الجبال، وكيف أجبرتهم الدولة التشينغية والمهاجرون الهان معا على تبني الأسماء الصينية وربط أقدام نسائهم وارتداء الملابس الصينية والتخلي عن لغاتهم الأسترونيزية حتى يتم تسجيلهم كـ “رعايا متحضرين” وبالتالي تجنب الضرائب الإضافية المفروضة على “الهمج”. وهذه العملية التي يسميها علماء الأنثروبولوجيا “التصيين”، هي في جوهرها أول عملية استيعاب قسري واسع في تاريخ تايوان، وهي نموذج سيتكرر لاحقا مع اليابان ومع الحزب القومي. لكن دولي يذكر  أن هذا التصيين لم يكن كاملا أبدا، فكثير من العائلات الهوكلو اليوم في وسط تايوان تحمل في جيناتها وفي مطبخها وفي بعض كلمات لهجتها آثارا واضحة لأجداد من السكان الأصليين، وهو ما يفسر لماذا حين أجريت فحوصات الحمض النووي في التسعينيات، اكتشف كثير من التايوانيين أنهم ليسوا هان خالصين كما كانوا يظنون.

يصل الكتاب بعد ذلك إلى نقطة تحول مهمة في عام 1874، حين أرسلت اليابان حملة عسكرية إلى جنوب تايوان بحجة حماية بحارة من جزر ريوكيو قتلهم سكان أصليون، وهي الحادثة التي صدمت بلاط تشينغ وجعلته يدرك لأول مرة أن تايوان ليست هامشا يمكن تجاهله، بل هي ثغرة استراتيجية يمكن أن يدخل منها العدو. وهنا يبدأ فصل “صنع محافظة”، حيث تقرر بكين بعد نقاش طويل إرسال أحد أبرز رجال الإصلاح في حركة التقوية الذاتية، وهو الجنرال ليو مينغتشوان، ليحكم تايوان ويحولها من مقاطعة تابعة إلى محافظة مستقلة في عام 1887. ودولي يرسم صورة رائعة لهذا الرجل الذي حاول أن يجعل من تايوان مختبرا للحداثة الصينية، فبنى أول خط سكة حديد صيني من كيلونغ إلى تايبيه إلى شينشو، وأدخل الإضاءة الكهربائية إلى تايبيه قبل أن تدخل إلى بكين، وأسس مكاتب بريد ومدارس حديثة، وحاول تنظيم إنتاج الكافور الذي كان تايوان تحتكر نصفه في العالم.

لكن ليو مينغتشوان، كما يوضح دولي، اصطدم بنفس المشكلة التي اصطدم بها كل مصلح في تايوان، وهي أن المجتمع المحلي كان أقوى من الدولة. فالتجار المحليون والأعيان الذين كانوا يسيطرون على تجارة الكافور والشاي والسكر، كانوا يقاومون أي محاولة من الدولة لتنظيم السوق، والموظفون الصغار كانوا يرتشون، والسكان الأصليون في الجبال كانوا يشنون غارات مستمرة على خط السكة الحديد. ولذلك فإن حداثة ليو بقيت حداثة سطحية، قصورا إدارية جميلة في تايبيه، لكنها لم تغير بنية المجتمع. وحين اندلعت الحرب الصينية اليابانية الأولى في عام 1894-1895 وهزمت الصين، كان من السهل على بلاط تشينغ أن يتنازل عن تايوان لليابان في معاهدة شيمونوسيكي كأنه يتنازل عن قطعة أثاث قديمة، دون أن يسأل سكان الجزيرة الذين كانوا قد أصبحوا ثلاثة ملايين نسمة عن رأيهم.

وهنا إعلان “جمهورية تايوان الديمقراطية” في مايو 1895، التي استمرت مئة وخمسين يوما فقط، والتي غالبا ما يعتبرها المؤرخون التايوانيون أول محاولة لاستقلال تايوان. لكن دولي يقرأها قراءة نقدية، فهذه الجمهورية لم يعلنها فلاحو تايوان أو تجارها، بل أعلنها الموظفون التشينغيون الذين رفضوا المغادرة مثل تانغ جينغسونغ، وكتبوا دستورها باللغة الصينية الكلاسيكية، واستخدموا علم التنين الأصفر لأسرة تشينغ، وكان هدفهم الحقيقي ليس الاستقلال بل إبقاء الجزيرة صينية حتى تعود الصين قوية وتستعيدها. وحين وصل الجيش الياباني، فر تانغ جينغسونغ إلى البر الرئيسي تاركا سكان تايوان يواجهون مصيرهم وحدهم، وهي خيانة لن ينساها التايوانيون وستصبح جزءا من ذاكرتهم الجماعية عن كيف أن القوى الكبرى تبيعهم دائما.

حين نزلت أول فرقة من الجيش الإمبراطوري الياباني على شاطئ أودي في شمال تايوان في التاسع والعشرين من مايو عام 1895، كان الجنود اليابانيون يتوقعون نزهة استعمارية سريعة، فقد قال لهم قادتهم إن سكان الجزيرة سيرحبون بهم كمحررين من حكم المانشو المتخلف. لكن ما وجدوه كان مقاومة شرسة استمرت ستة أشهر كاملة، قادها في البداية بقايا قوات الجمهورية التايوانية قصيرة العمر، ثم تحولت إلى حرب عصابات يقودها زعماء القرى وملاك الأراضي ورجال الميليشيات الذين كانوا يعرفون كل ممر في حقول الأرز وكل كهف في الجبال. هذه المقاومة التي يخصص لها إيفان دولي فصلا كاملا بعنوان “الغزو والمقاومة” هي التي جعلت اليابانيين يدركون منذ اليوم الأول أن تايوان ليست مستعمرة سهلة، وأن حكمها سيحتاج إلى مشروع ضخم من القوة والمعرفة في آن واحد.

وهنا يبرز الكتاب شخصية محورية في تاريخ تايوان الحديث، هي شخصية غوتو شينبي، الطبيب والسياسي الذي عين رئيسا للإدارة المدنية في عام 1898 بعد أن فشلت الإدارة العسكرية في إخماد الثورات. وغوتو شينبي هو الرجل الذي وضع القواعد الذهبية للاستعمار الياباني في تايوان والتي يلخصها دولي في ثلاث كلمات، البيولوجيا والمسح والانضباط. فقد قال غوتو إنك لا تستطيع أن تحكم شعبا لا تفهم عاداته البيولوجية وأمراضه، ولذلك أرسل بعثات لمسح الجزيرة مسحا شاملا، مسح للأراضي، مسح للسكان، مسح للعادات، مسح للأفيون، مسح للأمراض، مسح للغابات. وكان هذا المسح الاستعماري هو أول إحصاء حديث يجري في تايوان، وهو الذي حول الجزيرة من أرض مجهولة في نظر الإدارة التشينغية إلى خريطة دقيقة كل شبر فيها معروف ومرقم.

من هذا المسح ولدت الدولة الحديثة في تايوان. فاليابانيون الذين جاءوا إلى تايوان متأثرين بأفكار التقدم الغربي والداروينية الاجتماعية، كانوا يريدون أن يثبتوا للعالم أن اليابان ليست دولة آسيوية متخلفة، بل هي قوة استعمارية حديثة مثل بريطانيا وفرنسا، وأن تايوان ستكون النموذج الذي يثبت ذلك. ولذلك بدأوا بمشروعين ضخمين  وهما السكك الحديدية والموانئ. فخط السكة الحديد الذي بدأه ليو مينغتشوان بشكل متقطع، أكملته اليابان ليصل من كيلونغ في أقصى الشمال إلى كاوشيونغ في أقصى الجنوب في عام 1908، وهو الخط الذي لا يزال حتى اليوم العمود الفقري للنقل في الجزيرة. والميناءان الرئيسيان، كيلونغ الذي كان يسمى شيرو وكاوشيونغ الذي كان يسمى تاكاو، تم تجريفهما وتوسيعهما بأحدث الآلات الألمانية، حتى إن كيلونغ أصبح قادرا على استقبال سفن حربية ضخمة، وهو ما جعل تايوان قاعدة لوجستية للحرب اليابانية لاحقا في جنوب شرق آسيا.

لكن التحديث الياباني لم يكن مجرد حديد وإسمنت، بل كان مشروعا اجتماعيا كاملا. ويتوقف المؤلف طويلا أمام ما يسميه “سياسة الأفيون والشرطة”. فقد ورث اليابانيون من حكم تشينغ مشكلة إدمان الأفيون التي كانت تفتك بربع السكان الذكور البالغين، فبدلا من منعه فورا كما طالبت بعض الأصوات الأخلاقية في طوكيو، قرر غوتو شينبي احتكار تجارته وبيعه بأسعار مرتفعة وتسجيل المدمنين ومنع الجدد من الإدمان، مستخدما أرباحه لتمويل بناء المدارس والمستشفيات. وهي سياسة براغماتية قاسية لكنها نجحت، فانخفضت نسبة الإدمان من مئات الآلاف إلى بضعة آلاف خلال ثلاثين عاما. وفي نفس الوقت بنى اليابانيون نظام شرطة هو الأكثر كثافة في العالم في ذلك الوقت، شرطي لكل ستمئة نسمة، وكان الشرطي الياباني في القرية التايوانية هو كل شيء، هو المسؤول عن الصحة والتعليم والضرائب والزراعة، وهو الذي يجمع البيانات ويعطي التطعيمات وينظم حملات تنظيف الحمامات.

وهنا يأتي السؤال الأخلاقي الكبير الذي يعالجه الكتاب ، هل كان الاستعمار الياباني جيدا لتايوان أم سيئا؟ وهو يرفض الإجابة السهلة. فهو يورد شهادات من الفلاحين التايوانيين الذين استفادوا من إدخال أصناف أرز بونلاي اليابانية التي ضاعفت الإنتاج، ومن نظام الري الحديث الذي بناه المهندس الياباني هاتا يويتشي في سهل تشيانان والذي حول سهلا قاحلا إلى سلة خبز، ومن التعليم الابتدائي الإلزامي الذي جعل نسبة معرفة القراءة والكتابة في تايوان في عام 1940 أعلى منها في كثير من مناطق الصين واليابان نفسها. لكنه في نفس الصفحة يورد شهادات أخرى عن المصادرة القسرية للأراضي لإنشاء مزارع قصب السكر التابعة لشركة ميتسوبيشي، وعن منع التايوانيين من دخول المدارس الثانوية والجامعات إلا بأعداد محدودة، وعن سياسة “اليبننة” أو كومينكا في السنوات الأخيرة من الحرب التي أجبرت التايوانيين على تغيير أسمائهم إلى أسماء يابانية والتحدث باليابانية فقط وعبادة الإمبراطور في المعابد الشنتوية.

ويواصل دولي في تحليل الطبقة الجديدة التي خلقها الاستعمار الياباني، وهي طبقة النخبة التايوانية الحديثة التي لم تكن موجودة من قبل. فعائلات مثل عائلة يان في كيلونغ التي كانت تملك مناجم الفحم، وعائلة لين في ووفنغ التي كانت تملك أراضي شاسعة، تعلمت كيف تتعامل مع النظام الجديد. فأرسلت أبناءها ليدرسوا في طوكيو وكيوتو، وتعلموا اليابانية بطلاقة، وارتدوا البدلات الغربية، لكنهم في نفس الوقت حافظوا على شبكاتهم التجارية الصينية ومولوا المدارس الخاصة التي تدرس باللغة الصينية سرا. هذه النخبة المزدوجة اللغة والمزدوجة الهوية هي التي ستقود لاحقا الحركة الثقافية التايوانية في عشرينيات القرن الماضي، حين طالب طلاب تايوانيون في طوكيو مثل لين شيانتانغ وتساي بيشيانغ ببرلمان تايواني خاص وتأسيس صحيفة “تايوان مينباو” التي كانت تطالب بالحكم الذاتي.

ولا ينسى الكتاب قصص النساء اللواتي وجدن في النظام الياباني فرصة للتحرر، مثل قصص المعلمات التايوانيات الأوائل اللواتي تخرجن من مدارس المعلمات اليابانية وأصبحن يدرسن الفتيات التايوانيات، أو قصص الممرضات اللواتي عملن في المستشفيات الجديدة. كما لا ينسى قصص السكان الأصليين الذين واجهوا أعنف سياسات الإخضاع، حيث استخدم اليابانيون المدفعية والطائرات والسياج الكهربائي المكهرب لمحاصرتهم في الجبال، وأجبروهم على زراعة الأرز بدلا من زراعة الدخن بنظام الحرق، وأخذوا أطفالهم إلى مدارس داخلية لتعليمهم اليابانية. لكن حتى هنا يجد الكاتب قصصا إنسانية معقدة، مثل قصة مصارع السيديق الأسطوري مونا روداو الذي قاد انتفاضة ووشه عام 1930 وقتل أكثر من مئة ياباني في هجوم على مدرسة، ثم انتحر في الغابة، والذي أصبح اليوم بطلا قوميا في تايوان المستقلة، ويظهر وجهه على عملة ورقية.

هناك صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود في منتصف الكتاب، ويبدو أنه تعمد وضعها كفاصل بصري بين عهدين، وهي صورة لعمال تايوانيين في تايبيه في الخامس عشر من أغسطس عام 1945 يبكون أمام مذياع خشبي كبير يبث خطاب استسلام الإمبراطور هيروهيتو. المشهد مربك لمن لا يعرف تاريخ تايوان، فهؤلاء الناس الذين حكمتهم اليابان لنصف قرن، والذين أجبر كثير من شبابهم على القتال في جيش الإمبراطور في الفلبين وغينيا الجديدة، كانوا يبكون حزنا على هزيمة اليابان، لا فرحا بها.والى فصل “من اليبننة إلى الصينة” هي المفتاح لفهم المأساة التي ستلي، فالتايوانيون في عام 1945 لم يكونوا يعتبرون أنفسهم صينيين ينتظرون التحرير على يد الوطن الأم، بل كانوا يعتبرون أنفسهم تايوانيين متيابنين، يتحدثون اليابانية بطلاقة، ويقرأون الصحف اليابانية، ويعرفون نشيد الإمبراطورية، وحين سمعوا أن الصين ستحكمهم، تخيلوا أنها ستكون مثل اليابان، دولة حديثة منظمة.

وما حدث بعد ذلك كان صدمة حضارية لم يشهد تاريخ تايوان مثيلا لها، حتى بمقاييس تاريخها المليء بالصدمات. فالحكومة الصينية التي أرسلها تشيانغ كاي شيك لاستلام الجزيرة لم تكن حكومة حداثية، بل كانت بقايا نظام حرب متهالك، منهك من ثماني سنوات من القتال ضد اليابان وأربع سنوات من الحرب الأهلية ضد الشيوعيين. الجنود الذين نزلوا في ميناء كيلونغ في أكتوبر 1945، كما يصفهم شهود العيان الذين ينقل عنهم دولي، كانوا يرتدون ملابس ممزقة وقباقيب من القش، ويحملون قدور طهي الأرز على ظهورهم، ويجهلون كيفية استخدام المراحيض الحديثة التي بناها اليابانيون، حتى إن بعضهم ظن أن صنابير المياه هي للشرب مباشرة فحاول الاغتسال منها. وفي أيام قليلة، تحولت شوارع تايبيه التي كانت مضرب المثل في النظافة في آسيا إلى فوضى من النهب والمصادرة.

 دولي يحلل ما يسميه “اقتصاد الغنيمة”. فالحزب القومي لم يأت إلى تايوان كحكومة، بل كجيش احتلال يعتبر الجزيرة غنيمة حرب تعوضه عن خسائره في البر الرئيسي. فتمت مصادرة جميع الممتلكات اليابانية العامة والخاصة، والتي كانت تشكل أكثر من ثمانين بالمئة من الاقتصاد التايواني، وتحويلها إلى شركات احتكارية تابعة للدولة مثل شركة السكر التايوانية وشركة الكهرباء وشركة التبغ والنبيذ، والتي أصبحت تدار من قبل موظفين وافدين من الصين لا يعرفون شيئا عن تايوان ولا يتحدثون لغتها، لا الهوكلو ولا اليابانية. وفي أشهر قليلة انهار الإنتاج، وارتفع التضخم بنسبة أربعمئة بالمئة، وانتشرت البطالة بين التايوانيين الذين طردوا من وظائفهم ليحل محلهم وافدون.

لكن الكارثة الحقيقية، كما يرويها دولي بأسلوب صحفي يبتعد عن لغة الأرقام ليقترب من لغة الضحايا، حدثت في السابع والعشرين من فبراير عام 1947. الحادثة تبدو تافهة في ظاهرها، مفتشون من مكتب احتكار التبغ يصادرون سجائر مهربة من بائعة متجولة مسنة تدعى لين جيانغ ماي في حي تايبينغ في تايبيه، فتتوسل إليهم، فيضربها أحدهم بمسدس على رأسها حتى تنزف، فيتجمع الناس، فيطلق أحد المفتشين النار عشوائيا فيقتل متفرجا. في أي مكان آخر كانت هذه لتكون حادثة عابرة، لكن في تايبيه عام 1947 كانت الشرارة التي فجرت برميل بارود من الغضب المتراكم منذ عام ونصف. في اليوم التالي، الثامن والعشرون من فبراير، خرج طلاب جامعة تايوان الوطنية وموظفوها وعمال السكك الحديدية في مظاهرة سلمية إلى مكتب الحاكم تشن يي، فأمر بإطلاق النار عليهم، فقتل العشرات. وخلال أسبوع واحد، انتشرت الانتفاضة في كل الجزيرة، وشكل التايوانيون لجان حل في كل مدينة لإدارة شؤونهم، وطالبوا بالإصلاح والحكم الذاتي.

ورده فعل تشيانغ كاي شيك الذي كان لا يزال في نانجينغ، كانت وحشية بلا حدود. فقد أرسل الفرقة الحادية والعشرين من الجيش، وهي فرقة مدربة على قمع الشيوعيين، والتي نزلت في كيلونغ وكاوشيونغ وبدأت حملة قتل منهجي استمرت ثلاثة أشهر. ويقدر دولي نقلا عن أحدث الأبحاث الأرشيفية أن عدد القتلى تراوح بين ثمانية عشر ألفا وثمانية وعشرين ألفا، معظمهم من النخبة التايوانية المتعلمة، أطباء ومحامون ومعلمون وطلاب وصحافيون وأعضاء لجان الحل الذين كانوا يظنون أنهم يتفاوضون مع الحكومة. ومن أشهر هؤلاء المحامي لين موشنغ الذي كان يتحدث الإنجليزية بطلاقة وكان عضوا في لجنة التحقيق في حادثة السجائر، فاعتقل وقتل ورميت جثته في نهر تامسوي. هذه المذبحة التي تعرف في تايوان باسم إر إر با، أي 2-28، هي الجرح التأسيسي لتايوان الحديثة، وهي كما يقول دولي، ما يعادل مذبحة الأرمن بالنسبة للأرمن أو الهولوكوست بالنسبة لليهود، نقطة يبدأ بعدها التاريخ.

ويخصص الكتاب صفحات طويلة لما تلاها، وهو ما يسمى “الإرهاب الأبيض” الذي استمر من عام 1947 إلى عام 1987، أي أربعين عاما من الأحكام العرفية، وهي أطول فترة أحكام عرفية في تاريخ العالم الحديث. فبعد هزيمة الحزب القومي في الصين وهروبه إلى تايوان في ديسمبر 1949 ومعه مليون ونصف المليون جندي وموظف ولاجئ، حول تشيانغ كاي شيك الجزيرة إلى قلعة عسكرية وشرطية. فتم اعتقال أكثر من مئة وأربعين ألف تايواني بتهمة الشيوعية أو الخيانة أو حتى مجرد قراءة كتاب ممنوع، وأعدم منهم ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف، وسجن عشرات الآلاف لعشرين وثلاثين عاما في سجون مثل سجن غرين آيلاند أو الجزيرة الخضراء، وهي جزيرة صغيرة قبالة الساحل الشرقي كانت تدار كمعسكر اعتقال.

وهنا يعود دولي إلى رمزه المعماري المفضل، فندق غراند هوتيل، ليشرح كيف حاول الحزب القومي محو الذاكرة اليابانية وبناء ذاكرة صينية جديدة. ففي عام 1952، أمرت مدام تشيانغ كاي شيك، سونغ ميلينغ، بهدم ضريح تايوان الشنتوي الذي كان أكبر ضريح شنتوي خارج اليابان، والذي كان مبنيا على جبل يوانشان ليطل على تايبيه، وبناء فندق ضخم مكانه على الطراز القصري الصيني الشمالي، بأسقف مقوسة صفراء وأعمدة حمراء، ليكون مكانا لاستضافة الضيوف الأجانب وليقول للعالم إن تايوان هي الصين الحرة، هي الصين الحقيقية، بينما الصين في بكين هي مزيفة وشيوعية. حتى أسماء الشوارع غيرت، فشارع ميجي الذي كان يكرم الإمبراطور ميجي الياباني أصبح شارع تشونغشان تكريما لسون يات سن، وشارع شوا أصبح شارع تشونغتشنغ تكريما لتشيانغ كاي شيك. وأجبر التلاميذ في المدارس على التحدث بلغة الماندرين فقط، ومنع التحدث بالهوكلو أو الهاكا أو اليابانية في المدارس، ومن يضبط متلبسا يعلق في رقبته لوحة كتب عليها “أنا خنزير لأنني لا أتحدث الماندرين”.

إن هذه السياسة التي يسميها دولي “إعادة الصينة القسرية” فشلت في تحقيق هدفها، بل حققت عكسها تماما. فبدلا من أن تجعل التايوانيين يشعرون بأنهم صينيون، جعلتهم يشعرون بأنهم مستعمرون مرة أخرى، لكن هذه المرة من قبل صينيين يتحدثون نفس اللغة المكتوبة لكن بلهجة مختلفة. وبدأ يتشكل وعي جديد، هو الوعي بأن هناك شعبين في الجزيرة، بنسنج رن الذين كانوا هناك قبل 1945، ووايشنغ رن الذين جاءوا بعد 1945، وأن العلاقة بينهما ليست علاقة إخوة عادوا بعد غياب، بل علاقة حاكم ومحكوم.

حين يزور السائح اليوم منطقة شينشو العلمية في شمال غرب تايوان، حيث تقع مصانع شركة TSMC التي تصنع أكثر من تسعين بالمئة من الرقائق المتقدمة في العالم، فإنه يرى مبان زجاجية نظيفة وطرقا واسعة ومطاعم راقية، وقد يظن أن هذه المعجزة التكنولوجية ولدت في فراغ ديمقراطي ليبرالي. لكن إيفان دولي في الفصل السابع من كتابه الذي يحمل عنوانا استفزازيا هو “ديكتاتورية التنمية”، يصر على أن العكس هو الصحيح، وأن المعجزة الاقتصادية التايوانية لم تحدث رغم الحكم الاستبدادي للحزب القومي، بل بسببه مباشرة، وأن فهم هذه العلاقة الجدلية بين القمع والتنمية هو مفتاح فهم تايوان الحديثة.

يبدأ دولي هذا الفصل من نقطة تبدو بعيدة عن التكنولوجيا، وهي الإصلاح الزراعي في أوائل الخمسينيات، الذي يعتبره كثير من الاقتصاديين حجر الزاوية لكل ما تلاه. فالحزب القومي الذي هرب إلى تايوان كان قد تعلم درسا قاسيا من هزيمته في البر الرئيسي، وهو أن الفلاحين إذا لم تعطهم أرضا سيعطون أصواتهم للشيوعيين. ولذلك، وتحت ضغط مستشاريه الأمريكيين من لجنة إعادة الإعمار المشتركة JCRR، قام بتنفيذ إصلاح زراعي من ثلاث مراحل كان الأكثر جذرية في آسيا غير الشيوعية. أولا خفض الإيجار من أكثر من خمسين بالمئة من المحصول إلى سبعة وثلاثين ونصف بالمئة، ثم باع الأراضي العامة التي كانت مملوكة لليابانيين للفلاحين بأسعار زهيدة، ثم أجبر كبار الملاك التايوانيين على بيع أراضيهم للدولة مقابل أسهم في شركات صناعية مملوكة للدولة. وهكذا، بين ليلة وضحاها، تحول مئات الآلاف من الفلاحين المستأجرين إلى ملاك صغار، وتحول كبار الملاك من إقطاعيين زراعيين إلى رأسماليين صناعيين مجبرين على الاستثمار في المصانع.

لكن دولي لا يصور هذا الإصلاح كعمل خيري، بل كعمل سياسي ذكي. فالحزب القومي لم يكن يملك شرعية تاريخية في تايوان، فأراد أن يشتري شرعية اقتصادية. فالأموال التي مولت هذا الإصلاح لم تكن صينية، بل كانت أمريكية بالكامل تقريبا. فبين عامي 1951 و1965، تلقت تايوان أكثر من أربعة مليارات دولار من المساعدات الأمريكية، وهو مبلغ هائل يعادل أكثر من ستة بالمئة من ناتجها المحلي سنويا، وهو ما جعل تايوان ثاني أكبر متلق للمساعدات الأمريكية في العالم بعد إسرائيل. وهذه الأموال لم تستخدم فقط لشراء السلاح، بل لبناء السدود ومحطات الكهرباء والطرق والمدارس الزراعية التي علمت الفلاحين استخدام الأسمدة الكيماوية والمبيدات.

من الزراعة ينتقل الكتاب إلى الصناعة، وهنا يظهر الدور المحوري لشخصية يغفلها كثير من الكتب، وهو المهندس ووزير الاقتصاد لي كوتشنغ، الذي يسميه دولي “مهندس المعجزة”. فلي كوتشنغ الذي درس في كامبريدج، هو الذي أقنع تشيانغ كاي شيك وتشيانغ تشينغ كو ابنه بأن تايوان لا يمكنها أن تعيش على المساعدات إلى الأبد، وأن عليها أن تتحول من اقتصاد استبدال الواردات الذي ينتج للسوق المحلي الصغير، إلى اقتصاد موجه للتصدير ينتج للعالم. وفي عام 1960 صدر قانون تشجيع الاستثمار، وفي عام 1966 أنشئت أول منطقة تجهيز للصادرات في العالم في كاوشيونغ، وهي فكرة نسختها بعد ذلك كل دول العالم من الصين إلى دبي. وكانت الفكرة بسيطة لكنها ثورية، أن تأتي بمستثمر أجنبي، تعطيه أرضا رخيصة وكهرباء رخيصة وعمالة رخيصة غير مسموح لها بالإضراب بسبب الأحكام العرفية، وتسمح له باستيراد المواد الخام دون جمارك وتصدير المنتج النهائي دون ضرائب، بشرط أن يوظف تايوانيين ويعلمهم.

ويصف دولي كيف كانت مصانع كاوشيونغ في البداية تصنع أشياء بسيطة مثل المظلات والألعاب البلاستيكية والأحذية، وكيف كانت الفتيات التايوانيات اللاتي هاجرن من القرى إلى المدن يعملن ستة عشر ساعة في اليوم مقابل دولار واحد، وكيف كانت أغاني المغنية تيريزا تينغ تبث في المصانع لرفع الإنتاجية. لكن هذه المصانع البسيطة هي التي خلقت طبقة عاملة جديدة وطبقة وسطى جديدة، وجمعت مدخرات ضخمة استثمرت لاحقا في مصانع أكثر تعقيدا. وحين ضربت أزمة النفط عام 1973 تايوان التي لا تملك نفطا، لم تنهر كما انهارت دول كثيرة، بل قرر تشيانغ تشينغ كو الذي خلف أباه في عام 1975 إطلاق “المشروعات العشرة الكبرى”، وهي شبكة طرق سريعة من الشمال إلى الجنوب، ومطار دولي جديد في تاويون، وميناء ضخم في تايتشونغ، ومصانع للصلب والبتروكيماويات وبناء السفن. وكلها مشروعات خاسرة في المدى القصير، لكنها وضعت البنية التحتية التي ستحتاجها صناعة الرقائق بعد عشرين عاما.

ولا ينسى دولي الجانب المظلم لهذه التنمية. فالمصانع التي كانت تدار كثكنات عسكرية، كانت ممنوعة فيها النقابات الحرة، وكان جهاز المخابرات المسمى قيادة حامية تايوان يزرع مخبريه في كل مصنع وجامعة وحي. والكتاب يورد قصصا مرعبة عن كيف كان الطلاب في جامعة تايوان الوطنية يكتبون تقارير عن أساتذتهم، وكيف كان الجيران يكتبون تقارير عن جيرانهم، وكيف كان مجرد الاستماع إلى إذاعة بكين أو قراءة كتاب لماركس سببا كافيا للسجن عشر سنوات في الجزيرة الخضراء. لكن دولي يلاحظ مفارقة عميقة، وهي أن هذا القمع نفسه هو الذي دفع كثيرا من التايوانيين الموهوبين الذين لم يجدوا مكانا لهم في الدولة التي يسيطر عليها الوافدون، إلى الذهاب إلى القطاع الخاص، فأنشأوا شركات صغيرة ومتوسطة في مرائب بيوتهم تصنع مسامير وقطع غيار دراجات، وهي الشركات التي ستتحول لاحقا إلى إمبراطوريات مثل فوكسكون التي تصنع هواتف آيفون.

ثم يأتي الفصل الأكثر إثارة في هذا القسم، وهو فصل أشباه الموصلات، حيث يكشف دولي كيف أن قرار تأسيس معهد أبحاث الصناعة التكنولوجية ITRI في عام 1973، وقرار إرسال مئات المهندسين التايوانيين للتدرب في شركة RCA الأمريكية ثم قرار إقناع موريس تشانغ، المهندس التايواني الأمريكي الذي كان نائبا لرئيس شركة تكساس إنسترومنتس، بالعودة إلى تايوان في عام 1985 لتأسيس TSMC، لم تكن قرارات سوق حرة، بل كانت قرارات دولة استبدادية تخطط بعيدا. فموريس تشانغ لم يعد لأنه أحب السوق الحرة، بل لأنه أقنعه لي كوتشنغ بأن الدولة ستمول شركته وستحميه وستعطيه أفضل المهندسين، وأنه سيكون مشروعا قوميا.

إن ما يريد دولي قوله  هو أن تايوان ليست قصة نجاح ليبرالية ، ولا قصة نجاح كونفوشيوسية ، بل هي قصة نجاح لدولة تنموية استبدادية استخدمت القمع لضمان الاستقرار، واستخدمت الاستقرار لجذب الاستثمار، واستخدمت الاستثمار لبناء شرعية جديدة بعد أن فقدت شرعيتها السياسية بمذبحة 2-28. وهذه الدولة التنموية هي التي خلقت بالصدفة، ودون أن تقصد، طبقة وسطى متعلمة وغنية ومستقلة عن الدولة، وهي الطبقة التي ستطالب لاحقا بالديمقراطية وتسقط نفس الديكتاتورية التي صنعتها.

إلى “المعارضة خارج الحزب” أو بالصينية تانغواي، وهي الكلمة التي أصبحت اسما علما في تاريخ تايوان. ففي تايوان السبعينيات، كان الحزب القومي هو الحزب الوحيد المسموح به قانونا، وكانت الانتخابات المحلية تجرى لكن المرشحين المستقلين كانوا يتعرضون للتزوير والاعتقال والضرب. وفي هذا المناخ الخانق، ظهر جيل جديد من المحامين والصحافيين والأساتذة التايوانيين الذين درسوا في الولايات المتحدة واليابان وعادوا بأفكار عن حقوق الإنسان والديمقراطية، وقرروا أن يترشحوا كمستقلين، أي كمعارضة خارج الحزب. ومن أبرز هؤلاء كان كانغ نينغ شيانغ وهوانغ شينجيه اللذان أسسا مجلة “تايوان السياسية” في عام 1975 والتي كانت تطبع سرا وتوزع يدا بيد وتقرأ حتى تمزق صفحاتها.

ويخصص دولي صفحات  لحادثتين تعتبران منعطفي التحول الديمقراطي في تايوان، الحادثة الأولى هي حادثة جسر تشونغلي في عام 1977، حين حاول الحزب القومي تزوير انتخابات محلية في مدينة تشونغلي لصالح مرشحه، فخرج عشرات الآلاف من الفلاحين والعمال التايوانيين لأول مرة منذ مذبحة 2-28 قبل ثلاثين عاما وأحرقوا مركز الشرطة وقلبوا سيارات الشرطة، وأجبروا الحكومة على الاعتراف بفوز مرشح المعارضة. كانت تلك هي المرة الأولى التي يكتشف فيها التايوانيون أن الشارع يمكن أن ينتصر على الدولة.

أما الحادثة الثانية فهي حادثة كاوشيونغ في العاشر من ديسمبر عام 1979، وهي اليوم العالمي لحقوق الإنسان، حين نظمت مجلة “فورموزا” أو “ميليداو” التي كانت لسان حال المعارضة مظاهرة سلمية في مدينة كاوشيونغ تطالب بإلغاء الأحكام العرفية وحرية الصحافة. وردت الحكومة بإرسال قوات مكافحة الشغب التي حاصرت المتظاهرين وضربتهم بالهراوات وأطلقت الغاز المسيل للدموع، ثم اعتقلت في تلك الليلة كل قيادات المعارضة تقريبا، ثمانية أشخاص أصبحوا يعرفون لاحقا باسم “الثمانية الكبار في كاوشيونغ”، من بينهم شيه مينغ ده الذي كان قد قضى بالفعل خمسة وعشرين عاما في السجن، وياو تشيا وين ولين يي شيونغ.

 فالحكومة أرادت أن تجعلها محاكمة استعراضية تثبت أن المعارضة عملاء للشيوعيين، فسمحت لأول مرة لصحافيين أجانب ولمراقبين من منظمة العفو الدولية بحضورها، واستدعت محامين شبابا للدفاع عن المتهمين، وكان من بين هؤلاء المحامين شاب اسمه تشن شوي بيان، وفتاة شابة اسمها تساي إنغ ون، وهما الاسمان اللذان سيصبحان لاحقا رئيسين لتايوان. وفي المحكمة، بدلا من أن يطلب المتهمون الرحمة، وقفوا وشرحوا للقضاة وللعالم أنهم ليسوا ضد الصين، بل ضد الديكتاتورية، وأنهم يريدون تايوان ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان. وحين حكمت المحكمة عليهم بأحكام قاسية تراوحت بين اثنتي عشرة سنة والسجن المؤبد، تحولوا في نظر الشارع التايواني من مجرمين إلى أبطال قوميين.

ويفسر دولي لماذا لم تستطع الدولة سحقهم كما سحقت معارضي 2-28 قبل ثلاثين عاما. السبب الأول هو الاقتصاد، فتايوان في عام 1979 لم تعد جزيرة زراعية فقيرة، بل أصبحت مصنعا للعالم، والطبقة الوسطى التي كانت تخاف من السياسة أصبحت تملك تلفزيونات ملونة تشاهد عليها المحاكمة، وأصبحت تملك مدخرات تسمح لها بالتبرع لعائلات المعتقلين. والسبب الثاني هو الولايات المتحدة، فبعد أن قطعت واشنطن علاقاتها الدبلوماسية مع تايبيه واعترفت ببكين في الأول من يناير 1979، أصبح الحزب القومي يحتاج إلى شرعية جديدة، شرعية ديمقراطية، ليقول للعالم إنه مختلف عن الشيوعيين في بكين. والسبب الثالث هو وفاة تشيانغ كاي شيك في 1975 وصعود ابنه تشيانغ تشينغ كو الذي كان أكثر براغماتية وأقل إيديولوجية، والذي أدرك أن القمع لم يعد يجدي.

وهنا يدخل الكتاب شخصية محورية لا يمكن فهم تايوان الحديثة بدونها، وهي شخصية لي تنغ هوي، أول رئيس تايواني الأصل لتايوان. فلي تنغ هوي الذي ولد في عام 1923 لعائلة تايوانية ثرية في ضواحي تايبيه، ودرس الزراعة في جامعة كيوتو اليابانية ثم حصل على الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي من جامعة كورنيل الأمريكية، وكان يتحدث اليابانية والإنجليزية والهوكلو والماندرين بطلاقة، وكان في شبابه قد انضم للحزب الشيوعي الياباني ثم للحزب القومي، هو نموذج للهوية التايوانية المركبة التي يصفها دولي. حين اختاره تشيانغ تشينغ كو نائبا له في عام 1984، ظن كثير من جنرالات الوافدين أنه مجرد واجهة تايوانية لنظام وافد، لكن لي تنغ هوي كان أذكى منهم جميعا.

فبعد وفاة تشيانغ تشينغ كو في يناير 1988، استخدم لي تنغ هوي منصبه كرئيس للحزب القومي ليفكك الحزب من الداخل، فألغى الأحكام العرفية في عام 1987، وسمح بتأسيس أحزاب جديدة، فتأسس الحزب الديمقراطي التقدمي في 28 سبتمبر 1986 بشكل غير قانوني في فندق غراند هوتيل نفسه الذي بني فوق الضريح الياباني، في مفارقة تاريخية يسجلها دولي بذكاء. وسمح بعودة المنفيين السياسيين من أمريكا واليابان، وسمح للصحف بانتقاد الرئيس، وأجرى أول انتخابات برلمانية كاملة في عام 1991، وأول انتخابات رئاسية مباشرة في عام 1996.

لكن أهم ما فعله لي تنغ هوي، كما يجادل دولي، هو أنه غير السردية التاريخية الرسمية. فبدلا من أن يقول إن تايوان هي الصين الحرة التي ستحرر البر الرئيسي، بدأ يقول إن تايوان هي مجتمع مصير مشترك، أو بالصينية مينغ يونغونغ تونغ تي، أي أن كل من يعيش في تايوان، سواء كان أصليا أو هوكلو أو هاكا أو وافدا جاء في 1949، هو تايواني، وأن تايوان لها تاريخها الخاص المختلف عن الصين. ولأول مرة أدخلت كتب التاريخ في المدارس فصلا عن السكان الأصليين وعن الحكم الهولندي والياباني، وليس فقط عن أباطرة الصين. وهذه “التايونة” أو بنهوا للمناهج هي التي خلقت جيلا كاملا من الشباب التايوانيين الذين يعتبرون أنفسهم تايوانيين فقط وليسوا صينيين.

ويصل دولي هذا الفصل بمشهد انتخاب عام 2000 حين فاز مرشح المعارضة تشن شوي بيان، المحامي الذي دافع عن معتقلي كاوشيونغ، برئاسة الجمهورية، ليصبح أول رئيس من خارج الحزب القومي في تاريخ تايوان، وهو انتقال سلمي للسلطة لم يحدث من قبل في أي دولة صينية الثقافة. وفي خطاب تنصيبه، قال تشن إنه سيكون رئيسا لكل التايوانيين، وهي الجملة التي تلخص رحلة شعب من الانقسام الدموي في 1947 إلى المصالحة الديمقراطية في 2000، وهي الرحلة التي يوثقها هذا الكتاب كأهم إنجاز للشعب التايواني، أكثر أهمية حتى من معجزته الاقتصادية.

حين فازت تساي إنغ ون، أستاذة القانون التي كانت محامية شابة في محاكمة كاوشيونغ عام 1979، برئاسة تايوان في عام 2016، ثم أعيد انتخابها في عام 2020 بأكثر من ثمانية ملايين صوت، وهي أعلى نسبة تصويت في تاريخ الجزيرة، بدا للكثير من المراقبين أن قصة تايوان قد اكتملت، وأن التحول الديمقراطي قد وصل إلى نهايته السعيدة. لكن إيفان دولي في الفصلين التاسع والعاشر من كتابه “تايوان: تاريخ شعب” يجادل بعكس ذلك تماما، فالديمقراطية في تايوان ليست نهاية التاريخ، بل هي بداية تاريخ جديد أكثر تعقيدا، حيث لم يعد الصراع بين بنسنج رن ووايشنغ رن، أو بين الديكتاتورية والديمقراطية، بل أصبح صراعا حول معنى أن تكون تايوانيا في القرن الحادي والعشرين، ومن يحق له أن يدعي هذه الهوية.

يبدأ دولي هذا القسم من حيث انتهى القسم السابق، من لحظة الاعتذار التاريخي الذي قدمته تساي إنغ ون في الأول من أغسطس عام 2016 للسكان الأصليين باسم الحكومة عن أربعة قرون من الألم والظلم، وهي أول مرة في تاريخ آسيا تقدم فيها حكومة اعتذارا رسميا للسكان الأصليين على طريقة كندا ونيوزيلندا. وهذا الاعتذار لم يكن مجرد حركة رمزية، بل كان اعترافا بأن سردية تايوان كجزيرة صينية أو حتى كجزيرة تايوانية هان قد أهملت السكان الأصليين الذين يشكلون اليوم أقل من ثلاثة بالمئة من السكان لكنهم يشكلون الأساس الأخلاقي والثقافي للجزيرة. ويصف دولي كيف بدأت في السنوات الأخيرة حركة إحياء لغوي وثقافي غير مسبوقة، فأصبحت لغات الأميس والبايوان والروكاي تدرس في المدارس العامة، وأصبحت أسماء القبائل الأصلية تكتب على لافتات محطات القطار، وأصبح فنانون مثل المغنية الأميسية أميت التي تغني باللغة الأميسية نجمة بوب في كل العالم الصيني.

ولا ينسى دولي أن يربط هذا التقدم الاجتماعي بالتحول الاقتصادي الثاني الذي شهدته تايوان بعد عام 2000، وهو التحول من “مصنع العالم” الذي يصنع أحذية وألعابا، إلى “عقل العالم” الذي يصنع رقائق لا يستطيع أحد غيره صنعها. وهنا يعود إلى قصة TSMC وموريس تشانغ التي بدأها في الفصل السابق، لكنه يضيف لها بعدا جيوسياسيا جديدا، وهو ما يسميه “درع السيليكون”. فتايوان التي تصنع اليوم أكثر من ستين بالمئة من رقائق العالم وأكثر من تسعين بالمئة من الرقائق المتقدمة أقل من سبعة نانومتر، أصبحت لا غنى عنها للاقتصاد العالمي، فكل هاتف آيفون وكل سيارة تسلا وكل صاروخ أمريكي يحتاج إلى رقاقة تايوانية، وهذا الاعتماد المتبادل هو الذي يجعل الولايات المتحدة واليابان وأوروبا مهتمة بالدفاع عن تايوان ليس حبا في الديمقراطية فقط، بل حبا في استمرار تدفق الرقائق.

لكن دولي يحذر من الرومانسية المفرطة حول درع السيليكون، فهو يورد مقابلات مع عمال مصانع شينشو الذين يعملون في غرف نظيفة ببدلات بيضاء لمدة اثنتي عشرة ساعة، ومع سكان قرى حول المصانع الذين اشتكوا من استنزاف المياه الجوفية، ومع شباب تايوانيين يشكون من أن الرواتب لم تعد ترتفع رغم أرباح TSMC الخيالية، وأن أسعار الشقق في تايبيه أصبحت من الأغلى في العالم، وأن الشاب التايواني العادي يعمل أكثر من الكوري والياباني لكنه يتقاضى أقل. وهذه الفجوة بين صورة تايوان كقوة تكنولوجية عظمى وبين واقع الحياة اليومية الصعب، هي التي أدت إلى حركة عباد الشمس في عام 2014، حين احتل طلاب جامعيون مبنى البرلمان لمدة ثلاثة وعشرين يوما احتجاجا على اتفاقية تجارة حرة مع الصين اعتبروها ستبيع تايوان لبكين، وهي الحركة التي يعتبرها دولي اللحظة التي ولد فيها جيل جديد من التايوانيين الذين لا يخافون من الصين ولا يريدون أن يكونوا جزءا منها.

ويخصص الكتاب فصلا كاملا لمسألة الهوية التي أصبحت اليوم السؤال المركزي في كل استطلاع رأي في تايوان. ففي عام 1992، حين أجري أول استطلاع حول الهوية، قال خمسة وعشرون بالمئة فقط من الناس إنهم تايوانيون فقط، بينما قال ستة وأربعون بالمئة إنهم صينيون وتايوانيون معا. أما في عام 2023، فقال أكثر من ثلاثة وستين بالمئة إنهم تايوانيون فقط، وقال أقل من ثلاثة بالمئة إنهم صينيون فقط. هذا التحول الدراماتيكي، كما يجادل دولي، ليس نتيجة دعاية الحزب الديمقراطي التقدمي، بل هو نتيجة خبرة يومية، فالشاب الذي ولد بعد عام 1990 لم يسافر إلى الصين إلا كسائح، ولم يخدم في جيش يريد تحرير الصين، ولم يدرس منهجا يقول إن منغوليا جزء من الصين، بل درس أن تايوان لها جبالها وأنهارها وتاريخها الخاص، وشاهد رئيسة مثله تتحدث الإنجليزية وتزور المعابد البوذية والكنائس المسيحية والقرى الأصلية.

ويختم دولي بمشهد من انتخابات يناير 2024 التي فاز فيها لاي تشينغ ده، نائب تساي إنغ ون، برئاسة الجمهورية رغم كل التهديدات الصينية والمناورات العسكرية حول الجزيرة، ورغم حملات التضليل على تيك توك وفيسبوك. ففي يوم الانتخابات، اصطف ملايين التايوانيين في طوابير طويلة أمام مراكز الاقتراع، بعضهم يحمل أطفالا وبعضهم يحمل كلابا، وبعضهم يرتدي ملابس عليها علم تايوان الذي لا تعترف به الأمم المتحدة، وبعضهم يرتدي ملابس عليها علم السكان الأصليين. وفي المساء، حين أعلنت النتائج، لم تحدث أعمال شغب ولم يخرج الجيش، بل خرج الخاسر وهنأ الفائز، وهي ممارسة أصبحت عادية في تايوان لكنها لا تزال حلما بعيد المنال في معظم دول الجوار. وهذا، كما يقول دولي، هو أعظم إنجاز للشعب التايواني، أنه حول جزيرة كانت حتى عام 1987 محكومة بالأحكام العرفية إلى واحدة من أكثر الديمقراطيات حيوية في العالم، ليس من خلال ثورة عنيفة، بل من خلال تراكم من الشجاعات الصغيرة اليومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى