غرباء في أرضهم:القصة العميقة التي صنعت ترامب قبل أن يظهر

هناك كتب تقرأ لتفهم، وكتب تقرأ لتتأكد أنك كنت على صواب، وهذا الكتاب من النوع الأول، النوع النادر الذي يطلب منك أن تترك مقعدك الوثير في برجك الأيديولوجي وتنزل إلى المستنقع، حرفيا. هذا ما فعلته عالمة الاجتماع الأمريكية أرلي راسل هوكشيلد. أستاذة علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا – بيركلي، تلك القلعة الليبرالية على الساحل الغربي، قررت في عام 2011 أن تعبر ما أسمته “جدار التعاطف” وأن تذهب إلى حيث لا يذهب زملاؤها عادة: إلى لويزيانا، إلى أعماق الجنوب الأمريكي، إلى معقل حزب الشاي، إلى الناس الذين يصوتون ضد مصالحهم الظاهرة، كما يحب الليبراليون أن يقولوا.
اختارت هوكشيلد ولاية لويزيانا لسبب وجيه لا يخلو من المفارقة. هي ثاني أفقر ولاية في أمريكا، وهي أيضا من أكثر الولايات تلوثا بيئيا في البلاد، تضم ما يسمى بـ “زقاق السرطان” بين باتون روج ونيو أورليانز، حيث تتراص المصانع البتروكيماوية على ضفاف المسيسيبي وتنفث سمومها في الهواء والماء. سكانها يعانون من أعلى معدلات السرطان والربو والأمراض الناتجة عن التلوث، وهم في الوقت ذاته من أكثر المعارضين شراسة لوكالة حماية البيئة، ومن أكثر المؤيدين حماسا لمرشحين يريدون تفكيكها وإلغاء قوانين الهواء النظيف والماء النظيف. هذه هي المفارقة الكبرى التي تضعها هوكشيلد في قلب كتابها(غرباء في أرضهم – الغضب والحداد في معقل اليمين الأمريكي Strangers in Their Own Land: Anger and Mourning on the American Right) الصادر عام 2016 عن دار The New Press، والذي وصل إلى القائمة القصيرة لجائزة الكتاب الوطني: لماذا يصوت من هم في أمس الحاجة لمساعدة الحكومة الفيدرالية ضد الحكومة الفيدرالية نفسها؟ لماذا يرفع الصياد الذي فقد مورد رزقه بسبب التلوث لافتة تأييد للشركة التي لوثت خليجه؟
الإجابة السهلة، الجاهزة في أروقة اليسار الليبرالي، هي أن هؤلاء الناس مخدوعون، أو جهلة، أو ضحايا دعاية فوكس نيوز والأخوين كوك. هوكشيلد ترفض هذه الإجابة ليس بدافع التسامح الأخلاقي، بل بدافع المنهج العلمي الصارم. تقول إنها أرادت أن تفهم ما أسمته “القصة العميقة” – Deep Story – وهي ليست برنامجا سياسيا ولا مجموعة حقائق، بل هي قصة يشعر بها الناس، قصة تروي لهم مكانهم في العالم وكيف سلب منهم. مهمة عالم الاجتماع، كما تراها، ليست أن يحكم، بل أن يتسلق جدار التعاطف ويرى العالم كما يراه الآخرون، حتى لو كان هذا العالم يتناقض مع قناعاته.
ولذلك قضت خمس سنوات تتنقل بين لويزيانا، تجلس في مطابخ الناس، تحضر حفلات الشواء في أفنية المنازل، تذهب إلى قداس الأحد، وإلى اجتماعات حزب الشاي في قاعات البلدية الصغيرة، تستمع أكثر مما تتكلم. منهجها مستوحى من والدها الدبلوماسي الذي علمها أن الدخول إلى ثقافة أخرى يتطلب احتراما لا يمنع النقد. لم تذهب كصحفية تبحث عن اقتباس مثير، بل كأنثروبولوجية تريد أن تعيش التجربة. وهذا ما يمنح الكتاب قوته الأدبية الهائلة. هو ليس تقريرا إحصائيا عن التصويت، بل هو رواية اجتماعية عن أمريكا أخرى لا تظهر على خرائط نيويورك وواشنطن.
تبدأ الرحلة في ليك تشارلز، مدينة صناعية على خليج المكسيك، حيث يلتقي النفط بالماء، والصناعة بالصيد، والثراء الفاحش بالفقر المدقع. هناك تلتقي هوكشيلد بشخصيات ستصبح أبطال كتابها، ليسوا نماذج نظرية بل بشرا من لحم ودم، بكل تناقضاتهم ونبلهم وأخطائهم. هناك لي شيرمان، الرجل الذي سنمضي معه فصلا كاملا بعنوان “شيء واحد جيد”. رجل في الثانية والثمانين، عمل طوال حياته كفني أنابيب في مصنع بيتسبرغ بليت غلاس، تعرض لحوادث كيميائية كادت تودي بحياته، طُلب منه أن يلقي النفايات السامة سرا في مستنقع بايو ديند، ففعل، ثم رأى طائرا يسقط ميتا من أبخرة تلك النفايات، فأنقذه بفمه، بنفخ الهواء في منقاره، في لقطة سينمائية تختزل كل المأساة الإنسانية. هذا الرجل الذي دمرت المواد الكيميائية جسده وطردته شركته بعد إصابته، هو نفسه المتطوع الأكثر حماسة لتعليق لافتات المرشح الجمهوري الذي يريد إلغاء وكالة حماية البيئة.
كيف يمكن لعقل أن يجمع هذين النقيضين؟ هذا هو السؤال الذي لا يفارق القارئ في الصفحات الأولى، وهو السؤال الذي ستحاول هوكشيلد الإجابة عنه ليس بالمنطق، بل بالوجدان. هي لا تسأل “ما الذي يفكرون فيه؟” بل “ما الذي يشعرون به؟”. وتكتشف أن وراء المواقف السياسية التي تبدو غير عقلانية، هناك بنية عاطفية شديدة العقلانية والتماسك، بنية مبنية على الفخر، والخسارة، والانتظار في طابور طويل.
ولكي تفهم لويزيانا، عليك أن تفهم علاقتها مع الأرض. ليست مجرد ولاية، بل هي نظام بيئي فريد، شبكة من المستنقعات والخلجان والأنهار البطيئة التي تسمى بايو، حيث عاشت أجيال من الكاجون والكريول على صيد الجمبري وجراد البحر. ثم جاء النفط في مطلع القرن العشرين، ومعه وعد بالوظائف والرخاء، ومعه أيضا اتفاق غير مكتوب: خذوا نفطنا، وخذوا أرضنا، لكن امنحونا عملا. الحكومة الفيدرالية في واشنطن بدت بعيدة، بيروقراطية، تفرض ضرائب وتنظم، بينما الشركات بدت قريبة، تمنح رواتب، وترعى فريق كرة القدم المحلي، وتبني كنيسة. وهكذا انقلبت المعادلة الأخلاقية. الشر الذي يلوث هو في الوقت ذاته الخير الذي يطعم.
هذا الانقلاب هو جوهر المفارقة الكبرى التي تكتب عنها هوكشيلد. وتسميها بدقة: الناس الذين يتضررون أكثر من التلوث هم الأكثر تسامحا مع الملوثين. لأن الاعتراف بأن الشركة التي تطعمك هي التي تقتلك هو اعتراف مؤلم للغاية، يتطلب قدرا من الحزن لا يملكه من يعيش على حافة البقاء. الأسهل نفسيا هو أن تلوم الحكومة، تلك الكيان المجرد البعيد الذي يأتي ليقول لك إن سمكتك مسمومة، بدلا من أن تلوم المصنع الذي يمنح ابنك وظيفة.
هذا ليس كتابا عن ترامب، رغم أن ترامب يظهر في نهايته كنتيجة حتمية، بل هو كتاب عن أمريكا التي صنعت ترامب قبل أن يظهر ترامب. كتاب عن الكرامة الجريحة. عن رجال ونساء شعروا بأنهم يقفون في طابور طويل نحو الحلم الأمريكي، طابور انتظروا فيه بصبر لعقود، ملتزمين بالقواعد، يذهبون إلى الكنيسة، يعملون بجد، يربون أبناءهم، ثم فجأة يرون آخرين يتجاوزونهم في الطابور، بدعم من الحكومة: نساء، وأقليات، ومهاجرين، وحتى طيور البجع التي تحظى بحماية فيدرالية بينما هم لا يحظون بها. شعور بأنهم غرباء في أرضهم.
لو كان كتاب هوكشيلد مجرد تحليل نظري للمفارقة الكبرى، لما استحق كل هذا الضجيج الذي أحدثه عند صدوره في خريف عام 2016، قبل أسابيع قليلة من فوز دونالد ترامب. قوته الحقيقية تكمن في أنه لا يتحدث عن كتلة تصويتية مجردة يسميها المحللون “اليمين”، بل عن وجوه وأسماء وقصص، عن أناس فتحوا لها بيوتهم وقلوبهم رغم علمهم أنها ليبرالية من بيركلي، تلك الكلمة التي تعادل في قاموس الجنوب تهمة شبه جاهزة.
هناك مايك شاف، منظم حفلات الشاي في لويزيانا، رجل أعمال عصامي يملك شركة صغيرة لتنظيف السجاد، يؤمن بأن الحكومة هي المشكلة وليست الحل، ويستشهد برونالد ريغان كما يستشهد القس بالكتاب المقدس. مايك ليس عنصريا بالمعنى الفج الذي يتصوره الليبراليون، هو متزوج من امرأة من أصل لاتيني، ويعمل لديه سود وبيض، لكنه يشعر بأن القواعد تغيرت في منتصف اللعبة. يقول لهوكشيلد بمرارة: “كنا نلعب لعبة عادلة، ثم فجأة جاءت الحكومة وقالت، سنعطي نقاطا إضافية لهؤلاء وهؤلاء”. هذا الشعور بأن اللعبة لم تعد عادلة هو المفتاح الأول لفهم الغضب.
ثم هناك هارولد وآنيت أرينو، زوجان مسنان يعيشان على بعد أميال قليلة من مصنع كيماوي ضخم. حديقتهما تموت شيئا فشيئا، الماء في البئر الذي يشربان منه ملوث، وابنتهما تعاني من مشاكل صحية غامضة. ومع ذلك، عندما تسألهما هوكشيلد عن المصنع، يهزان كتفيهما ويقولان: “هذا ثمن التقدم”. ثم يستطرد هارولد ليحدثها عن وكالة حماية البيئة التي جاءت وطلبت عينات من تربته، وكيف شعر بأنها تنتهك ملكيته الخاصة، تتجسس عليه. الدولة التي يفترض أن تحميه تبدو له متطفلة، والشركة التي تسممه تبدو قدرا لا مفر منه، بل ومصدر رزق للجيران.
لكن الشخصية المحورية هي لي شيرمان. خصصت له هوكشيلد فصلا بعنوان “قصة لي”، وهو فصل يصلح أن يكون رواية قصيرة عن أمريكا. لي شيرمان رجل ولد فقيرا، ترك المدرسة مبكرا، عمل سباكا صناعيا في مصانع الكيماويات على طول ساحل الخليج. في السبعينيات، كان يعمل في مصنع لإنتاج مادة بي آي بي، وهي مادة شديدة السمية، وطلب منه المشرف أن يتخلص من براميل النفايات السامة بشكل غير قانوني، عبر إلقائها في بايو ديند، أحد الخلجان الجميلة التي كان يصطاد فيها وهو طفل. فعل ذلك مرات. وفي إحدى المرات، رأى مجموعة من الطيور تتساقط من السماء فوق المستنقع، مختنقة بالأبخرة. ركض نحو أحدها، طائر صغير، وحاول إنقاذه، وضع منقاره في فمه ونفخ، في محاولة يائسة لإعادة الحياة إليه. الطائر مات. هذه اللحظة، لحظة النفخ في منقار طائر مسموم بنفايات ألقاها هو نفسه، تلاحقه حتى اليوم.
بعد ذلك أصيب لي نفسه، احترق وجهه بمادة كيميائية، وفقدت شركته اهتمامها به، طردته بعد أن أصبح عبئا، ثم خاض معركة قضائية طويلة للحصول على تعويض. كان يفترض أن يصبح هذا الرجل من أشد أعداء الشركات الكبرى، ومن أشد المؤيدين لتنظيم الدولة. لكن العكس هو ما حدث. أصبح لي من أكثر المتحمسين لحزب الشاي، متطوعا يعلق اللافتات في الحر، ويؤمن بأن وكالة حماية البيئة هي العدو، وأن شركات النفط هي صديقة الشعب. كيف؟ تجيب هوكشيلد بأن لي، مثل كثيرين غيره، يفصل بين فعل الشركة ككيان مجرد، وفعل الأفراد الطيبين الذين يعملون فيها، جيرانه وأقاربه. والأهم، أنه يرى في المصنع مصدر فخر وهوية. لويزيانا هي ولاية النفط، الرجال فيها فخورون بعملهم الشاق في المنصات والمصافي، عمل يمنحهم رجولة وكرامة في عالم يشعرون أن كرامتهم تسلب منهم. أن تهاجم النفط، هو أن تهاجم رجولتهم.
هنا تبرع هوكشيلد في تقديم مفهومها المنهجي الأهم، وهو ما تسميه “العمل العاطفي” و”قواعد الشعور”. وهي تستعير من علم اجتماع العواطف الذي أسسته هي نفسها قبل عقود. الفكرة بسيطة وعميقة: المجتمعات لا تضع قواعد فقط لما يجب أن تفعله، بل لما يجب أن تشعر به. في لويزيانا، قاعدة الشعور هي: لا تحزن، لا تشتك، كن صبورا، كن فخورا، واعتبر المعاناة دليلا على قوتك. الشكوى هي ضعف، والاعتماد على الحكومة هو عار. لذلك، عندما يمرض طفلك بسبب التلوث، القاعدة تقول لك أن تتحمل، لا أن تحتج. وعندما تخسر وظيفتك، تقول لك أن تلوم نفسك لعدم اجتهادك بما يكفي، لا أن تلوم النظام.
هذا ما يجعل هوكشيلد مختلفة عن الذين زاروا لويزيانا ليوم أو يومين. هي لم تذهب لتسجل تصريحات، بل لتفهم “البنية التحتية العاطفية” للسياسة. استخدمت تقنية تسميها “التقريب البؤري المتبادل”، حيث تروي للقارئ الليبرالي قصة اليميني، ثم تعود لليميني لتقول له: هكذا يراكم الليبراليون، فما رأيكم؟ كانت تضع نفسها جسرا هشا فوق جدار التعاطف، وتتحمل غضب الطرفين.
في لقاءاتها مع نساء حزب الشاي، اكتشفت بعدا آخر، هو بعد الإيمان. الكنيسة الإنجيلية ليست مجرد مكان للصلاة، بل هي شبكة أمان اجتماعي بديل عن الدولة. عندما تمرض، الكنيسة تساعدك، لا الحكومة. عندما تفلس، الجماعة تجمع لك التبرعات. لذلك، فكرة أن تأتي الحكومة الفيدرالية العلمانية البعيدة لتفرض عليك قيما جديدة حول الزواج أو الإجهاض أو التعليم، تبدو كغزو ثقافي. الدولة لا تبدو كحام، بل كغاز أخلاقي.
وكل هذا يقودنا إلى لب الكتاب، إلى تلك القصة التي يحملها كل واحد منهم في صدره دون أن يقولها بصوت عال. قصة تحاول هوكشيلد أن تصيغها نيابة عنهم، بعد أن استمعت لمئات الساعات، قصة تسميها “القصة العميقة”. وهي ليست كذبة يؤمنون بها، بل هي شعور حقيقي يفسر لهم العالم.
لو طلبت من أرلي هوكشيلد أن تلخص خمس سنوات من البحث في فقرة واحدة، لكانت هذه الفقرة هي ما تسميه القصة العميقة. هي ليست برنامجا انتخابيا، ولا نظرية مؤامرة، ولا حتى مجموعة آراء سياسية. هي حكاية يشعر بها الناس في نخاعهم، حكاية تروى في المطبخ وليس في نشرات الأخبار، حكاية تفسر لماذا يشعر رجل أبيض في الستين من عمره، عمل طوال حياته، خدم في الجيش، يذهب إلى الكنيسة كل أحد، لماذا يشعر بأنه غريب في بلده.
ترويها هوكشيلد على لسانهم، بضمير المتكلم، وكأنها تتقمصهم لتجعل القارئ الليبرالي في بيركلي أو بروكلين يرى العالم من خلال عيونهم للحظة واحدة. تقول القصة: أنت تنتظر في طابور طويل، طابور يمتد فوق تل، وصولا إلى قمة التل حيث يوجد الحلم الأمريكي. الطابور طويل، لكنك صبور. علمك والداك أن الصبر فضيلة، وأن العمل الجاد سيكافأ في النهاية. أنت تقف في مكانك منذ سنوات، تعمل بجد، تدفع ضرائبك، لا تشتكي. التلال من حولك هي أرضك، لويزيانا، جميلة لكنها قاسية، تعلمت أن تحبها رغم كل شيء.
ثم تبدأ في ملاحظة شيء غريب. الطابور لا يتحرك. بل إنك، في الحقيقة، تتراجع. وفجأة، ترى أناسا يتجاوزونك، يقطعون الطابور من الجانب. ترى نساء، وأقليات، ومهاجرين، ولاجئين، وحتى حيوانات مهددة بالانقراض مثل طائر البجع البني الذي حمته الحكومة الفيدرالية بينما لم تحم وظيفتك. كل هؤلاء يتقدمون أمامك، برعاية الحكومة. الحكومة، ممثلة في رجل أسود أنيق في البيت الأبيض، تقول لك: هؤلاء يحتاجون مساعدة خاصة، لأنهم عانوا تاريخيا. وأنت تقف هناك، تفكر: ماذا عني؟ أنا أيضا عانيت. أنا أيضا فقير. لكن لا أحد يساعدني، بل على العكس، أنا من يدفع ثمن مساعدتهم من ضرائبه.
هذه هي القصة العميقة كما صاغتها هوكشيلد بعد مئات المقابلات. وهي قصة لا تتعلق بالجشع، بل بالشرف. الجرح ليس اقتصاديا فحسب، بل هو جرح كرامة. شعور بأنك فعلت كل شيء صحيح، ومع ذلك تم تجاوزك. وشعور أعمق بأنك لم تعد تحترم. أنت ترى مذيعي الأخبار في التلفزيون يسخرون من لكنتك الجنوبية، ومن إيمانك، ومن حبك للسلاح، ومن طريقتك في الحياة. تشعر بأن النخبة الثقافية في الساحلين الشرقي والغربي تنظر إليك ككائن متخلف، كعنصري، كجاهل، بينما أنت ترى نفسك كشخص محافظ على القيم التي بنت أمريكا: العائلة، الدين، العمل الشاق، الاعتماد على النفس.
في هذه القصة، الرئيس باراك أوباما ليس مجرد رئيس، بل هو رمز لهذا التجاوز. هو نفسه متجاوز للطابور في نظرهم. رجل أسود، أب أجنبي، اسم غريب، وصل إلى أعلى منصب في البلاد، وبدأ فورا في مساعدة الآخرين على تجاوز الطابور: التأمين الصحي للفقراء، حماية البيئة على حساب وظائف النفط، دعم زواج المثليين، الدفاع عن حقوق المهاجرين. كل سياسة من سياساته، مهما كانت نبيلة في نظر الليبراليين، كانت تبدو في لويزيانا كدليل إضافي على أن الطابور لم يعد لهم.
وهنا تكمن عبقرية هوكشيلد. هي لا تقول إن هذه القصة صحيحة من الناحية الواقعية. هي تعلم أن الإحصائيات تظهر أن برامج الرعاية الاجتماعية يستفيد منها البيض الفقراء أكثر من أي فئة أخرى، وأن قوانين حماية البيئة هي التي تحمي أطفال لويزيانا من السرطان. لكنها تقول إن الحقيقة العاطفية أقوى من الحقيقة الإحصائية. الناس لا يصوتون بناء على جداول البيانات، بل بناء على ما يشعرون أنه عادل. وإذا شعرت أنك تنتظر في طابور منذ عشرين عاما بينما يتجاوزك آخرون بمساعدة الحكومة، فسوف تغضب، حتى لو كان هذا التجاوز وهما إحصائيا. الغضب حقيقي، حتى لو كانت أسبابه متخيلة.
القصة العميقة تفسر أيضا لماذا لا يثق هؤلاء الناس بالحكومة، ويثقون بالشركات. في روايتهم، الحكومة هي من ينظم الطابور ويسمح بقطعه، هي الحكم المنحاز. أما الشركات، مثل بي بي وإكسون وشيفرون، فهي التي توفر الوظائف في نهاية الطابور. صحيح أنها تلوث، صحيح أنها تستغل، لكنها على الأقل موجودة، ملموسة، تمنحك راتبا آخر الشهر. الحكومة تأخذ، الشركة تعطي، حتى لو كان عطاؤها مسموما.
وتفسر القصة أيضا شيئا آخر، هو الحداد. عنوان الكتاب الفرعي هو “الغضب والحداد على أرض اليمين الأمريكي”. الحداد ليس فقط على الوظائف التي ضاعت، أو على البيئة التي تدمرت، بل على طريقة حياة تختفي. على بلدة كانت تعج بالصيادين وأصبحت تعج برجال النفط الغرباء. على لغة الكاجون التي تختفي. على احترام كان يمنح للرجل الذي يعمل بيديه وأصبح اليوم يمنح للمبرمج في وادي السيليكون. على أمريكا البيضاء، المسيحية، الريفية، التي كانت هي القاعدة وأصبحت تشعر بأنها هامش.
هذا الحداد يفسر لماذا يبدو هؤلاء الناس، في نظر المراقب الخارجي، وكأنهم يصوتون ضد مصالحهم. لأن المصلحة ليست فقط مادية. هناك مصلحة عاطفية، مصلحة في استعادة الكرامة. عندما يأتي سياسي مثل دونالد ترامب ويقول: “سأجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، فهو لا يقدم برنامجا اقتصاديا، بل يقدم اعترافا بالقصة العميقة. يقول لهم: نعم، أنتم كنتم تنتظرون في الطابور، ونعم، تم تجاوزكم، ونعم، سأعيدكم إلى مقدمة الطابور. سأبني جدارا ليمنع المزيد من قاطعي الطابور من الدخول. هذه الرسالة، بكل فجاجتها، كانت أكثر إقناعا من آلاف التقارير عن التلوث.
هوكشيلد تروي كيف أنها عرضت القصة العميقة على أصدقائها في حزب الشاي، وسألتهم: هل هذه هي قصتكم؟ فأجاب معظمهم: نعم، مع بعض التعديلات، لكن هذه هي. لقد نجحت في أن تكون مرآة، لا قاضية. وهذا هو الدرس الأكبر في الكتاب. أن تفهم لا يعني أن توافق. أن تتسلق جدار التعاطف لا يعني أن تهدم جدار النقد. لكنك لا تستطيع أن تنتقد ما لا تفهمه. واليسار الأمريكي، كما ترى هوكشيلد، فشل لسنوات في فهم هذه القصة، واكتفى بالسخرية منها، فخسر الانتخابات وخسر القدرة على الحوار.
لكي تفهم غضب لويزيانا، عليك أن تمشي في مستنقعاتها. ليس مجازا، بل حرفيا. تأخذك أرلي هوكشيلد في فصولها الوسطى إلى بايو ديند، وإلى بايو كورن، وإلى جزيرة جان تشارلز التي تغرق ببطء في خليج المكسيك، إلى أماكن لم تعد تظهر على الخرائط السياحية. هناك، حيث رائحة الكبريت تملأ الهواء، وحيث تطفو بقع النفط بألوان قوس قزح فوق ماء كان يوما شفافا، تفهم لماذا تبدو السياسة في هذه الولاية مقلوبة رأسا على عقب.
لويزيانا هي قصة حب وخيانة طويلة بين شعب وفقير وشركة غنية. بدأت القصة في عام 1901 عندما تفجر أول بئر نفطي ضخم في سبيندلتوب بتكساس المجاورة، وامتدت حمى الذهب الأسود جنوبا. جاء رجال من الشمال، ببدلات أنيقة ووعود أكبر: سنحول مستنقعاتكم الفقيرة إلى حقول من الرخاء، سنمنح أبناءكم وظائف برواتب لم يحلم بها آباؤهم الصيادون. وكان ذلك صحيحا جزئيا. ارتفعت الرواتب، بنيت المدارس، شقت الطرق. لكن الثمن كان الأرض نفسها.
تروي هوكشيلد كيف حفرت شركات النفط آلاف الأميال من القنوات عبر المستنقعات لنقل منصات الحفر والمعدات، فسمحت لمياه البحر المالحة بالدخول إلى مستنقعات المياه العذبة، فقتلت أشجار السرو التي كانت تحمي الساحل من الأعاصير، ودمرت موائل الجمبري وسرطان البحر التي عاش عليها الكاجون لأجيال. ثم جاء التلوث الكيميائي. لويزيانا اليوم تضم ربع إنتاج البتروكيماويات في الولايات المتحدة. على طول نهر المسيسيبي بين باتون روج ونيو أورليانز، هناك ممر صناعي يسميه السكان زقاق السرطان، حيث تتراص 150 مصنعا كيميائيا، وحيث معدلات الإصابة بالسرطان أعلى بنسبة خمسين بالمئة من المتوسط الوطني. في بلدة مثل موسفيل، وهي بلدة تاريخية للسود الأحرار أسسها عبيد سابقون بعد الحرب الأهلية، أصبحت محاطة بأربعة عشر مصنعا، واضطر سكانها إلى الرحيل بعد أن أصبح الهواء غير صالح للتنفس، فاشترت شركة ساسول أراضيهم بثمن بخس وهدمت بيوتهم لتوسيع مصنعها.
هنا تظهر المفارقة التي لا يلتفت إليها المراقب من الخارج. لو كنت مكان هؤلاء السكان، المنطق يقول إنك ستطالب بالمزيد من تنظيم الدولة، بالمزيد من وكالة حماية البيئة، بالمزيد من التعويضات. لكن ما يحدث هو العكس. لأن الشركات نجحت في بناء تحالف عاطفي واقتصادي عميق. هي لا تعطي فقط وظائف، بل تعطي هوية. الرجل الذي يعمل في المصفاة، حتى لو كان يعلم أن عمله يقتله ببطء، يشعر بفخر الرجولة، بفخر أنه يطعم عائلته بعرق جبينه، لا بمساعدات حكومية. وعندما تأتي وكالة حماية البيئة وتقول له إن مصنعه ملوث، فهو لا يسمع دفاعا عن صحته، بل يسمع اتهاما له بأنه جزء من المشكلة، وتهديدا لمصدر فخره الوحيد.
ثم هناك تاريخ الخيانة الحكومية الطويل. لويزيانا هي الولاية التي شهدت أحد أكبر الكوارث البيئية التي تسببت بها الحكومة نفسها. في عام 1980، أمر فيلق المهندسين التابع للجيش الأمريكي بحفر قناة ميسيسيبي ريفر جلف أوتلت، وهي قناة شحن اختصرت الطريق إلى خليج المكسيك، لكنها دمرت الحاجز الطبيعي للأهوار، وساهمت بشكل مباشر في جعل إعصار كاترينا أكثر تدميرا في 2005. الحكومة التي وعدت بالحماية، جلبت الغرق. وعندما غرق الناس، تأخرت المساعدات الفيدرالية لأيام، وترك الناس يموتون على أسطح منازلهم بينما كانت كاميرات العالم تراقب. هذه الذاكرة لا تنسى. الدولة التي لا تأتي عندما تغرق، لا يحق لها أن تأتي لتقول لك كيف تدير مصنعك.
هوكشيلد تشرح كيف استغلت حركة المحافظين الجدد هذه الذاكرة . منذ الثمانينيات، ومع صعود رونالد ريغان، بدأ خطاب منظم يقول: الحكومة ليست الحل، الحكومة هي المشكلة. هذا الخطاب وجد تربة خصبة في لويزيانا. الحاكم بوبي جندال، الذي حكم الولاية بين 2008 و2016، هو المثال الأوضح. جندال، ابن مهاجرين هنود، ذكي وطموح، قرر أن يحول لويزيانا إلى مختبر لليبرتارية الاقتصادية. خفض الضرائب على الشركات بشكل هائل، وخفض تمويل التعليم العالي بنسبة خمسة وأربعين بالمئة، وألغى برامج الرعاية الصحية، ورفض توسيع برنامج ميديكيد الذي كان سيؤمن الرعاية لعشرات الآلاف من الفقراء في ولايته، فقط لأنه جزء من أوباماكير. النتيجة كانت كارثية اقتصاديا، لكنها كانت ناجحة سياسيا، لأنه قدم نفسه كمن يحارب واشنطن، كمن يدافع عن كرامة لويزيانا ضد تدخل الفيدراليين.
وفي قلب هذا كله، تكتشف هوكشيلد ظاهرة تسميها “العبور”. الناس يعبرون، بمعنى أنهم يغيرون ولاءهم من فكرة إلى نقيضها ليتجنبوا الألم المعرفي. لي شيرمان يعرف أن الشركة لوثت، لكنه يعبر إلى الإيمان بأن الحكومة أسوأ. هارولد يرى أن الماء ملوث، لكنه يعبر إلى الاعتقاد بأن الحديث عن التلوث هو مؤامرة من دعاة حماية البيئة لمنع الوظائف. هذا العبور ليس غباء، بل هو آلية دفاع نفسية. لأن البديل، وهو الاعتراف بأنك ضحيت بصحتك وصحة أطفالك من أجل شركة تخلت عنك، هو بديل مؤلم للغاية، لا يطاق.
وتصل هوكشيلد إلى خلاصة موجعة: الولاية الأكثر اعتمادا على أموال الحكومة الفيدرالية هي الأكثر كراهية لها. لويزيانا تحتل المرتبة الأولى أو الثانية دائما في قائمة الولايات التي تأخذ من الفيدرالية أكثر مما تعطي. كل دولار تدفعه كضرائب، تأخذ مقابله دولارا وأربعين سنتا في شكل مساعدات، وبرامج، وبنية تحتية، وتعويضات كوارث. لكنها تصوت باستمرار ضد من يمنحها هذا المال. لماذا؟ لأن المال يأتي مشروطا بالإهانة. يأتي مع قوانين تقول لك كيف تصطاد، وكيف تبني، وكيف تعلم أطفالك. يأتي مع لغة سياسية صحيحة تتحدث عن التنوع والمساواة، بينما أنت تشعر أنك أنت من أصبح أقلية. الشركة، حتى لو كانت تستغلك، لا تطلب منك أن تغير لغتك أو إيمانك. هي تطلب منك فقط أن تعمل.
في هذا الفصل من الكتاب، تدرك أن ما تسميه الصحافة الليبرالية “التصويت ضد المصلحة” هو في الحقيقة تصويت لمصلحة أخرى، مصلحة غير مادية، هي مصلحة الكرامة والانتماء. وهذا ما يمهد لظهور ترامب. ترامب لم يأت من فراغ، هو جاء ليجمع كل هذه الخيوط: كراهية الدولة، وحب الصناعة، والفخر الجريح، والحداد على عالم يختفي.
عندما أنهت أرلي راسل هوكشيلد مخطوطة كتابها في صيف عام 2016، لم يكن دونالد ترامب قد فاز بعد. كان مرشحا يستهزئ به معظم أساتذة بيركلي، يعتبرونه ظاهرة تلفزيونية عابرة ستنتهي بهزيمة ساحقة. لكن هوكشيلد، التي أمضت خمس سنوات تستمع إلى الغضب في مطابخ لويزيانا، كانت تعرف شيئا لم يعرفه منظرو استطلاعات الرأي في واشنطن. كانت تعرف أن الطابور الطويل الذي وصفته في قصتها العميقة قد وجد أخيرا من يصرخ باسمه.
في الفصل الأخير من الكتاب، الذي كتبته على عجل قبل الطباعة، تروي لقاءها الأخير مع أصدقائها من حزب الشاي بعد أن أصبح ترامب مرشح الحزب الجمهوري. تصف دهشتهم هم أنفسهم، ثم حماستهم المتزايدة. أحدهم، مايك شاف الذي كان يؤمن بالسوق الحرة المطلقة، قال لها: “أعلم أنه ليس محافظا حقيقيا، لكنه على الأقل يصفع النخبة على وجهها، وهذا يكفيني”. جملة واحدة تلخص كل شيء. ترامب لم يكن بحاجة إلى برنامج، كان بحاجة إلى أن يكون صفعة. صفعة لجدار التعاطف الذي بنته النخبة الليبرالية حول نفسها، جدار يقول: نحن أذكى، نحن أكثر أخلاقا، نحن نعرف مصلحتكم أكثر منكم.
هوكشيلد تسمي هذا “السياسة العاطفية للحماية الذاتية”. عندما يشعر الناس بأن هويتهم مهددة، فإنهم لا يبحثون عن سياسي يقدم لهم خطة من عشر نقاط لإصلاح التأمين الصحي، بل يبحثون عن من يحمي كبرياءهم. ترامب فهم القصة العميقة بشكل غريزي، بينما فشلت هيلاري كلينتون في فهمها تماما. عندما وصفت كلينتون نصف مؤيدي ترامب بأنهم “سلة من البائسين”، كانت تؤكد لهم بالضبط ما كانوا يشعرون به: أن النخبة تحتقرهم. ترامب، في المقابل، قال لهم: أنتم لستم بائسين، أنتم ضحايا، والنظام سرق حلمكم. سأبني جدارا، ليس فقط على الحدود مع المكسيك، بل جدارا حول كرامتكم.
وهنا تكمن نبوءة الكتاب التي تجعله أكثر أهمية اليوم، في عام 2026، مما كان عليه في 2016. هوكشيلد لم تكتب عن ترامب، بل كتبت عن الشروط التي جعلت ترامب ممكنا. والشروط لا تزال قائمة، بل تفاقمت. جدار التعاطف الذي تحدثت عنه لم ينهار بعد الانتخابات، بل أصبح أعلى وأكثر سمكا. الليبراليون في المدن الكبرى أصبحوا أكثر اقتناعا بأن الريف الأمريكي عنصري وجاهل، والمحافظون في الريف أصبحوا أكثر اقتناعا بأن المدن هي مستنقع للفساد والإلحاد. كل طرف يعيش في فقاعة إعلامية تغذيه بما يريد أن يسمعه. فوكس نيوز من جهة، ونيويورك تايمز من جهة أخرى، كلاهما يبيع الغضب، لأن الغضب يبيع الإعلانات.
ما الذي تقدمه هوكشيلد كحل؟ وهذا هو السؤال الذي يطرحه كل قارئ في نهاية الكتاب. وهي لا تقدم حلا سياسيا سهلا، لا تقول صوتوا للديمقراطيين أو للجمهوريين. ما تقدمه هو منهج. تقول: إذا أردنا أن نعيش معا في بلد واحد، فعلينا أن نتسلق جدار التعاطف، لا أن نهدمه بالقصف. أن نتسلق يعني أن نستمع، ليس لنوافق، بل لنفهم من أين يأتي الألم. وهذا الاستماع يتطلب شجاعة أخلاقية كبيرة، لأنك ستسمع أشياء قد تتعارض مع أعمق قيمك حول العرق والجنس والبيئة.
في لقاءاتها الأخيرة، سألت هوكشيلد أصدقاءها في لويزيانا: ماذا لو جاءت الحكومة الفيدرالية وقالت لكم، سننظف التلوث، وسنعوضكم عن الأراضي، وسنبني لكم مدارس أفضل، لكن بشرط أن تقبلوا بقوانين حماية البيئة؟ فأجاب معظمهم: لا نثق بها لتفعل ذلك. الثقة مفقودة تماما. وهذا هو الدرس الأعمق. السياسة ليست فقط توزيعا للموارد، بل هي بناء للثقة. وعندما تنهار الثقة، لا تنفع الأرقام ولا الخطط.
في النهاية، الكتاب هو مرثية. مرثية لأمريكا كانت تعتقد أنها أمة واحدة، واكتشفت أنها أمتان تعيشان خلف جدار تعاطف لا يرى بالعين المجردة، لكنه أكثر صلابة من أي جدار من الطوب. وإن كان هناك أمل، فهو في الفعل نفسه الذي قامت به هوكشيلد: حزم الحقائب، و القيادة نحو المكان، والجلوس مع شخص يختلف معنا تماما، ونستمع، حتى النهاية، دون أن نقاطعه لنصحح له أرقامه. لأن الحقيقة التي تكشفها لويزيانا هي أن الناس لا يموتون من الأرقام الخاطئة، بل يموتون من الشعور بأن أحدا لا يستمع إليهم.




