أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

تحوّل العالم: القرن التاسع عشر الذي ما زلنا نعيش فيه

قراءة بانورامية في ملحمة يورغن أوسترهامّل التي أعادت كتابة تاريخ البشرية

حين يُذكر القرن التاسع عشر في مخيلتنا الجماعية ، تتداعى صور متفرقة وغير مترابطة: مدخنة مصنع في مانشستر تلوث سماء إنجلترا، جندي نابليوني يرفع علمه فوق أهرامات الجيزة، خط سكة حديد يشق صحراء سيناء، إمبراطور ياباني يخلع السيف ويستبدله ببذلة غربية، ورجل إفريقي مكبل يُنقل عبر المحيط. لكن هذه الصور، على قوتها، ظلت لعقود طويلة محبوسة داخل أقسام منفصلة في كتب التاريخ، كل قارة تروي حكايتها وحدها، وكل أمة تكتب سيرة ذاتية معزولة. يأتي كتاب المؤرخ الألماني يورغن أوسترهامّل “تحوّل العالم: تاريخ القرن التاسع عشر” الصادر لأول مرة عن دار C.H. Beck عام 2009 في طبعته الألمانية الأصلية “Die Verwandlung der Welt”، والذي يتجاوز في نسخته الكاملة 1570 صفحة، ليكسر هذا الحاجز بشكل جذري ويعلن أن القرن التاسع عشر لم يكن قرناً أوروبياً على الإطلاق، بل كان أول قرن عالمي حقيقي تشكّل فيه كوكبنا بشكله الحالي.

أوسترهامّل ليس مؤرخاً عادياً يكتب من برج عاجي في برلين أو ميونيخ، بل هو واحد من أبرز رواد ما يُسمى اليوم بـ “التاريخ العالمي” أو “التاريخ الكوني” Global History. عمل لسنوات طويلة في ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، وتخصص في تاريخ الاستعمار وتاريخ الصين، وهذا المزج النادر بين معرفة عميقة بالغرب ومعرفة غير استشراقية بالشرق هو ما يمنح كتابه هذا التوازن. الكتاب ليس ترجمة لأحداث أوروبا إلى لغات أخرى، بل هو محاولة لفهم كيف تحول العالم بأسره، من طوكيو إلى القاهرة، ومن لاغوس إلى بوينس آيرس، في فترة زمنية واحدة، بآليات متشابهة أحياناً ومتناقضة أحياناً أخرى، لكنها مترابطة دوماً.

ما يجعل هذا العمل فريداً من نوعه هو أنه يرفض منذ صفحاته الأولى فكرة التأريخ الخطي البسيط. ففي الفصل المخصص للزمن بعنوان “متى كان القرن التاسع عشر؟” يطرح أوسترهامّل سؤالاً يبدو بديهياً لكنه يهز أركان الكتابة التاريخية التقليدية: هل بدأ القرن التاسع عشر في الأول من يناير عام 1801 وانتهى في 31 ديسمبر 1900؟ بالنسبة للمؤرخ الجالس في باريس، قد يكون الجواب نعم. لكن بالنسبة لفلاح في الصين كان يعيش تحت تقويم الإمبراطور جيا تشينغ، أو لتاجر مسلم في القاهرة يحسب السنوات بالهجرة، أو لمزارع سيامي يحسبها بالسنة البوذية 2343، فإن هذا التقسيم لا معنى له إطلاقاً. يوضح أوسترهامّل أن سحر “القرن” كوحدة زمنية هو اختراع مسيحي غربي بحت، لم يصبح معياراً عالمياً إلا مع فرض التقويم الغريغوري بالقوة الناعمة للاستعمار والتجارة والسكك الحديدية. فروسيا لم تعتمده إلا في 1918، وتركيا في 1927، ومصر وبلاد الشام عاشت لعقود ازدواجية بين التقويم الهجري والميلادي والإداري العثماني. لذلك، يختار المؤلف حلاً : هناك قرن تقويمي صارم من 1801 إلى 1900 يستخدمه كإطار مرجعي، وهناك “قرن طويل” يبدأ منذ سبعينيات القرن الثامن عشر مع الثورة الأمريكية والصناعية، ويمتد حتى عشرينيات القرن العشرين حين انتهت الحرب العالمية الأولى فعلياً بمعاهدات لوزان وانهيار السلطنة العثمانية.

هذا التمهيد المنهجي ليس ترفا ، بل هو إعلان نوايا. أوسترهامّل يريد أن يكتب تاريخاً لا يكون ضحية لمركزية أوروبا. لقد سئمنا من كتب تقول إن القرن التاسع عشر هو قرن الثورة الصناعية والديمقراطية والقومية، وكأن هذه الظواهر حدثت فقط في إنجلترا وفرنسا وألمانيا ثم صُدّرت للعالم. الحقيقة التي يكشفها الكتاب، ببراهين ساحقة، هي أن العالم كان يتحول في نفس اللحظة عبر خمسة مسارات كبرى متزامنة، يسميها المؤلف التحولات الخمس الكبرى، وهي تشكل الكتاب كله.

أول هذه التحولات هو النمو السكاني والهجرة. ففي عام 1800 كان عدد سكان العالم حوالي مليار نسمة، وفي عام 1910 أصبح مليار وسبعمئة مليون. لكن الأهم من الرقم هو الحركة: أكثر من خمسين مليون أوروبي هاجروا إلى الأمريكتين، وملايين الهنود والصينيين انتقلوا كعمال بالسخرة أو بالعقود إلى جنوب شرق آسيا ومنطقة الكاريبي وشرق إفريقيا. القاهرة التي كانت مدينة صغيرة نسبياً في 1800 أصبحت في 1900 مدينة كوزموبوليتانية يقطنها يونانيون وإيطاليون وأرمن ويهود وشوام. هذا التنقل البشري الهائل خلق ما يسميه أوسترهامّل “الشتات العالمي الأول”.

التحول الثاني هو العلاقة الجديدة بين الإنسان والطبيعة، وهو ما يسميه البعض اليوم بداية “الأنثروبوسين”. فالقرن التاسع عشر هو القرن الذي حُفرت فيه قناة السويس، وقُطعت فيه غابات الأمازون وجنوب شرق آسيا على نطاق صناعي، واستُخرج فيه الفحم والنفط بكميات غير مسبوقة، ووصل فيه التلوث في لندن إلى درجة أن نهر التايمز أصبح مجروراً مفتوحاً. لكنه أيضاً القرن الذي ظهرت فيه أولى حركات الحفاظ على البيئة في ألمانيا وأمريكا.

أما التحولان التاليين، فهي : صعود الإمبراطوريات والثورة الصناعية والدولة الحديثة. هنا يبرع أوسترهامّل في تفكيك الأسطورة القائلة بأن التصنيع كان قدراً أوروبياً. يوضح بالأرقام أن الصين والهند كانتا حتى عام 1830 تنتجان أكثر من نصف الناتج الصناعي العالمي، وأن ما حدث بعد ذلك لم يكن تفوقاً أخلاقياً أو ثقافياً للغرب، بل كان انحرافاً مؤقتاً نتج عن تراكم الفحم والحديد والاستعمار والقدرة العسكرية. ويخصص فصولاً رائعة عن كيف بنت مصر محمد علي، واليابان في عهد ميجي، وسيام، والدولة العثمانية في عهد التنظيمات، دولاً حديثة حاولت تقليد النموذج الأوروبي لكنها لم تكن مجرد نسخ باهتة، بل كانت مشاريع أصيلة للتحديث الذاتي، نجح بعضها وفشل بعضها الآخر لأسباب داخلية وخارجية معقدة.

وأخيراً، التحول الخامس هو شبكات التواصل والاتصال. فالقرن التاسع عشر هو قرن التلغراف والباخرة والسكة الحديد والصحيفة. في عام 1850 كانت الرسالة من لندن إلى بومباي تستغرق ثلاثة أشهر، وفي عام 1900 كانت تستغرق ساعات عبر كابل التلغراف البحري. هذا الضغط للزمن والمسافة هو الذي خلق الوعي العالمي لأول مرة. فحين حدثت مجاعة في الهند عام 1876، قرأ عنها الناس في صحف بوينس آيرس في اليوم التالي، وحين اندلعت ثورة عرابي في مصر، كانت بورصة لندن تتفاعل معها فوراً.

بهذا المعنى، فإن عنوان الكتاب “تحوّل العالم”  هو وصف لعملية تاريخية مادية: العالم الذي كان عبارة عن جزر حضارية شبه معزولة في عام 1800، أصبح في عام 1900 نظاماً واحداً مترابطاً اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، نظاماً نعيش نحن اليوم في ذيوله ونتائجه. وأوسترهامّل  يكتب عن  كيف أن هذا الترابط خلق ثروات هائلة لكنه خلق أيضاً فقراً مدقعاً، ومجاعات استعمارية، وحروب إبادة في أمريكا وأستراليا، وتقسيماً عنصرياً للعالم.

أكبر فخ يقع فيه المؤرخ الذي يحاول كتابة تاريخ العالم هو أن ينتهي به المطاف كاتباً لتاريخ أوروبا مع بعض الإضافات التجميلية من الخارج. أن يكتب فصلاً عن بريطانيا ثم يلحق به فقرة عن الهند كأنها هامش، أو يتحدث عن التصنيع في الرور الألماني ثم يذكر القطن المصري كمجرد مادة خام. يورغن أوسترهامّل، في كتابه “تحوّل العالم”، كان واعياً تماماً بهذا الفخ، ولذلك لم يبدأ كتابه بسرد الأحداث، بل بدأ بتفكيك الأدوات التي نستخدمها لفهم الأحداث. الجزء الأول من الكتاب، الذي يحمل عنواناً يبدو بسيطاً هو “الذاكرة والمراقبة الذاتية”، هو في الحقيقة بيان منهجي ثوري يضع القارئ أمام مرآة ويسأله: من أين تنظر إلى القرن التاسع عشر؟

يخصص أوسترهامّل حديثا لما يسميه “المعرفة عن الزمن”. ففي الثقافة الغربية نحن نتعامل مع القرن كأمر طبيعي، نقول “القرن التاسع عشر” وكأنه حقيقة فيزيائية مثل الجاذبية. لكنه يذكرنا بأن هذا التقسيم هو بناء ثقافي حديث. التقويم الهجري الذي كان سارياً في الدولة العثمانية ومصر والمغرب، والتقويم الصيني القمري، والتقويم الفارسي، وحتى التقويمات الأثيوبية، كلها كانت تروي زمناً مختلفاً. عندما فرضت بريطانيا وفرنسا توقيت غرينتش كمعيار عالمي للسكك الحديدية والتلغراف في مؤتمر 1884، لم يكن ذلك مجرد تنظيم تقني، بل كان استعماراً للزمن نفسه. ولذلك يصر أوسترهامّل على أن يكتب عن “أزمنة” القرن التاسع عشر بصيغة الجمع، وليس زمن واحد. هناك زمن الثورة الصناعية السريع المتقطع في مانشستر، وزمن الإمبراطورية البطيء الثابت في بكين، وزمن التجارة الموسمي المرتبط بالرياح الموسمية في المحيط الهندي، وكلها تتعايش وتتصادم.

ثم ينتقل إلى مفهومه الثاني : “المستقرون والمتحركون”. فالتاريخ التقليدي يحب الاستقرار، يحب الدول والحدود والخرائط الملونة. لكن القرن التاسع عشر، كما يجادل أوسترهامّل، لا يمكن فهمه إلا من خلال الحركة. يقدم لنا إحصائية تذهل القارئ العربي: بين عامي 1815 و1914، هاجر أكثر من 82 مليون إنسان عبر المحيطات والقارات بحثاً عن عمل أو هرباً من الاضطهاد. هذا الرقم لا يشمل الهجرات الداخلية الضخمة داخل الصين وروسيا والهند. ففي الصين وحدها تحرك أكثر من 20 مليون فلاح من الشمال إلى منشوريا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهو ما يعادل إعادة توطين قارة بأكملها. وفي العالم الإسلامي، يرصد أوسترهامّل ثلاث حركات هجرة كبرى متوازية: هجرة الفلاحين المصريين والشاميين إلى المدن الساحلية الجديدة مثل الإسكندرية وبيروت وسميرنا التي تضاعف سكانها عشر مرات، وهجرة المسلمين من القوقاز والقرم والبلقان إلى الأناضول بعد التوسع الروسي، وهي ما يسميها “الهجرة المحمدية الكبرى” التي جلبت إلى الدولة العثمانية أكثر من 5 ملايين لاجئ مسلم، وأخيراً هجرة العمالة الآسيوية المنظمة أو ما يسميه نظام “الكولي” الذي نقل الهنود والصينيين إلى مزارع السكر في الكاريبي وجزر المحيط الهندي ليحلوا محل العبيد الأفارقة بعد إلغاء العبودية.

هذه الحركية تقودنا إلى قلب منهج أوسترهامّل: رفضه لفكرة “المركز والأطراف”. في الكتب التقليدية، هناك مركز في لندن وباريس وبرلين، وأطراف تابعة في القاهرة وبومباي وشنغهاي. لكن أوسترهامّل يقلب المعادلة ويقول إن القرن التاسع عشر لم يكن له مركز واحد، بل كان له مراكز متعددة ومتداخلة. فالإسكندرية في عهد محمد علي كانت مركزاً عالمياً لصناعة القطن لا يقل أهمية عن ليفربول، وشنغهاي كانت مركزاً مالياً يضاهي لندن في تمويل تجارة الأفيون والشاي، وريو دي جانيرو كانت عاصمة إمبراطورية برتغالية نقلت بلاطها كاملاً إلى البرازيل عام 1808 في حدث فريد لم يتكرر في التاريخ، حيث حكمت مستعمرة من مستعمرتها. هذه اللامركزية هي التي تسمح له بأن يكتب فصلاً كاملاً عن “المدن” لا يبدأ بباريس أو لندن، بل يبدأ بمقارنة بين عدد سكان طوكيو ولندن وبكين والقاهرة، ويكتشف أن أكبر مدينة في العالم عام 1800 لم تكن لندن، بل كانت إيدو، طوكيو حالياً، التي كان يسكنها أكثر من مليون نسمة بينما كانت لندن بالكاد تصل إلى 900 ألف.

ولكي يحقق هذه الرؤية ، اخترع أوسترهامّل بنية سردية. الكتاب لا يسير بشكل زمني من 1800 إلى 1900، بل يسير موضوعياً. هناك ثلاثة أجزاء كبرى تسمى “المقاربات”: المقاربة الأولى هي ما رآه الناس وفكروا فيه، والمقاربة الثانية هي ما فعلوه وكيف عاشوا، والمقاربة الثالثة هي القوى العميقة التي حركتهم دون أن يدركوها. داخل كل مقاربة هناك فصول تسمى “بانوراما”. فمثلاً في بانوراما الطاقة والصناعة، لا يتحدث عن الثورة الصناعية البريطانية كمعجزة، بل يضعها بجانب محاولات التصنيع الفاشلة في مصر والهند، والمحاولات الناجحة جزئياً في اليابان وروسيا. ويستخدم مفهوماً رائعاً هو “التأخر النسبي” بدلاً من “التخلف”. فمصر لم تكن متخلفة، بل كانت متأخرة نسبياً في لحظة معينة بسبب اختيارات سياسية واستعمارية محددة، مثل قصف الأسطول البريطاني لأسطول محمد علي في 1840 وفرض معاهدة لندن التي منعت مصر من حماية صناعتها الناشئة.

الجانب الآخر من عبقرية الكتاب هو اعتماده على ما يسميه “التاريخ العلائقي”. فهو لا يكتفي بوصف ما حدث في مكان ما، بل يصف العلاقة بين مكانين. فحين يتحدث عن القطن، لا يتحدث عن مزارع الجنوب الأمريكي بمعزل عن مصانع مانشستر، ولا عن مصانع مانشستر بمعزل عن مجاعات الهند التي أجبرت الفلاحين على زراعة القطن بدلاً من القمح، ولا عن كل ذلك بمعزل عن التجار اليهود في الإسكندرية الذين مولوا شحنات القطن المصري إلى إنجلترا بعد الحرب الأهلية الأمريكية. كل خيط يشد خيطاً آخر، وبهذا يتحول الكتاب من موسوعة إلى نسيج واحد.

إذا كان هناك فصل واحد في كتاب يورغن أوسترهامّل يصلح لأن يُقرأ بمفرده كرواية عن معاناة الإنسان وعبقريته في القرن التاسع عشر، فهو الفصل الذي يسميه “الحياة والموت”. هنا يترك المؤرخ الألماني لغة المؤسسات والمعاهدات جانباً، وينزل إلى مستوى الجسد البشري نفسه، إلى معدة الفلاح وبطن الأم ورئة العامل. والسؤال الذي يطرحه يبدو بسيطاً لكنه يهز كل سرديات التقدم: هل عاش الناس في القرن التاسع عشر أفضل مما عاش أجدادهم في القرن الثامن عشر؟ والجواب الذي يقدمه بعد الإحصائيات والمقارنات العالمية هو جواب صادم ومزدوج: نعم ولا، في نفس الوقت، وفي نفس العالم، بل وفي نفس المدينة أحياناً.

يبدأ أوسترهامّل من حقيقة بيولوجية لا يمكن إنكارها: القرن التاسع عشر هو أول قرن في تاريخ البشرية يشهد انفجاراً سكانياً مستداماً لم ينته بكارثة. فمنذ فجر التاريخ وحتى عام 1800، كان النمو السكاني يتبع دورة مالتوسية قاسية: يزداد السكان، فيقل الغذاء، فتأتي مجاعة أو وباء فيعيد التوازن القاسي. لكن في القرن التاسع عشر انكسرت هذه الدورة لأول مرة في مناطق محددة من العالم. ففي أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، ارتفع متوسط العمر المتوقع من 35 سنة في بداية القرن إلى 50 سنة في نهايته، وانخفضت وفيات الأطفال من 250 لكل ألف مولود إلى أقل من 150. ما الذي حدث؟ يرفض أوسترهامّل التفسير الطبي المبسط الذي يقول إن الطب الحديث هو السبب، ويوضح بالأدلة أن الطب حتى عام 1880 كان قاتلاً أكثر منه شافياً، وأن المستشفيات كانت أماكن يموت فيها الناس لا يشفون. السبب الحقيقي، كما يجادل، كان ثورة صامتة في ثلاثة مجالات: الغذاء والنظافة والنقل.

ثورة الغذاء بدأت في حقول البطاطس والذرة. فالمحصولان الأمريكيان اللذان انتشرا في أوروبا وآسيا خلال القرن الثامن عشر أصبحا في القرن التاسع عشر غذاء الجماهير. البطاطس وحدها أنقذت أيرلندا وألمانيا وروسيا من الجوع لعقود، قبل أن تصبح هي نفسها سبباً في كارثة المجاعة الأيرلندية الكبرى حين ضربتها آفة اللفحة المتأخرة عام 1845. لكن الأهم من نوع الغذاء كان كميته وتنوعه. فبفضل السكك الحديدية والبواخر البخارية، أصبح من الممكن نقل القمح الأمريكي والروسي إلى مدن أوروبا التي كانت تموت جوعاً كل شتاء. وفي مصر، يرصد أوسترهامّل كيف أن إصلاحات محمد علي الزراعية، رغم قسوتها، ضاعفت إنتاج القمح والقطن، لكنها في نفس الوقت حولت الفلاح المصري من مزارع يزرع لنفسه إلى عامل يزرع للسوق العالمي، فأصبح أكثر عرضة لتقلبات أسعار ليفربول.

أما ثورة النظافة، فهي قصة لا تقل إثارة. فحتى منتصف القرن التاسع عشر، كانت مدن مثل لندن وباريس والقاهرة تعيش في قمامة حرفية. يصف أوسترهامّل كيف كان نهر التايمز في لندن عام 1858 يطلق رائحة كريهة لدرجة أن البرلمان البريطاني اضطر لتعليق جلساته فيما سمي “الرائحة الكبرى” The Great Stink. التحول حدث حين بدأت الدول تبني شبكات الصرف الصحي الحديثة، ليس بدافع إنساني في البداية، بل بدافع عسكري واقتصادي: الجيوش كانت تموت من الكوليرا أكثر مما تموت في الحروب، والعمال المرضى لا ينتجون. فبنى البريطانيون شبكة صرف لندن عام 1865، وبنى الفرنسيون شبكة باريس، وبنى الخديوي إسماعيل شبكة القاهرة والإسكندرية، وإن كانت أقل كفاءة. وهنا يظهر ذكاء أوسترهامّل في الربط العالمي: فالكوليرا نفسها، التي قتلت الملايين في القرن التاسع عشر، لم تكن مرضاً محلياً، بل كانت أول وباء عالمي حقيقي ينتقل عبر طرق الحج والتجارة الاستعمارية. انتقلت من دلتا الغانج في الهند إلى مكة عبر الحجاج الهنود، ومن مكة إلى الإسكندرية والقاهرة، ومنها إلى مرسيليا ولندن عبر البواخر، ثم عبرت الأطلسي إلى نيويورك. ولذلك كانت الاستجابة لها أول محاولة لبناء نظام صحي عالمي، بدأت بمؤتمرات الحجر الصحي الدولية التي عقدت في باريس وإسطنبول والقاهرة.

لكن الجانب المظلم من هذه الصورة الوردية للتقدم هو ما يسميه أوسترهامّل “مجاعات العولمة”. فبينما كان الأوروبيون يأكلون أفضل، كان الملايين في الهند وإفريقيا والصين يموتون جوعاً ليس بسبب نقص الغذاء، بل بسبب وفرته في مكان آخر. يقدم الكتاب واحدة من أكثر الفصول إيلاماً عن مجاعات الهند في 1876-1879 و1896-1902، حيث مات ما بين 12 إلى 29 مليون هندي. السبب لم يكن الجفاف وحده، بل السياسة الاقتصادية البريطانية التي أجبرت الفلاحين على زراعة القطن والجوت للتصدير بدلاً من الأرز والدخن للأكل، ثم عندما ضرب الجفاف، كانت السكك الحديدية التي بناها البريطانيون لنقل القطن تنقل الحبوب إلى الموانئ للتصدير بينما الناس تموت بجانب القضبان. ويستشهد أوسترهامّل بمراسل صحيفة التايمز البريطانية الذي كتب من مدراس عام 1877: “رأيت نساء يأكلن جلود الحيوانات الميتة، والأطفال يموتون وأمهاتهم لا يملكن دموعاً للبكاء”. نفس النمط تكرر في مصر خلال أزمة القطن بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية عام 1865، حين انهارت أسعار القطن المصري فجأة وأفلس آلاف الفلاحين الذين اقترضوا لزراعته، وفي شمال الصين حيث أدت تجارة الأفيون والضرائب الإمبراطورية إلى مجاعات راح ضحيتها 20 مليون نسمة.

ثم ينتقل أوسترهامّل إلى الجسد الأنثوي. فالقرن التاسع عشر هو قرن الأمومة الخطرة. فرغم كل التقدم، ظلت الولادة هي أكبر قاتل للنساء. في أوروبا كانت تموت امرأة من كل مئة ولادة، وفي الهند ومصر كانت النسبة امرأة من كل عشرين. لكنه أيضاً القرن الذي بدأت فيه أولى حركات تنظيم الأسرة، ليس في أوروبا، بل في فرنسا وأمريكا حيث بدأت النساء المتعلمات في الطبقات الوسطى يرفضن إنجاب ثمانية أو عشرة أطفال كما كانت تفعل جداتهن، واستخدمن وسائل بدائية لكنها فعالة لتحديد النسل. هذه الثورة الديموغرافية الصامتة هي التي مهدت لتحرر المرأة لاحقاً.

وفي خضم كل هذا الموت والحياة، يرسم أوسترهامّل صورة عن كيف تغير مفهوم الطفولة. ففي بداية القرن كان الطفل في أوروبا ومصر والهند والصين مجرد عامل صغير، يعمل في الحقول أو المناجم من سن الخامسة. في مصانع القطن في لانكشاير كان الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم ثماني سنوات يعملون 14 ساعة يومياً، وفي مناجم الفحم المصرية في عهد محمد علي كان الأطفال يجرون عربات الفحم. لكن بحلول نهاية القرن، ظهر مفهوم جديد كلياً: الطفل ككائن يحتاج إلى حماية وتعليم ولعب. صدرت أول قوانين حظر عمل الأطفال في بريطانيا عام 1833، وفي بروسيا عام 1839، وفي مصر عام 1880 بضغط من البريطانيين أنفسهم، رغم أن التطبيق كان شكلياً. وبدأت المدارس الابتدائية الإلزامية تنتشر، ليس بدافع إنساني فقط، بل لأن الدولة الحديثة اكتشفت أنها تحتاج إلى جنود يقرأون الأوامر وعمال يقرأون التعليمات.

يبدأ أوسترهامّل بتصحيح وهم شائع: القرن التاسع عشر لم يكن قرن تمدن هائل كما نظن. ففي عام 1800، كان أقل من 3% من سكان العالم يعيشون في مدن يزيد عدد سكانها عن خمسة آلاف نسمة. حتى في بريطانيا، مهد الثورة الصناعية، كان معظم الناس يعيشون في قرى. لكن ما حدث بعد ذلك كان انفجاراً حضرياً غير مسبوق في حجمه وسرعته. فبين عامي 1800 و1910، نمت لندن من 900 ألف إلى 7 ملايين نسمة، وباريس من 550 ألف إلى 2.8 مليون، ونيويورك من 60 ألفاً إلى 4.7 ملايين، وطوكيو من مليون إلى مليونين، والقاهرة من 200 ألف إلى 700 ألف، وبوينس آيرس من 40 ألفاً إلى مليون ونصف. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي قصة هجرة قسرية وطوعية هائلة غيرت وجه البشرية.

لكن عبقرية أوسترهامّل لا تكمن في سرد الأرقام، بل في تحليله لأنماط المدن. فهو يقسم مدن القرن التاسع عشر إلى خمسة أنواع ظهرت في وقت واحد تقريباً في كل القارات. النوع الأول هو المدينة الصناعية، مثل مانشستر وبرمنغهام وإسن في ألمانيا، وهي مدن قبيحة، ملوثة، مكتظة، بلا تخطيط، نمت حول مصنع أو منجم، وكان سكانها يعيشون في أكواخ من الطوب الأحمر بلا ماء ولا صرف صحي. النوع الثاني هو المدينة الاستعمارية الجديدة، مثل مومباي وسنغافورة والإسكندرية والخرطوم، وهي مدن بناها الاستعمار كمراكز لتصدير المواد الخام، تتميز بشارعين متوازيين لا يلتقيان: شارع أوروبي واسع نظيف فيه البنوك والقنصليات، وشارع أصلي ضيق مزدحم فيه الأسواق والمساجد والمعابد.

أما النوع الثالث،  فهو المدينة الإمبراطورية المُجددة، مثل القاهرة وإسطنبول وطوكيو. وهنا يخصص أوسترهامّل صفحات عن مشروعين متوازيين يحدثان في نفس الوقت تقريباً: مشروع الخديوي إسماعيل في القاهرة (1863-1879) ومشروع الإمبراطور ميجي في طوكيو (1868-1912). فكلاهما زار باريس في نفس السنوات، وانبهر بشوارع هاوسمان الواسعة، وقرر أن يبني باريس خاصة به على ضفاف النيل أو نهر سوميدا. إسماعيل بنى وسط البلد الحالي بعماراته ذات الطراز الأوروبي وشوارعه التي تحمل أسماء أوروبية، وميجي بنى حي غينزا في طوكيو بالطوب الأحمر والشوارع المستقيمة. كلاهما استدان من البنوك الأوروبية بشكل جنوني، وكلاهما انتهى بالإفلاس والتدخل الأجنبي، لكن كلاهما نجح في خلق مدينة مزدوجة: مدينة قديمة إسلامية أو يابانية تقليدية، ومدينة جديدة غربية تحاول أن تثبت أنها جزء من العالم المتحضر. ويستشهد أوسترهامّل بمذكرات رحالة ألماني زار القاهرة عام 1875 فكتب: “في شارع قصر النيل تشعر أنك في باريس، وبعد عشر دقائق في الجمالية تشعر أنك في القرن الثاني عشر”.

ثم ينتقل أوسترهامّل من المدينة إلى الدولة. فالدولة الحديثة كما نعرفها اليوم، بحدودها المرسومة بدقة، وجواز سفرها، وإحصائياتها، وشرطتها، وجيشها النظامي، ووزاراتها، هي أيضاً ابنة القرن التاسع عشر. قبل ذلك، كانت معظم الدول في العالم، بما فيها الدولة العثمانية ومصر والصين، عبارة عن شبكات من الولاءات الشخصية والضرائب غير المنتظمة وحدود غامضة. في عام 1800، لم يكن هناك في العالم كله أكثر من خمس خرائط دقيقة لحدود دولية معترف بها. بحلول عام 1900، أصبح العالم كله مقسماً إلى خرائط ملونة بدقة، بفضل مسح الأراضي والمساحة العسكرية.

يقدم أوسترهامّل مفهوماً هو “الدولة المحصية” Der Zählstaat. فالدولة الحديثة هي الدولة التي تحصي كل شيء: تحصي سكانها في تعدادات منتظمة، وتحصي محاصيلها، وتحصي مواليدها ووفياتها، وتحصي جرائمها. أول تعداد سكاني حديث في العالم أجري في الولايات المتحدة عام 1790، ثم في بريطانيا عام 1801، ثم في مصر في عهد محمد علي عام 1821، وهو من أوائل التعدادات في العالم خارج أوروبا وأمريكا، حيث أمر محمد علي بإحصاء كل ذكر في مصر لتجنيده في الجيش. وفي الدولة العثمانية أجري أول تعداد عام 1831، وفي اليابان عام 1872، وفي الهند البريطانية عام 1872 أيضاً. هذه التعدادات لم تكن مجرد أرقام، بل كانت أدوات للسيطرة. فحين تعرف الدولة كم رجلاً لديك وكم قنطار قطن تنتج، تستطيع أن تجند وتفرض ضرائب وتخطط لحروب.

ويترافق مع الإحصاء اختراع آخر هو جواز السفر والهوية. فقبل القرن التاسع عشر، كان الناس يتنقلون بلا أوراق. لكن مع بناء السكك الحديدية وزيادة الهجرة، بدأت الدول تخاف من المتسللين والثوار والمرضى. ففرضت روسيا جواز السفر الداخلي عام 1803، وفرضت الدولة العثمانية “التذكرة” عام 1840، وفرضت مصر “التذكرة الميرية” في عهد عباس حلمي الأول. ويروي أوسترهامّل قصة طريفة عن كيف أن الحج إلى مكة، الذي كان لقرون حركة روحية حرة، أصبح في أواخر القرن التاسع عشر أكثر حركة مراقبة في العالم، حيث فرضت السلطات العثمانية والبريطانية والفرنسية على كل حاج حمل شهادة تطعيم ضد الكوليرا وجواز سفر وشهادة خلو من الديون، وكل ذلك بضغط من القوى الأوروبية التي كانت تخاف من عودة الحجاج بالكوليرا إلى أوروبا.

لكن أهم ما يميز دولة القرن التاسع عشر هو احتكارها للعنف. ففي بداية القرن، كانت معظم الدول لا تسيطر فعلياً إلا على عواصمها وبعض المدن الكبرى، بينما الريف كان يحكمه شيوخ القبائل وكبار الملاك والعصابات. في مصر، كانت الصحراء الغربية والصعيد خارج سيطرة القاهرة تماماً حتى عهد محمد علي الذي شن حملات عسكرية لإخضاعها. في المكسيك والبرازيل والأرجنتين، كانت هناك مناطق شاسعة لا يدخلها جندي حكومي. بحلول نهاية القرن، تغير كل شيء بفضل سلاحين: البندقية سريعة الطلقات والتلغراف. فالبندقية الجديدة سمحت لجيش صغير بهزيمة قبيلة كبيرة، والتلغراف سمح للعاصمة بأن تعرف تمرداً في الأطراف في نفس اليوم وترسل جيشاً عبر السكة الحديد. وهكذا ولدت الدولة المركزية الحديثة، سواء كانت استعمارية أو وطنية.

هناك مشهد يفتتح به يورغن أوسترهامّل فصله عن الطاقة والصناعة، مشهد يلخص فلسفة الكتاب كله. إنه لا يبدأ في مصنع في مانشستر،  بل يبدأ في حقل قطن في دلتا النيل في مصر عام 1862. فلاح مصري يدعى حسن، لا نعرف اسمه الحقيقي، يحرث أرضه التي ورثها عن أبيه، لكنه هذه المرة لا يزرع قمحاً ليأكله أولاده، بل يزرع قطناً طويل التيلة أمره الخديوي سعيد بزراعته لأن سعر القطن ارتفع فجأة في ليفربول بعد أن قطعت الحرب الأهلية الأمريكية إمدادات القطن الأمريكي عن مصانع إنجلترا. هذا الفلاح لا يعرف أين تقع ليفربول، ولا يعرف أن هناك حرباً أهلية في أمريكا، لكنه يعرف أن مأمور المركز سيجلده إن لم يزرع القطن، وأن التاجر اليوناني في الإسكندرية سيدفع له نقداً أكثر مما كان يحصل عليه من القمح. بعد ستة أشهر، يُجمع القطن ويُحلج ويُنقل على ظهر جمل إلى محطة القطار الجديدة التي بناها البريطانيون، ثم بالقطار إلى ميناء الإسكندرية، ثم بباخرة بخارية إلى ليفربول، ثم يُغزل في مصنع تعمل فيه فتاة إنجليزية عمرها أربعة عشر عاماً، ثم يُنسج قماشاً يُباع في كلكتا في الهند ليكسو فلاحاً هندياً أجبرته نفس الإمبراطورية البريطانية على التوقف عن نسج قماشه المحلي. هذه هي الثورة الصناعية كما يراها أوسترهامّل: ليست آلة بخارية في ورشة جيمس وات، بل شبكة عالمية من الإكراه والطمع والأمل تربط مصير البشر ببعضهم دون أن يلتقوا.

هذا المشهد هو مفتاح فهم كيف يفكك أوسترهامّل أسطورة “المعجزة الأوروبية”. فالكتب القديمة كانت تقول إن أوروبا تفوقت لأنها كانت أكثر ذكاءً، أو أكثر عملاً، أو لأن لديها ثقافة بروتستانتية تشجع على العمل. أوسترهامّل يضحك من هذه التفسيرات الثقافية ويقدم تفسيراً مادياً صلباً: أوروبا، وتحديداً بريطانيا، كانت محظوظة جغرافياً. كان لديها فحم حجري قريب من السطح ورخيص، وكان لديها مستعمرات تنتج قطناً رخيصاً بعمل العبيد، وكان لديها قوة بحرية تحمي تجارتها، وكان لديها نظام قانوني يسمح للمستثمر بأن يخاطر دون أن يشنقه الملك إن فشل. هذه العوامل الأربعة لم تجتمع في أي مكان آخر في العالم في نفس اللحظة. فالصين كان لديها فحم وحديد لكنها لم يكن لديها مستعمرات قطنية ولا قوة بحرية عالمية، والهند كان لديها قطن ونسيج متفوق لكنها لم يكن لديها فحم رخيص ولا دولة مركزية تحمي صناعتها، ومصر في عهد محمد علي حاولت أن تجمع كل هذه العوامل معاً: بنت مصانع حديد في بولاق، ومصانع نسيج في المحلة الكبرى، واستوردت مهندسين فرنسيين، وأرسلت بعثات إلى أوروبا، لكنها سقطت لأن بريطانيا وفرنسا قررتا عسكرياً أنه لا يجب أن تنجح. ففي عام 1840، بعد معاهدة لندن، أجبرت القوى الأوروبية محمد علي على تفكيك جيشه ومصانعه وفتح أسواقه أمام البضائع الأوروبية بجمارك لا تزيد عن 5%، بينما كانت مصر تفرض على بضائعها في أوروبا جمارك تصل إلى 30%.

ويخصص أوسترهامّل فصلاً طويلاً ومؤلماً عن “نزع التصنيع ” أو De-Industrialization، وهو المصطلح الذي يصف ما حدث للهند ومصر والصين. ففي عام 1750، كانت الهند تنتج 25% من النسيج العالمي، وكانت أقمشة الدكا والململ البنغالي هي الأكثر طلباً في العالم، من لندن إلى القاهرة إلى طوكيو. وبحلول عام 1880، أصبحت الهند مستورداً صافياً للنسيج البريطاني، وأصبح نساجوها يتسولون في شوارع كلكتا. كيف حدث ذلك؟ ليس لأن الآلة البريطانية كانت أفضل فنياً في البداية، بل لأن بريطانيا فرضت ضرائب داخلية على النسيج الهندي في الهند نفسها، ومنعت تصديره إلى بريطانيا، ثم أغرقت السوق الهندية بقماش رخيص مدعوم من الدولة. نفس الشيء حدث في مصر: مصانع محمد علي كانت تنتج قماشاً جيداً يكفي الجيش والشعب، لكن بعد 1840 أغلقت معظمها لأن القماش الإنجليزي كان أرخص، ليس لأنه أفضل، بل لأنه مدعوم بفحم رخيص وعمل أطفال بلا حقوق وقوة بحرية تمنع أي منافسة.

لكن أوسترهامّل لا يقع في فخ الرومانسية التي تقول إن الشرق كان ضحية بريئة. فهو يرصد كيف أن النخب المحلية نفسها شاركت في هذه العملية. ففي مصر، كان كبار الملاك والتجار اليونانيون والأرمن يربحون من تصدير القطن الخام أكثر مما يربحون من تصنيعه، فلم يدافعوا عن المصانع. وفي الهند، كان التجار الهنود في بومباي يربحون من كونهم وكلاء للشركات البريطانية أكثر من كونهم صناعيين مستقلين. وفي الدولة العثمانية، كان إصلاح التنظيمات يفضل استيراد السلع الأوروبية لإرضاء الطبقة الوسطى الجديدة في إسطنبول وإزمير على حساب الحرفيين في حلب ودمشق.

ثم ينتقل الكتاب إلى الفحم، وهو البطل الحقيقي للقرن التاسع عشر. يقدم أوسترهامّل إحصائية : في عام 1800، كان العالم يستهلك 15 مليون طن من الفحم سنوياً، معظمه في بريطانيا والصين. في عام 1900، أصبح الاستهلاك 700 مليون طن. هذا الفحم هو الذي حول العالم. فبدونه لم تكن هناك سكك حديدية، ولا بواخر بخارية، ولا مصانع حديد، ولا إضاءة غاز في المدن. ويوضح كيف أن جغرافيا الفحم حددت جغرافيا القوة. فألمانيا توحدت وأصبحت قوة عظمى لأن حوض الرور كان يحتوي على فحم وحديد معاً في نفس المكان، بينما فرنسا ظلت متخلفة نسبياً لأن فحمها كان في الشمال وحديدها في الجنوب. واليابان انتصرت على الصين وروسيا لأنها وجدت فحماً في هوكايدو واستثمرت فيه بجنون، بينما الصين رغم امتلاكها أكبر احتياطي فحم في العالم لم تستخرجه لأن الدولة المركزية كانت ضعيفة ولأن النقل النهري كان أرخص من السكك الحديدية.

في صباح يوم 12 مايو عام 1876، جلس تاجر قطن في الإسكندرية يدعى أنطونيو أمبروزو، وهو يوناني يعيش في مصر منذ عشرين عاماً، في مقهى على الكورنيش يقرأ جريدة “لو جورنال ديجبت” الصادرة بالفرنسية، وفجأة قرأ خبراً صغيراً في الصفحة الثالثة يقول إن محصول القطن في ولاية مسيسيبي الأمريكية تعرض لفيضان وتلف نصفه. في نفس اللحظة تقريباً، على بعد ستة آلاف كيلومتر، جلس تاجر قطن في ليفربول يقرأ نفس الخبر الذي وصله عبر كابل التلغراف البحري الذي مدته بريطانيا قبل عام واحد فقط بين مالطا والإسكندرية. لم يلتق الرجلان أبداً، لكن قرارهما كان واحداً: رفع سعر القطن فوراً. وفي نفس اليوم، في قرية صغيرة في دلتا النيل، جاء شيخ الخفراء ليخبر فلاحاً بسيطاً أن سعر القطن الذي سيبيعه بعد ثلاثة أشهر قد ارتفع، دون أن يفهم الفلاح لماذا ارتفع، ولا ما علاقة مسيسيبي بحقله. هذا المشهد، الذي يضعه يورغن أوسترهامّل في قلب فصله عن الاتصالات، هو لحظة ميلاد العالم الحديث.

يرسم أوسترهامّل بانوراما كاملة بعنوان “الشبكات والاتصالات” لشرح كيف أن القرن التاسع عشر لم يكن قرن الاختراعات المنفصلة، بل كان قرن ربط الاختراعات ببعضها لخلق شبكة واحدة. فالباخرة البخارية وحدها لم تكن كافية، والتلغراف وحده لم يكن كافياً، والسكة الحديد وحدها لم تكن كافية، لكن حين اجتمعت الثلاثة معاً، تقلص العالم بشكل لم يحدث في تاريخ البشرية من قبل.

يبدأ بالبحر، لأنه كان الطريق الرئيسي للعالم. في عام 1815، كانت الرحلة من لندن إلى بومباي بالمركب الشراعي تستغرق في المتوسط 120 يوماً إذا كانت الرياح مواتية، وقد تستغرق 200 يوم إذا لم تكن كذلك، وكان احتمال غرق السفينة 5%. في عام 1870، بعد افتتاح قناة السويس عام 1869 وانتشار البواخر البخارية ذات المحرك اللولبي، أصبحت نفس الرحلة تستغرق 25 يوماً فقط، واحتمال الغرق أقل من 1%. هذا الفارق الزمني ليس مجرد راحة، بل هو ثورة اقتصادية وسياسية. فقبل الباخرة، كان التاجر يرسل بضاعة ولا يعرف إن كانت ستصل إلا بعد ستة أشهر، وكان عليه أن يخاطر برأس ماله كله. بعد الباخرة، أصبح يستطيع أن يرسل بضاعة كل شهر ويحسب أرباحه بدقة. وقناة السويس، التي يخصص لها أوسترهامّل فصلاً فرعياً رائعاً يسميه “شق الرمال”، لم تكن مجرد مشروع هندسي، بل كانت مشروعاً إمبريالياً بامتياز. ففكرتها فرنسية، وتمويلها أوروبي، وعمالها مصريون مات منهم أكثر من مئة ألف بسبب السخرة والكوليرا، وفائدتها الأساسية كانت لبريطانيا التي كانت تسيطر على الهند. ومع ذلك، فإن مصر استفادت منها أيضاً بشكل غير متوقع: فجأة أصبحت الإسكندرية وبورسعيد والسويس مدناً عالمية، وأصبحت القاهرة محطة إجبارية لكل مسافر من أوروبا إلى آسيا، وظهرت فيها فنادق فاخرة ووكالات سفر ومرشدون سياحيون يتحدثون خمس لغات.

ثم ينتقل إلى السكة الحديد، التي يسميها “الآلة التي صنعت الدولة”. في عام 1825 كان في العالم كله 40 كيلومتراً من السكك الحديدية، كلها في إنجلترا. في عام 1900 أصبح هناك مليون كيلومتر، تغطي كل القارات ما عدا القارة القطبية الجنوبية. ويوضح أوسترهامّل أن السكة الحديد لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل كانت أول مشروع صناعي ضخم يتطلب تنسيقاً بين الدولة والبنوك والمهندسين والعمال. فلبناء خط سكة حديد واحد من القاهرة إلى أسوان، احتاج الخديوي إسماعيل إلى قروض من بنوك باريس، وحديد من مصانع بلجيكا، ومهندسين من فرنسا، وعمال من الصعيد. وعندما عجز عن السداد، تدخلت بريطانيا وفرنسا لفرض الرقابة المالية على مصر، وهو ما مهد للاحتلال البريطاني عام 1882. نفس القصة تكررت في الدولة العثمانية مع سكة حديد برلين-بغداد، وفي روسيا مع سكة حديد سيبيريا، وفي الأرجنتين مع السكك الحديدية البريطانية. السكة الحديد كانت سلاحاً ذا حدين: تبني الدولة وتفلسها في نفس الوقت.

لكن الثورة الحقيقية، كما يجادل أوسترهامّل، كانت ثورة التلغراف. فحتى عام 1830، كانت سرعة انتقال المعلومة هي سرعة انتقال الإنسان أو الحصان. رسالة من لندن إلى كلكتا كانت تستغرق 6 أشهر، ورسالة من القاهرة إلى الخرطوم كانت تستغرق 40 يوماً. في عام 1851 تم مد أول كابل تلغراف بحري بين إنجلترا وفرنسا عبر القنال الإنجليزي، وفي عام 1865 تم مد كابل عبر الأطلسي بين إنجلترا وأمريكا، وفي عام 1870 اكتملت الشبكة العالمية حين ربط كابل يمتد من لندن إلى بومباي عبر جبل طارق ومالطا والإسكندرية والسويس. وهنا يذكر أوسترهامّل تفصيلاً مهماً للقارئ العربي: محطة التلغراف الرئيسية في الشرق الأوسط كانت في الإسكندرية، وكان الموظفون المصريون أول من تعلم شفرة مورس في العالم العربي، وكانوا يتقاضون رواتب أعلى من القضاة. وفجأة، أصبحت الأخبار تصل في نفس اليوم. فحين اغتيل الرئيس الأمريكي لينكولن عام 1865، عرف الناس في لندن بعد 12 يوماً، لكن حين توفيت الملكة فيكتوريا عام 1901، عرف الناس في القاهرة وطوكيو وبوينس آيرس في نفس الساعة.

هذا الضغط للزمن خلق ما يسميه أوسترهامّل “التزامن العالمي”. لأول مرة في التاريخ، أصبح الناس في أماكن مختلفة يعيشون نفس الحدث في نفس الوقت. فحين حدثت أزمة البورصة في فيينا عام 1873، انهارت بورصات القاهرة والإسكندرية ونيويورك في نفس الأسبوع، لأن التلغراف نقل الذعر. وحين اندلعت ثورة عرابي في مصر عام 1881، كانت الصحف في لندن وباريس تنشر أخبارها يومياً، وأصبح الرأي العام الأوروبي جزءاً من الصراع السياسي المصري، وهو أمر لم يحدث من قبل.

ومع التلغراف جاءت الصحيفة الحديثة. ففي بداية القرن التاسع عشر، كانت الصحف قليلة، غالية، حزبية، ولا يقرأها إلا النخبة. بحلول نهاية القرن، ظهرت صحف شعبية رخيصة تطبع مئات الآلاف من النسخ يومياً، مثل “الأهرام” في القاهرة التي أسسها سليم وبشارة تقلا عام 1875، و”الجوائب” لأحمد فارس الشدياق في إسطنبول، و”التايمز” في لندن. ويخصص أوسترهامّل صفحات ممتعة عن كيف أن الصحافة العربية في القرن التاسع عشر لم تكن تقليداً للصحافة الغربية، بل كانت حواراً معها. فصحيفة “الأهرام” في عددها الأول كانت تنشر أخباراً من التلغراف عن أوروبا، وفي نفس الصفحة تنشر قصائد مدح للخديوي وأخباراً عن الحج. هذا المزج هو ما خلق وعياً جديداً: وعي بأن هناك عالماً خارجياً يجب متابعته، لكن مع الحفاظ على هوية محلية.

لو فتحت أطلساً مدرسياً طُبع في لندن أو باريس أو برلين عام 1885، ستجد خريطة العالم ملونة بألوان زاهية ومقسمة بدقة: الأحمر للإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس، والأزرق لفرنسا، والأصفر لإسبانيا البرتغالية الآخذة في الأفول، والأخضر لروسيا التي تمتد من بولندا إلى المحيط الهادي، ومساحات بيضاء قليلة كتب عليها “غير مستكشف” في قلب إفريقيا وجزيرة غينيا الجديدة. هذه الخريطة، التي تبدو لنا اليوم كأمر طبيعي، هي اختراع حديث جداً من اختراعات القرن التاسع عشر.

يبدأ أوسترهامّل بتصحيح وهم كبير: الإمبراطوريات ليست ظاهرة قديمة استمرت في القرن التاسع عشر، بل هي ظاهرة جديدة تماماً تختلف جذرياً عن إمبراطوريات الماضي. فإمبراطورية روما أو الدولة العثمانية في القرن السادس عشر أو إمبراطورية المغول كانت إمبراطوريات “برية”، تسيطر على الأرض المجاورة لها وتجمع الضرائب وتترك للناس لغاتهم وأديانهم. أما إمبراطوريات القرن التاسع عشر، فكانت إمبراطوريات “بحرية وصناعية وعنصرية” في نفس الوقت. فبريطانيا لم تكن تريد فقط أن تجمع ضرائب من الهند، بل كانت تريد أن تغير الاقتصاد الهندي كله ليزرع قطناً بدلاً من قمح، وأن تغير ثقافته ليتحدث الإنجليزية، وأن تغير دينه عبر الإرساليات التبشيرية، وأن ترسم حدوده بقلم ومسطرة في لندن. هذا النوع من التدخل الشامل لم يحدث من قبل في التاريخ.

ويقدم أوسترهامّل رقماً يلخص حجم التحول: في عام 1800، كانت القوى الأوروبية تسيطر على 35% من مساحة اليابسة في العالم. في عام 1914، أصبحت تسيطر على 84%. وفي ظرف خمسة عشر عاماً فقط بين 1880 و1895، تم اقتسام قارة إفريقيا بأكملها تقريباً بين سبع دول أوروبية في مؤتمر برلين وما تلاه، وهو اقتسام لم تشارك فيه أي دولة إفريقية ولم يستشر فيه أي إفريقي. ويصف أوسترهامّل كيف كان يتم ذلك على الأرض: ضابط بريطاني أو فرنسي يصل إلى قرية في نيجيريا أو الكونغو ومعه مترجم وعشر جنود، ويطلب من شيخ القرية أن يضع بصمته على ورقة مكتوبة بالإنجليزية أو الفرنسية لا يفهمها، تقول إنه يتنازل عن أرضه وسيادته إلى الأبد مقابل قطعة قماش وحفنة من الخرز، ثم يرفع علماً ويرحل، وبعد شهر تأتي شركة تجارية لتبدأ في قطع الأشجار وزراعة الكاكاو.

لكن ميزة الكتاب تكمن في أنه لا يروي قصة الإمبراطوريات من وجهة نظر لندن وباريس فقط، بل يرويها من وجهة نظر القاهرة وإسطنبول وطهران وبكين وطوكيو أيضاً، وهنا يظهر الفرق بين مؤرخ عالمي حقيقي ومؤرخ أوروبي تقليدي. فبالنسبة لنا في العالم العربي، القرن التاسع عشر لم يكن قرن الاستعمار فقط، بل كان أيضاً قرن محاولات بناء إمبراطوريات غير أوروبية فشلت أو نجحت جزئياً.

أما عن “الإمبراطوريات البرية” الثلاث التي حاولت أن تنجو: الدولة العثمانية، ومصر في عهد أسرة محمد علي، وإيران القاجارية. فالدولة العثمانية، التي يصفها كثير من الكتب الغربية بأنها “رجل أوروبا المريض”، يراها أوسترهامّل كإمبراطورية إصلاحية نشطة حاولت بكل قوتها أن تتحول إلى دولة حديثة على النمط الأوروبي. فإصلاحات التنظيمات (1839-1876) لم تكن مجرد تقليد أعمى، بل كانت مشروعاً طموحاً لبناء جيش نظامي، وإدارة مركزية، ومدارس حديثة، وقوانين مدنية، وبرلمان. ومصر في عهد محمد علي وإسماعيل حاولت بناء إمبراطورية خاصة بها تمتد من السودان إلى الشام والحجاز واليونان، ووصلت جيوشها إلى ما وراء منابع النيل. وإيران حاولت بناء جيش نظامي بمساعدة فرنسية وبريطانية وروسية في نفس الوقت، في لعبة توازن دقيقة.

لماذا فشلت هذه المحاولات بينما نجحت اليابان؟ هذا هو السؤال المركزي الذي يجيب عنه أوسترهامّل . فاليابان، التي كانت حتى عام 1868 دولة إقطاعية مغلقة، نجحت لأنها اتخذت قراراً واعياً بتقليد الغرب في التكنولوجيا والجيش لكنها رفضت تقليده في الاقتصاد والثقافة. فبينما فتحت مصر والدولة العثمانية أسواقها للبضائع الأوروبية بحجة الليبرالية، فرضت اليابان حماية جمركية صارمة على صناعتها الناشئة. وبينما استدانت مصر وإسطنبول من بنوك لندن وباريس حتى الإفلاس، فرضت اليابان ضرائب داخلية قاسية على الفلاحين لتمويل التصنيع، ودفعت ثمن استقلالها بفقر داخلي مؤقت بدلاً من دين خارجي دائم. والأهم من ذلك، بينما كانت النخب في القاهرة وإسطنبول منقسمة بين متغربين ومحافظين يتصارعون، كانت النخبة اليابانية موحدة حول هدف واحد هو “أمة غنية وجيش قوي”.

ثم ينتقل أوسترهامّل إلى الجانب الأكثر ظلمة في الإمبراطوريات: العنصرية والإبادة. فالقرن التاسع عشر هو القرن الذي اخترعت فيه العنصرية العلمية. فقبل ذلك كان هناك تعصب ديني وقبلي، لكن فكرة أن هناك أعراقاً بيولوجية متفوقة ومتخلفة بشكل طبيعي، وأن واجب الرجل الأبيض هو حكم العالم، هي فكرة حديثة ولدت في جامعات أوروبا وأمريكا في منتصف القرن التاسع عشر، وانتشرت عبر كتب ومتاحف ومعارض عالمية. ويخصص أوسترهامّل صفحات مؤلمة عن المعارض الاستعمارية في لندن وباريس عام 1889 و1900، حيث كان يتم عرض بشر من إفريقيا وآسيا في أقفاص كأنهم حيوانات، يزورهم الأوروبيون مع عائلاتهم في عطلة نهاية الأسبوع. ويصف كيف أن الإبادة الجماعية لسكان تاسمانيا الأصليين في أستراليا بين 1803 و1876، حيث قتل المستوطنون البريطانيون كل سكان الجزيرة تقريباً، كانت أول إبادة مخططة في العصر الحديث، وأن مجازر الألمان ضد شعب الهيريرو في ناميبيا عام 1904-1907، التي قتل فيها 80% من الشعب، كانت النموذج الذي استلهمه النازيون لاحقاً.

وفي المقابل، يرصد أوسترهامّل كيف ولدت المقاومة. فالقرن التاسع عشر ليس فقط قرن الإمبراطوريات، بل هو أيضاً قرن القوميات. فكل إمبراطورية خلقت قومية مضادة لها. فالاستعمار البريطاني في الهند خلق القومية الهندية، والاحتلال الفرنسي لمصر خلق القومية المصرية، والتوسع الروسي في بولندا خلق القومية البولندية، وحكم الهابسبورغ للمجر خلق القومية المجرية. ويوضح كيف أن فكرة الأمة نفسها، بحدودها وجواز سفرها ونشيدها الوطني وعلمها وتاريخها المدرسي الموحد، هي اختراع من اختراعات القرن التاسع عشر، انتشر من أوروبا إلى العالم عبر المدارس والصحف والسكك الحديدية. فحتى عام 1800، لم يكن هناك علم وطني لمصر أو الهند أو ألمانيا أو إيطاليا، لأن ألمانيا وإيطاليا نفسهما لم تكونا موجودتين كدولتين.

ويواصل أوسترهامّل عن نهاية الإمبراطوريات. ففي عام 1900 بدا أن الإمبراطوريات ستدوم إلى الأبد، لكنها في الحقيقة كانت تعيش أزمتها الأخيرة. فتكلفة بناء السفن الحربية والسكك الحديدية والجيوش النظامية أصبحت باهظة لدرجة أن بريطانيا وفرنسا وروسيا كانت على وشك الإفلاس، وحركة المقاومة في المستعمرات أصبحت منظمة ومسلحة بأفكار قومية واشتراكية، والتنافس بين الإمبراطوريات نفسها على اقتسام ما تبقى من العالم قادها إلى حرب عالمية لم يردها أحد لكنها كانت حتمية. الحرب العالمية الأولى، كما يراها أوسترهامّل، لم تكن حادثاً بسبب اغتيال ولي عهد النمسا، بل كانت انتحاراً جماعياً للإمبراطوريات الأوروبية.

حين نقرأ تاريخ الأفكار في القرن التاسع عشر في الكتب المدرسية ، يبدو الأمر كأن هناك فصلين منفصلين تماماً: فصل عن الأفكار الغربية يضم الليبرالية والقومية والاشتراكية والداروينية، وفصل آخر عن الأفكار الإسلامية يضم الوهابية والسنوسية والمهدية والإصلاحية. وبين الفصلين جدار سميك لا يعبره أحد. يأتي يورغن أوسترهامّل في بانوراما الأفكار التي يسميها “المعرفة والأيديولوجيات” ليهدم هذا الجدار تماماً، ويقول إن القرن التاسع عشر شهد لأول مرة في التاريخ سوقاً عالمياً حقيقياً للأفكار، سوقاً كانت فيه الأفكار تتنقل وتترجم وتسرق وتُعاد صياغتها بسرعة لم يسبق لها مثيل، وأن مفكراً مثل جمال الدين الأفغاني أو محمد عبده لم يكن يفكر في غرفة مغلقة في الأزهر، بل كان يجلس في مقهى في باريس يقرأ ترجمة عربية لكتاب فرنسي عن داروين مترجم عن الإنجليزية، ويكتب رداً عليه سينشر في صحيفة تصدر في القاهرة ويقرأها مسلمون في الهند.

يقول أوسترهامّل: القرن التاسع عشر هو القرن الذي أصبحت فيه المعرفة سلعة يمكن نقلها. قبل ذلك، كانت المعرفة مرتبطة بشخص أو بمكان: تذهب إلى شيخ لتسمع حديثاً، أو تسافر إلى جامعة لتتعلم طباً. لكن مع اختراع الطباعة الحديثة والصحافة والترجمة المنظمة والبعثات العلمية، أصبحت المعرفة شيئاً يمكن طباعته وشحنه وبيعه. ويقدم رقماً مذهلاً: في عام 1800، كان هناك في العالم كله حوالي 200 صحيفة يومية، معظمها في أوروبا وأمريكا. في عام 1900، أصبح هناك أكثر من 15 ألف صحيفة يومية، تصدر بكل لغات العالم، من اليابانية إلى العربية إلى السواحيلية. وصحيفة مثل “الأهرام” التي أسست في الإسكندرية عام 1875 كانت تصل بعد أسبوع إلى بغداد والخرطوم وزنجبار، ويقرأها تجار وموظفون يعلقون عليها في المقاهي.

 فالقرن التاسع عشر هو عصر الترجمة الكبرى الثاني بعد عصر الترجمة العباسي. لكن هذه المرة لم تكن الترجمة من اليونانية إلى العربية، بل كانت من الإنجليزية والفرنسية إلى كل لغات العالم، ومن العربية والفارسية والهندية إلى اللغات الأوروبية أيضاً. ويذكر أوسترهامّل مشروعين عملاقين متوازيين: مشروع محمد علي للترجمة في مدرسة الألسن التي أسسها رفاعة الطهطاوي عام 1835، ومشروع اليابان في عهد ميجي لترجمة كل كتب الغرب. فالطهطاوي حين ذهب إلى باريس بين 1826 و1831، لم يترجم فقط كتباً عسكرية كما أمره محمد علي، بل ترجم دستور 1814 الفرنسي وكتاباً عن القانون المدني وكتاباً عن الجغرافيا، وكتب كتابه الشهير “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” الذي كان أول محاولة عربية حديثة لفهم أوروبا ليس كعدو بل كنموذج يمكن الاستفادة منه. وفي نفس الوقت تقريباً، كان اليابانيون يترجمون نفس الكتب الفرنسية إلى اليابانية، بل إنهم اخترعوا كلمات يابانية جديدة لترجمة مفاهيم مثل “حرية” و”حقوق” و”مجتمع” لم تكن موجودة في اللغة اليابانية من قبل، تماماً كما اخترع الطهطاوي كلمات عربية جديدة مثل “وطنية” و”حرية” و”مجتمع مدني”.

وهنا يصل أوسترهامّل إلى فكرته المركزية: الأيديولوجيات الكبرى للقرن التاسع عشر لم تكن أوروبية خالصة، بل كانت نتاج حوار عالمي. فالليبرالية، التي نعتبرها اليوم فكرة غربية، ولدت في شكلها الحديث حين قرأ جون ستيوارت ميل تقارير عن الهند، وقرأ توكفيل عن أمريكا، وقرأوا جميعاً عن الثورة الفرنسية. والقومية، التي نعتبرها فكرة أوروبية، ولدت في شكلها الحديث في المستعمرات: فأول قومية حديثة في التاريخ لم تكن القومية الفرنسية أو الألمانية، بل كانت القومية الأمريكية اللاتينية التي ولدت في الأرجنتين والمكسيك بين 1810 و1825، حين قرر أحفاد المستعمرين الإسبان أنهم ليسوا إسباناً بل أرجنتينيون ومكسيكيون. والاشتراكية نفسها، التي نربطها بماركس وإنجلز في لندن، كانت منذ بدايتها حركة عالمية: فماركس كان يكتب عن الهند والصين ومصر، وكان يقرأ صحفاً عربية مترجمة، وكان صديقه إنجلز يكتب عن الحرب في الجزائر.

جاء ما يسميه “الإسلام الإصلاحي كجزء من الحداثة العالمية” وليس كرد فعل عليها. فجمال الدين الأفغاني، الذي يعتبره كثيرون أب الأصولية الإسلامية، يراه أوسترهامّل كأول عولمي إسلامي حقيقي. فالأفغاني ولد في إيران، وتعلم في الهند، وعاش في أفغانستان ومصر وتركيا وفرنسا وروسيا، وكان يتحدث الفارسية والعربية والتركية والفرنسية والإنجليزية بطلاقة، وكان يقرأ داروين وسبنسر وغيزو في نفس الوقت الذي يقرأ فيه ابن خلدون والغزالي. وحين ذهب إلى باريس عام 1883 وكتب رده الشهير على إرنست رينان عن الإسلام والعلم، لم يكن يدافع عن الإسلام التقليدي، بل كان يدافع عن إسلام عقلاني متطور يستطيع أن ينافس الغرب في العلم. وتلميذه محمد عبده، الذي أصبح مفتي الديار المصرية، كان يقرأ ترجمة عربية لكتاب هربرت سبنسر عن التطور، ويحاول التوفيق بينه وبين القرآن، تماماً كما كان لاهوتيون مسيحيون في ألمانيا وأمريكا يحاولون التوفيق بين داروين والإنجيل في نفس السنوات.

ونفس الشيء حدث في الهند والصين. ففي الهند، ظهرت حركة “براهمو ساماج” التي حاولت إصلاح الهندوسية لتتوافق مع العقلانية الحديثة، وفي الصين ظهرت حركة “الإصلاح المئة يوم” عام 1898 التي حاولت أن تجمع بين كونفوشيوس وروسو. كل هذه الحركات كانت تتناصح وتتراسل. فالأفغاني كان يراسل زعماء الحركة الهندوسية الإصلاحية، ومحمد عبده كان يقرأ كتباً عن اليابان، واليابانيون كانوا يقرأون كتباً عن مصر.

ثم ينتقل أوسترهامّل إلى فكرة الدين نفسه في القرن التاسع عشر. فالقرن التاسع عشر هو القرن الذي اخترع فيه مفهوم “دين عالمي” World Religion. قبل ذلك، كان هناك إيمان وممارسات محلية، لكن فكرة أن هناك شيئاً اسمه “الإسلام” كدين واحد موحد، أو “الهندوسية” كدين واحد، أو “البوذية” كدين واحد، هي فكرة حديثة ولدت في القرن التاسع عشر بفعل الاستشراق والاستعمار والطباعة. فالبريطانيون في الهند هم الذين جمعوا آلاف الممارسات المحلية المتنوعة تحت اسم “هندوسية” واحد، والمستشرقون الفرنسيون هم الذين جمعوا المذاهب الإسلامية المتنوعة تحت اسم “إسلام” واحد، ثم جاء المسلمون والهندوس أنفسهم وتبنوا هذه التصنيفات ودافعوا عنها. وهكذا ولدت الأديان العالمية الحديثة كما نعرفها اليوم.

القرن التاسع عشر هو قرن العلم بامتياز، لكنه ليس قرن انتصار العلم على الدين كما تصوره كتب التنوير المبسطة، بل هو قرن الصراع والتوفيق بينهما في كل مكان. فداروين لم يهزم الكنيسة في إنجلترا فقط، بل أثار نقاشاً حاداً في القاهرة وإسطنبول وطوكيو وكلكتا أيضاً، وفي كل مكان كان هناك من رفضه ومن حاول تأويله. ففي مصر، كتب إسماعيل مظهر أول ترجمة عربية لأصل الأنواع عام 1918، لكن قبل ذلك بعقود كان حسين الجسر يكتب “الرسالة الحميدية” محاولاً التوفيق بين الإسلام ونظرية التطور، تماماً كما كان يفعل علماء مسيحيون في أمريكا.

هناك صورة فوتوغرافية التقطت عام 1865 في مدينة ريتشموند عاصمة ولاية فرجينيا الأمريكية بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية مباشرة، تظهر شارعاً كاملاً مدمراً، بلا سقف ولا نوافذ، ورجلاً أسود يجلس على كومة من الحجارة يقرأ جريدة. في نفس العام تقريباً، التقطت صورة أخرى في مدينة نانجينغ الصينية بعد سحق ثورة التايبينغ، تظهر نفس المشهد تقريباً: شارع مدمر ورجل صيني يجلس على كومة من الحجارة يقرأ منشوراً إمبراطورياً يعلن نهاية الثورة. بين الصورتين محيط كامل، ولغتان مختلفتان، ودينان مختلفان، لكن المصير واحد: قرن كامل من الحروب الأهلية والثورات التي حاولت إعادة اختراع الدولة والمجتمع بالعنف. هذا هو موضوع بانوراما العنف والثورة التي يخصص لها يورغن أوسترهامّل في كتابه “تحوّل العالم” أكثر من 250 صفحة، ويعتبرها قلب القرن التاسع عشر النابض.

 نحن نتعلم في المدارس أن القرن التاسع عشر كان قرن السلام في أوروبا بعد حروب نابليون، وأن الحروب الكبرى كانت فقط بين الدول، مثل حرب القرم وحرب 1870 بين فرنسا وألمانيا. لكن الحقيقة التي يكشفها بالأرقام أن القرن التاسع عشر كان أكثر قرون التاريخ دموية حتى ذلك الوقت إذا حسبنا الحروب الأهلية والثورات الداخلية، وليس الحروب بين الدول. ففيه حدثت أكبر حرب أهلية في تاريخ البشرية من حيث عدد القتلى: ثورة التايبينغ في الصين بين 1850 و1864، التي قادها معلم فاشل يدعى هونغ شيوتشوان ادعى أنه الأخ الأصغر ليسوع المسيح، وأعلن مملكة سماوية في جنوب الصين، وحارب الإمبراطورية الصينية والبريطانيين والفرنسيين في نفس الوقت، وقتل فيها ما بين 20 إلى 30 مليون إنسان، أي أكثر من قتلى الحرب العالمية الأولى. وفي نفس الوقت تقريباً، كانت الولايات المتحدة تخوض حربها الأهلية بين 1861 و1865 التي قتل فيها 750 ألف إنسان، وكانت الهند تشهد ثورة السيبوي عام 1857 التي قتل فيها مئات الآلاف، وكانت روسيا تقمع انتفاضة بولندا، وكانت الدولة العثمانية تقمع ثورات البلقان، وكانت مصر تشهد ثورة عرابي عام 1881-1882.

ما الرابط بين كل هذه الحروب التي تبدو منفصلة؟ يجادل أوسترهامّل بأنها جميعاً كانت جزءاً من أزمة عالمية واحدة: أزمة الدولة القديمة التي لم تعد قادرة على استيعاب التغيرات الجديدة. فالدولة الإقطاعية أو المطلقة القديمة، سواء كانت إمبراطورية الصين أو سلطنة عثمانية أو مملكة فرنسية أو إدارة استعمارية في الهند، كانت تواجه ثلاثة ضغوط في نفس الوقت: ضغط خارجي من القوى الأوروبية الصناعية التي تريد فتح أسواقها بالقوة، وضغط داخلي من نخب جديدة متعلمة في المدارس الحديثة تريد المشاركة في الحكم، وضغط شعبي من فلاحين يطردون من أراضيهم بسبب الخصخصة وزراعة المحاصيل النقدية. حين تجتمع هذه الضغوط الثلاثة، تنفجر الدولة من الداخل.

ويقدم أوسترهامّل تحليلاً مقارناً  لثورات 1848 التي تعتبر أشهر ثورات القرن التاسع عشر في أوروبا، حيث اندلعت ثورات في باريس وبرلين وفيينا وبودابست وميلانو في نفس الأسابيع، مطالبة بالدستور والحرية والقومية. لكنه لا يكتفي بأوروبا، بل يضع بجانبها ثورة التايبينغ في الصين وثورة السيبوي في الهند وثورات القبائل في الجزائر ضد فرنسا وثورة تايبينغ الصغيرة في مصر التي قادها أحمد عرابي. ويكتشف أن كل هذه الثورات كانت تستخدم نفس اللغة تقريباً رغم اختلاف الثقافات: لغة الدستور، لغة الأمة، لغة العدالة الاجتماعية، لغة الدين الإصلاحي. فعرابي حين قاد ثورته عام 1881 لم يكن يطالب فقط برحيل الأجانب، بل كان يطالب بدستور وبرلمان ومساواة بين المصريين والشراكسة والأتراك في الجيش، تماماً كما كان طلاب برلين يطالبون بمساواة بين البورجوازيين والنبلاء.

ثم ينتقل إلى الحروب الأهلية كأداة لبناء الدولة. فالحرب الأهلية الأمريكية لم تكن مجرد حرب لتحرير العبيد، بل كانت حرباً لبناء دولة مركزية حديثة. قبل الحرب، كانت أمريكا عبارة عن اتحاد فضفاض لولايات لكل منها جيشها وقانونها وعملتها. بعد الحرب، أصبحت دولة مركزية واحدة لها جيش فيدرالي واحد وبنك مركزي واحد ودستور يطبق على الجميع. نفس الشيء حدث في اليابان: حرب بوشين الأهلية عام 1868-1869 بين أنصار الإمبراطور وأنصار الشوغون لم تكن مجرد صراع على السلطة، بل كانت حرباً لبناء اليابان الحديثة، حيث انتصر أنصار الإمبراطور وقرروا إلغاء الإقطاع وبناء جيش حديث ومدارس حديثة. وحتى في مصر، يرى أوسترهامّل أن ثورة عرابي رغم فشلها عسكرياً، كانت محاولة لبناء دولة وطنية حديثة، وأن الاحتلال البريطاني عام 1882 لم يلغ هذه المحاولة بل أجلها لعقود.

ويخصص فصلاً  عن العنف الاستعماري كحرب أهلية مستمرة. فالاستعمار لم يكن إدارة هادئة كما تصوره الكتب القديمة، بل كان حرباً أهلية دائمة بين المستعمر والمستعمر. ففي الجزائر، بين 1830 و1870، قتل الجيش الفرنسي ثلث سكان الجزائر تقريباً، أي حوالي مليون ونصف إنسان، في حرب إبادة منظمة استخدمت فيها فرنسا أول معسكرات اعتقال في التاريخ الحديث. وفي الهند، بعد ثورة 1857، انتقم البريطانيون بوحشية لا تصدق: ربطوا الثوار بأفواه المدافع وفجروهم، وأحرقوا قرى كاملة، ونفوا آخر ملوك المغول إلى بورما. وفي أمريكا الشمالية وأستراليا، كانت حروب إبادة السكان الأصليين مستمرة طوال القرن التاسع عشر، ولم تنته إلا حين أبيد معظمهم.

لكن أوسترهامّل لا يرى العنف فقط كدمار، بل يراه أيضاً كمحرك للإصلاح. فكثير من الإصلاحات الكبرى في القرن التاسع عشر جاءت بعد هزائم عسكرية مذلة. فروسيا ألغت نظام القنانة عام 1861 بعد هزيمتها في حرب القرم عام 1856 أمام بريطانيا وفرنسا، لأن القيصر أدرك أن جيشاً من العبيد لا يمكنه أن يهزم جيشاً من المواطنين الأحرار. والدولة العثمانية أعلنت دستور 1876 بعد هزيمتها أمام روسيا وبعد ضغط من ثورات البلقان. واليابان بدأت إصلاحات ميجي بعد أن أجبرها الأسطول الأمريكي عام 1853 على فتح موانئها بالقوة. ومصر حاولت إصلاحات عرابي بعد أن أفلست بسبب الديون. الهزيمة كانت معلماً قاسياً لكنه فعال.

بعد موجة الثورات بين 1848 و1871، دخل العالم في فترة سلام نسبي بين الدول الكبرى استمرت من 1871 حتى 1914، وهي فترة يسميها الأوروبيون “السلام المسلح” أو Belle Époque. لكن أوسترهامّل يوضح أن هذا السلام كان سلاماً أوروبياً فقط، أما في بقية العالم فكانت الحروب مشتعلة: حروب بريطانيا في أفغانستان والسودان، وحروب فرنسا في الهند الصينية وإفريقيا، وحروب روسيا في آسيا الوسطى، وحروب اليابان ضد الصين وروسيا، وحروب أمريكا ضد إسبانيا وضد الفلبين. العالم كان يعيش حرباً عالمية مستمرة لكنها كانت تدور في الأطراف، وليس في المركز الأوروبي، حتى انفجرت في المركز نفسه عام 1914.

*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى