أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

كيف صنعت أمريكا ترامب بيديها؟

ثلاثة قرارات كارثية اتخذتها النخبة في واشنطن ففتحت له أبواب البيت الأبيض

لا يبدأ هذا الكتاب من لحظة فوز دونالد ترامب في نوفمبر 2016، ولا من مشهد اقتحام مبنى الكابيتول، ولا من تغريدة نارية أشعلت الشارع الأمريكي. يبدأ من مكان أبعد وأعمق، من فكرة بسيطة لكنها صادمة في بساطتها: ترامب لم يكن حادثا عرضيا في التاريخ الأمريكي، ولم يكن نيزكا سقط فجأة على نظام سياسي سليم، بل كان النتيجة المنطقية والحتمية لسلسلة طويلة من القرارات التي اتخذتها النخبة الحاكمة في واشنطن من الحزبين معا، قرارات بدت في حينها براغماتية وعقلانية ووطنية، لكنها في جوهرها كانت تزرع بذور انهيار العقد الاجتماعي الأمريكي.

هذا هو جوهر كتاب “كل الخطوات الخاطئة: كيف قادت ثلاثة قرارات كارثية إلى صعود ترامب All the Wrong Moves: How Three Catastrophic Decisions Led to the Rise of Trump”، إنه كتاب تشريح سياسي واقتصادي هادئ، يحاول أن يجيب على سؤال جوهري  لماذا صدق عشرات الملايين من الأمريكيين رجلا يكذب علنا، ولماذا وجدوا في نرجسيته وشعبويته خلاصا، ولماذا لم تعد تنفع معهم كل حجج المؤسسة التقليدية؟

يضع المؤلف إطارا ثلاثيا مقنعا، يسميه “القرارات الكارثية الثلاث”، ويرى أن كل قرار منها كان كافيا بذاته لزعزعة ثقة المواطن بدولته، لكن اجتماعها معا على مدى أكثر من ثلاثين عاما خلق زلزالا سياسيا لم يكن بالإمكان احتواؤه. القرارات الثلاثة ليست قرارات ترامب، بل هي قرارات من سبقوه، من بوش الأب إلى كلينتون إلى بوش الابن إلى أوباما، وكلها اتخذت باسم المصلحة العليا وبمباركة وول ستريت ومراكز الفكر وغرف التحرير الكبرى.

القرار الكارثي الأول، كما يسميه الكتاب، هو “تمييز الصين ومنحها مقعدا في قلب الاقتصاد الأمريكي”. يعود بنا الكتاب إلى أوائل التسعينيات، إلى اللحظة التي سقط فيها جدار برلين واعتقدت النخبة الأمريكية أن التاريخ قد انتهى وأن الرأسمالية الليبرالية انتصرت إلى الأبد. في تلك النشوة، ولدت عقيدة العولمة المتفائلة التي روج لها جورج بوش الأب ثم تبناها بيل كلينتون بحماس أيديولوجي كامل. كانت الفكرة تقوم على افتراض ساذج ومتغطرس في آن واحد: إذا فتحنا أسواقنا للصين وأدخلناها إلى منظمة التجارة العالمية، فإن الرفاهية ستجعل الصينيين أكثر تشبها بنا، وسيتحول الحزب الشيوعي تدريجيا إلى حزب ديمقراطي اجتماعي يحب ماكدونالدز ويحترم حقوق الإنسان.

يصف الكتاب هذه اللحظة و يسميها “حلم الهيمنة الناعمة”. لقد كانت واشنطن تظن أنها تطعم تنينا صغيرا ليصبح كلبا أليفا، فإذا بها تخلق منافسا صناعيا عملاقا يملك كل أدوات الدولة المركزية ولا يملك أي من قيود الديمقراطية. يشرح المؤلف بالأرقام كيف أن اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) في عام 1994، ثم منح الصين صفة الدولة الأكثر رعاية ومن ثم إدخالها منظمة التجارة العالمية في عام 2001، لم تكن مجرد اتفاقيات تجارية، بل كانت إعادة هندسة كاملة للجغرافيا الصناعية الأمريكية.

ينقلنا الكتاب إلى مدن مثل يونغستاون في أوهايو وفلينت في ميشيغان وغاستونيا في كارولاينا الشمالية، مدن كانت تنبض بالمصانع ورواتب الطبقة الوسطى ونوادي البيسبول الصغيرة. يروي قصص عمال قضوا عشرين عاما في مصانع الصلب والأقمشة ليستيقظوا ذات صباح على رسالة تقول إن المصنع سينتقل إلى شنجن أو ووهان لأن العامل هناك يكلف عشر التكلفة ولا يطالب بتأمين صحي ولا بإجازة. لم يكن هؤلاء العمال يكرهون العولمة كمفهوم نظري، بل كانوا يكرهون الخيانة العملية. شعروا أن حكومتهم، ديمقراطية كانت أم جمهورية، قررت التضحية بهم على مذبح فكرة مجردة اسمها “كفاءة السوق العالمية”.

وهنا يلتقط الكتاب الخيط الأهم: النخبة لم تكتف بنقل المصانع، بل أهانت المتضررين. يذكر كيف كان الخطاب السائد في واشنطن ونيويورك يصف العمال الغاضبين بأنهم “غير قابلين للتكيف” و”يعانون من قلق المكانة” و”يحتاجون إلى تعلم البرمجة”. هذا الاحتقار الطبقي، الذي مارسه صحفيون وأكاديميون وسياسيون ليبراليون، هو الذي حول الألم الاقتصادي إلى غضب ثقافي وسياسي. ترامب لم يخلق هذا الغضب، بل فقط التقطه. عندما قال “الصين تغشنا” و”سأعيد المصانع”، كان يتحدث بلغة بدائية اقتصاديا، لكنها كانت صادقة عاطفيا لملايين فقدوا كل شيء بينما كانت وول ستريت تحتفل بأرباح قياسية من الاستثمار في الصين.

يجادل الكتاب بأن المشكلة لم تكن في التجارة بحد ذاتها، فالتجارة قوة إيجابية متبادلة، بل في غياب أي استراتيجية وطنية لحماية العامل الأمريكي. كان يمكن، كما يقترح المؤلف لاحقا، استخدام التعريفات الجمركية كأداة جراحية دقيقة لحماية قطاعات استراتيجية، وكان يمكن فرض شروط صارمة على نقل التكنولوجيا، وكان يمكن استثمار عائدات العولمة في إعادة تأهيل المناطق المنكوبة. لكن شيئا من ذلك لم يحدث. تركت الحكومة السوق يقرر، والسوق قرر أن العامل الأمريكي مكلف جدا، فتم التخلص منه.

بهذا المعنى، فإن القرار الأول لم يكن مجرد خطأ اقتصادي، بل كان خطيئة أصلية سياسية: لقد أقنع المواطن العادي أن الديمقراطية الأمريكية لم تعد تمثله، وأن القرارات الكبرى تتخذ في غرف مغلقة بين لوبيات الشركات متعددة الجنسيات وقادة الحزبين، وأن صوته في صندوق الاقتراع لا يغير شيئا في مصير مصنعه. وعندما يفقد المواطن إيمانه بأن النظام يعمل لصالحه، فإنه يصبح مستعدا للتصويت لأي شخص يعد بهدم النظام نفسه، حتى لو كان هذا الشخص مليارديرا من نيويورك لم يدخل مصنعا في حياته.

هذه هي الأرضية التي يبني عليها الكتاب فصله الثاني والثالث، فالقرار الكارثي الثاني لا يقل فداحة عن الأول، وهو قرار شن حروب بلا ضرائب، وفرض رؤية أيديولوجية على العالم بقوة السلاح بينما يتم تمويلها بالدين. لكن قبل أن ننتقل إلى تلك المحطة، يتوقف الكتاب طويلا عند مفارقة لافتة: كيف استطاع الحزبان، رغم اختلافهما المعلن، أن يتفقا على نفس السياسات الجوهرية التي دمرت الطبقة العاملة؟ يجيب المؤلف بأن ما يسمى “الثنائية الحزبية الكبرى” أو The Great Party Duopoly كانت في جوهرها احتكارا فكريا، اتفق فيه الجمهوريون والديمقراطيون على العولمة غير المشروطة، وعلى تحرير المال، وعلى التدخل العسكري، وتركوا للاختلاف فقط قضايا ثقافية هامشية لتعبئة القواعد الانتخابية. وعندما يتحول الحزبان إلى وجهين لعملة واحدة في القضايا التي تمس لقمة العيش، يصبح ظهور طرف ثالث شعبوي مسألة وقت فقط.

إذا كان القرار الكارثي الأول قد نزع المصنع من يد العامل الأمريكي وسلمه للصين، فإن القرار الكارثي الثاني قد نزع منه فكرة التضحية المشتركة نفسها، وزرع في وجدانه أن الحروب يدفع ثمنها الفقراء وحدهم، بينما يقطف ثمارها الأغنياء.

يسمي الكتاب هذا الفصل بعنوان مباشر: “شن الحرب دون فرض ضرائب”، وهو عنوان يلخص واحدة من أكثر الانحرافات خطورة في التاريخ المالي والسياسي الأمريكي الحديث. يعود بنا المؤلف إلى خريف عام 2001، إلى أمريكا المجروحة بعد الحادي عشر من سبتمبر، أمريكا التي وقفت صفا واحدا خلف رئيسها، والتي كانت مستعدة نفسيا وأخلاقيا لتحمل أي عبء تطلبه منها الدولة. في كل الحروب الكبرى السابقة، من الحرب الأهلية إلى الحربين العالميتين إلى حتى حرب فيتنام، كانت المعادلة واضحة: إذا أردت أن تخوض حربا، فعليك أن تطلب من الشعب دفع ثمنها عبر الضرائب والسندات والتقشف. كانت الضريبة هي الرابطة الأخلاقية بين المواطن والدولة، هي ما يجعل الحرب قرارا جماعيا وليس مغامرة نخبوية.

ما فعله جورج دبليو بوش كان قطيعة كاملة مع هذا التقليد. فبعد أسابيع قليلة من إعلان الحرب على الإرهاب، وبينما كانت الطائرات تقصف تورا بورا وتستعد لغزو العراق، ذهب الرئيس إلى الكونغرس وطلب، لا زيادة الضرائب، بل خفضها بشكل هائل. قانون خفض الضرائب لعام 2001 ثم 2003، والذي عرف باسم Bush Tax Cuts، منح تخفيضات ضخمة للأثرياء وأصحاب الدخول العليا، في نفس اللحظة التي كانت فيها تكلفة حربي أفغانستان والعراق تتصاعد إلى تريليونات الدولارات.

يصف الكتاب هذا المشهد بسخرية مريرة: كان الجنود من بلدات فقيرة في تكساس وأوهايو يموتون في الفلوجة، بينما كان السماسرة في وول ستريت يحتفلون بأرباح قياسية من تخفيض الضرائب على أرباح رأس المال. ولأول مرة في التاريخ الأمريكي، تم تمويل حربين طويلتين بالكامل عبر الدين، عبر الاقتراض من الصين واليابان ودول الخليج، وليس عبر جهد وطني مشترك. لقد خلقت الإدارة الأمريكية وهمًا خطيرا: يمكنك أن تحظى بالحرب والرخاء في آن واحد، يمكنك أن تكون وطنيا دون أن تدفع شيئا.

النتيجة لم تكن مالية فقط، بل كانت أخلاقية وسياسية بامتياز. يشرح الكتاب كيف أن هذه السياسة فجرت العجز الفيدرالي من فائض تركته إدارة كلينتون إلى عجز تجاوز تريليون دولار سنويا، لكن الأخطر أنها دمرت فكرة العدالة. عندما يرى المواطن العادي أن ابنه يعود من الحرب ببتر في ساقه، بينما يرى في نفس الوقت أن أبناء الطبقة المخملية لا يدفعون ضرائب أكثر بل أقل، وأنهم لا يرسلون أبناءهم إلى الجبهات، يبدأ الإيمان بالعقد الوطني في التآكل.

ويذهب الكتاب أبعد من ذلك ليربط بين الحرب والوهم الاقتصادي الذي سبقها. يذكر أن حرب العراق لم تكن مجرد خطأ استخباراتي، بل كانت تعبيرا عن نفس عقلية العولمة المتغطرسة التي حكمت القرار الأول. نفس الأشخاص الذين ظنوا أن السوق الحرة ستحول الصين إلى ديمقراطية، ظنوا أن الدبابة الأمريكية ستحول بغداد إلى واحة ديمقراطية ليبرالية. في الحالتين، تم تجاهل التاريخ والثقافة والواقع المحلي لصالح نظرية جامعية بسيطة. والنتيجة في الحالتين كانت كارثة: في الصين، خلقنا منافسا، وفي الشرق الأوسط، خلقنا فراغا ملأته الفوضى وداعش وموجات لجوء هزت أوروبا وأمريكا.

ثم يأتي القرار الكارثي الثالث، وهو بالنسبة للمؤلف القشة التي قصمت ظهر الثقة الأمريكية، والذي مهد الطريق مباشرة لترامب: إنقاذ وول ستريت والتخلي عن الشارع الرئيسي. هنا ينتقل الكتاب إلى عام 2008، إلى انهيار بنك ليمان براذرز، إلى تلك الأسابيع المرعبة التي كادت أن تنهار فيها الرأسمالية العالمية.

يروي الكتاب كيف أن الأزمة لم تكن حادثا طبيعيا، بل كانت نتيجة مباشرة لعقود من تحرير القطاع المالي، بدءا من إلغاء قانون غلاس-ستيغال في عهد كلينتون، والذي كان يفصل بين بنوك الادخار العادية وبنوك الاستثمار المضاربة. لقد سمحت واشنطن لوول ستريت بأن تراهن بمدخرات الناس على أدوات مالية لا يفهمها أحد، وعندما انفجرت الفقاعة، كانت الخيارات محدودة.

لكن ما حدث بعد ذلك هو ما يركز عليه الكتاب. ففي عهد بوش الابن أولا ثم أوباما ثانيا، قررت الحكومة الأمريكية ضخ 700 مليار دولار لإنقاذ البنوك عبر برنامج TARP، وضخ تريليونات أخرى عبر الاحتياطي الفيدرالي بفوائد صفرية. البنوك التي تسببت في الأزمة هي نفسها التي تم إنقاذها في عطلة نهاية أسبوع واحدة، بينما ترك ملايين الأمريكيين يواجهون مصيرهم وحدهم. تسعة ملايين عائلة فقدت منازلها، وخمسة ملايين فقدت وظائفها، ومدخرات التقاعد تبخرت، ولم يذهب مصرفي واحد كبير إلى السجن.

يصف المؤلف هذه اللحظة بأنها “الطلاق النهائي بين الرأسمالية والديمقراطية في عيون الناخب”. فالمواطن الذي قيل له لثلاثين عاما إن الدولة لا يجب أن تتدخل في السوق، وإن عليه أن يعتمد على نفسه، اكتشف فجأة أن الدولة تتدخل وبقوة، لكن فقط عندما يكون الضحية هو البنك وليس العامل. وعندما خرج باراك أوباما، رغم كل نواياه الحسنة، ليدافع عن الإنقاذ باعتباره ضرورة لتجنب كساد أعظم، كان منطقه الاقتصادي صحيحا، لكن رسالته السياسية كانت كارثية: النظام يحمي الأغنياء لأنه كبير جدا ليسقط، أما أنت فأنت صغير جدا لتُنقذ.

هنا يربط الكتاب الخيوط الثلاثة معا . العامل الذي فقد مصنعه للصين في القرار الأول، ثم رأى ابنه يذهب لحرب مولها الصينيون في القرار الثاني، ثم رأى منزله يصادر بينما تنقذ الحكومة البنك الذي صادر منزله في القرار الثالث، هذا العامل لم يعد يرى في واشنطن حكومة، بل يرى ناديا مغلقا للأغنياء. وعندما يأتي رجل من خارج النادي، رجل فظ وغني لكنه يهاجم النادي علنا، فإنه يصبح بطله، ليس لأنه يحبه، بل لأنه يكره نفس الأشخاص الذين يكرههم.

ترامب لم يكن بحاجة إلى برنامج اقتصادي متماسك، كان يكفيه أن يقول ثلاث جمل كانت تلخص القرارات الثلاث: “سأوقف سرقة الصين لنا، وسأوقف حروبكم الغبية، وسأجفف مستنقع وول ستريت”. كانت الجمل كاذبة في تطبيقها، كما سيثبت لاحقا، لكنها كانت صادقة في تشخيصها للجرح. والناخب الجريح لا يصوت لمن يقدم له خطة من مئة صفحة، بل لمن يضع يده على موضع الألم ويقول: أنا أراكم.

بعد أن ينتهي الكتاب من الجريمة، ينتقل إلى المجرم الأخير الذي استفاد منها، وهو دونالد ترامب نفسه، وهنا تكمن واحدة من أذكى لحظات هذا العمل: المؤلف لا يتعامل مع ترامب كشيطان خارق للطبيعة، ولا كبطل شعبي، بل كتاجر انتهازي ذكي قرأ السوق السياسي جيدا. ترامب، في رواية الكتاب، لم يخترع الغضب، بل اشتراه بسعر رخيص.

يخصص الكتاب فصلا  لأسطورة أن ترامب كان ظاهرة محافظة. ففي حقيقة الأمر، كانت حملته عام 2016 هي أكثر حملة جمهورية يسارية في القضايا الاقتصادية منذ عقود. لقد هاجم اتفاقيات التجارة الحرة التي وقعها الجمهوريون، وهاجم حروب المحافظين الجدد التي شنها الجمهوريون، وهاجم وول ستريت التي مولت الجمهوريين. ولهذا السبب بالذات فاز في الانتخابات التمهيدية ضد ستة عشر مرشحا تقليديا. القاعدة الجمهورية لم تعد تريد جمهورية بوش ورومني، بل أرادت من ينتقم لها من بوش ورومني.

لكن الكتاب لا يقع في فخ تبرئة ترامب. بل على العكس، يرى أن مأساة ترامب الكبرى أنه شخص الغضب بشكل صحيح، ثم وصف له الدواء الخطأ. وهنا يبدأ النصف الثاني من الكتاب، وهو نصف لا يقل أهمية عن الأول، لأنه يحاول أن يجيب: ماذا كان يجب أن نفعل بدلا من كل تلك الخطوات الخاطئة؟

يبدأ بالتجارة، وهي القضية التي بنى عليها ترامب مجده. يجادل المؤلف بأن ترامب كان محقا في تشخيصه بأن العجز التجاري مع الصين مشكلة أمن قومي، لكنه كان كارثيا في علاجه. فالتعريفات الجمركية العشوائية التي فرضها على الصلب والألمنيوم وحتى على حلفاء مثل كندا والاتحاد الأوروبي، لم تعد المصانع إلى أوهايو، بل رفعت الأسعار على المستهلك الأمريكي نفسه، ودمرت المزارعين الذين انتقموا منهم الصين بتعريفات مضادة على فول الصويا.

ما يقترحه الكتاب بدلا من ذلك هو ما يسميه “سياسة تجارية جراحية وليست عقابية”. الفكرة ليست إغلاق أمريكا، بل استخدام أدوات الدولة بذكاء. بدلا من تعريفة شاملة بنسبة 25% على كل شيء، كان يجب فرض قيود دقيقة على نقل التكنولوجيا الحساسة، ومنع الاستثمار الصيني في قطاعات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، وفرض شروط عمل وبيئة صارمة على أي شركة تريد دخول السوق الأمريكية، تماما كما تفعل الصين نفسها. والأهم من ذلك، كان يجب ربط أي اتفاق تجاري ببرنامج وطني ضخم لإعادة تأهيل العمال، بميزانية حقيقية، وليس بشعارات جوفاء عن “تعلم البرمجة”.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى نقطة أكثر حساسية: السياسة الصناعية. وهنا يكسر المؤلف أحد المحرمات الكبرى في الفكر الاقتصادي الأمريكي منذ عهد ريغان، وهو أن الدولة يجب ألا تختار الفائزين والخاسرين. يقول المؤلف بوضوح: هذه كذبة، فالدولة الأمريكية اختارت الفائزين دائما، لكنها اختارت وول ستريت وشركات النفط والصناعات العسكرية، ولم تختر أبدا العامل في ميشيغان. الصين لديها سياسة صناعية، ألمانيا لديها سياسة صناعية، حتى كوريا الجنوبية لديها سياسة صناعية، فلماذا يعتبر من المحرمات أن يكون لأمريكا سياسة صناعية؟

يقترح الكتاب ما يشبه “صفقة جديدة خضراء وصناعية”، ليس بالمعنى الاشتراكي، بل بمعنى رأسمالية موجهة: استثمار فيدرالي ضخم في البنية التحتية والطاقة النظيفة وأشباه الموصلات، ليس من أجل المناخ فقط، بل من أجل خلق وظائف صناعية حقيقية في نفس المناطق التي دمرتها العولمة. يذكر أن قانون الرقائق الذي صدر لاحقا في عهد بايدن، رغم عيوبه، هو خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه جاء متأخرا جدا، بعد أن فقدت أمريكا عقدين من الزمن وهي تجادل حول ما إذا كان يجب أن يكون لها خطة أصلا.

ثم يصل الكتاب إلى إصلاح الديمقراطية نفسها. فالمؤلف يرى أن القرارات الكارثية الثلاث لم تكن ممكنة لولا وجود نظام سياسي معطوب سمح لنخبة صغيرة بشراء القرار. وهنا يطرح ثلاثة تعديلات دستورية مقترحة، يعتبرها شرطا لإنقاذ الجمهورية من ترامب آخر قد يكون أكثر ذكاء وأكثر خطورة.

التعديل الأول الذي يدعو إليه هو إصلاح تمويل الانتخابات وإلغاء قرار المحكمة العليا الشهير “سيتيزنز يونايتد” الذي سمح للشركات بإنفاق أموال غير محدودة في السياسة. يشرح الكتاب كيف أن هذا القرار حول الانتخابات الأمريكية إلى مزاد علني، حيث أصبح على المرشح أن يقضي 70% من وقته في جمع التبرعات من مليارديرات، ثم يذهب ليتظاهر أمام الناخب بأنه يمثله. ترامب، بمفارقة ساخرة، استفاد من هذا النظام لأنه كان غنيا بما يكفي ليقول إنه لا يمكن شراؤه، حتى لو كان هذا غير صحيح.

التعديل الثاني هو جعل التلاعب في تقسيم الدوائر الانتخابية، أو ما يعرف بـ Gerrymandering، غير دستوري. يروي الكتاب قصصا من ولايات مثل كارولاينا الشمالية وأوهايو، حيث يتم رسم الخرائط الانتخابية بالكمبيوتر لضمان فوز حزب واحد إلى الأبد، مما يجعل الانتخابات العامة بلا معنى، ويجعل الانتخابات التمهيدية المتطرفة هي التي تحدد الفائز. عندما تكون دوائرك آمنة 100%، فأنت لا تحتاج إلى إقناع الوسط، بل تحتاج إلى إرضاء المتطرفين في حزبك، وهذا هو مصنع الشعبوية بامتياز.

أما التعديل الثالث، فهو جعل وزارة العدل مستقلة تماما عن الرئيس، على غرار الاحتياطي الفيدرالي. يجادل المؤلف بأن أحد أسباب فقدان الثقة هو أن الأمريكيين يرون أن القانون يطبق على الفقراء بسرعة، بينما يفاوض الأغنياء على تسويات بملايين الدولارات دون سجن. وعندما يرى المواطن أن البنوك التي غسلت أموال المخدرات تدفع غرامة فقط، بينما شاب أسود يسجن لسنوات لحيازة مخدرات، فإنه لا يعود يصدق أن هناك عدالة واحدة للجميع. ترامب استغل هذا أيضا عندما قال إن النظام فاسد ويحمي هيلاري كلينتون، وكان جزء من كلامه يلامس جرحا حقيقيا.

بهذه الاقتراحات، يخرج الكتاب من كونه مجرد تشخيص للماضي ليصبح بيانا للمستقبل، فالكاتب يرى بلاده تنزلق نحو شيء يشبه جمهورية موز، لكنه لا يزال يؤمن بأن الإصلاح ممكن إذا تم الاعتراف أولا بأن الخطوات التي اتخذت كانت خاطئة بالكامل، وليست خاطئة قليلا.

هناك لحظة في الكتاب لا يمكن للقارئ أن يمر عليها دون أن يتوقف طويلا، لحظة يصف فيها المؤلف اجتماعا جرى في البيت الأبيض في أوائل عام 2009، بعد أشهر قليلة من انهيار وول ستريت. كان الرئيس الجديد باراك أوباما يجلس مع كبار المصرفيين الذين تسببوا في الأزمة، وكان مستشاروه الاقتصاديون، القادمون جميعا من نفس البنوك، يشرحون له أنه لا بد من إنقاذ النظام أولا، ثم إصلاحه لاحقا. كان الرأي العام يطالب بمحاكمات، بمحاسبة، بشيء يثبت أن القواعد تنطبق على الجميع، لكن ما خرج به الاجتماع هو رسالة باردة: سننقذ البنوك، وسنترك العدالة للسوق.

يعتبر المؤلف هذه اللحظة هي اللحظة التي ماتت فيها فرصة الحزب الديمقراطي لاستعادة ثقة الطبقة العاملة. أوباما، بكل كاريزمته وذكائه، كان يملك تفويضا تاريخيا لم يملكه أي رئيس منذ روزفلت. كان بإمكانه أن يربط الإنقاذ المالي بإعادة هيكلة جذرية، بأن يفرض على البنوك التي أخذت أموال دافعي الضرائب أن تعيد تمويل الرهون العقارية للعائلات، أن تستثمر في المناطق المنكوبة، أن تقبل بسقف للرواتب والمكافآت. لكنه اختار، تحت ضغط مستشاريه من أمثال لاري سامرز وتيم غايتنر، طريقا أقل مواجهة، طريق التكنوقراط الذي يعتقد أن الاستقرار المالي أهم من العدالة السياسية.

النتيجة أن أوباما أنقذ الاقتصاد من كساد أعظم، وهذه حقيقة لا ينكرها الكتاب، لكنه في نفس الوقت أنقذ أيضا النظام الذي خلق الأزمة، وترك الملايين يشعرون بأنهم دفعوا ثمن إنقاذ من سرقهم. ومن رحم هذا الشعور ولدت حركتان متناقضتان تماما في الشكل ومتشابهتان تماما في الجوهر: حركة الشاي المحافظة التي قالت إن الحكومة كبيرة جدا وتنقذ الفاشلين، وحركة احتلوا وول ستريت التقدمية التي قالت إن الحكومة صغيرة جدا أمام جشع الشركات. الحركتان فشلتا في تغيير النظام، لكنهما مهدتا الأرض لشخص واحد قال إنه سيهدم المعبد فوق رؤوس الجميع.

ويذهب الكتاب إلى أبعد من ذلك ليحمل النخبة الإعلامية والثقافية جزءا من المسؤولية. فهو يخصص فصلا كاملا لدور ما يسميه “طبقة المتحدثين الرسميين”، أي الخبراء الذين يظهرون كل مساء على شاشات سي إن إن وفوكس نيوز ليشرحوا للمواطن لماذا هو مخطئ في غضبه. يروي كيف تحولت الصحافة الاقتصادية الكبرى، من وول ستريت جورنال إلى نيويورك تايمز، إلى ناطق رسمي باسم العولمة، وكيف تم تصوير أي اعتراض على التجارة الحرة مع الصين على أنه جهل وحمائية، وأي اعتراض على إنقاذ البنوك على أنه شعبوية غير مسؤولة.

في هذا المناخ، لم يعد لدى المواطن العادي مصدر يثق به. عندما يقول له الاقتصادي في الجامعة إن العولمة مفيدة في المدى الطويل، بينما هو عاطل عن العمل منذ ثلاث سنوات، فإنه لا يكذب الاقتصادي فقط، بل يكذب الجامعة والعلم والمؤسسة كلها. ترامب فهم هذه الفجوة بعبقرية غريزية. لم يكن بحاجة إلى أن يقدم أرقاما، كان يكفيه أن يقول إن الخبراء كاذبون، وأن الإعلام عدو الشعب، وكان جزء كبير من الشعب مستعدا لتصديقه لأنه جرب كذب الخبراء على جلده.

لكن الكتاب لا يتوقف عند تشخيص صعود ترامب، بل يتوقف عند خيانته لمن صعد به. وهنا تكمن قسوة التحليل وصدقه. فبعد أن فاز ترامب بفضل وعوده بإنهاء حروب بوش وإنهاء سرقة الصين وتجفيف مستنقع وول ستريت، ماذا فعل عندما وصل إلى البيت الأبيض؟ يرصد المؤلف بالأرقام كيف أن أول تشريع كبير وقعه ترامب كان خفضا ضريبيا جديدا يذهب 83% من فوائده إلى 1% من الأغنياء، وهو تكرار حرفي لخطيئة بوش التي انتقدها. وكيف أن حربه التجارية مع الصين لم تعد أي مصنع كبير، بل دفعت الشركات الأمريكية إلى نقل سلاسل الإمداد من الصين إلى فيتنام والمكسيك، وليس إلى أوهايو. وكيف أن إدارته كانت الأكثر قربا من وول ستريت في التاريخ، حيث عين خمسة من كبار المديرين السابقين في غولدمان ساكس في مناصب وزارية حساسة.

يرى الكتاب أن ترامب لم يكن حلا للقرارات الكارثية الثلاث، بل كان امتدادا لها ولكن بقناع أكثر صخبا. لقد استبدل عولمة الشركات المهذبة بعولمة صفقات عقارية فظة، واستبدل حروب المحافظين الجدد الأيديولوجية بحروب تجارية عشوائية، واستبدل إنقاذ البنوك الهادئ بإنقاذ نفسه وعائلته عبر تخفيضات ضريبية. ولهذا السبب، فإن الغضب الذي أوصله إلى البيت الأبيض لم ينته بخروجه منه، بل تضاعف، لأنه أثبت للناخب أن حتى المتمرد الذي انتخبه ليهدم النظام انتهى به الأمر جزءا من النظام.

في هذا السياق، يقدم الكتاب قراءة مختلفة لما حدث في السادس من يناير. فهو لا يراه مجرد تمرد لمجانين، بل يراه النتيجة المنطقية لثلاثين عاما من إقناع المواطن بأن صوته لا قيمة له. عندما تقنع الناس لعقود بأن الانتخابات يتم شراؤها بالمال، وأن الدوائر الانتخابية مرسومة سلفا، وأن وزارة العدل تحمي الأقوياء، فلا تستغرب عندما يأتي يوم ويصدقون أن الانتخابات سرقت. الكذبة الكبرى التي روج لها ترامب حول تزوير 2020 لم تكن لتنجح لولا وجود آلاف الكذبات الصغيرة التي روجت لها المؤسسة نفسها حول عدالة النظام.

وهنا يصل الكتاب إلى خلاصته السياسية الأهم: الخطر ليس في ترامب كشخص، فترامب ظاهرة ستنتهي بيولوجيا، الخطر في ترامبية بدون ترامب، أي في ظهور سياسي أكثر انضباطا وذكاء يستخدم نفس الغضب لكنه يعرف كيف يهدم المؤسسات من الداخل دون ضجيج. ولهذا، فإن معركة إنقاذ الديمقراطية الأمريكية، كما يراها المؤلف، ليست معركة هزم مرشح واحد في انتخابات واحدة، بل هي معركة إعادة بناء الثقة عبر عكس القرارات الثلاثة جذريا.

 يترك الكتاب القارئ أمام سؤال وجودي: هل لا تزال أمريكا قادرة على إصلاح نفسها، أم أن منطق القرارات الخاطئة أصبح أقوى من منطق الإصلاح؟ والإجابة، كما سنرى في الدفعة الأخيرة، ليست اقتصادية فقط، بل هي أخلاقية ودستورية في المقام الأول.

يصل الكتاب في فصله الأخير إلى ما يمكن تسميته بيان الإنقاذ، وهو ليس بيانا حزبيا بالمعنى الضيق، بل هو محاولة لإعادة تعريف ما تعنيه الرأسمالية الديمقراطية بعد أن شوهتها ثلاثة عقود من القرارات الخاطئة. وهنا يتحول المؤلف من مؤرخ يشرح كيف وصلنا إلى هنا، إلى طبيب يصف الدواء، ودواؤه مر وصعب لكنه واضح ومتماسك.

يبدأ الدواء، كما يراه الكتاب، بإعادة الاعتبار لفكرة العقد الاجتماعي. فالرأسمالية، كما يقول المؤلف، ليست آلة تعمل وحدها، بل هي اتفاق ضمني بين ثلاث أطراف: رأس المال الذي يريد الربح، والعمال الذين يريدون الكرامة، والدولة التي تضمن أن اللعبة عادلة. القرارات الكارثية الثلاث كسرت هذا الاتفاق بأن منحت رأس المال كل شيء، من حرية نقل المصانع إلى حروب ممولة بالدين إلى إنقاذ مجاني عند الفشل، ولم تمنح العمال شيئا سوى محاضرات عن ضرورة التكيف. لإصلاح ذلك، لا بد من عقد جديد يعيد التوازن.

أول بنود هذا العقد هو ما يسميه الكتاب “الوطنية الاقتصادية الذكية”، وهو مصطلح يحاول أن ينزع الوطنية من يد الشعبويين ويعيدها إلى يد المصلحين. الوطنية هنا لا تعني إغلاق الحدود ولا بناء جدران، بل تعني الاعتراف بأن للسوق حدودا أخلاقية، وأن للدولة دورا لا يمكن للسوق أن يلعبه. يقترح الكتاب، على سبيل المثال، إنشاء صندوق ثروة وطني على غرار النرويج، يمول من عائدات التعريفات الجمركية على السلع الاستراتيجية ومن ضرائب على إعادة شراء الشركات لأسهمها، ويستخدم حصريا لتمويل إعادة تأهيل المناطق الصناعية المنكوبة، ليس عبر برامج تدريب وهمية، بل عبر ضمان وظائف فيدرالية مباشرة في مشاريع البنية التحتية والطاقة والصناعات الدوائية، تماما كما فعل روزفلت في الثلاثينيات.

البند الثاني في العقد هو إعادة تعريف التجارة. يرفض الكتاب بشكل قاطع فكرة أن التجارة الحرة هي دائما جيدة، وفكرة أن الحمائية هي دائما سيئة. التجارة، في نظره، هي أداة، والأداة يمكن أن تستخدم لبناء بيت أو لهدمه. المشكلة ليست في التجارة مع الصين، بل في التجارة الغبية مع الصين، أي التجارة التي تسمح لشركة أمريكية بنقل مصنعها إلى مقاطعة يمنع فيها العمل النقابي ويسمح فيها بتلويث الأنهار، ثم بيع نفس المنتج في أمريكا دون أي تكلفة إضافية. الحل هو ما يسميه “التجارة المشروطة اجتماعيا”، أي أن دخول السوق الأمريكية يجب أن يكون مشروطا باحترام معايير دنيا للعمل والبيئة وحماية الملكية الفكرية. هذه ليست حمائية، بل هي دفاع عن قواعد اللعبة التي كتبتها أمريكا نفسها.

أما البند الثالث والأهم، فهو إصلاح الديمقراطية قبل إصلاح الاقتصاد. وهنا يعود الكتاب إلى اقتراحاته الدستورية الثلاثة التي ذكرناها سابقا، لكنه يضيف إليها تفصيلا عمليا يغيب عن كثير من الكتب السياسية. فهو لا يكتفي بالقول إن تمويل الانتخابات فاسد، بل يقترح نظام تمويل عام صغير يمنح كل ناخب قسيمة بقيمة مئة دولار يتبرع بها للمرشح الذي يريده، مما يحرر المرشح من مطاردة المليارديرات. ولا يكتفي بالقول إن تقسيم الدوائر فاسد، بل يقترح لجانا مستقلة من القضاة والمواطنين ترسم الخرائط بمعايير رياضية لا حزبية، كما يحدث في كاليفورنيا وأستراليا. ولا يكتفي بالقول إن وزارة العدل مسيسة، بل يقترح فترة ولاية ثابتة لوزير العدل لا تتزامن مع فترة الرئيس، بحيث لا يكون الوزير مدينا للرئيس الذي عينه.

بهذه الرؤية، يخرج الكتاب من عباءة الكتب التي تلعن ترامب ليل نهار دون أن تقدم بديلا، ويدخل إلى منطقة الكتب التي تحاول أن تفهم ترامب كي تتجاوزه. وهذه هي نقطة قوته الكبرى. فهو لا يخاطب القارئ الليبرالي الغاضب الذي يريد تأكيدا لتحيزه، بل يخاطب القارئ المحافظ القلق الذي صوت لترامب لأنه شعر بأن لا أحد يسمعه. لغة الكتاب هادئة، مدعمة بالأرقام والوثائق والقصص الميدانية، لكنها في نفس الوقت مشحونة بتعاطف إنساني مع العامل الذي فقد كل شيء.

ومع ذلك، فإن للكتاب حدودا لا يمكن إغفالها. فتركيزه الكبير على العوامل الاقتصادية، رغم أهميته، يجعله يقلل أحيانا من دور العوامل الثقافية والعرقية التي لعبت دورا لا يستهان به في صعود ترامب. فالغضب الاقتصادي وحده لا يفسر لماذا صوت بعض الأغنياء لترامب، ولماذا كان خطابه العنصري جذابا لقطاع من الناخبين. الكتاب يمر على هذه النقطة بسرعة، وكأنه يخشى أن يتهم ناخبي ترامب بالعنصرية، في حين أن الحقيقة أكثر تعقيدا: الغضب الاقتصادي كان الوقود، لكن الهوية الثقافية كانت الشرارة.

في النهاية، فإن عنوان الكتاب “كل الخطوات الخاطئة” ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لما حدث. لم تكن خطوة واحدة خاطئة، بل كانت كل الخطوات خاطئة، لأنها انطلقت من نفس الفلسفة: أن ما هو جيد لوول ستريت هو جيد لأمريكا. وقد أثبتت السنوات أن العكس هو الصحيح: ما هو جيد لأمريكا يجب أن يكون جيدا لوول ستريت، وليس العكس. وعندما نسيت واشنطن هذه الحقيقة البسيطة، فتحت الباب لرجل وعدها بأنه سيعيدها، حتى لو كان هو نفسه نتاجا لنفس النظام الذي دمرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى