تمبكتو: ثمانية قرون من الحبر في قلب الصحراء

لا توجد مدينة في العالم، ربما، تحمل من التناقض ما تحمله تمبكتو. في المخيال الأوروبي، كانت لقرون مرادفاً لأقصى الأرض، لنهاية الخريطة حيث يبدأ الأسود من كل شيء، مدينة الذهب التي لا يُمكن الوصول إليها، وهمٌ جغرافي يغذّي قصص المغامرين. وفي المخيال الأفريقي والعربي، كانت شيئاً آخر تماماً، واقعاً مادياً صلباً، مدينة جامعة، سوقاً للكتب قبل أن تكون سوقاً للذهب والملح، عقدة من الحبر والورق تمتد خيوطها من فاس إلى القاهرة إلى مكة. وبين هذين التصورين، بين الأسطورة والأرشيف، يضع شاميل جبي كتابه الجديد، وهو عمل لا يروي تاريخ مدينة فحسب، بل تاريخ فكرة، ويثبت أن تاريخ أفريقيا هو، في جوهره، تاريخ الكتاب.
الكتاب الذي بين أيدينا ليس كتاباً تقليدياً عن تمبكتو. هو ليس رحلة مستشرق ولا تجميعاً انطباعياً لمخطوطات وجدت صدفة في صناديق خشبية في الصحراء. إنه مشروع مؤرخ نشأ في أقصى جنوب القارة، في شبه جزيرة على طرف أفريقيا، كما يعترف في إهدائه المؤثر لوالديه، وتعلم تاريخ غرب أفريقيا في حلقة دراسية صغيرة في ثمانينيات القرن الماضي على يد المناضل والمؤرخ نيفيل ألكسندر، في وقت كانت فيه المناهج الرسمية في جنوب أفريقيا تحت نظام الفصل العنصري تدرّس أن التاريخ بدأ في أوروبا وأن الأفريقيين بلا ماضٍ. من تلك المفارقة تنطلق شرارة هذا الكتاب. يروي جبي كيف قاده القدر، بعد عقود، ليكون جزءاً من مشروع أطلقه الرئيس ثابو مبيكي لإنعاش أرشيفات تمبكتو بالتعاون بين الأرشيف الوطني لجنوب أفريقيا ومالي. وهكذا فإن الرجل الذي تعلم أن تاريخه مسروق، أصبح مسؤولاً عن إنقاذ تاريخ آخر مسروق أيضاً، أو بالأحرى، تاريخ جرى طمسه عمداً بأسطورة الصحراء الصامتة.
يفتتح جبي كتابه بعبارة موجعة لعالم تمبكتو الأشهر، أحمد بابا التنبكتي، يقول فيها: “أنا أقل عشيرتي كتباً، نهبت له سنة عشر مائة مجلد”. ألف وستمائة مجلد لرجل يصف نفسه بأنه الأقل مكتبة بين أقاربه. هذه الجملة وحدها تهدم قروناً من الدعاية الاستعمارية التي صورت أفريقيا جنوب الصحراء قارة بلا كتابة، مجتمعات شفهية تنتظر من يكتب عنها. ويضع جبي إلى جوارها اقتباساً من ليون الأفريقي في القرن السادس عشر: “في هذه المدينة تباع كتب كثيرة، تأتي من بلاد البربر، مكتوبة باليد، والذين يجلبون الكتب يربحون من الكتب أكثر مما يربحون من أي بضاعة أخرى”. السوق الأكثر ربحاً في تمبكتو لم يكن الذهب ولا الملح، بل الكتاب.
جبي لا يكتب عن المخطوطات كأشياء ميتة، بل ككائنات حية لها سيرة. المخطوط في تمبكتو، كما سنرى ، يُنسخ، يُباع، يُوقف، يُهرّب، يُدفن في الرمال عند الغزو، يُورث، يُسرق، يُستعاد. له اقتصاد وله أخلاقيات وله جغرافيا. وعندما سقطت تمبكتو تحت الاحتلال المغربي عام 1591، لم يكن النهب ذهباً فقط، بل كان نهباً للمكتبات. وعندما جاء الاستعمار الفرنسي، لم يكن يبحث عن خرائط، بل عن وثائق تثبت أن هذه الأرض كانت بلا تاريخ ليبرر وجوده. وعندما جاءت جماعات أنصار الدين عام 2012 وهددت المخطوطات، لم يكن ما أنقذه الأهالي مجرد ورق، بل ذاكرة جماعية عمرها ثمانية قرون.
المقدمة التي عنونها “كتب ومتمردون في الصحراء” تضع الإطار النظري كله. تمبكتو التي نعرفها اليوم كرمز للبعد، هي في الواقع مركز لشبكة معرفية هائلة تربط المحيط الأطلسي بنهر النيجر، وتربط شنقيط في موريتانيا بكانو في نيجيريا، وتربط فاس بتمبكتو بجاو. هذه الشبكة لم تكن قائمة على الجيوش بل على الطلاب والأساتذة والإجازات العلمية. الإجازة، تلك الوثيقة التي يمنحها الشيخ لتلميذه ليروي كتاباً معيناً، كانت جواز سفر عبر الصحراء، وكانت عملة أكثر استقراراً من الذهب. جبي يلتقط هذه التفاصيل ليقول شيئاً كبيراً: إن الصحراء لم تكن يوماً حاجزاً، بل كانت بحراً داخلياً، وإن الكتاب كان هو السفينة.
لم يكن اكتشاف مخطوطات تمبكتو حدثاً مفاجئاً يشبه العثور على مقبرة فرعونية، بل كان عملية بطيئة، مترددة، ومليئة بالريبة المتبادلة، وهذا ما يجعله أكثر إثارة من أي أسطورة. يخصص شاميل جبي فصله الأول كله لهذه اللحظة، لا ليروي مغامرة شخصية، بل ليؤرخ لتحول في النظرة إلى الصحراء نفسها. فحتى تسعينيات القرن الماضي، كان الخطاب السائد في الأكاديميا الغربية، وحتى في كثير من الأوساط الأفريقية، يتعامل مع الصحراء الكبرى كفراغ، كمنطقة عبور، كفاصل طبيعي يفصل بين أفريقيا “البيضاء” وأفريقيا “السوداء”، بين تاريخ مكتوب وآخر شفهي. وكانت مكتبات تمبكتو، إن ذُكرت، توضع في هامش الهوامش، كحالة استثنائية غريبة، كشيء جاء من الخارج، من العرب، وليس نتاجاً أفريقياً أصيلاً.
يروي جبي كيف تغير هذا المشهد كله في بضع سنوات. في عام 2003، وصلت بعثة من جنوب أفريقيا إلى باماكو ثم إلى تمبكتو، في إطار مشروع أطلقه الرئيس ثابو مبيكي تحت شعار “النهضة الأفريقية”. كان الهدف الرسمي هو المساعدة في ترميم وحفظ المخطوطات، لكن ما حدث على الأرض كان أعمق من مجرد ترميم فني. دخل المؤرخون الجنوب أفريقيون، ومعهم خبراء أرشيف، إلى بيوت عائلات تمبكتو، ليجدوا أنفسهم أمام مشهد لم يتوقعه أحد. في غرف الطين، تحت الأسرة، داخل صناديق معدنية صدئة أغلقت بأقفال كبيرة، فوق أسطح المنازل، كانت هناك أكوام من المخطوطات، ليس بالمئات، بل بعشرات الآلاف، ولاحقاً سيُتحدث عن مئات الآلاف. بعضها مكتوب بخط جميل على ورق مستورد من إيطاليا، وبعضها الآخر على ورق محلي خشن، بعضها مجلد بجلد الماعز المزخرف، وبعضها الآخر بلا غلاف، تأكله الأرضة من الأطراف. كانت الرائحة هي أول ما يصدم الزائر، رائحة ورق قديم، غبار، جلد، وحبر متأكسد.
المفاجأة لم تكن في العدد فقط، بل في الموقف. أصحاب هذه المكتبات، وهم أسر عريقة مثل أسرة حيدرا وكنتا، لم يكونوا يرون أنفسهم “مالكين” لمخطوطات، بل أمناء عليها. الكتاب في تمبكتو، كما يشرح جبي، ليس سلعة، بل وقف، بل إرث، بل جزء من النسب. أن ترث مكتبة يعني أن ترث مسؤولية، وأن تفتحها للغريب يعني أن تخاطر بفقدان البركة. ولهذا كان التعامل مع البعثة الجنوب أفريقية محفوفاً بالحذر. كان هناك تاريخ طويل من النهب، من المستشرقين الفرنسيين الذين أخذوا المخطوطات إلى باريس، من تجار الآثار، من الباحثين الذين يصورون ولا يعودون. وكان على جبي وفريقه أن يبنوا ثقة، أن يشرحوا أنهم لا يريدون نقل الكتب إلى بريتوريا، بل يريدون مساعدة الناس على حفظها في مكانها.
مشروع ترميم المخطوطات لم يكن محايداً. كان جزءاً من مشروع مبيكي لبناء شرعية ثقافية لجنوب أفريقيا الجديدة، بعد الفصل العنصري، عبر ربطها بتاريخ أفريقي عميق ومكتوب. وكان أيضاً جزءاً من صراع مالي داخلي حول من يملك تمبكتو. هل هي ملك للدولة في باماكو؟ أم لأهلها من العرب والطوارق؟ أم للعالم الإسلامي كله؟ وعندما بُني معهد أحمد بابا الجديد بتمويل جنوب أفريقي، بواجهته الزجاجية الحديثة ومكيفاته التي لا تتحمل كهرباء المدينة المتقطعة، ظهرت المفارقة كاملة. مبنى فخم لحفظ المخطوطات، بينما المخطوطات الحقيقية لا تزال في البيوت، لأن أصحابها لا يثقون في المبنى الحكومي. وهكذا فإن “اكتشاف” الكتب في الصحراء لم يكن اكتشافاً مادياً بقدر ما كان اكتشافاً لعلاقة جديدة بين الدولة والأرشيف الخاص، بين التراث العالمي والملكية العائلية.
يذهب جبي أبعد من ذلك لفكرة الاكتشاف نفسها. فالمخطوطات لم تكن مفقودة أبداً بالنسبة لأهل تمبكتو. هم يعرفونها، يقرأونها، يدرسون عليها، يتباركون بها. الذي كان مفقوداً هو اعتراف العالم الخارجي بها. ولذلك يستخدم جبي مصطلح “إعادة الاكتشاف”، ويصر على أن ما حدث في أوائل الألفية ليس ولادة لاهتمام جديد، بل عودة لاهتمام قديم. فمنذ القرن التاسع عشر، كان الرحالة الألماني هاينريش بارث قد تحدث عن مكتبات تمبكتو، وكان المستشرقون الفرنسيون قد جمعوا قوائم بها، لكن الاستعمار تعمد تهميشها لأن وجود ثقافة كتابية أفريقية كان ينسف مبرر “المهمة الحضارية”. وعندما جاءت فترة ما بعد الاستقلال، انشغلت الدولة المالية ببناء أمة حديثة، ولم يكن لديها موارد للاهتمام بورق قديم في الصحراء. وهكذا بقيت المخطوطات في الظل، محفوظة بعناية فائقة داخل البيوت، تنتظر لحظة سياسية مناسبة لتظهر.
المخطوط لم يكن يُطبع، بل يُنسخ باليد، وكل نسخة هي عمل فني واقتصادي. كان هناك نساخ محترفون، وكان هناك ورق يأتي عبر قوافل من المغرب، وكان هناك حبر يصنع محلياً من الفحم والصمغ، وكانت هناك أقلام من القصب. وكل مخطوط يحمل في نهايته ما يسمى “حرد المتن”، حيث يكتب الناسخ اسمه وتاريخ النسخ ومكانه، وأحياناً يشكو من برد الصحراء أو من ألم يده أو من غلاء الورق. هذه الهوامش الصغيرة هي التي تسمح لجبي بأن يكتب تاريخاً اجتماعياً للكتاب، لا تاريخاً للنص فقط. فهو لا يسأل ماذا يقول الكتاب عن الفقه المالكي، بل يسأل كيف وصل هذا الكتاب إلى تمبكتو، كم ثمنه، من نسخه، من قرأه، من أوقفه.
إذا كانت تمبكتو مكتبة مفتوحة، فإن أحمد بابا التنبكتي كان طفلها المدلل الذي ولد في قلبها تماماً. يخصص شاميل جبي فصله الثاني لتفكيك أسطورة الرجل الذي تحول في المخيال العربي إلى مجرد اسم في كتب التراجم، ويعيده إلى حجمه الإنساني كتلميذ، كابن، كوريث لمكتبة عائلية ضخمة، وكمنتج لشبكة معرفية معقدة. ولد أحمد بابا عام 1556 في عائلة آقِت، وهي أسرة بربرية من قبيلة صنهاجة، استقرت في تمبكتو وأصبحت من أركان الحياة العلمية فيها، أسرة تملك، كما يخبرنا أحمد بابا نفسه بنبرة تواضع مصطنع، ألفاً وستمائة مجلد، وهو رقم يجب أن نتوقف عنده طويلاً لأنه يختصر كل شيء.
ألف وستمائة مجلد في القرن السادس عشر في مدينة صحراوية لا يعني ثراء مادياً فحسب، بل يعني انتماء إلى طبقة عالمة تملك وسائل الإنتاج المعرفي. فالكتاب في ذلك العصر لم يكن سلعة تباع في المكتبات، بل كان مشروعاً عائلياً. يحتاج إلى ورق يجلب من فاس أو من البندقية عبر القوافل، وإلى ناسخ يتقاضى أجراً، وإلى مجلد، وإلى وقت طويل للقراءة والتصحيح. امتلاك ألف وستمائة مجلد يعني أن أسرة آقِت كانت تدير ورشة نسخ صغيرة، وأنها كانت تستثمر في التعليم كما تستثمر الأسر اليوم في العقار. وهذا ما يفسر لماذا كان تعليم أحمد بابا مبكراً ومكثفاً بشكل استثنائي. لم يذهب إلى “مدرسة” بالمعنى الحديث، بل نشأ في مجلس علمي دائم داخل بيته.
كان والده، أحمد بن الحاج أحمد بن عمر بن محمد آقِت، فقيهاً معروفاً، وكان عمه أبو بكر، وجدّه، وخاله، كلهم علماء. كان البيت يعج بالطلاب الذين يأتون لقراءة “المختصر” لخليل أو “الرسالة” لابن أبي زيد أو “المدونة”. وكان الطفل أحمد بابا يجلس في زاوية، يستمع، يحفظ، ثم يُختبر. نظام الإجازة الذي كان سائداً لم يكن شهادة تخرج، بل كان سلسلة من العلاقات الشخصية. أن تأخذ إجازة في كتاب يعني أنك جلست أمام شيخ قرأ عليك الكتاب كاملاً، من أوله إلى آخره، وأجاز لك أن ترويه عنه. وكل إجازة هي حلقة في سلسلة تمتد إلى المؤلف الأصلي. وهكذا فإن مكتبة أحمد بابا لم تكن كتباً فقط، بل كانت سلاسل من البشر، شبكة عنكبوتية من الشيوخ تمتد من تمبكتو إلى فاس إلى القاهرة إلى مكة.
يعدد جبي شيوخ أحمد بابا، وهم بالعشرات، لكنه يتوقف عند اثنين يمثلان قطبي تكوينه. الأول هو والده وخاله، اللذان مثلا المدرسة المحلية لتمبكتو، مدرسة الفقه المالكي المتشدد نسبياً، الملتزم بظاهر النص، الحريص على الطهارة العلمية. والثاني هو شيوخ الوافدين، خاصة المغاربة، الذين جلبوا معهم منطقاً وفلسفة وعلم كلام وتصوفاً فلسفياً. تمبكتو في تلك الفترة، أي في النصف الثاني من القرن السادس عشر، كانت تعيش عصرها الذهبي الثاني تحت حكم الأسكيا من إمبراطورية صنغاي. كانت المدينة آمنة، مزدهرة، تجذب العلماء كما تجذب التجار. وكان هناك تنافس محموم بين المدارس، بين من يرى أن العلم هو الفقه فقط، ومن يرى أن العلم يشمل المنطق والبيان والعروض والفلك.
أحمد بابا، استوعب الطرفين. قرأ الفقه حتى أصبح مفتياً وهو في العشرينيات، وقرأ النحو حتى شرح “الألفية”، وقرأ المنطق حتى برع فيه، وقرأ التصوف لكن بحذر، لأنه كان يخشى أن يُتهم بالانحراف. هذه الحصافة المبكرة ستحدد مصيره لاحقاً. فالرجل الذي سيُتّهم بالتمرد على السلطان المغربي، لم يكن متمرداً بطبعه، بل كان فقيهاً محافظاً يرى أن العالم يجب أن يحكمه الشرع، لا السيف. وهنا يلتقط جبي لحظة فارقة: عندما احتل الجيش المغربي تمبكتو عام 1591، لم يكن أحمد بابا مجرد عالم، كان رمزاً لاستقلال معرفي. كان يمثل طبقة علماء صنغاي التي كانت تفتي للأسكيا، والتي رفضت أن تفتي للغازي الجديد. ولذلك كان لا بد من كسره.
قبل تلك اللحظة، يصف جبي حياة يومية مذهلة لتمبكتو كمدينة كتاب. كانت هناك سوق للكتب، وكان هناك نساخ يجلسون في المساجد، وكان هناك طلاب يأتون من غاو وجني وكانو وبرنو، يقضون سنوات ينسخون كتاباً واحداً ليعودوا به إلى بلادهم. وكان هناك نظام وقف الكتب، حيث يوقف العالم كتابه على طلبة العلم، فلا يباع ولا يورث. وكانت هناك مكتبات نسائية، وهي حقيقة يصر جبي على إبرازها، فبعض الأسر كانت تعلم بناتها القراءة والكتابة لينسخن المصاحف، وكانت بعض النساء تمتلكن مكتبات صغيرة. هذا المشهد ينسف تماماً صورة الصحراء الأمية.
تعليم أحمد بابا لم يكن تعليماً فردياً، بل كان استثماراً جماعياً لمدينة بأكملها. كل كتاب في مكتبة آقِت كان قد مرّ عبر عشرات الأيدي، كل ورقة كانت قد قُطعت في فاس، وحُملت على جمل، وبيعت في سوق تمبكتو، ونسخها طالب فقير مقابل طعام، وصححها شيخ، وقرئت في حلقة. أحمد بابا لم يكن عبقرياً منعزلاً، بل كان خلاصة لهذا النظام البيئي للكتاب. وعندما سيأتي المغاربة ويأخذونه مقيداً إلى مراكش، فإنهم لم يأسروا رجلاً واحداً، بل أسروا مكتبة تمشي على قدمين، وشبكة معرفية كاملة. وهذا ما سيجعل منفاه في مراكش ليس عقاباً فقط، بل لقاء بين عالمين، بين صحراء تمبكتو وبلاط مراكش، بين هامش ظن نفسه هامشاً ومركز ظن نفسه مركزاً.
في فجر يوم من أيام عام 1591، لم تكن تمبكتو تستيقظ على الأذان كعادتها، بل على وقع حوافر الجيش المغربي السعدي الذي عبر الصحراء بمدافع برتغالية وبخيانة داخلية. كانت إمبراطورية صنغاي العظيمة قد انهارت في معركة تونديبي الشهيرة، ودخل القائد جوذر باشا، المملوك الإسباني الأصل، المدينة لا فاتحاً بل ناهباً. كان أول قراراته اعتقال نخبة علماء تمبكتو، وعلى رأسهم أحمد بابا التنبكتي. لم يكن الاعتقال عشوائياً، بل كان مقصوداً كعملية بتر ثقافي. فالسلطان أحمد المنصور الذهبي في مراكش لم يكن يريد ذهب السودان فقط، بل كان يريد شرعنة احتلاله، وكان يعلم أن الشرعية في العالم الإسلامي لا تأتي من المدافع، بل من فتاوى العلماء. وعندما رفض علماء تمبكتو إصدار فتوى تبيح ضم بلاد السودان إلى ملك المغرب، أصبحوا خطراً يجب نفيه.
يروي شاميل جبي هذه اللحظة :سيق أحمد بابا مقيداً بالسلاسل، مع نحو سبعين عالماً وأفراد من أسرهم، في رحلة عبر الصحراء استغرقت شهوراً، من تمبكتو إلى سجلماسة ثم إلى مراكش. كانت رحلة إذلال مقصود، لكنها تحولت، دون قصد من منظميها، إلى رحلة تعريف. ففي كل محطة كان العلماء الأسرى يلتقون بعلماء محليين، وكان أحمد بابا يفاجئهم بسعة حفظه. كان يحفظ عشرات المتون عن ظهر قلب، وكان يملك إجازات في كتب لا يعرفها المغاربة أنفسهم إلا بالاسم. وهكذا بدأت الأسطورة تنتقل من كونه أسيراً متمرداً إلى كونه “السوداني العجيب” الذي يعرف ما لا يعرفه أهل مراكش.
عندما وصل إلى مراكش عام 1594، لم يُلق في سجن مظلم كما قد نتخيل، بل وُضع تحت الإقامة الجبرية في حالة من الترقب. كان السلطان أحمد المنصور، الذي كان يلقب بالذهبي لثرائه من ذهب السودان، رجلاً مثقفاً يحب أن يحيط نفسه بالعلماء، لكنه كان أيضاً سلطاناً مستبداً لا يتحمل معارضة. أراد أن يكسر أحمد بابا، أن يجعله يفتي له، لكن أحمد بابا رفض. وفي تلك السنوات الأولى، عاش الرجل في حالة كمد شديد، يصفها هو نفسه في رسائله بأنها “غربة الدين والوطن”. لم يكن يبكي على فراق الأهل فقط، بل على فراق مكتبته التي نُهبت، وكتبه التي شتتت. ألف وستمائة مجلد تركها وراءه، ولا يعرف مصيرها. هذه الصدمة هي التي ستدفعه إلى الكتابة بغزارة غير مسبوقة.
هنا يكمن التحول الكبير الذي يرصده جبي . فأحمد بابا، الذي كان في تمبكتو فقيهاً ومدرساً، تحول في مراكش إلى مؤلف موسوعي. كتب في المنفى أكثر مما كتب في وطنه. لماذا؟ لأن الكتابة أصبحت هي الوطن البديل. ولأن مراكش، رغم أنها كانت سجناً، كانت أيضاً مكتبة هائلة. كانت عاصمة إمبراطورية تمتد من الأندلس إلى السودان، وفيها خزائن كتب لم يرها في تمبكتو، وفيها علماء من الأندلس المطرودين، ومن فاس، ومن الصحراء. وجد نفسه فجأة في ملتقى طرق معرفي أوسع، لكنه ملتقى لا يملك فيه حرية.
في هذه الفترة، ألف أحمد بابا كتابه الأشهر “نيل الابتهاج بتطريز الديباج”، وهو ذيل على كتاب ابن فرحون “الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب”. والكتاب ليس مجرد تراجم، بل هو بيان سياسي مبطن. فمن خلال ترجمته لعلماء المالكية، كان يثبت أن سلسلة العلم لا تنقطع باحتلال مدينة، وأن تمبكتو جزء أصيل من دار الإسلام، وأن علماء السود هم جزء من نفس السلسلة التي تضم علماء القيروان وقرطبة وفاس. كان يكتب ليقول لمراكش: نحن لسنا برابرة جئتم لتمدينهم، نحن زملاؤكم في نفس المدرسة.
كما ألف كتابه المثير للجدل “معراج الصعود إلى نيل حكم مجلوب السود”، وهو رسالة في الرق والاسترقاق. يتناول فيه قضية كانت حساسة جداً في مراكش، وهي استعباد السود الأفارقة. وكان كثير من فقهاء مراكش يبررون استرقاق أي أسود قادم من بلاد السودان بحجة الكفر. فجاء أحمد بابا ليضع قاعدة فقهية صارمة: الأصل في المسلم الحرية، ولا يجوز استرقاق مسلم، وأهل تمبكتو وجني وكانو وبرنو كلهم مسلمون، وبالتالي لا يجوز استرقاقهم. كانت فتوى ثورية في سياقها، لأنها كانت تضرب في صميم اقتصاد الرق الذي كان يغذي قصور مراكش. ولهذا السبب، لم يكن كتابه مجرد بحث فقهي، بل كان مقاومة قانونية بالحبر.
يصف جبي كيف بدأت مكانة أحمد بابا تتغير في مراكش. في البداية كان منبوذاً، ثم أصبح فضولياً يزار، ثم أصبح أستاذاً. كان طلاب مراكش يأتون إليه خفية، ثم علانية، ليأخذوا عنه. كانوا مبهورين بطريقته في التدريس، التي تجمع بين فقهاء تمبكتو و المشارقة. وبدأت حلقته تكبر في جامع بن يوسف، حتى أصبح من كبار علماء مراكش رغم أنفه. والمفارقة الكبرى التي يلتقطها جبي هي أن السلطان الذي أراد كسر شوكة تمبكتو، انتهى به الأمر إلى استيراد جامعتها كاملة في شخص رجل واحد. فمراكش التي أرادت أن تثبت تفوقها على السودان، وجدت نفسها تتعلم على يد سوداني.
لم يكن المنفى سهلاً. عاش أحمد بابا في مراكش أربعة عشر عاماً، من 1594 إلى 1608. ماتت زوجته، ومات بعض أبنائه، وبقي هو غريباً يتكلم بلهجة أهل تمبكتو التي كان المغاربة يسخرون منها. لكنه لم ينكسر. كان يرفض كل عروض السلطان لتولي منصب قاضٍ أو إمام، لأنه كان يعتبر أن قبول المنصب يعني الاعتراف بشرعية الاحتلال. كان يقول: “لا أجلس مجلساً اغتصب أهله”. وهذا الموقف الأخلاقي هو ما جعله، في نظر جبي، نموذجاً للمثقف المقاوم، ليس بالسلاح، بل بالامتناع عن التوقيع، بالحفاظ على استقلالية القلم.
عندما دخل أحمد بابا التنبكتي تمبكتو عام 1608، لم يكن عائداً إلى بيته، بل إلى أطلال بيته. هذه هي الصورة التي يرسمها شاميل جبي في الفصل الرابع، وهي صورة بعيدة تماماً عن الرومانسية التي قد يتخيلها قارئ يظن أن العودة هي نهاية سعيدة. تمبكتو التي تركها عام 1594 كانت عاصمة إمبراطورية صنغاي المهيبة، مدينة آمنة، مزدهرة، يأتيها الذهب من الجنوب والملح من الشمال والكتب من كل مكان. أما تمبكتو التي وجدها عام 1608، فكانت مدينة محتلة، يحكمها باشوات مغاربة لا يعرفون لغتها، وجنود أرما، وهم خليط من المرتزقة المغاربة والأوروبيين، يعيشون في قلعة منفصلة عن السكان، يفرضون الضرائب ويقطعون الطرق.
كان المشهد الاجتماعي قد تغير بالكامل. الأسر العلمية الكبرى، مثل أسرة آقِت نفسها، تفرقت. بعضها قتل، وبعضها هرب إلى جني وكانو وبرنو، وبعضها بقي لكنه فقد مكتباته. يروي جبي أن أحمد بابا لم يجد مكتبته التي تركها، تلك التي كانت تضم ألفاً وستمائة مجلد، فقد نُهبت وبيعت في أسواق فاس ومراكش. ولم يجد كثيراً من شيوخه وتلاميذه. كانت المساجد لا تزال قائمة، مسجد سانكوري ومسجد جينغارابير، لكن حلقات العلم فيها أصبحت أصغر، وأكثر حذراً، لأن أي تجمع يمكن أن يُفسر كتمرد على سلطة الباشا.
في هذا الفراغ، لم يعد أحمد بابا إلى التدريس كشاب متحمس، بل عاد كشيخ مرجعية، كقاضٍ ضمني، كمفتٍ لا يستطيع أحد تجاهله. كان عمره اثنين وخمسين عاماً، وكان قد قضى أربعة عشر عاماً في مراكش، أصبح خلالها اسماً معروفاً في كل أنحاء المغرب الإسلامي. وعندما عاد، كان يحمل معه ما لم يكن يحمله أي عالم في تمبكتو: إجازات من علماء مراكش وفاس، ومخطوطات كتبها هناك، وسمعة كرجل قاوم السلطان ولم ينكسر. وهكذا، دون أن يسعى، وجد نفسه زعيماً روحياً لمدينة مهزومة.
يصف جبي كيف مارس أحمد بابا سلطته الجديدة. لم يحمل سلاحاً، ولم يدعُ إلى ثورة مسلحة، لأنه كان يعرف أن ميزان القوى لا يسمح. لكنه مارس ما يمكن تسميته بالمقاومة الفقهية. كان يفتي للناس في مسائلهم اليومية، وكان يرفض أن يزور الباشا في قصره، وكان يصر على أن يأتي الباشا إليه إذا أراد فتوى. وكان يعيد بناء ما يمكن بناؤه من الشبكة التعليمية. فتح حلقته في بيته، ثم في المسجد، وبدأ الطلاب يعودون إليه، ليس من تمبكتو فقط، بل من المناطق المجاورة. كان يعلمهم الفقه، لكنه كان يعلمهم أيضاً كيف يحفظون الكتب، كيف يخبئونها، كيف يوقفونها حتى لا تُنهب مرة أخرى. فالدرس الكبير الذي تعلمه في المنفى هو أن الكتاب لا يبقى إذا بقي في مكتبة واحدة كبيرة، بل يبقى إذا تفرق في بيوت كثيرة.
في هذه السنوات الأخيرة، كتب أحمد بابا وصنف وراجع. كان يكتب بسرعة محمومة، كأنه يشعر أن الوقت قصير. ألف كتباً في الفقه واللغة والتصوف، لكن أهم ما كتبه في هذه الفترة هو ما يمكن تسميته بمدونة للذاكرة. كان يكتب تراجم لشيوخه الذين ماتوا في المنفى أو في تمبكتو، يحفظ أسماءهم وتواريخهم وكتبهم، حتى لا ينسوا. كان يدرك أن الاحتلال لا يقتل الناس فقط، بل يقتل الذاكرة، وأن مهمة العالم في زمن الهزيمة هي أن يكون أرشيفاً حياً. وهنا يربط جبي بين سيرة أحمد بابا وقصة المخطوطات التي نراها اليوم. فكثير من المخطوطات التي أنقذت عام 2012 كانت تحمل إجازات بخط أحمد بابا أو بخط تلاميذه، أي أن سلسلة الحفظ التي بدأها في القرن السابع عشر هي نفسها التي استمرت حتى القرن الحادي والعشرين.
أحمد بابا، الذي دافع عن حرية المسلمين في كتابه عن الرق، وجد نفسه في تمبكتو يدافع عن حرية المدينة نفسها. كان الباشوات يفرضون ضرائب باهظة، وكانوا يستولون على القوافل، وكانوا يتدخلون في شؤون القضاء. وكان أحمد بابا يتصدى لهم بالحجة الشرعية، يقول لهم: هذا لا يجوز، هذا ظلم، هذا مخالف للمذهب المالكي. وكانوا أحياناً يستمعون إليه، لأنهم كانوا يحتاجون إلى شرعيته، وأحياناً يتجاهلونه. لكنه لم يتوقف. كان يمثل آخر ما تبقى من سلطة معنوية لصنغاي المنهارة.
يروي جبي أيضاً الجانب الإنساني المنسي. أحمد بابا في سنواته الأخيرة لم يكن أسطورة، بل كان رجلاً مسناً متعباً، فقد بصره جزئياً من كثرة النسخ، وكان يشكو من آلام المفاصل، وكان يعيش في بيت متواضع بعد أن فقد ثروة أسرته. كان يحيط به عدد قليل من التلاميذ الأوفياء، وكان يقضي أيامه بين الصلاة والتدريس والكتابة. لم يتزوج مرة أخرى بعد وفاة زوجته في المنفى، وعاش زاهداً. هذه الصورة الإنسانية هي التي تجعل منه بطلاً تراجيدياً، لا بطلاً خارقاً.
توفي أحمد بابا عام 1627، عن عمر يناهز واحداً وسبعين عاماً، في نفس المدينة التي ولد فيها، لكنها مدينة مختلفة تماماً. دفن في مقبرة العلماء في تمبكتو، وقبره لا يزال معروفاً حتى اليوم، يزوره الناس للتبرك. لكن الأهم من قبره هو ما تركه من كتب. فبعد وفاته، تفرقت كتبه مرة أخرى، بعضها بقي في تمبكتو، وبعضها ذهب إلى فاس، وبعضها إلى شنقيط، وبعضها إلى كانو. وهذه التفرقة هي التي ستخلق الظاهرة التي سيدرسها جبي في الفصل التالي: صعود شنقيط كمركز جديد للكتاب في الصحراء، بعد أفول نجم تمبكتو.
إذا كانت تمبكتو قد سقطت كعاصمة سياسية عام 1591، فإنها لم تسقط كفكرة، بل هاجرت. هذه هي الأطروحة المركزية التي يبني عليها شاميل جبي فصله الخامس، وهو فصل ينتقل فيه جغرافياً من ضفة النيجر إلى قلب صحراء موريتانيا، إلى مدينة شنقيط. والاسم وحده يحمل دلالة كبرى، فشنقيط لم تكن مجرد مدينة، بل أصبحت اسماً يطلق على بلاد بأكملها، بلاد شنقيط، أي موريتانيا الحالية، كما أن الحجاج القادمين من غرب أفريقيا إلى مكة كانوا يسمون “الشناقطة” حتى لو كانوا من تمبكتو أو كانو، لأن شنقيط أصبحت هي الميناء الثقافي الذي يمر عبره الجميع.
يبدأ جبي هذا الفصل بسؤال : أين ذهبت مكتبات تمبكتو بعد الاحتلال المغربي؟ جزء منها نُهب إلى مراكش وفاس، وجزء منها بقي مدفوناً في البيوت، لكن جزءاً ثالثاً، وهو الأهم، هاجر مع العلماء الذين فروا من القمع. هؤلاء العلماء لم يذهبوا جنوباً إلى أدغال لا يعرفونها، بل ذهبوا شمالاً وغرباً، إلى حيث توجد شبكات قرابة وقبيلة تحميهم، إلى ولاتة وتيشيت ووادان وشنقيط. وهكذا، بينما كانت تمبكتو تنزف علماءها، كانت واحات آدرار في موريتانيا تستقبلهم وتتحول تدريجياً إلى مراكز جديدة للكتاب.
شنقيط التي يتحدث عنها جبي ليست المدينة السياحية التي يزورها اليوم بعض المغامرين لالتقاط صور لمكتباتها الطينية، بل هي ظاهرة تاريخية عمرها أربعة قرون. تأسست كمركز تجاري في القرن الثالث عشر، لكنها ازدهرت حقاً في القرن السابع عشر، أي مباشرة بعد سقوط صنغاي. والسبب ليس صدفة. فمع انهيار الأمن على طريق النيجر، تحولت طرق القوافل، وأصبح الطريق الغربي، طريق الحج من غرب أفريقيا عبر موريتانيا إلى المغرب ثم إلى مكة، أكثر أماناً. ومع القوافل التجارية، كانت تسافر القوافل العلمية. كان الطالب الشنقيطي يسافر إلى فاس ليدرس، ثم يعود بمكتبة صغيرة على ظهر جمله، وكان العالم التمبكتي المهاجر يستقر في شنقيط ويفتح حلقة علم.
ما يميز شنقيط، هو أنها طورت اقتصاداً للكتاب مختلفاً عن تمبكتو. في تمبكتو، كان الكتاب مرتبطاً بدولة غنية وإمبراطورية مزدهرة. أما في شنقيط، فكان مرتبطاً بالقبيلة والمحظرة. المحظرة هي المدرسة الصحراوية المتنقلة، خيمة كبيرة يجلس فيها الشيخ وتلاميذه، يتنقلون مع الماشية، لكنهم يحملون معهم مكتبة متنقلة من عشرات المخطوطات. والمحظرة ليست مجرد مدرسة، بل هي نظام اجتماعي كامل. الطالب يخدم شيخه سنوات، يرعى غنمه، وينسخ كتبه، وفي المقابل يحفظ المتون ويأخذ الإجازات. وهكذا فإن نسخ الكتاب كان جزءاً من التربية، وليس مهنة منفصلة.
يصف جبي بتفصيل كيف كانت صناعة الكتاب في شنقيط عملاً عائلياً وقبلياً. الورق كان يأتي من المغرب، لكنه كان غالياً جداً، ولذلك كان الشناقطة يكتبون بخط دقيق جداً، صغير جداً، ليوفروا الورق، حتى أن الصفحة الواحدة قد تحتوي على نصين، واحد في المتن وآخر في الحاشية بخط أدق. وكان الحبر يصنع من صمغ الطلح والفحم، وكان القلم من سعف النخيل. أما التجليد فكان من جلد الماعز المدبوغ بطريقة صحراوية خاصة، وكانوا يضعون فيه تعويذات وأدعية لحفظ الكتاب من الأرضة ومن النهب. فالكتاب في الصحراء ليس مجرد وعاء للمعلومات، بل هو كائن يحتاج إلى حماية روحية ومادية.
اللافت في رواية جبي أن شنقيط لم تكن مدينة معزولة، بل كانت عقدة في شبكة عالمية. يوثق كيف كانت مكتبات شنقيط تحتوي على كتب من الأندلس مطبوعة في البندقية، وكتب من القاهرة، وكتب من تمبكتو نفسها، وكتب مؤلفة محلياً في الفقه واللغة والفلك. فعلماء شنقيط لم يكونوا مجرد نُساخ، بل كانوا مؤلفين كباراً. ألفوا في النحو واللغة حتى أصبحت كتبهم تدرس في الأزهر، وألفوا في الفقه المالكي حتى أصبحت فتاواهم مرجعاً في فاس، وألفوا في علم الأنساب والفلك، لأن الفلك كان ضرورياً لتحديد القبلة ومواقيت الصلاة في الصحراء بلا معالم.
وهنا يلتقط جبي لحظة : كيف تحولت شنقيط من مدينة على الهامش إلى مركز يهدد المركز نفسه. ففي القرن الثامن عشر والتاسع عشر، أصبح الشناقطة هم أساتذة الحرمين. كانوا يذهبون إلى مكة والمدينة، ويجلسون للتدريس، فيأتي إليهم علماء من كل العالم الإسلامي ليتعلموا اللغة العربية على أصولها، لأن الشناقطة كانوا يحافظون على لغة بدوية فصيحة لم تتلوث بعامية المدن. وهكذا انقلبت الآية، فبدلاً من أن تكون شنقيط هامشاً يتلقى العلم من فاس والقاهرة، أصبحت مركزاً يصدر العلم إليهما.
يصف جبي مكتبة ، هي مكتبة أهل حبت في شنقيط، التي لا تزال قائمة حتى اليوم، والتي زارها بنفسه. يصف الغرفة الطينية، والرفوف الخشبية، والمخطوطات المرصوصة بلا ترتيب ظاهري، لكن صاحب المكتبة يعرف كل واحد منها. يصف كيف أخرج له صاحب المكتبة مخطوطاً لابن مالك وعليه حواشي بخط أحمد بابا التنبكتي نفسه، انتقل من تمبكتو إلى شنقيط عبر القرون، وكيف أن هذا المخطوط هو الدليل المادي على أن الكتاب هاجر. فشنقيط ليست نقيض تمبكتو، بل هي استمرارها، هي تمبكتو الجديدة التي ولدت عندما احتاج الكتاب إلى صحراء أكثر أماناً.
إذا كانت شنقيط هي البيت الجديد الذي هاجر إليه الكتاب بعد سقوط تمبكتو، فإن الطريقة الكنتية هي الطريق نفسه، هي الخريطة التي رسمت هجرة الكتاب عبر الصحراء. يخصص شاميل جبي فصله السادس لواحدة من أكثر الظواهر إثارة وغموضاً في تاريخ غرب أفريقيا الإسلامي، وهي ظهور عائلة كنتة كإمبراطورية معرفية وصوفية بلا جيش ولا حدود، امتدت من واحات توات في جنوب الجزائر الحالي، إلى تمبكتو، ثم إلى ما وراءها حتى حدود غابة السافانا، وسيطرت لقرنين على تجارة الملح والكتب والبركة الروحية.
تبدأ القصة في توات، وهي مجموعة واحات في الصحراء الجزائرية كانت لقرون مركزاً يهودياً وإسلامياً للتجارة. هناك نشأت أسرة كنتة، وهي أسرة عربية تدعي النسب إلى عقبة بن نافع، لكنها في الواقع بربرية مستعربة، تحولت تدريجياً من التجارة إلى العلم ثم إلى التصوف. والتحول هنا ليس صدفة. ففي الصحراء، التاجر الذي يعبر المسافات الطويلة يحتاج إلى حماية، والحماية لا تأتي من السلطان البعيد، بل من البركة. والبركة تأتي من العلم ومن الولاية. وهكذا فإن أسرة كنتة التي كانت تملك قوافل الملح، بدأت تملك أيضاً قوافل الإجازات العلمية، وأصبح شيخها لا يبيع الملح فقط، بل يبيع الدعاء، ويبيع الكتاب، ويبيع الوساطة بين القبائل المتحاربة.
يروي جبي كيف انتقلت كنتة من توات إلى تمبكتو في القرن الثامن عشر، ليس كغزاة، بل كوسطاء. كانت تمبكتو في ذلك الوقت قد ضعفت، يحكمها باشوات أرما المتحاربون، وتحتاج إلى سلطة أخلاقية فوق سلطة السلاح. فجاء الكنتيون، وعلى رأسهم الشيخ سيدي المختار الكنتي، الذي ولد عام 1729 ومات عام 1811، ليملأوا هذا الفراغ. لم يكن سيدي المختار فقيهاً عادياً، بل كان مؤسس طريقة صوفية، القادرية الكنتية، جمعت بين التصوف الشعبي القائم على الكرامات والأذكار، وبين التصوف العالِم القائم على الفقه واللغة. وكان سلاحه الأساسي هو الكتابة. ألف أكثر من ثلاثمائة كتاب ورسالة، بعضها في مجلدات ضخمة، وبعضها في وريقات صغيرة يرسلها إلى تلاميذه في القبائل.
هنا يتوقف جبي ليحلل ظاهرة “الكتاب الكنتي”. فالكنتيون لم يكونوا يكتبون للعلماء فقط، بل كانوا يكتبون للرعاة، للتجار، للنساء، للعبيد. كانوا يكتبون رسائل قصيرة بلغة بسيطة، تشرح كيف تصلي، كيف تتعامل مع جارك، كيف تحل نزاعاً على بئر ماء، وكانوا يختمونها دائماً بذكر صوفي أو دعاء. وهذه الرسائل كانت تُنسخ وتُوزع عبر شبكة من المريدين، تشبه إلى حد كبير شبكة توزيع الكتب في العصور الحديثة. فكل تلميذ للطريقة كان عليه أن ينسخ كتاباً لشيخه قبل أن يأخذ الإجازة. وهكذا تكاثرت كتب كنتة بشكل هائل، حتى أصبحت اليوم تشكل نسبة كبيرة من المخطوطات المحفوظة في تمبكتو وشنقيط.
القضية الأكثر إثارة التي يعالجها جبي في هذا الفصل هي قضية التبغ. وهي قضية قد تبدو هامشية، لكنها تكشف كيف كان الكتاب ساحة للصراع السياسي والاقتصادي. في القرن السابع عشر، وصل التبغ إلى الصحراء قادماً من الأمريكتين عبر الموانئ المغربية، وأصبح سلعة رائجة، يدخنه الناس ويستنشقونه. فانقسم العلماء: هل التبغ حرام أم مباح؟ سيدي المختار الكنتي، الذي كان يدخن بنفسه، كتب رسالة يدافع فيها عن التبغ، يقول إنه منشط للعبادة ويساعد على السهر لقيام الليل. بينما كتب علماء آخرون، خاصة من المدرسة الفقهية في فاس، رسائل تحرم التبغ وتعتبره مسكراً ومفسداً. وتحولت المسألة إلى حرب كتب. كل فريق يكتب رسالة ويرد عليه الآخر برسالة، وتنتقل الرسائل عبر الصحراء، وتُقرأ في المحاظر والمساجد، ويُفتى على أساسها في الأسواق.
يستخدم جبي قضية التبغ ليقول شيئاً أكبر: إن الفقه في الصحراء لم يكن نصاً جامداً، بل كان سوقاً مفتوحاً للأفكار، يتأثر بالتجارة والسياسة والمزاج الشعبي. وإن علماء كنتة نجحوا لأنهم كانوا مرنين، كانوا يفهمون أن الفقيه الصحراوي لا يمكن أن يحرم سلعة يتعاطاها الناس كل يوم، بل عليه أن يجد لها تأصيلاً شرعياً. وهذا ما جعل طريقتهم تنتشر بسرعة، لأنها كانت تقدم إسلاماً يتعايش مع الصحراء، لا إسلاماً يصطدم بها.
ثم ينتقل جبي إلى الجغرافيا. فشبكة كنتة لم تتوقف عند تمبكتو، بل امتدت جنوباً إلى ماسينا وإلى منطقة الفولاني، حيث أسس تلاميذ كنتة إمارات إسلامية جديدة في القرن التاسع عشر، مثل إمارة أحمدو لوبو في ماسينا، وإمارة الحاج عمر الفوتي. كان الكنتيون هم المستشارون، هم القضاة، هم كتاب الدواوين، هم من يكتبون الرسائل الدبلوماسية للسلاطين الجدد. وهكذا فإن الكتاب الصحراوي الذي بدأ في توات، انتقل عبر تمبكتو ليؤسس دولاً جديدة في السافانا. هذه هي اللحظة التي يتحول فيها تاريخ الكتاب من تاريخ نخبوي إلى تاريخ تأسيسي للدولة الحديثة في غرب أفريقيا.
في كل مدينة لها تاريخ كتاب، هناك رجل يأتي في اللحظة الأخيرة، حين يبدأ كل شيء في الانهيار، ليجمع ما تفرق، ليحفظ ما كاد يضيع، ليحول بيته إلى سفينة نوح للورق. في تمبكتو، كان هذا الرجل هو أحمد بولعراف، أو كما ينطقها أهل المدينة، أحمد بولعـراف، وهو الاسم الذي يخصص له شاميل جبي فصله السابع، ليس كترجمة لرجل واحد، بل كدراسة لظاهرة الجمع نفسها، لسيكولوجية الجامع في مجتمع يقدس الكتاب حد الهوس.
من هو أحمد بولعراف؟ ليس فقيهاً كبيراً كأحمد بابا، ولا شيخ طريقة كسيدي المختار الكنتي، ولا تاجراً ثرياً كتجار شنقيط. هو رجل عادي، ولد في تمبكتو في أواخر القرن التاسع عشر، في أسرة متوسطة كانت تملك مكتبة صغيرة، وتعلم في الكتّاب ثم في حلقات المساجد، لكنه لم يكمل دراسته العليا في فاس أو في الأزهر، بل بقي في تمبكتو. عمل كاتباً لدى الإدارة الاستعمارية الفرنسية لفترة، ثم كمدرس، ثم كموظف بسيط في بلدية المدينة. لكن هوايته الحقيقية، التي تحولت إلى رسالة حياة، كانت جمع المخطوطات.
يروي جبي كيف بدأ بولعراف مشروعه في وقت كانت فيه تمبكتو تعيش أسوأ فتراتها. الاستعمار الفرنسي دخل المدينة عام 1893، وبنى قلاعه، وفرض ضرائبه، وحاول أن يمحي كل ما هو عربي إسلامي لصالح “الحداثة” الفرنسية. كانت الأسر العلمية قد ضعفت، وكان كثير من الشباب يهاجرون إلى باماكو أو إلى ساحل العاج بحثاً عن عمل، وكان كثير من المكتبات يُباع ورقها بالكيلو لتجار الملح الذين يستخدمونه لتغليف بضاعتهم، أو يُترك ليأكله النمل الأبيض في الغرف الطينية المهجورة. في هذا الجو من اللامبالاة الرسمية والفقر الشعبي، كان بولعراف يطوف على البيوت، باباً باباً، يسأل عن الكتب القديمة، يشتريها بثمن بخس أحياناً، ويأخذها مجاناً أحياناً أخرى عندما يرى أصحابها أنها مجرد خردة لا فائدة منها.
لم يكن بولعراف غنياً، لكنه كان يملك شيئين لا يملكهما غيره: ذاكرة خارقة بأسماء الكتب ومؤلفيها، وقدرة عجيبة على الإقناع. كان يعرف أن هذه الأسرة تملك نسخة من “مختصر خليل” عليها حواشي بخط أحمد بابا، وأن تلك الأسرة تملك ديوان شعر لفقيه شنقيطي من القرن الثامن عشر، وأن بيتاً ثالثاً يخبئ مخطوطاً في علم الفلك مكتوباً على جلد غزال. كان يحفظ خريطة مكتبات المدينة في رأسه، كما يحفظ البدوي خريطة الآبار في الصحراء. وكان يقنع الناس بأن بيع الكتاب له أفضل من تركه للضياع، وأنه سيحفظه ويعتني به، وأنه لن يخرجه من تمبكتو.
وهكذا، على مدى أربعين عاماً، من عشرينيات القرن العشرين حتى وفاته في الستينيات، جمع أحمد بولعراف ما يقارب ثلاثة آلاف مخطوط، وضعها في بيته الطيني الصغير في حي سانكوري، في غرف لا تصلها الشمس، رصها فوق بعضها، بعضها مجلد وبعضها بلا غلاف، بعضها كامل وبعضها ناقص، لكنها كلها تشكل ما يمكن تسميته اليوم بأرشيف تمبكتو الشعبي. لم يكن أرشيفاً منظماً بمعايير الأرشيف الوطني الفرنسي، لم يكن مفهرساً ولا مرقماً، لكنه كان أرشيفاً حياً، يعرف كل مخطوط فيه بقصته، من أين جاء، من نسخه، من قرأه، كم مرة بيع.
ما يميز قصة بولعراف، كما يبرزها جبي، هو أنها تكشف عن تحول في مفهوم الملكية. فالمخطوط في تمبكتو التقليدية كان وقفاً عائلياً، لا يباع ولا يشترى إلا في حالات الضرورة القصوى. لكن بولعراف حوله إلى سلعة ثقافية، لكنها سلعة لا تخرج من المدينة. كان يشتري ليحفظ، لا ليتاجر. وكان يرفض كل العروض التي جاءته من تجار آثار فرنسيين وأمريكيين لشراء مكتبته بمبالغ كبيرة. كان يقول: “هذه كتب تمبكتو، يجب أن تبقى في تمبكتو”. وهذه الجملة البسيطة هي التي جعلته بطلاً قومياً في نظر كثير من الماليين اليوم، بعد أن كانت السلطات الاستعمارية تنظر إليه كمجرد هاوٍ غريب الأطوار.
يخصص جبي جزءاً كبيراً من هذا الفصل لوصف علاقة بولعراف بالسلطة الاستعمارية. فالفرنسيون، الذين كانوا في البداية غير مهتمين بالمخطوطات، بدأوا في الثلاثينيات والأربعينيات يهتمون بها كجزء من مشروعهم لدراسة “الإسلام الأسود”، أي الإسلام الأفريقي الذي كانوا يرونه إسلاماً منحرفاً يجب إصلاحه. فجاء بعض الضباط والباحثين الفرنسيين إلى بولعراف، يطلبون منه أن يطلعهم على مكتبته، أن يبيعهم بعضها، أن يسمح لهم بتصويرها. وكان بولعراف يتعامل معهم بحذر شديد، يعطيهم القليل ويخفي الكثير، لأنه كان يخشى أن يأخذوا الكتب إلى باريس ولا تعود. وكان محقاً، فكثير من مخطوطات تمبكتو التي أخذت في تلك الفترة موجودة اليوم في المكتبة الوطنية الفرنسية، ولا تستطيع مالي استعادتها.
اللحظة الأكثر درامية في حياة بولعراف جاءت مع الاستقلال عام 1960. فقد جاءت الدولة المالية الجديدة، برئاسة موديبو كيتا الاشتراكي، تبحث عن تراث وطني يثبت أن مالي كانت دولة عظيمة قبل الاستعمار. ووجدت في مكتبة بولعراف كنزاً قومياً. فعرضت عليه أن تشتري مكتبته لتصبح نواة لمركز أحمد بابا للتوثيق والبحوث، وهو المركز الذي أسسته الحكومة بمساعدة اليونسكو. وهنا وقع بولعراف في مأزق أخلاقي. كان يريد أن تحفظ كتبه، لكنه كان يخشى أن تذهب إلى الدولة التي لا يثق في قدرتها على الحفظ، والتي قد تستخدم الكتب لأغراض سياسية. وبعد مفاوضات طويلة، وافق على بيع جزء من مكتبته، لكنه احتفظ بجزء آخر في بيته، وهو الجزء الذي لا يزال أحفاده يحتفظون به حتى اليوم.
لسنوات طويلة، ساد الاعتقاد الاستشراقي بأن الثقافة الإسلامية في أفريقيا ظلت ثقافة مخطوط حتى وقت متأخر جداً، وأن الطباعة وصلت متأخرة لأن المسلمين كانوا يرفضونها بدعوى أنها تدنس قدسية الحرف القرآني. جبي ينسف هذه الأسطورة من أساسها. فالمخطوط لم يبقَ لأنه مقدس، بل بقي لأنه كان نظاماً اقتصادياً واجتماعياً متكاملاً. فالنساخ والمجلدون وبائعو الورق والحبر والمدرسون الذين يصححون النسخ، كل هؤلاء كانوا يشكلون طبقة اجتماعية تعيش من المخطوط. ولو جاءت الطباعة فجأة، لقطعت أرزاقهم. ولذلك فإن تأخر الطباعة لم يكن رفضاً دينياً بقدر ما كان مقاومة اقتصادية، تماماً كما قاوم نساخ أوروبا في القرن الخامس عشر آلة غوتنبرغ.
يروي جبي كيف دخل الكتاب المطبوع إلى الصحراء لأول مرة في أواخر القرن التاسع عشر، ليس عبر تمبكتو، بل عبر الحج. فالحاج الشنقيطي أو التمبكتي الذي يذهب إلى مكة والقاهرة، يعود ومعه مطبوعات حجرية من “الرسالة” لابن أبي زيد أو “مختصر خليل”، مطبوعة في مطبعة بولاق في القاهرة أو في مطبعة فاس الحجرية. وكان أول رد فعل هو الدهشة. كتاب نظيف، حروفه متساوية، لا يحتاج إلى نسخ، ثمنه أرخص من المخطوط. لكن الدهشة سرعان ما تحولت إلى ريبة. فالمطبوع، كما يقول أحد شيوخ شنقيط الذين ينقل عنهم جبي، “كتاب بلا سند”. فالمخطوط التقليدي كان يحمل في آخره سلسلة الإجازات، فلان قرأ على فلان عن فلان حتى المؤلف، أما المطبوع فلا يحمل إلا اسم المطبعة. فكيف نثق به؟ وكيف نعرف أن الناسخ، أو بالأحرى الطابع، لم يخطئ؟
هذه الريبة خلقت انقساماً في سوق الكتاب. فمنذ أوائل القرن العشرين، أصبح في تمبكتو نوعان من الكتب: مخطوط عتيق، ثمين، موثوق، يُحفظ في الصناديق، ومطبوع حديث، رخيص، مشكوك فيه، يُستخدم للتدريس اليومي. وكان الطلاب الفقراء يشترون المطبوع لأنه أرخص، بينما الأسر الغنية تحتفظ بالمخطوط لأنه أكثر بركة. وهكذا فإن الطباعة لم تقتل المخطوط، بل خلقت له هالة جديدة، هالة الأصالة. أصبح المخطوط رمزاً للعلم القديم، للمتصل، للسند، بينما أصبح المطبوع رمزاً للعلم الجديد، للمنقطع، للسريع.
يطرح جبي في خاتمته رقماً مذهلاً، هو خلاصة جهود باحثين أفارقة وأوروبيين على مدى عشرين عاماً لمحاولة إحصاء ما كُتب في منطقة الصحراء والساحل: ما لا يقل عن سبعين ألف عنوان مختلف، وهذا الرقم هو الحد الأدنى، ولا يشمل النصوص المكتوبة باللغات الأفريقية بحرف عربي، ما يسمى العجمي، وهي نصوص بدأت البحوث تهتم بها مؤخراً فقط. سبعون ألف كتاب مخطوط في منطقة يقال عنها إنها بلا كتابة. هذا الرقم وحده كفيل بهدم مكتبة كاملة من الكتب الاستعمارية التي قالت إن أفريقيا قارة شفهية. ويضيف جبي أن معظم هذه الكتب كُتب في القرن التاسع عشر، ليس لأن القرون السابقة كانت جاهلة، بل لأن القرن التاسع عشر كان قرن الاستقرار النسبي، قرن الإمارات الإسلامية الجديدة في ماسينا وسوكوتو، قرن المحاظر التي ازدهرت، قرن الطرق الصوفية التي شجعت الكتابة. أي أن ازدهار الكتاب مرتبط بالاستقرار السياسي، وهذه قاعدة تنطبق على كل مكان في العالم.
من كتاب
Writing Timbuktu :The Book in West African History, Shamil Jeppie




