صهاينة المستنقع: كيف صنع رعاة النوير يهوديتهم الخاصة على تخوم إثيوبيا

في أقصى الغرب الإثيوبي، حيث ينتهي الطريق الإسفلتي وتبدأ المستنقعات والسهول التي لا تعترف بخرائط الدول، تقع غامبيلا. مدينة حدودية متربة، رطبة، منسية في السردية الإثيوبية الرسمية، لكنها في كتاب الأنثروبولوجي الإسرائيلي يوتام غيدرون تتحول إلى مسرح عالمي. هناك، بين مجتمعات النوير التي نزحت وتوسعت من أراضيها في جنوب السودان نحو هوامش الدولة الإثيوبية الحديثة، ظهرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة ظاهرة تبدو للوهلة الأولى لغزاً لا يُفك: كنائس يسمي أتباعها أنفسهم “صهاينة”، ثم “يهود مسيانيين”، يحتفلون بالسبت لا بالأحد، ينفخون في الشوفار، يرفعون علم إسرائيل، يقرأون التوراة العبرية بترجمة إنجليزية مشوشة، ويؤمنون أن المسيح يهوشوا سيعود ليملك ألف عام من القدس.
كتاب “اليهودية المسيانية لدى النوير: الحقيقة والوساطة Nuer Messianic Judaism: Truth and Mediation in the Ethiopia-South Sudan Borderlands” الصادر هذا العام 2026 عن مطبعة جامعة كامبريدج ضمن سلسلة المكتبة الأفريقية الدولية، ليس مجرد مونوغرافيا إثنوغرافية أخرى عن المسيحية في أفريقيا. إنه كتاب يضع يده على: كيف نفهم التغيير الديني دون أن نحوله إلى رد فعل ميكانيكي على أزمة؟ وكيف نفهم بحث الناس عن الحقيقة في عالم يفيض بالأكاذيب والوساطات المزيفة؟
يوتام غيدرون، الباحث الذي أمضى سنوات طويلة متنقلاً بين غامبيلا و”نيولاند”، الحي شبه الحضري الذي بناه النوير على أطراف المدينة، لا يقدم لنا قصة تحول جماعي بسيط من الوثنية إلى المسيحية. ما يقدمه أكثر تعقيداً وإثارة. فالمسيحية وصلت إلى النوير منذ مطلع القرن العشرين مع المبشرين المشيخيين الأمريكيين في جنوب السودان، لكن القصة التي تهمه بدأت في السبعينيات حين اعتنق بعض النوير كنيسة الأدفنتست السبتيين، تلك الكنيسة الأمريكية التي تقدس السبت وتؤمن بقرب المجيء الثاني. ومن رحم الأدفنتست، وفي تسعينيات القرن الماضي تحديداً، انشقت جماعة صغيرة اتخذت اسم “كنيسة الله” ثم انقسمت مرة أخرى، لتعلن أنها ليست مسيحية بالمعنى المألوف بل هي “جماعة يهوا” أو “المقاطعة الصهيونية Zion District”. هؤلاء هم أبطال الكتاب.
الفكرة المحورية التي يبني عليها غيدرون عمله مستعارة من نقاش أنثروبولوجي أوسع حول الحداثة في أفريقيا، لكنه يقلبها ببراعة. كثير من الدراسات صورت الأفارقة في المدن الحدودية كضحايا لحداثة مزيفة، غارقين في الشعور بأنهم مخدوعون، يبحثون عن الأصيل وسط عالم من التقليد الرخيص والتعليم الزائف والأخبار الكاذبة. غيدرون لا ينكر وجود هذا القلق، بل يجعله نقطة الانطلاق. فشباب النوير في نيولاند، كما يروي في الفصل الثاني المدهش، يعيشون هاجساً يومياً من الخداع. يخافون أن تكون شهادتهم المدرسية مزورة، أن يكون الواعظ محتالاً، أن يكون الدواء مغشوشاً، أن تكون المدينة نفسها وعداً كاذباً بالحداثة. لكن بدلاً من أن يفسر تدينهم الجديد كـ”استجابة للأزمة”، وهو التفسير الكسول الذي يهيمن على دراسات التغيير الديني، يصر غيدرون على أن المسيانية اليهودية لدى النوير هي مشروع معرفي وأخلاقي إيجابي: هي طريقة لفرز الحقيقي من الزائف، وبناء وساطة روحية يثقون أنها غير ملوثة.
هنا يكمن العنوان الفرعي: الحقيقة والوساطة. فالمؤمنون في غامبيلا لا يبحثون فقط عن عقيدة جديدة، بل عن قناة اتصال نظيفة مع الإلهي. المبشرون الأوائل جلبوا الكتاب المقدس، لكن الترجمات المتعددة، والطوائف المتناحرة، والموسيقى الكنسية المستوردة، كلها أثارت سؤالاً واحداً: أين هي المؤسسة الإلهية الحقيقية وأين هي صناعة البشر؟ بالنسبة لهؤلاء المؤمنين، كل كنيسة تدعي أنها الكنيسة الحقيقية لأنها تعود مباشرة إلى الكتاب المقدس. لذلك أصبحت مسألة الأصل والأنساب المؤسسية، وتتبع التاريخ الكنسي وصولاً إلى القدس في القرن الأول، هوساً يومياً. أن تكون مسيانياً يهودياً يعني أنك رفضت الوساطات الكنسية الفاسدة وعدت إلى المصدر العبري الأصيل.
ويضيف غيدرون طبقة أخرى من التعقيد تجعل الكتاب فريداً في حقل الدراسات الأفريقية: موقعه هو كباحث. هو إسرائيلي، يهودي، يتحدث العبرية، جاء إلى مجتمع يقدس إسرائيل وشعب إسرائيل ولغة إسرائيل تقديساً شبه أسطوري. في غامبيلا، كان يُستقبل كـ”أخ” قادم من صهيون، يُسأل عن معنى كلمات عبرية، عن شكل الشوفار الحقيقي، عن هل يعرف الحاخامات. هذه الوضعية البينية، التي يخصص لها تأملاً منهجياً مؤثراً في الفصل الأول “عن اللقاءات”، لم تكن مجرد عقبة منهجية بل كانت مادة البحث نفسه. فاللقاء بين باحث يهودي علماني إلى حد كبير ومؤمنين نويّر يعتبرون أنفسهم ورثة إسرائيل الحقيقيين، يكشف هشاشة الحدود بين الباحث والمبحوث، وبين اليهودية والمسيحية، وبين أفريقيا وإسرائيل.
الكتاب إذن لا يتحدث عن طائفة غريبة في مكان ناءٍ. إنه يتحدث عن قلب المسيحية الإنجيلية المعاصرة. فخلال العقدين الماضيين، هيمنت دراسات المسيحية الخمسينية الكاريزماتية على فهم المسيحية الأفريقية، حتى باتت كلمة “مولود من جديد” مرادفة للخمسينية. غيدرون يذكرنا بأن هناك مساحة واسعة من البروتستانتية الإنجيلية غير الخمسينية، مثل الأدفنتست وكنيسة الله، التي ترفض الصخب والشفاء الروحي والازدهار المادي، وتركز بدلاً من ذلك على نقاء العقيدة، والدراسة الحرفية للكتاب، والأخرويات والمجيء الثاني. هؤلاء هم “الصهاينة” في غامبيلا. وهم يمثلون تياراً متنامياً في أفريقيا: مسيحيون صهاينة يرفضون ما يسمونه “لاهوت الاستبدال”، أي فكرة أن الكنيسة حلت محل إسرائيل، ويؤمنون أن عهد الله مع الشعب اليهودي لا يزال سارياً، وأن دعم دولة إسرائيل الحديثة واجب كتابي.
بهذا المعنى، فإن غامبيلا ليست استثناءً بل هي جزء من “الجبهة المسيانية الأفريقية” الممتدة من زيمبابوي حيث جماعة الليمبا التي تدعي النسب الهاروني، إلى نيجيريا حيث مجموعات الإيبو اليهودية، إلى غانا وأوغندا وكينيا. لكن غيدرون يقدم حجة تاريخية : في حالة النوير، لم تكن اليهودية المستوردة من الخارج، بل كانت نتيجة منطقية لمسار داخلي بدأه النقاش البروتستانتي حول الأصالة الكتابية. كلما تعمق المؤمنون في قراءة النص، اكتشفوا أن يسوع نفسه كان يهودياً يلتزم بالسبت والأعياد اليهودية، فتساءلوا: لماذا لا نفعل نحن مثله؟
لكي تفهم لماذا أصبح النوير يهوداً مسيانيين، عليك أولاً أن تفهم لماذا هجر النوير قريتهم ليأتوا إلى غامبيلا، ولماذا أصبحت غامبيلا نفسها، في مخيلتهم، رمزاً للزيف.
يوتام غيدرون لا يصف غامبيلا كخلفية جغرافية، بل كشخصية رئيسية في روايته. في الفصل الثالث والرابع، اللذين يشكلان قلب الكتاب النظري، يرسم صورة لمدينة حدودية نشأت بقرار إمبراطوري في عام 1907 كمرفأ نهري للبن الإثيوبي، ثم أُهملت لعقود، ثم أُعيد اختراعها بعد عام 1991 عندما قرر نظام الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية تحويلها إلى عاصمة إقليمية. الدولة الإثيوبية جاءت متأخرة وبقوة. بنت مباني إدارية ضخمة، وشوارع مسفلتة تنتهي فجأة في الوحل، ومدارس تمنح شهادات لا يعترف بها أحد، ووظائف وهمية في جهاز بيروقراطي يراه السكان المحليون كآلة لنهب موارد النوير لصالح “الهايلاندرز”، أي الإثيوبيين القادمين من المرتفعات الأمهرية والتغرينية.
النوير أنفسهم وصلوا إلى غامبيلا كمستوطنين جدد نسبياً. خلال الثمانينيات والتسعينيات، ومع الحرب الأهلية السودانية الثانية وانهيار الاشتراكية في إثيوبيا، بدأت هجرة هائلة للنوير من جنوب السودان نحو الأراضي المنخفضة في غامبيلا. غيدرون يسمي هذه الظاهرة “التوسع الاستيطاني النويري”، وهو لا يستخدم المصطلح اعتباطاً. فالنوير تاريخياً هم رعاة متوسعون، يبحثون عن مراعٍ جديدة وماء، لكن توسعهم هذه المرة لم يكن بحثاً عن عشب للماشية بل عن مدرسة، وعيادة، وسوق، واتصال بالعالم الحديث. كانوا يهربون من الحرب في السودان ومن المجاعة، لكنهم أيضاً كانوا يبحثون عن ما يسميه النوير “tek” أو التقدم. جاءوا ليجدوا أنفسهم في مدينة لا تريدهم.
هنا يولد ما يسميه غيدرون “الحداثة المزيفة”. في نيولاند، الحي الطيني الذي بناه النوير بأيديهم على حافة غامبيلا، كل شيء يبدو نسخة مقلدة. المنازل مبنية من الصفيح على طراز بيوت المدن، لكنها تغرق في كل موسم أمطار. الشباب يرتدون ملابس مستعملة مستوردة من أوروبا، لكنها لا تشبه الموضة التي يرونها في هواتفهم. المدارس موجودة، لكن المعلمين لا يحضرون، والشهادات تُباع وتُشترى. حتى الأدوية في الصيدليات يشتبه في أنها مغشوشة. في هذا الجو المشبع بالشك، تتكاثر الشائعات. شائعة أن الأمهرة يسممون مياه النوير، شائعة أن المنظمات غير الحكومية تسرق دماء الأطفال، شائعة أن حاكم الإقليم بنى قصره بأموال النفط. غيدرون لا يتعامل مع الشائعة كخرافة يجب تفنيدها، بل كبنية معرفية: الشائعة هي طريقة الناس لمحاولة تفسير عالم تبدو فيه كل الوساطات فاسدة.
وهنا يلتقي هم المدينة بهم الكنيسة. لأن الكنائس نفسها أصبحت في نظر شباب نيولاند جزءاً من سوق الزيف. فبعد أن انفجر عدد الطوائف في غامبيلا من خمس كنائس في الثمانينيات إلى أكثر من أربعين كنيسة في العقد الأول من الألفية، أصبح من الصعب التمييز بين الواعظ الحقيقي والدجال. كل كنيسة تدعي أنها تملك الحقيقة الكاملة، وكلها تستخدم نفس الآية: “حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم”. كيف تعرف من هو على حق؟ هذا هو السؤال الوجودي الذي ينهض عليه المشروع المسياني.
يعود غيدرون إلى مفهوم أساسي في فكر النوير: “كووث” أو “kuoth”. وهي كلمة تُرجمت خطأ لعقود في الأدبيات الأنثروبولوجية بأنها “روح” أو “إله”. إيفانز-بريتشارد، أول من درس النوير في الثلاثينيات، جعل منها مفهوماً لاهوتياً مجرداً. لكن غيدرون، مستنداً إلى عمل جونسون وهاتشينسون اللاحق وإلى بحثه الميداني، يعيد للكلمة معناها العملي: كووث هو حضور غير مرئي لكنه مؤثر، قوة، هواء، شيء ينتقل عبر الكلام والتنفس والنفخ. المفهوم الأقرب في العربية قد يكون “الروح” كـ”نفخة”، أو “الكلمة” كفعل خلاق. لذلك عندما يقول النويري “كلام الله” أو “ruac kuoth” فهو لا يعني نصاً جامداً بل قوة حية تنتقل.
المسيانية اليهودية تقدم إجابة لهذه المعضلة. فإذا كان كووث الحقيقي قد انتقل إلى الأنبياء في العهد القديم عبر كلمات عبرية دقيقة، عبر أسماء الله الحقيقية، عبر أعياد دقيقة التوقيت، فإن أي تحريف في الوساطة – ترجمة خاطئة، اسم خاطئ لله، يوم سبت خاطئ – يعني أنك لم تعد تتلقى كووث بل شيئاً مزيفاً. لذلك تراهم مهووسين بمسألة الاسم. هل اسم الإله الحقيقي هو God أو Jehovah أو Yahweh أو Yahovah؟ هل اسم المخلص هو Jesus أم Yeshua أم Yahshua أم Yahawashi؟ بالنسبة لنا قد يبدو هذا جدلاً لغوياً عقيماً، لكن بالنسبة لمؤمن في نيولاند، الاسم هو القناة. إذا ناديت باسم خاطئ، فأنت تتصل بخط مقطوع، أو أسوأ، تتصل بقوة شيطانية تتظاهر بأنها الله.
الفصل الخامس في الكتاب، ، يتتبع كيف تحولت الموسيقى إلى ساحة لهذه المعركة. فالنوير يحبون الغناء، وكنائسهم القديمة كانت تعتمد على الطبول والأغاني المرتجلة التي تروي تجارب شخصية. لكن المسيانيين الجدد منعوا الطبول تماماً. لماذا؟ لأن الطبول، كما يقول أحد القادة لغيدرون، “تجعل الجسد يتحرك قبل أن يفهم العقل”. هي تثير العاطفة، والعاطفة يمكن تزييفها بسهولة. الخمسينيون يبكون ويصرخون ويسقطون على الأرض، لكن هل هذا كووث حقيقي أم مجرد هيستيريا جماعية؟ المسيانيون اختاروا طريقاً معاكساً: الغناء بدون إيقاع، بصوت واحد، بقراءة مباشرة من المزامير العبرية. الصمت والبطء كعلامة على الأصالة.
وهكذا تتحول غامبيلا، بكل ضجيجها وأكاذيبها، إلى معمل لاختبار الحقيقة. المؤمنون لا يهربون من المدينة إلى الريف بحثاً عن نقاء متخيل، بل يبقون في قلبها ويبنون داخلها مساحة بديلة: مقاطعة صهيون. وهي ليست دولة ولا حياً، بل شبكة من المنازل والكنائس الصغيرة التي تطبق الشريعة اليهودية كما يفهمونها: لا تأكل لحم خنزير، لا تشرب دماً، لا تحلق لحيتك، احفظ السبت بدقة من غروب الجمعة إلى غروب السبت. هذه الحدود الجسدية اليومية هي التي تخلق شعوراً بالأصالة وسط محيط يرونه ملوثاً.
يتركك غيدرون مع مفارقة لافتة: هؤلاء الذين يتهمون الجميع بالتزييف، يتهمونهم الآخرون بأنهم أكبر مزيفين. فبقية النوير، سواء المشيخيون أو الخمسينيون أو حتى الأدفنتست الأم، ينظرون إلى المسيانيين كجماعة متطرفة اخترعت يهوديتها من الإنترنت، تشتري قبعات الكيباه من موقع علي إكسبرس وتتعلم العبرية من يوتيوب. اتهام الزيف متبادل، ودائري، ولا ينتهي. وهذا هو بالضبط ما يجعل دراسة غامبيلا مرآة لعالمنا جميعاً، حيث أصبحت الحقيقة ليست ما هو موجود، بل ما يمكن إثبات أن وساطته غير مزيفة.
إذا كانت غامبيلا قد علمت النوير الشك في كل شيء، فإن الكتاب المقدس نفسه، كما وُزع عليهم، علمهم كيف يحولون هذا الشك إلى منهج. هذه هي الأطروحة التاريخية المركزية في الدفعة الثالثة من كتاب غيدرون، وهي الدفعة التي تنتقل بالقارئ من جغرافيا المدينة إلى جينيالوجيا الإيمان.
يبدأ كل شيء، كما يوثق غيدرون ، بحدث لا علاقة له بالنوير على الإطلاق: انشقاق وقع في الكنيسة الأدفنتستية في أمريكا عام 1866. مجموعة صغيرة رفضت سلطة النبية إلين وايت وقالت إنها ستعود إلى الكتاب وحده، وأطلقت على نفسها اسم “كنيسة الله”. هذه الكنيسة الهامشية، التي لا يعرفها معظم الأمريكيين أنفسهم، كانت تؤمن بثلاثة مبادئ ستصبح لاحقاً وقوداً للثورة المسيانية في أفريقيا: أولاً، أن السبت هو يوم السبت اليهودي الحقيقي وليس الأحد؛ ثانياً، أن النفس لا تخلد بذاتها بل تنام حتى القيامة، وهو ما يلغي فكرة الجحيم الأبدي؛ وثالثاً، أن أعياد إسرائيل في العهد القديم لا تزال ملزمة. كنيسة الله ظلت طائفة صغيرة فقيرة في أوكلاهوما وتكساس، لكنها امتلكت شيئاً واحداً جعلها قابلة للتصدير: مجلة اسمها “منادي الحقيقة”.
في عام 1925، وصلت نسخة من تلك المجلة إلى ملاوي، ومن هناك إلى كينيا، ومن كينيا إلى أوغندا، ومن أوغندا عبر المبشرين الأوغنديين إلى غامبيلا في نهاية السبعينيات. المبشر الأوغندي الذي أدخلها إلى النوير كان اسمه “إلفرت”، رجل أسود نحيل كان يوزع منشورات مكتوبة بخط اليد عن ضرورة حفظ الفصح اليهودي. الأدفنتست في غامبيلا، الذين كانوا هم أنفسهم أقلية مضطهدة من قبل الكنائس المشيخية الكبرى، انقسموا. بعضهم قال: إذا كنا نحفظ السبت لأن الوصايا العشر تقول ذلك، فلماذا لا نلتزم الفصح أيضاً؟ وإذا كان الفصح، فلماذا لا نحتفل بعيد المظال؟
غيدرون يسمي هذا “منطق التطرف الكتابي”، وهو ليس حكم قيمة بل وصف لآلية. فالبروتستانتية الإنجيلية تقوم على مبدأ “الكتاب وحده”، لكن هذا المبدأ حين يُؤخذ بجدية مطلقة يتحول إلى ماكينة تفكيك. كل جيل يكتشف أن الجيل الذي قبله لم يطبق الكتاب حرفياً بما فيه الكفاية. هكذا خرجت كنيسة الله من الأدفنتست، ثم خرجت جماعة أصغر من كنيسة الله في التسعينيات وقالت: إذا كنا نحفظ أعياد اليهود، فلماذا لا نستخدم أسماءهم العبرية أيضاً؟ لماذا نقول God بينما النص الأصلي يقول يهوه؟ ولماذا نقول Jesus بينما الملاك قال اسمه يهوشوا؟
هنا يظهر بطلان غير متوقعان في القصة: الإنترنت والفيديوهات. ففي عام 2005 تقريباً، وصلت الكهرباء بشكل متقطع إلى نيولاند، ومعها مقاهي إنترنت بدائية تعمل بمولدات ديزل. الشباب النويري الذي كان يبحث عن معنى كلمة “يهوه” في قاموسه الإنجليزي القديم، اكتشف فجأة يوتيوب. وهناك وجد عالماً كاملاً لم يكن يعرف بوجوده: حاخامات مسيانيين أمريكيين بيض بلحى طويلة ينفخون في الشوفار في تكساس، وأفارقة أمريكيين من حركة “العبرانيين السود” يلبسون الطاليت، وإسرائيليين يرقصون رقصة الهورا في القدس. وجدوا تأكيداً بصرياً أن ما يفعلونه في كوخ طيني في غامبيلا يفعله أيضاً أناس في أمريكا وإسرائيل. لم يكونوا وحدهم.
لكن الأهم من الإنترنت كان تحول آخر يوثقه غيدرون بدقة: تحول النبوة من نص إلى خبر. فكنائس النوير كانت دائماً كنائس أخروية، تؤمن أن المسيح سيعود قريباً. الأدفنتست حسبوا تاريخ العودة وفشلوا، لكنهم تركوا إرثاً من حساب الأزمنة. المسيانيون الجدد أحيوا هذا الإرث لكنهم ربطوه بإسرائيل الحديثة. فقيام دولة إسرائيل عام 1948، وحرب 1967، وهجرة الفلاشا الإثيوبيين، وحتى الأخبار عن بقرة حمراء وُلدت في تكساس لتُذبح في الهيكل، كلها أصبحت علامات يقرأونها في صحيفة “أديس زمن” المحلية المترجمة ببطء. غيدرون يورد محادثة لا تُنسى مع أحد قادة “المقاطعة الصهيونية” الذي يفتح أمامه خريطة للعالم رسمها بيده، ويشير إلى خط يربط بين القدس وغامبيلا ونيولاند، ويقول: “نحن في الوسط. نحن الجسر. عندما يعود، سيمر من هنا”.
هذا الخط، الجسر، هو مفهوم الوساطة الذي يعطي الكتاب عنوانه. فالمسيانيون لا يريدون فقط أن يكونوا يهوداً، بل يريدون أن يكونوا وسطاء حقيقيين بين الله والعالم. وهم يعتقدون أن المسيحية الكبرى فشلت في هذه الوساطة لأنها قطعت صلتها بإسرائيل. لذلك هم يعيدون بناء الوساطة عبر ثلاثة أشياء ملموسة يخصص لها غيدرون فصولاً كاملة: الاسم، والدم، والزمن.
الاسم، كما أسلفنا، هو القناة الصوتية. الدم هو القناة الجسدية. فالنوير تاريخياً هم شعب رعاة، الماشية هي بنكهم وروحهم. في طقوسهم التقليدية، كان ذبح ثور والتضحية به هو الطريقة لإنهاء الصراع واستعادة السلام. المبشرون المشيخيون منعوا ذبح الماشية كذبيحة وقالوا إن دم المسيح كافٍ. لكن المسيانيين، بقراءتهم لسفر اللاويين، أعادوا اكتشاف الدم. ليس كذبيحة حيوانية، فهم لا يذبحون الثيران في الكنيسة، بل كقاعدة غذائية وأخلاقية: منع أكل الدم، منع أكل اللحم غير المذبوح بطريقة شرعية، منع الزنا لأنه خلط دماء. الدم عندهم ليس مجازاً بل مادة خطيرة إذا تلوثت. وهذا يلتقي مع قلقهم العام من التلوث في غامبيلا، حيث يخافون من دماء مختلطة، من أمراض، من أدوية فاسدة.
أما الزمن، فهو التقويم. الكنائس الأخرى تحتفل بعيد الميلاد في 25 ديسمبر، وهو تاريخ لا يوجد في الكتاب المقدس. المسيانيون يرفضونه تماماً ويحتفلون بدلاً منه بالأعياد اليهودية السبعة: الفصح، الفطير، الباكورة، الأسابيع، الأبواق، الكفارة، المظال. غيدرون يصف كيف يحاولون حساب هذه الأعياد بالقمر، في مدينة لا يوجد فيها تقويم عبري، فيضطرون للاتصال بأقاربهم في أمريكا عبر واتساب ليسألوهم: متى يبدأ القمر الجديد عندكم؟ التقويم يصبح شبكة اتصالات عابرة للقارات، وساطة زمنية تربط نيولاند بالقدس.
يصل غيدرون إلى استنتاج : اليهودية المسيانية لدى النوير ليست تقليداً للمسيحية الصهيونية الأمريكية، بل هي نقد لها. فالمسيحيون الصهاينة في أمريكا يدعمون إسرائيل لأسباب أخروية أنانية: يريدون أن يعود المسيح ليحول اليهود أو يهلكهم. أما النوير، فهم يريدون أن يصبحوا هم أنفسهم جزءاً من إسرائيل. ليسوا داعمين لإسرائيل، بل مدعين أنهم إسرائيل. وهنا تكمن قوتهم وضعفهم في آن واحد. قوتهم لأنهم يقلبون التسلسل الهرمي للتبشير: لم يعد الأبيض هو الذي يعلم الأسود، بل الأسود هو الذي يعيد تعليم الأبيض ما هي اليهودية الحقيقية. وضعفهم لأن ادعاءهم هذا يُرفض من الطرفين: من الكنائس الإثيوبية التي تراهم مهرطقين، ومن دولة إسرائيل التي لا تعترف بهم كيهود.
يبدأ يوتام غيدرون الفصل السادس من كتابه بمشهد يبدو هامشياً لكنه يختزل كل نظريته. في إحدى أمسيات نيولاند، يجلس مع شاب يدعى دوت، خريج ثانوية عاطل عن العمل، يحمل كتاباً مقدساً إنجليزياً كبيراً ممزق الغلاف. دوت لا يقرأ الكتاب، بل يمسحه. يمرر يده على الصفحات، يشمه، يضعه على جبهته، ثم يقول لغيدرون: “هذا الكتاب فيه قوة، لكن الترجمات كذبت عليه”. هذه الجملة، التي تبدو بسيطة، هي مفتاح ما سيأتي ، حيث ينتقل غيدرون من تاريخ الطوائف إلى أنثروبولوجيا الكتاب والجسد.
فالنوير المسيانيون، كما يلاحظ غيدرون، لا يتعاملون مع الكتاب المقدس كنص للقراءة فقط، بل كشيء مادي له وزن وحرارة ورائحة. وهذا ليس غريباً على النوير. ففي مجتمعهم التقليدي، لم تكن الحقيقة تُنقل عبر كلمات مجردة بل عبر أشياء: رمح يُغرس في الأرض لعقد السلام، ثور أبيض يُذبح لإنهاء الثأر، سوار نحاسي يُعطى كعهد. عندما جاء المبشرون، جلبوا معهم شيئاً جديداً: كتاب. كتاب لا يصدأ ولا يموت، يمكن حمله ونقله. بالنسبة لجيل الآباء، كان مجرد وجود الكتاب معجزة. أما بالنسبة لجيل الأبناء في نيولاند، الذين تعلموا القراءة والكتابة في مدارس الدولة، فقد تحول الكتاب من معجزة إلى مشكلة.
المشكلة هي الترجمات. في غامبيلا وحدها، يجد غيدرون خمس ترجمات مختلفة للكتاب المقدس بلغة النوير، وثلاث ترجمات إنجليزية متنافسة، وترجمة أمهرية رسمية تستخدمها الدولة. كل ترجمة تترجم اسم الله بطريقة مختلفة، وكلها تدعي أنها الأصح. الشباب المتعلمون، الذين تعلموا في المدرسة أن هناك إجابة واحدة صحيحة لكل سؤال، يصابون بدوار أمام هذا التعدد. هنا يأتي دور الإنترنت مرة أخرى، لكن ليس كمصدر معلومات، بل كمصدر شك إضافي. فعندما يبحث أحدهم عن “الاسم الحقيقي لله” يجد مئات المواقع، كلها تقدم إجابة مختلفة، وكلها تتهم الأخرى بأنها من عمل الشيطان.
غيدرون يقدم هنا مساهمته النظرية الأهم، وهي إعادة تعريف الوساطة. ففي النظرية الأنثروبولوجية الكلاسيكية، خصوصاً عند بيرجيت ماير التي درست المسيحية الخمسينية في غانا، يُنظر إلى الوساطة على أنها مشكلة يجب تجاوزها: كيف تصل إلى الله رغم وجود وسيط بشري فاسد؟ لكن غيدرون يقول العكس: بالنسبة للنوير المسيانيين، الوساطة ليست عقبة بل هي جوهر الدين. لا يمكنك الوصول إلى كووث بدون وسيط مادي: كلمة منطوقة، اسم صحيح، دم نقي، يوم مقدس. السؤال ليس كيف نتخلص من الوساطة، بل كيف نجد الوساطة غير الملوثة.
لذلك يولي المسيانيون اهتماماً هوسياً بالتفاصيل المادية التي تبدو للمراقب الخارجي تافهة. غيدرون يمضي صفحات طويلة في وصف نقاشات لا تنتهي حول كيفية ربط خيوط الطاليت، أو هل يجب النفخ في الشوفار من اليمين إلى اليسار أم العكس، أو هل يجوز استخدام ميكروفون في الكنيسة لأن الميكروفون يغير صوت كووث. هذه ليست طقوسية فارغة، بل هي مختبر يومي لاختبار الأصالة. فإذا كان الشيطان قادراً على تقليد كل شيء، كما يعتقدون، فإن الطريقة الوحيدة لكشفه هي في التفاصيل الدقيقة التي لا يمكن تقليدها إلا بصعوبة.
وهنا يدخل الجسد. ففي المسيحية الخمسينية، الجسد هو دليل الحقيقة: إذا سقطت على الأرض، إذا تكلمت بألسنة، إذا ارتجفت، فهذا يعني أن الروح القدس حل عليك. المسيانيون يرفضون هذا الدليل تماماً. بالنسبة لهم، الجسد المتحرك هو جسد مخدوع. الحقيقة تظهر في الجسد المنضبط، الصامت، الجالس لساعات يقرأ بصوت خافت، الصائم عن الطعام المختلط، اللحية التي لا تُحلق لأن اللاويين قالوا لا تحلقوا زوايا لحاكم. الجسد عندهم ليس مسرحاً للروح بل أرشيف للطاعة.
غيدرون يربط هذا بتحول أوسع في أفريقيا: من مسيحية العاطفة إلى مسيحية النص. ففي التسعينيات، كانت الكنائس الخمسينية تعد بالشفاء الفوري والثراء السريع، وكانت تجذب الناس لأنها تقدم حلاً سحرياً لمشاكل غامبيلا: البطالة والمرض والخوف. لكن بعد عقدين من الوعود غير المحققة، بدأ جيل جديد يبحث عن شيء آخر: ليس معجزة سريعة، بل نظام ثابت يمكن الوثوق به. اليهودية المسيانية تقدم هذا النظام: تقويم دقيق، قواعد طعام واضحة، أسماء محددة، أيام مقدسة لا تتغير. في عالم كل شيء فيه مزيف ومتغير، تصبح الشريعة ملاذاً.
لكن هذا الملاذ له ثمن باهظ، وهو ثمن يظهر في علاقات القوة داخل المجتمع. فالذين يملكون المعرفة بالنص العبري، والذين يملكون هواتف ذكية للوصول إلى يوتيوب، والذين يعرفون قليلاً من الإنجليزية، هم من يصبحون قادة. غيدرون يصف كيف تحولت الكنيسة من جماعة متساوية من الرعاة إلى طبقة من “المعلمين” الشباب المتعلمين الذين يصححون لكبار السن قراءتهم. النساء، اللواتي كن في الكنائس الخمسينية يرقصن ويتنبأن، يجدن أنفسهن في الكنائس المسيانية في الخلف، صامتات، مغطيات الرأس، ممنوعات من النفخ في الشوفار لأنه عمل رجالي. الحقيقة النقية، حين تصبح نصية ومادية بهذا الشكل، تصبح أيضاً ذكورية وطبقية.
ويضيف غيدرون ملاحظة منهجية شجاعة في هذا السياق. فهو، كباحث إسرائيلي، كان يُستدعى دائماً كحكم في نزاعات الأصالة. كانوا يسألونه: هل هذه هي الطريقة التي ينفخ بها اليهود الشوفار حقاً؟ هل هذا هو شكل نجمة داوود الصحيح؟ وهو يجد نفسه في مأزق: إذا قال نعم، فهو يمنح شرعية لادعاء يرفضه الحاخامات في إسرائيل؛ وإذا قال لا، فهو يهدم إيمان مضيفيه. اختار أن يكون صادقاً، أن يقول إن اليهودية الحاخامية مختلفة تماماً عما يفعلونه، لكنه اكتشف أنهم لا يهتمون باليهودية الحاخامية. ما يهمهم هو اليهودية الكتابية، يهودية موسى وليس يهودية التلمود. وبهذا المعنى، هم يرون أنفسهم أكثر يهودية من اليهود أنفسهم.
في فصل حيث يصف غيدرون زيارة قام بها أحد قادة “المقاطعة الصهيونية” إلى إسرائيل بدعوة من منظمة مسيحية صهيونية أمريكية. الرجل عاد محبطاً. لم يسمح له بالصلاة عند حائط المبكى لأنه لم يكن يهودياً حسب الشريعة، ولم يفهم أحد لغته، وشعر بأنه سائح لا أكثر. لكنه عاد أيضاً أكثر تصميماً. قال لغيدرون: “اليهود هناك نسوا من هم. نحن نتذكر”. هنا تكتمل دائرة الوساطة: من يدعي أنه الوسيط الأصلي يصبح هو نفسه متهماً بأنه مزيف، فيعيد بناء وساطته الخاصة في نيولاند.
نحن أمام سؤال يخصنا جميعاً: ماذا نفعل عندما نعيش في عالم يفيض بالوسائط التي لا نثق بها؟ هل نبحث عن وساطة أنقى، كما يفعل النوير، أم نستسلم لفكرة أن كل شيء مزيف؟ غيدرون لا يقدم إجابة، بل يترك القارئ مع صورة شاب يمسح كتاباً ممزقاً ويشم رائحته، باحثاً عن قوة لا تزال هناك، رغم كل الترجمات .
يختم يوتام غيدرون كتابه الذي استغرق أكثر من عشر سنوات من العمل الميداني والأرشيفي بمشهد وداع لا يشبه النهايات السعيدة فهو لا يغادر غامبيلا وقد اهتدى إلى الحقيقة، ولا يترك أصدقاءه النوير وقد أصبحوا يهوداً معترفاً بهم. يغادر وهو يحمل حقيبة مليئة بأشرطة تسجيلات، ودفاتر ملاحظات، وقبعة كيباه صغيرة أهداها له أحد القادة، ورسالة واحدة كتبها له شيخ كبير بخط مرتعش: “قل لهم في إسرائيل إننا هنا، وإننا نحفظ العهد”. هذه الرسالة التي لن تصل أبداً إلى عنوانها، هي في الحقيقة خلاصة الكتاب كله: قصة أناس يبحثون عن اعتراف بوساطتهم في عالم يرفض الاعتراف بهم.
في الفصل الختامي، الذي يحمل عنوان “ما وراء أزمة الحقيقة”، يقدم غيدرون مساهمته النظرية وهي المساهمة التي تجعل هذا الكتاب يتجاوز حدود الدراسات الأفريقية ليصبح محاولة في فهم عصرنا الحالي، عصر الأخبار الزائفة وما بعد الحقيقة. لعقود، هيمنت في الأنثروبولوجيا نظرية “المسيحية كاستجابة للأزمة”. تقول هذه النظرية، بتبسيط ، إن الأفارقة يصبحون مسيحيين لأن مجتمعهم التقليدي انهار، فيلجأون إلى الكنيسة كمستشفى اجتماعي. غيدرون يرفض هذا التفسير ليس لأنه خاطئ تماماً، بل لأنه مهين. فهو يحول المؤمنين إلى ضحايا سلبيين، ويحول الإيمان إلى مسكن ألم.
ما يقترحه بدلاً من ذلك هو ما يسميه “البراغماتية الأخلاقية للحقيقة”. النوير المسيانيون، حسب غيدرون، ليسوا مرضى يبحثون عن دواء، بل هم فلاسفة عمليون يطرحون سؤالاً يواجهنا جميعاً اليوم: كيف نعرف أن ما نعرفه صحيح عندما تكون كل قنوات المعرفة مشبوهة؟ هم لا يبحثون عن الراحة، بل عن طريقة للعيش بكرامة في عالم يشعرون فيه أنهم يُخدعون باستمرار من قبل الدولة، والمنظمات غير الحكومية، والشركات، والكنائس الأخرى، وحتى من قبل أقاربهم الذين هاجروا إلى أمريكا وأصبحوا يرسلون صوراً مفبركة لحياة مزدهرة.
وهنا تكمن أهمية مفهوم الوساطة الذي شغل الكتاب من عنوانه. فغيدرون يستعير من منظري الإعلام مثل مارشال ماكلوهان وبيرجيت ماير فكرة أن كل رسالة تحتاج إلى وسيط، وأن الوسيط ليس محايداً بل يشكل الرسالة. لكنه يضيف لمسة نويّرية خاصة: الوسيط لا يشكل الرسالة فقط، بل يمكن أن يلوثها. لذلك يصبح البحث عن الوسيط النقي هو العمل الديني نفسه. الاسم العبري الصحيح هو وسيط نقي، الشوفار المصنوع من قرن كبش حقيقي وليس بلاستيك هو وسيط نقي، التقويم القمري المحسوب بالعين المجردة وليس بتطبيق هاتف هو وسيط نقي. الدين يتحول من إيمان باطني إلى حرفة مادية دقيقة.
هذه الحرفة، كما يبين غيدرون في تحليل، لها بعد سياسي خطير. ففي إثيوبيا الحالية، حيث تتصارع القوميات على الاعتراف والموارد، يصبح ادعاء النوير بأنهم جزء من إسرائيل ادعاءً سياسياً بامتياز. فهم يقولون ضمناً: نحن لسنا مجرد أقلية إثنية هامشية في دولة إثيوبية أمهرية، نحن شعب الله المختار، تاريخنا أقدم من تاريخ الدولة الإثيوبية نفسها، ومركزنا ليس أديس أبابا بل القدس. وهذا الخطاب، رغم أنه روحي في ظاهره، يمنحهم كرامة تتجاوز المواطنة. لكنه في نفس الوقت يعزلهم. فالدولة الإثيوبية تراهم انفصاليين ثقافياً، وكنائس جنوب السودان تراهم عملاء لإسرائيل، وإسرائيل نفسها لا تريدهم.
غيدرون لا يخفي تعاطفه معهم، لكنه يقول أن هذا البحث عن النقاء يخلق نقاءً جديداً قاسياً. فالمقاطعة الصهيونية، التي بدأت كحركة تحررية ضد فساد الكنائس، أصبحت هي نفسها مؤسسة تفرض رقابة صارمة: تمنع الموسيقى، تمنع الاختلاط، تطرد من يشك، وتتهم كل من يتركها بأنه عاد إلى عبادة الشيطان. الحقيقة المطلقة، عندما يُعتقد أنك وجدتها، تتحول بسرعة إلى سلطة مطلقة. وهذا درس لا يخص النوير وحدهم، بل يخص كل جماعة تدعي امتلاك الوساطة النقية، من الحركات السلفية الجهادية إلى جماعات تفوق العرق الأبيض في أمريكا التي تدعي هي أيضاً أنها إسرائيل الحقيقية.
*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة




