أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

الفيل الجامح: كيف انتحر الحزب الجمهوري الأمريكي

هناك مشهدان يفتتح بهما المؤرخ الأمريكي بول هايدمان كتابه الجديد الصادر عن دار فيرسو في نوفمبر 2025 بعنوان “Rogue Elephant: How Republicans Went from the Party of Business to the Party of Chaos” أي “الفيل الجامح: كيف ذهب الجمهوريون من حزب الأعمال إلى حزب الفوضى”، وهما مشهدان تفصل بينهما سبعون سنة لكنهما يبدوان كأنهما مرآة واحدة. في المشهد الأول، ربيع عام 1954، يجلس السيناتور جوزيف مكارثي أمام كاميرات التلفزيون في جلسات الجيش ومكارثي، متغطرساً، يهدد جنرالات الحرب العالمية الثانية، ويبتز مؤسسة الدولة باسم مكافحة الشيوعية، بينما في الغرف الخلفية يجتمع رجال يرتدون بدلات رمادية أنيقة لا يعرفهم الجمهور: رئيس شركة ستودبيكر، ورئيس جنرال إلكتريك، ورئيس أكبر شركة نسيج في البلاد. هؤلاء ليسوا يساريين ولا ليبراليين، بل هم قلب النخبة المؤسسية للرأسمالية الأمريكية، أعضاء لجنة التنمية الاقتصادية CED ومجلس الأعمال Business Council. لقد قرروا أن مكارثي لم يعد مجرد مزعج، بل أصبح خطراً فاشياً محتملاً، وضغطوا على الرئيس دوايت أيزنهاور، الذي كان هو نفسه نتاجهم، ليوقف هذا الجنون. وبعد أسابيع من الضغط والبرقيات والاجتماعات في المطارات، صوت مجلس الشيوخ على إدانة مكارثي بسبعة وستين صوتاً ضد اثنين وعشرين، وانتهى الرجل منبوذاً يموت وحيداً بعد سنتين مدمناً للكحول.

في المشهد الثاني، السادس من يناير 2021، يقتحم أنصار دونالد ترامب مبنى الكابيتول لمنع التصديق على نتائج انتخابات خسرها. هذه المرة أيضاً اجتمع عالم الأعمال الأمريكي على قلب رجل واحد. أكثر من 123 شركة من قائمة فورتشن 500 تعلن مقاطعة الجمهوريين الذين دعموا محاولة قلب النتائج، وهي شركات تمثل أكثر من ربع الناتج المحلي الأمريكي. غرفة التجارة الأمريكية، والطاولة المستديرة للأعمال Business Roundtable، وحتى الرابطة الوطنية للمصنعين التي طالبت بتفعيل التعديل الخامس والعشرين لعزل ترامب، كلها تدين ما جرى. قادة مجالس استشارية يستقيلون جماعياً بعد دفاع ترامب عن مسيرة شارلوتسفيل التي ضمت نازيين جدداً، ومانحون جمهوريون كبار يعلنون أن ترامب منبوذ. للحظة بدا التاريخ يعيد نفسه: النخبة الرأسمالية ستؤدب حزبها كما أدبت مكارثي.

لكن ما حدث بعد ذلك هو ما يجعل كتاب هايدمان ضرورياً. فترامب لم يسقط. على العكس، ازدادت قبضته على الحزب الجمهوري رسوخاً عاماً بعد عام. في 2024 فاز بكل الانتخابات التمهيدية تقريباً دون أن يكلف نفسه عناء مناظرة خصومه، وتحول الجمهوريون الذين أعلنوا احتقارهم له إلى متوسلين يرتجفون. كبرى الشركات التي قاطعته عادت تتودد إليه في الأيام الأخيرة من الحملة، ثم اصطفت لتقديم فروض الولاء بعد فوزه. السؤال الذي يطرحه هايدمان، وهو سؤال بسيط في صياغته وعميق في دلالته، هو: لماذا نجحت النخبة الرأسمالية في كبح جماح مكارثي عام 1954 وفشلت فشلاً ذريعاً في كبح جماح ترامب بعد 2020؟

الإجابة السائدة في المكتبات الأمريكية خلال العقد الأخير كانت ثقافية في جوهرها. قالوا إن قاعدة الحزب الجمهوري تحولت بسبب الغضب الأبيض، أو بسبب الإعلام اليميني، أو بسبب أفكار مفكرين محافظين، أو بسبب عنصرية متجذرة انفجرت. هايدمان، وهو مؤرخ متخصص في الدراسات الأمريكية من جامعة روتجرز نيوارك، ومدرس تاريخ في نيويورك، وكاتب منتظم في مجلات مثل جاكوبين وديسنت وإن ذيس تايمز، يرفض هذه التفسيرات ليس لأنها خاطئة تماماً، بل لأنها تضع العربة أمام الحصان. بالنسبة له، لا يمكن فهم تحول الحزب الجمهوري من حزب الأعمال المنضبط الذي كان يمثل مصالح مجالس إدارات الشركات الكبرى إلى حزب الفوضى الذي يهدد بإغلاق الحكومة والتعثر عن سداد الدين العام ورفض نتائج الانتخابات، دون فهم تحولين مؤسسيين بنيويين جرى التغاضي عنهما طويلاً: الأول هو انهيار الحزب السياسي الأمريكي كمؤسسة، والثاني هو تفكك وتشرذم عالم الأعمال الأمريكي كقوة سياسية منظمة.

الكتاب ليس سرداً انتخابياً ولا سيرة لترامب. إنه تاريخ مؤسسي للخمسين سنة الأخيرة. يبدأ هايدمان من حقيقة ينساها كثيرون: الأحزاب الأمريكية كانت دائماً أضعف من الأحزاب الأوروبية. دستور رئاسي، نظام فدرالي، نظام فصل السلطات، كلها عوامل جعلت الحزب الأمريكي ليس حزباً برنامجياً متماسكاً بل ائتلافاً هشاً لنخب إقليمية. لكن من الصفقة الجديدة New Deal حتى حركة الحقوق المدنية، بدأت هذه الأحزاب تصبح أكثر أيديولوجية وأكثر تماسكاً، مع طرد الجنوبيين المحافظين من الحزب الديمقراطي ودخولهم إلى الحزب الجمهوري، لتظهر لأول مرة في التاريخ الأمريكي منظومة حزبية متمايزة أيديولوجياً: محافظون في حزب، وليبراليون في حزب آخر.

وفي اللحظة نفسها التي أصبحت فيها الأحزاب أكثر تماسكاً أيديولوجياً، بدأت تصبح أضعف تنظيمياً. هنا يكمن مفارقته المركزية الأولى. إصلاحات مطلع القرن العشرين التي أدخلت الانتخابات التمهيدية المباشرة، ثم إصلاحات الستينيات التي فرضها الليبراليون الديمقراطيون لتوسيع نظام الانتخابات التمهيدية ليشمل الترشيح الرئاسي، ثم الانفجار الهائل في تكاليف الحملات الانتخابية منذ السبعينيات، وظهور إطار قانوني جديد لتمويل الحملات يمنح لجنة المرشح الخاصة أولوية على الحزب نفسه، ثم قرار المحكمة العليا في قضية سيتيزنز يونايتد ضد لجنة الانتخابات الفيدرالية الذي شرعن لجان العمل السياسي الفائق Super PACs التي تستطيع جمع أموال غير محدودة دون تنسيق مباشر مع الحملات، كل هذه العوامل خلقت بيئة جديدة يكون فيها الحزب أشبه بشركة خدمات تقدم الدعم اللوجستي للمرشحين، لا جهازاً يقرر مسار الحزب ويضبط أعضاءه.

في هذه البيئة، لا يستطيع زعيم الحزب أن يعاقب نائبة مثل مارجوري تايلور غرين حتى لو كانت تحرج الحزب وتؤجج الصراعات الداخلية، لأنها ببساطة تجمع تبرعات أكثر منه. المال لم يعد يمر عبر الحزب، بل يمر بجانبه، وفوقه، وتحته. هذا هو الفصل الثاني من الكتاب الذي يحمل عنوان “الأحزاب المنهكة”، وهو فصل يقرأ كأنه تشريح لجثة تنظيمية ماتت ببطء.

لكن ضعف الحزب وحده لا يفسر لماذا اتجه الحزب يميناً ولماذا دخل في صدام مع مموليه التاريخيين. وهنا يأتي التحول المؤسسي الثاني الذي يخصص له هايدمان الفصل الأول “النخبة المتشظية”، وهو فصل مدهش في كشفه لتاريخ منسي لعالم الأعمال الأمريكي. على عكس أوروبا، لم يكن لدى أمريكا أبداً اتحاد واحد لأرباب العمل يتحدث باسم الرأسمالية كطبقة. غرفة التجارة والرابطة الوطنية للمصنعين في معظم القرن العشرين لم تكونا منظمات أنشأها رجال الأعمال أنفسهم، بل أنشأهما نشطاء في الحزب الجمهوري لخلق صلة بين عالم الأعمال والحزب. كانتا أداتين حزبيتين أكثر منهما تعبيراً عضوياً عن مصالح الطبقة.

في السبعينيات، تحت ضغط الركود التضخمي والاضطرابات العمالية وصعود الحركة البيئية والاستهلاكية، نظمت الشركات الأمريكية نفسها كما لم يحدث من قبل. ظهرت الطاولة المستديرة للأعمال Business Roundtable كممثل مباشر للرؤساء التنفيذيين لأكبر الشركات، وتحولت غرفة التجارة من نادٍ للتواصل إلى آلة ضغط سياسي شرسة مكرسة لتفكيك إرث الصفقة الجديدة. هذه الوحدة هي التي مكنت انتخاب رونالد ريغان عام 1980 وإنهاء التسوية مع الليبرالية. لكن النصر كان قاتلاً للوحدة نفسها. مع وجود صديق في البيت الأبيض يمنحهم كل ما يريدون، بدأت المنظمات التجارية تذبل، وبدأ أعضاؤها يسألون: ما فائدة دفع الاشتراكات إذا كان ريغان يعطينا كل شيء مجاناً؟ وهنا يبدأ التشظي.

عندما تضعف الأحزاب وتتشظى جماعات الأعمال، يظهر فراغ يملؤه ما يسميه “المقاولون السياسيون” أو “رواد الأعمال السياسيون” الذين يمتلكون قاعدة تمويل مستقلة وقدرة على تحريك القاعدة الشعبية يميناً باستمرار، في دورة لا تنتهي من التمرد على القيادة ثم تحول المتمردين أنفسهم إلى قيادة جديدة سرعان ما يتمرد عليها جيل جديد.

في قلب كتاب “الفيل الجامح” يكمن سؤال حول تفسير صعود ترامب. نحن تعودنا أن نسأل لماذا تغير الناخب الجمهوري، لماذا أصبح أكثر غضباً، أكثر شعبوية، أكثر استعداداً للتصديق بنظرية المؤامرة. بول هايدمان يقلب السؤال: ماذا حدث للنخبة التي كانت تملك الحزب؟ لماذا صمتت؟ لماذا تخلت؟ ولماذا حين حاولت الكلام لم يصغ إليها أحد؟

الإجابة التي يقدمها في فصله الأول، المعنون “النخبة المتشظية”، هي إجابة تاريخية طويلة المدى، تبدأ قبل ولادة الحزب الجمهوري الحديث بقرن. يذكر هايدمان بما كتبه آدم سميث عام 1776 أن “أرباب العمل دائماً وفي كل مكان في نوع من التآمر الضمني المستمر ولكن المنتظم، كي لا يرفعوا أجور العمل فوق سعره الفعلي”. التآمر موجود، لكن تنظيمه ليس تلقائياً. الرأسماليون كما قال ماركس “إخوة أعداء”. الكوكاكولا والبيبسي قد تتفقان على كراهية النقابات، لكنهما تتنافسان على رفوف المتاجر. حل هذه المعضلة يحتاج إلى منظمة.

في أوروبا، وجد هذا الحل. في السويد وألمانيا والنمسا، نشأت منظمات أرباب عمل مركزية قوية، تشارك الدولة والنقابات في صياغة السياسات، وتفرض على شركاتها الفردية انضباطاً طبقياً: لا تزايدوا على الأجور، لا تخرجوا عن الإجماع. لكن في أمريكا، كما يجادل هايدمان مستعيناً بعالمة السياسة كاثي جو مارتن، لم يحدث هذا أبداً. أمريكا لم تعرف قط منظمة ذروة peak organization تمثل الرأسمالية ككل. والسبب، في مفارقة لافتة، هو أن الرأسمالية الأمريكية كانت قوية جداً.

حين تكون الحركة العمالية ضعيفة والحزب الاشتراكي هامشياً، لا تشعر الشركات بالحاجة إلى التوحد. ما حدث في أوائل القرن العشرين يكشف هذه البنية. الرابطة الوطنية للمصنعين NAM تأسست عام 1896 ليس كحركة طبقية، بل كملحق للحزب الجمهوري في حملة ماكينلي الانتخابية. بعد الاحتفالات والاستعراضات، انفض المولد وظل عدد أعضائها 1082 عضواً فقط في بلد يضم 296 ألف شركة تصنيعية حسب تعداد 1900. لم يبدأ عدد الأعضاء في الارتفاع إلا حين غيرت الرابطة جلدها ورفعت شعار مكافحة النقابات بشراسة بعد موجة الإضرابات التي قادها الاتحاد الأمريكي للعمل AFL الذي قفزت عضويته من نصف مليون إلى أكثر من مليونين بين 1897 و1904. الرأسمالية تتنظم حين يتنظم العمال.

نفس القصة مع غرفة التجارة الأمريكية. لم ينشئها رجال الأعمال، بل أنشأها موظفون في وزارة التجارة كانوا قلقين من أن الشركات الأمريكية متخلفة تنظيمياً عن منافسيها الأوروبيين ويخشون على الصادرات. في عام 1912 دعا وزير التجارة إلى مؤتمر لتأسيس الغرفة بحضور الرئيس تافت كمتحدث رئيسي. وحتى مع نفوذها المبكر الذي جعل كالفين كوليدج وهربرت هوفر يشيدان بها، كانت تفتقر إلى برنامج طبقي متماسك. يصفها المؤرخ كولن غوردون بأنها كانت “فعالة ظاهرياً” في إخفاء آراء نخبة الشركات والمصارف على أنها آراء “مجتمع الأعمال” ككل، لكنها كأداة لتنظيم أو تمثيل المصالح الأوسع “لم تكن فعالة ولا مهتمة”. لذلك انهارت تحت ضغط الكساد الكبير، حين انقسم أعضاؤها بين مؤيد ومعارض للصفقة الجديدة، وبدأت شركات كبرى مثل رابطة مصنعي السيارات تنسحب علناً، وكتب مالك متاجر فيلين الشهير رسالة استقالة مفتوحة يقول فيها إن الغرفة “ليست منظمة للأعمال بل منظمة لرجال أعمال، لا تجتمع لدراسة الأعمال بطريقة عملية، ولا حتى لمعرفة ما هي احتياجات الأعمال بشكل عام، بل لترويج وجهات النظر الخاصة لبعض الشخصيات البارزة”.

المنظمة الأكثر تأثيراً في منتصف القرن، لجنة التنمية الاقتصادية CED التي تأسست عام 1942، تبدو للوهلة الأولى استثناءً. أسسها معتدلون من عالم الشركات كانوا مستائين من رفضية الغرفة والرابطة المطلقة، وتحولت إلى مصنع أفكار حقيقي: لعبت دوراً حاسماً في تمرير اتفاقية بريتون وودز، وحشدت الدعم لمشروع مارشال، ودعمت مذكرة مجلس الأمن القومي 68 التي أسست لاستراتيجية الحرب الباردة، وساهمت في التوصل إلى اتفاق تاريخي بين وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي رسخ استقلالية البنك المركزي، وهو اتفاق يصفه اقتصاديان بأنه “أكثر من أي حدث منفرد، أسس هيكل نظام السياسة النقدية لفترة ما بعد الحرب”. لكن هايدمان يلتقط نقطة جوهرية: كل هذه النجاحات كانت تعبيراً عن تيار أقلوي داخل عالم الأعمال، وكان يُهاجم باستمرار من اليمين. صحيفة وول ستريت جورنال اتهمت اللجنة في إحدى اللحظات بأنها “شيوعية”، فاضطرت لإصدار بيان تؤكد فيه إيمانها بنظام المشروع الحر. كما يلخص المؤرخ هويل جون هاريس، كان زملاؤها “المحافظون والرجعيون أكثر عدداً وأكثر نفوذاً مباشراً داخل مجتمع الأعمال نفسه”.

ما يريد هايدمان قوله هو أن هيمنة عالم الأعمال في أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، تلك الهيمنة التي جعلته قادراً على استبعاد الحركة العمالية المنظمة من صنع السياسات، هي نفسها التي غذت تفككه. لأنه لم يكن مضطراً للتوحد لمواجهة خصم قوي، لم يبنِ مؤسسات انضباط جماعي. ظل مشظى، قطاعياً، أنانياً.

جاءت لحظة الانقطاع في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات. ثلاث صدمات ضربت مجالس الإدارة في وقت واحد: موجة تشريعات تنظيمية غير مسبوقة، فنيكسون نفسه، الرئيس الجمهوري، يوقع قانون السلامة المهنية OSHA عام 1969 وقانون حماية البيئة NEPA عام 1970، وقوانين حماية المستهلك تلوح في الأفق، ثم ارتفاع تكاليف البناء، ثم الاضطراب الاقتصادي. ولأول مرة منذ عقود، شعر الرأسماليون أنهم محاصرون. فاستجابوا بحملة تعبئة طبقية لا سابقة لها. في السبعينيات فقط، انفجر عدد لجان العمل السياسي للشركات، وتضخم الإنفاق على جماعات الضغط، وتأسست الطاولة المستديرة للأعمال عام 1972 كمنظمة مباشرة للرؤساء التنفيذيين لأكبر 200 شركة، تهدف إلى تنسيق الرد. وتحولت غرفة التجارة على يد زعيمها الجديد إلى آلة حرب أيديولوجية مكرسة لتفكيك إرث الصفقة الجديدة.

هذا التوحيد المؤقت هو الذي أوصل رونالد ريغان إلى البيت الأبيض عام 1980. لكن النصر، كما يحدث كثيراً في التاريخ، كان بذرة الهزيمة التنظيمية التالية. يشرح هايدمان هذه الديناميكية: حين أصبح لديك صديق في البيت الأبيض يمنحك تخفيضات ضريبية هائلة، وتفكيكاً للتنظيمات، وسحقاً للنقابات كما حدث في إضراب مراقبي الحركة الجوية، لماذا تدفع اشتراكات باهظة لمنظمة جماعية؟ بدأ منطق “الراكب المجاني” يعود. الشركات الكبرى اكتشفت أن اللوبي الفردي المباشر في واشنطن أكثر فعالية من العمل الجماعي. شركات التكنولوجيا الناشئة في وادي السيليكون وشركات وول ستريت المالية لم تشعر بأن غرفة التجارة تمثل مصالحها. وانقسم عالم الأعمال بين شركات عملاقة عابرة للحدود تريد عولمة وتجارة حرة، وشركات صغيرة ومتوسطة تريد حمائية وضبطاً للهجرة.

النتيجة التي يصل إليها الفصل الأول، والتي تمهد لكل ما سيأتي، هي أن عالم الأعمال الأمريكي دخل حقبة ريغان موحداً وخرج منها مشظى أكثر من أي وقت مضى. ومع هذا التشظي، فقد القدرة على ممارسة ما يسميه علماء السياسة “الانضباط الطبقي”. لم يعد قادراً على معاقبة جناح حزبي يتصرف بتهور، لأنه هو نفسه لم يعد يعرف ما هو سلوك الرأسمالية كطبقة. في عام 1954، كان بوسع لجنة التنمية الاقتصادية ورفاقها أن يرفعوا سماعة الهاتف ويطلبوا من أيزنهاور أن يوقف مكارثي، لأنهم كانوا يتحدثون بصوت واحد نسبياً. في عام 2021، كان صوت عالم الأعمال ضجيجاً متعدداً ومتضارباً: شركات تقاطع، وأخرى تمول سراً، ومليارديرات مثل إيلون ماسك يقررون فجأة أن مصلحتهم تكمن في تمكين الفوضى نفسها، بل وصناعتها ووضعها في قلب الدولة.

هذه الأرضية التي سينبت عليها العشب السام للأحزاب المنهكة،وعليها تحول الحزب الجمهوري من مؤسسة تسيطر على المرشحين إلى خدمة لوجستية يستأجرها المرشحون، وكيف فتح ذلك الباب أمام نوع جديد من رواد الأعمال السياسيين الذين لا يحتاجون إلى الحزب ولا إلى عالم الأعمال، بل يحتاجون فقط إلى غضب القاعدة وكاميرا تلفزيون

إذا كان الفصل الأول من كتاب بول هايدمان يشرح كيف تشظى عالم الأعمال وفقد قدرته على فرض انضباط طبقي، فإن الفصل الثاني “الأحزاب المنهكة” يشرح كيف فقدت الأحزاب نفسها قدرتها على فرض انضباط حزبي، وكيف التقى هذان المساران ليخلقا وحشاً لا يمكن لأحد السيطرة عليه.

يبدأ هايدمان بتصحيح . نحن نظن أن الحزب الجمهوري كان دائماً حزباً أيديولوجياً متماسكاً يقوده محافظون يؤمنون بالسوق الحرة والقيم التقليدية. الحقيقة التاريخية عكس ذلك تماماً. الحزب الأمريكي تاريخياً كان أضعف من نظيره الأوروبي بمراحل. دستور رئاسي وفدرالية متطرفة ونظام فصل السلطات وانتخابات محلية تجعل عضو الكونغرس يعتمد على ناخبيه المحليين أكثر من اعتماده على قيادة حزبه الوطنية. في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، كان يمكنك أن تجد ديمقراطياً جنوبياً عنصرياً يؤيد الفصل العنصري ويصوت ضد أي تدخل فدرالي، وجمهورياً شمالياً ليبرالياً يؤيد النقابات ويؤيد الإنفاق الحكومي، والاثنان يجلسان في الحزب الخطأ حسب معايير اليوم. كانت الأحزاب خليطاً جغرافياً لا أيديولوجياً.

ما حدث بين 1948 و1972 هو ما يسميه علماء السياسة “إعادة الاصطفاف”. طرد الديمقراطيون الجنوبيين تدريجياً بعد دعم هاري ترومان للحقوق المدنية، ثم قانون الحقوق المدنية لليندون جونسون عام 1964، ودخول هؤلاء إلى الحزب الجمهوري عبر استراتيجية الجنوب التي بدأها باري غولدووتر ثم أكملها نيكسون. لأول مرة أصبح لدينا حزبان متمايزان فكرياً: محافظون في مكان وليبراليون في مكان آخر. كان هذا نصراً للأيديولوجيا لكنه كان هزيمة للتنظيم.

لأن إعادة الاصطفاف الأيديولوجي تزامنت مع ثورة مضادة ضد التنظيم الحزبي نفسه. في مطلع القرن العشرين، فرض التقدميون الانتخابات التمهيدية المباشرة لكسر احتكار زعماء المدن للأحزاب. في عام 1968، بعد الفوضى التي شهدها مؤتمر الحزب الديمقراطي في شيكاغو واحتجاجات ضد حرب فيتنام، شُكلت لجنة ماكغفرن-فرايزر التي حولت الترشيح الرئاسي من صفقة يجريها زعماء الحزب في غرف مغلقة إلى سلسلة انتخابات تمهيدية تشارك فيها الجماهير. كان الهدف ديمقراطياً ونبيلاً: إعطاء السلطة للناخب العادي. لكن النتيجة غير المقصودة كانت نزع السلاح من يد الحزب. لم يعد الحزب يستطيع أن يقول لمرشح شعبوي “لا، أنت غير صالح”.

جاءت الضربة الثانية من تمويل الحملات. بعد فضيحة ووترغيت، أقر الكونغرس عام 1974 قانون تمويل الحملات الفدرالي الذي وضع قيوداً على التبرعات المباشرة للأحزاب، لكن المحكمة العليا في قضية باكلي ضد فاليو عام 1976 ألغت القيود على الإنفاق المستقل. ظهرت لجان العمل السياسي PACs، ثم لجان العمل السياسي الفائقة Super PACs بعد قرار سيتيزنز يونايتد عام 2010. أصبح بوسع ملياردير واحد أو شركة واحدة أن تمول مرشحاً متمرداً دون أن تمر عبر الحزب. أصبحت أموال الحزب نفسه أقل أهمية. في السبعينيات، كان أكثر من نصف تمويل حملات الكونغرس يأتي من الأحزاب. في العقد الأول من الألفية، انخفضت النسبة إلى أقل من عشرة بالمئة.

يضيف هايدمان عاملاً ثالثاً هو التلفزيون والبيئة الإعلامية الجديدة. المرشح لم يعد يحتاج إلى الحزب ليصل إلى الناخبين، بل يحتاج إلى كاميرا وإلى استشاري إعلامي. وهنا يظهر نمط جديد: “رائد الأعمال السياسي” political entrepreneur، مرشح يبني علامته الشخصية بعيداً عن الحزب، بل وضد الحزب، ويستخدم غضب القاعدة ليجمع أموالاً صغيرة من الإنترنت، ويستخدم وسائل الإعلام المحافظة الجديدة ليصبح نجماً.

وهذا يقودنا مباشرة إلى الفصل الثالث “الثورة الجمهورية”، وهو قلب الكتاب التاريخي، حيث يقدم هايدمان قراءة جديدة تماماً لشخصية نيوت غينغريتش، الرجل الذي يعتبره المهندس الحقيقي للفوضى الحالية، لا دونالد ترامب.

غينغريتش لم يكن مجرد محافظ آخر. كان طالباً للدكتوراه في التاريخ، فشل في الحصول على وظيفة أكاديمية مستقرة، ودخل السياسة وهو يحمل نظرية: الحزب الجمهوري يخسر لأنه يحاول أن يكون حزباً طبيعياً يفاوض ويتوافق. الحل هو تحويل السياسة إلى حرب ثقافية شاملة، وتحويل مجلس النواب الذي كان يهيمن عليه الديمقراطيون لأربعين سنة إلى ساحة معركة أيديولوجية.

في أوائل الثمانينيات، كان غينغريتش عضواً هامشياً في مجلس النواب، يكرهه زملاؤه الجمهوريون المعتدلون لأنه يهاجمهم أكثر مما يهاجم الديمقراطيين. اخترع أداة جديدة: منظمة Grand Old Party Political Action Committee)GOPAC) التي لم تكن لجنة عمل سياسي تقليدية لجمع الأموال، بل كانت مدرسة لتدريب المرشحين الجمهوريين في الولايات على خطاب جديد. كان يرسل لهم شرائط كاسيت وقوائم كلمات: استخدموا كلمات مثل “خيانة، انحلال، فشل، كذب، مرض” لوصف الديمقراطيين، وكلمات مثل “حرية، فرصة، حلم، قوة” لوصف أنفسكم. كان يبني جيشاً لغوياً.

والأهم، استغل فراغاً تقنياً: في عام 1979 بدأت شبكة C-SPAN ببث جلسات مجلس النواب مباشرة، لكن القاعة كانت فارغة معظم الوقت. كان غينغريتش ومجموعة صغيرة من المتشددين يقفون في قاعة خالية ويوجهون خطباً نارية إلى الكاميرا يتهمون فيها الديمقراطيين بأنهم معادون لأمريكا، بينما لا يوجد ديمقراطي واحد للرد. حين احتج رئيس المجلس تيب أونيل وأمر الكاميرا بأن تصور القاعة الفارغة ليفضحهم، استغل غينغريتش ذلك ليقول إن الديمقراطيين يقمعون حرية التعبير. لقد فهم قبل الجميع أن السياسة لم تعد تفاوضاً في الغرف الخلفية، بل أداءً أمام الكاميرا.

لكن عبقرية غينغريتش، كما يوضح هايدمان، لم تكن في الإعلام وحده، بل في استغلال تشظي عالم الأعمال وضعف الحزب معاً. في وقت كان فيه قادة الأعمال الكبار مثل الطاولة المستديرة لا يزالون يريدون تسويات حول الضرائب والتجارة، كان هناك طبقة جديدة من رجال الأعمال الصغار والمتوسطين، شركات النفط المستقلة، وشركات التطوير العقاري، وشركات الأسلحة الصغيرة، والمقاولون في الضواحي، الذين لم يشعروا بأن غرفة التجارة تمثلهم. هؤلاء كانوا أكثر تطرفاً، وأكثر استعداداً لتمويل مرشحين يهاجمون الحكومة الفدرالية بأكملها لا مجرد تنظيماتها. GOPAC كانت قناة جمعت هذا المال الجديد ووجهته ضد قيادة الحزب الجمهوري نفسها.

حين وصل غينغريتش إلى رئاسة مجلس النواب عام 1994 بعد “العقد مع أمريكا” الذي أنهى أربعين عاماً من هيمنة الديمقراطيين، بدا انتصاراً للحزب. لكنه كان في الحقيقة بداية تفكك سلطة الحزب. غينغريتش حكم عبر تخويف أعضائه، وفرض طاعة أيديولوجية غير مسبوقة، واستخدام إغلاق الحكومة كسلاح. ثم انقلب السلاح عليه. نفس النواب المتشددون الذين دربهم على التمرد، تمردوا عليه عام 1998 بعد فشله في إسقاط كلينتون في قضية مونيكا لوينسكي. استقال غينغريتش مهزوماً، لكنه ترك إرثاً قاتلاً: أثبت أن الطريق إلى السلطة في الحزب الجمهوري لا يمر عبر إرضاء قيادة الحزب أو إرضاء كبار المانحين في وول ستريت، بل عبر تجاوزهم والذهاب مباشرة إلى القاعدة الغاضبة عبر الإعلام المحافظ.

من هنا يرسم هايدمان خطاً مباشراً إلى عصرنا. كل زعيم جمهوري بعد غينغريتش سيواجه نفس المصير: يصل إلى القيادة عبر التمرد، ثم يكتشف أن هناك متمردين أكثر تطرفاً يريدون إسقاطه. دينيس هاسترت، جون بوينر، بول رايان، كيفن مكارثي، كلهم سقطوا بنفس الآلية. الحزب أصبح آلة تنتج الفوضى ذاتياً، لأن هيكله يكافئ الفوضى.

 أن هذا النمط لم يعد محصوراً في الكونغرس، بل انتقل إلى خارج الحزب تماماً، مع ظهور حركة حزب الشاي، ثم دونالد ترامب، حيث أصبح رائد الأعمال السياسي لا يحتاج حتى إلى عضوية سابقة في الحزب، بل يمكنه شراء الحزب أو اختطافه من الخارج.

في الرواية التقليدية، يبدو أن صعود اليمين المتطرف في الحزب الجمهوري كان خطاً مستقيماً من ريغان إلى غينغريتش إلى ترامب. بول هايدمان يكسر هذا الخط المستقيم في الفصلين الرابع والخامس من كتابه، وهما الفصلان اللذان يحملان عنوانين يلخصان المأساة الجمهورية: “سنوات بوش الثاني: التوحد والانهيار” و”السياسة خارج الحزب”. فبين ثورة غينغريتش عام 1994 وفوز ترامب عام 2016، كانت هناك لحظة حاولت فيها النخبة المؤسسية استعادة السيطرة، ونجحت مؤقتاً، ثم انهارت بشكل أكثر دراماتيكية.

جورج دبليو بوش الابن، كما يصوره هايدمان، لم يكن استمراراً لغينغريتش بل كان محاولة لاحتوائه. حين ترشح عام 2000، كان شعار “المحافظة الرحيمة” تعبيراً دقيقاً عن استراتيجية طبقة الأعمال الكبرى: نحتاج إلى تخفيضات ضريبية هائلة، وإلغاء تنظيمات، لكننا نحتاج أيضاً إلى خطاب يخفف من حدة الحرب الثقافية التي أشعلها غينغريتش وأخافت الناخبين المتأرجحين في الضواحي. بوش، بلكته التكساسية وخلفيته كابن لعائلة نفطية استثمارية، كان المرشح المثالي للطاولة المستديرة للأعمال: شخص يفهم مصالح الشركات الكبرى لكنه يستطيع التحدث بلغة الإنجيليين.

في بدايته، نجحت الصيغة. مرر تخفيضات ضريبية ضخمة عام 2001 و2003، وهي أكبر إعادة توزيع للثروة إلى الأعلى منذ عشرينيات القرن الماضي، ورضي عالم الأعمال. ثم جاء 11 سبتمبر. الحرب على الإرهاب أعطت بوش فرصة نادرة لإعادة توحيد الحزب والبلد خلف رئاسة قوية، وأعطت غرفة التجارة والطاولة المستديرة سبباً للالتفاف حول البيت الأبيض. الإنفاق العسكري انفجر، وعقود إعادة الإعمار في العراق وأفغانستان تدفقت على شركات مرتبطة بالحزب، والوطنية أصبحت غطاءً مثالياً لقمع أي معارضة تنظيمية.

لكن هذا التوحيد كان هشاً، لأنه بُني على دين لا على انضباط. يشرح هايدمان كيف أن إدارة بوش كانت أول إدارة جمهورية تتبنى سياسة عجز مالي متعمد بعد أن كانت غرفة التجارة نفسها قد اشتكت من عجز ريغان في الثمانينيات. تخفيضات ضرائب، حربان مكلفتان، وتوسيع برنامج الرعاية الطبية لكبار السن Medicare Part D دون تمويل، كل ذلك في وقت واحد. النتيجة كانت عجزاً هائلاً بدأ يزعج جناحاً من عالم الأعمال المالي الذي يريد استقراراً طويل الأجل، لكنه لم يكن يملك أداة لوقفه.

الانهيار الحقيقي جاء من خارج واشنطن. هنا يدخل الفصل الخامس، وهو ربما الأكثر إثارة في الكتاب، حيث يتتبع هايدمان نشوء “السياسة خارج الحزب”. الفكرة المركزية هي أن ضعف الحزب وتشظي منظمات الأعمال الكبرى خلقا سوقاً سوداء سياسية جديدة. إذا كانت الطاولة المستديرة وغرفة التجارة تريدان تسوية مع الديمقراطيين حول الهجرة أو التجارة أو الإنفاق، فهناك منظمات أخرى مستعدة لتمويل المتمردين.

يبدأ هايدمان بتتبع نموذج جديد للمنظمات ظهر في التسعينيات وأتقنه الأخوان كوخ. خذ منظمة “مواطنون من أجل اقتصاد سليم” Citizens for a Sound Economy (CSE) التي تأسست بأموال تشارلز وديفيد كوخ. على عكس غرفة التجارة التي كانت على الأقل تحاول نظرياً بناء إجماع بين أعضائها، كانت CSE تبيع خدماتها لأعلى مزايد. تريد شركة تبغ أن توقف ضريبة سجائر؟ تدفع لـ CSE وهي تشن حملة باسم “الحرية” و”الاقتصاد السليم”. تريد شركة نفط أن تمنع تشريعاً بيئياً؟ نفس الشيء. المنظمة لا تمثل طبقة، بل تؤجر قدراتها التعبوية.

هذا النموذج الذي يسميه هايدمان “المناصرة كغسيل سمعة” reputation laundering، سرعان ما تبنته غرفة التجارة نفسها بعد أن تولى توم دونوهيو رئاستها في أواخر التسعينيات. دونوهيو، وهو مدير سابق لجمعية النقل الأمريكية ومنظم حملات وهمية astroturf، قالها صراحة: “أريد أن أمنحهم جميعاً قابلية الإنكار”. فكرة بسيطة لكنها جهنمية: الشركات لا تريد أن تظهر وهي تمول حملة ضد توسيع التأمين الصحي لأن ذلك يضر بعلامتها التجارية، فتدفع سراً للغرفة، والغرفة تشن الحملة القذرة، وتنكر الشركات علاقتها بها.

في 1998، ضخت فيليب موريس وحدها أكثر من 200 ألف دولار في الغرفة لإيقاف ضريبة سجائر، ثم تبعتها شركات تبغ أخرى حين رأت أن الغرفة نجحت. بعد أزمة فورد وفايرستون عام 2000 حول إطارات معيبة، دفعت جنرال موتورز وتويوتا وفورد وكرايسلر أكثر من نصف مليون دولار لإزالة بند المسؤولية الجنائية للمديرين التنفيذيين من مشروع قانون سلامة السيارات. إحدى عشرة شركة أدوية دفعت أكثر من مليون دولار لكل منها لحملة حول تسعير الأدوية. لكن الطوفان الحقيقي جاء عامي 2009 و2010، حين تبرعت مجموعة التأمين الصحي AHIP بأكثر من 85 مليون دولار للغرفة، وهو ما شكل 42 بالمئة من ميزانيتها، لتمويل حملة سرية لعرقلة خيار التأمين الحكومي Public Option في قانون أوباما للرعاية الصحية، بينما كانت نفس شركات التأمين تعلن علناً دعمها للإصلاح.

ما علاقة هذا بترامب؟ العلاقة بنيوية. حين تحولت منظمات الأعمال الكبرى من منظمات بناء إجماع إلى شركات خدمات تؤجر نفسها لمن يدفع أكثر، فقدت أي مصداقية أخلاقية أو سياسية لتقول لقاعدتها “توقفوا، هذا تطرف”. هي نفسها كانت تمول التطرف سراً. وفي الوقت نفسه، ظهرت منظمات أكثر تطرفاً لا تحتاج إلى شركات كبرى أصلاً: الاتحاد الوطني للأعمال المستقلة NFIB الذي يدعي تمثيل الشركات الصغيرة، لكنه في الواقع شركة ربحية تبيع عضويات، واتخذ خطاً يمينياً متشدداً أكثر من الغرفة لأنه يتنافس معها على نفس السوق. ونادي النمو Club for Growth الذي أسسه ستيفن مور واقتصاديون محافظون، والذي تحول إلى أداة لمعاقبة أي جمهوري يصوت لرفع الضرائب أو لتوسيع الإنفاق، عبر تمويل منافس أكثر يمينية له في الانتخابات التمهيدية.

هنا تتقاطع القصتان: ضعف الحزب الذي لم يعد يسيطر على الترشيحات، وتشظي عالم الأعمال الذي لم يعد يسيطر على المنظمات، وولادة بيئة إعلامية جديدة من فوكس نيوز والراديو المحافظ. النتيجة كانت حركة حزب الشاي عام 2009. يجادل هايدمان بقوة ضد التفسير الشائع بأن حزب الشاي كان انتفاضة شعبية عفوية ضد الإنقاذ المالي. كان، في جزء كبير منه، مشروعاً هندسه مقاولون سياسيون خارج الحزب استخدموا غضباً حقيقياً حول الأزمة المالية ووجهوه ليس ضد وول ستريت التي تسببت فيها، بل ضد الدولة التي حاولت إنقاذ الاقتصاد، وضد أوباما كرمز.

 حزب الشاي كان في جوهره تمرداً على محاولة بوش لتوحيد الحزب. بوش حاول أن يجعل الحزب الجمهوري حزب أعمال مسؤول يخفض الضرائب لكنه يحافظ على مؤسسات الدولة. القاعدة التي دربها غينغريتش لعشر سنوات على كراهية الدولة نفسها، والممولة من قبل شبكات كوخ ونادي النمو التي تريد تدمير الدولة لا مجرد تخفيض ضرائبها، رأت في بوش خائناً. لهذا السبب، حين انهار الاقتصاد عام 2008، لم يذهب الغضب إلى اليسار، بل ذهب إلى أقصى اليمين داخل الحزب الجمهوري.

وفي هذا المناخ، ظهر دونالد ترامب، ليس كخارج عن السياق، بل كأكثر رواد الأعمال السياسيين نجاحاً في استغلال الفراغ. ترامب لم يكن يحتاج إلى غرفة التجارة ولا إلى الحزب. كان يملك شيئين لا يملكهما أحد: ثروة شخصية تسمح له بتجاوز المانحين التقليديين في البداية، وشهرة تلفزيونية بناها عبر برنامج The Apprentice جعلته معروفاً لدى القاعدة أكثر من أي سيناتور. وكان يملك غريزة حيوانية لفهم أن الحزب الجمهوري أصبح فارغاً من الداخل، مجرد قشرة يمكن احتلالها.

وصلنا الآن إلى الفصل الذي يعطي كتاب “الفيل الجامح” عنوانه الفرعي وذروته الدرامية: “استيلاء عدائي على الحزب الجمهوري”. وهنا يتخلى بول هايدمان عن التحليل البنيوي الهادئ وينتقل إلى سرد انتخابي متوتر يكاد يكون رواية بوليسية عن جريمة اختطاف حزب.

في 16 يونيو 2015، نزل دونالد ترامب على سلم متحرك ذهبي في برج ترامب ليعلن ترشحه للرئاسة. يومها سخر منه الجميع. المانحون الجمهوريون الكبار اعتبروه مهرجاً، وغرفة التجارة الأمريكية تجاهلته، وقيادة الحزب في واشنطن كانت تراهن على جيب بوش، الرجل الذي جمع أكثر من 150 مليون دولار قبل أن يدلي ناخب واحد بصوته، أو على ماركو روبيو، أو سكوت ووكر. كانوا يظنون أن قواعد اللعبة القديمة لا تزال سارية: من يجمع المال من عالم الأعمال المنظم، وينال دعم الحزب، ويفوز بتأييد شبكة فوكس، يفوز بالترشيح.

لكن هايدمان يوضح أن قواعد اللعبة كانت قد تغيرت قبل عقد من ذلك، وترامب هو الوحيد الذي قرأ التغيير. الانتخابات التمهيدية المفتوحة التي أصبحت سائدة منذ السبعينيات تعني أن الناخبين، لا زعماء الحزب، يختارون المرشح. وقرار سيتيزنز يونايتد عام 2010 الذي سمح بلجان Super PACs بجمع أموال غير محدودة يعني أن الحزب لم يعد يستطيع خنق متمرد عبر قطع التمويل. والأهم، انفجار التمويل الصغير عبر الإنترنت الذي أتقنه أولاً باراك أوباما ثم بيرني ساندرز، والذي أتقنه اليمين أيضاً، يعني أن مرشحاً يستطيع أن يجمع ملايين الدولارات من تبرعات صغيرة بقيمة 27 دولاراً دون أن يحتاج إلى موافقة مجلس إدارة شركة واحدة.

ترامب كان رائد الأعمال السياسي المثالي لهذه البيئة الجديدة. لا يحتاج إلى الحزب لأنه يملك شهرة تلفزيونية تسبق الحزب، ولا يحتاج إلى عالم الأعمال لأنه يقدم نفسه كملياردير لا يُشترى، بل يشتري، ولا يحتاج إلى شبكة كوخ لأنه يملك قدرة فطرية على تحويل أي هجوم عليه إلى وقود لحملته. حين هاجمته فوكس نيوز في المناظرة الأولى، ارتفعت شعبيته. حين سخرت منه وول ستريت جورنال، جمع تبرعات أكثر. كان يمارس ما تعلمه غينغريتش قبل ثلاثين سنة: اهاجم القيادة وستكافئك القاعدة.

يروي هايدمان تفصيلاً كيف حاولت النخبة إيقافه وفشلت. في فبراير 2016، عقد اجتماع سري في جزيرة سي آيلاند في جورجيا جمع قادة التكنولوجيا وأباطرة المال الجمهوريين وقادة الحزب، كان موضوعه الوحيد: كيف نوقف ترامب؟ كتبت مذكرات، وأطلقت إعلانات هجومية بمئات الملايين عبر Super PACs، لكنها لم تنجح لأنها كانت تخاطب منطقاً حزبياً قديماً لم يعد موجوداً. ترامب لم يكن يفوز رغم إنفاقه القليل، بل كان يفوز بسبب إنفاقه القليل، لأن ذلك كان دليلاً على أنه ضد النظام.

ثم جاءت اللحظة التي يعتبرها هايدمان اللحظة الفاصلة حقاً، ليست 2016 بل 6 يناير 2021 وما بعده. هنا يعود إلى المشهد الذي افتتح به الكتاب. يذكرنا بأن المقاطعة التي أعلنتها الشركات بعد اقتحام الكابيتول كانت الأكبر في التاريخ الأمريكي: 123 شركة من فورتشن 500، ربع الاقتصاد الأمريكي، تقول بصوت واحد إن الحزب الجمهوري تجاوز الخط الأحمر. الرابطة الوطنية للمصنعين التي كانت لعقود حليفاً للجمهوريين تطالب بعزل رئيس جمهوري. للحظة، بدا أن درس 1954 سيتكرر.

لكن ما حدث بعد ذلك يكشف عمق التحول الذي وثقه الكتاب. لم يستسلم الجمهوريون الذين أنكروا نتائج الانتخابات، لأنهم لم يعودوا يعتمدون على تبرعات لجان العمل السياسي للشركات Corporate PACs. صعود التبرعات الصغيرة، الذي تضاعف بشكل هائل بعد 2016، سمح لناخب جمهوري غاضب في أريزونا أن يعوض بسهولة انسحاب شركة بوينغ. وفي الوقت نفسه، دخلت فئة جديدة من المليارديرات اليمينيين المتطرفين على الخط، لم تكن موجودة في 1954. ريتشارد وإليزابيث أولاين، على سبيل المثال، كانا مانحين جمهوريين متواضعين في 2010، ثم أصبحا أكبر مانحين فرديين للجمهوريين في انتخابات 2021 و2022، ويمنحان بسخاء لمرشحين يتبنون نظريات مؤامرة صريحة حول الانتخابات.

أمام هذا الواقع، بدأت الشركات تنشق عن المقاطعة. ليس لأنها اقتنعت بترامب، بل لأن المنطق البراغماتي الضيق للرأسمالية الفردية انتصر على المنطق الطبقي الجماعي. كما يشرح هايدمان، التبرع السياسي للشركات ليس أيديولوجياً في جوهره، بل هو استثمار في الوصول access. إذا كان النائب الجمهوري المنكر للانتخابات لا يزال في منصبه، والشركة تحتاج إلى تصويت هذا النائب حول قانون ضرائب أو تنظيم، فإن مصلحتها الضيقة تقتضي العودة للتبرع له، حتى لو كان ذلك يتعارض مع مصلحة الطبقة الرأسمالية ككل في استقرار الديمقراطية. هكذا “تخلى جيش الأعمال تدريجياً عن ساحة المعركة” كما يكتب هايدمان، بعد أن خسر ضربة أولى.

وخلال كل هذا، حافظ ترامب على قبضته. في 2021 دفع بقوة كل المرشحين الجمهوريين إلى تبني مزاعم تزوير الانتخابات، مهدداً بدعم منافس في الانتخابات التمهيدية ضد أي من يرفض. كانت حجته فظة لكنها فعالة: الديمقراطيون يقولون إنني أكذب، إذن أي شخص يتفق معهم هو في صف الديمقراطيين. في حزب قاعدته تشبعت لعقد من الزمن بكراهية حزبية سلبية negative partisanship، كان هذا الكلام يجد آذاناً صاغية. على مستوى الولايات، أدى دعم ترامب لمرشحين يعلنون الولاء المطلق له إلى سيطرة المؤمنين الحقيقيين على أحزاب الولايات، حتى لو كانت النتيجة هزائم انتخابية متكررة في الانتخابات العامة، وحتى لو كان رؤساء الحزب المحليون الجدد مثل كريستينا كارامو في ميشيغان لا يعرفون حتى قانون تمويل الحملات ويدخلون الحزب في ديون.

يصل هايدمان إلى عام 2024، حيث يدخل ترامب الانتخابات وهو السيد بلا منازع للحزب الجمهوري، رغم أن حكمه جلب للجمهوريين هزائم انتخابية، وقطيعة مع داعميهم التاريخيين في عالم الأعمال. حاول رون ديسانتيس أن يقدم نفسه كـ “ترامبية دون ترامب” لكنه فشل لأنه رفض مهاجمة ترامب مباشرة، فلماذا يختار الناخب النسخة المقلدة بينما الأصل موجود؟ وحاولت نيكي هايلي أن تقدم نفسها كمرشحة توحيد تجمع بين مؤسسة الحزب وشبكة كوخ، وهو أمر كان لا يمكن تصوره خلال الحرب الأهلية الجمهورية في أوائل 2010، خاصة أن هايلي نفسها ترشحت عام 2010 كمرشحة حزب الشاي بدعم من نفس الشبكة التي تعارضها غرفة التجارة التي قالت وقتها “نفضل مرشحين غير متطرفين”. لكن حملة هايلي، رغم تمويلها السخي من مانحين كبار، لم تثر حماس القاعدة، وفازت فقط في نيوهامشير وواشنطن العاصمة، ثم أعلنت شبكة كوخ في فبراير أنها ستتوقف عن تمويلها.

وهنا يطرح هايدمان في الخاتمة المعنونة “كل أحزاب الغد” سؤالاً لا مفر منه: إذا كانت نفس القوى التي فككت الحزب الجمهوري – ضعف الحزب وتشظي عالم الأعمال – موجودة أيضاً في الحزب الديمقراطي، فلماذا لم ينحدر الديمقراطيون إلى نفس المصير؟ لماذا لا يوجد مارجوري تايلور غرين ديمقراطية، ولماذا لا يوجد مات غايتس ديمقراطي؟

الإجابة التي يقدمها هي :الحزب الديمقراطي، كما يجادل، بُني حول مجموعات مصالح interest groups – نقابات، منظمات نسائية، منظمات حقوق السود، منظمات بيئية، منظمات مجتمع الميم – بينما بُني الحزب الجمهوري منذ السبعينيات حول الأيديولوجيا، حول ما يسمى “المقعد ذي الثلاثة أرجل” للمحافظة: اقتصاد السوق الحر، والقيم الاجتماعية المحافظة، والعسكرة العدوانية. في الحزب الديمقراطي، المرشح يفوز في الانتخابات التمهيدية ليس لأنه الأكثر ليبرالية، بل لأنه الأكثر قدرة على توحيد مجموعات المصالح وتقديم منافع ملموسة لكل منها. في الحزب الجمهوري، المرشح يفوز لأنه الأكثر محافظة، الأكثر تطرفاً في رفض التسوية.

هذه البنية تجعل رائد الأعمال السياسي الليبرالي أقل قدرة على النجاح. بيرني ساندرز خاض حملتين رئاسيتين مناهضتين للمؤسسة في 2016 و2020 وزاد من زخم الاستياء، لكنه حتى هو، حين خسر، دعم المرشح الفائز ودعا أنصاره للتصويت له. لا يوجد ديمقراطي يتبنى نفس ازدراء القيادة الذي يبديه ترامب أو غايتس. والسبب مادي: رائد الأعمال المحافظ هدفه الأساسي هو منع الحزب من تمرير تشريع ديمقراطي، أي أن يقول “لا”، وهذا لا يحتاج إلى تعاون مع القيادة، بل يحتاج إلى تعطيلها، ويمكنه العودة إلى دائرته ليقول “قاتلت قتالاً جيداً”. أما رائد الأعمال الليبرالي فيريد من الحزب أن يمرر شيئاً – تأمين صحي للجميع، صفقة خضراء جديدة – وهذا مستحيل دون تعاون وثيق مع القيادة الحزبية. لذلك لا يمكن أن يوجد كتلة حرية Freedom Caucus يسارية تريد إسقاط رئيس مجلس النواب الديمقراطي.

لكن هايدمان لا ينتهي بتطمينات. يلاحظ تحولاً خطيراً يحدث تحت السطح: الناخبون الأثرياء يتحولون إلى الحزب الديمقراطي. دراسة لتبرعات الرؤساء التنفيذيين بين 2000 و2017 وجدت أن 57 بالمئة منهم كانوا يمنحون ثلثي تبرعاتهم للجمهوريين، و19 بالمئة فقط للديمقراطيين. لكن دراسات العقد الأخير وجدت انعكاساً: منذ 2020، تبرع مانحو رأس المال المغامر بـ 75 بالمئة من تبرعاتهم للديمقراطيين، ومانحو صناديق التحوط بـ 68 بالمئة، وشركات الأدوية الكبرى والمحاماة الكبرى وشركات الاستشارات الثلاث الكبرى ماكينزي وباين وبوستن الاستشارية تبرعت بـ 95 بالمئة للديمقراطيين. كما أن الناخبين الأثرياء بشكل عام يتحولون إلى الديمقراطيين، بينما أصبح تصويت الطبقة العاملة منقسماً بين الحزبين.

قد يظن المرء أن هذا سيجعل الديمقراطيين يتخلون عن إعادة التوزيع، لكن العكس حدث: في عهد جو بايدن، حاول الديمقراطيون تمرير أكثر خطة إعادة توزيع طموحاً منذ المجتمع العظيم Great Society. حقيقة أن الخطة عرقلها اثنان من أكثر أعضاء الكتلة الديمقراطية محافظة لا تنفي أن بقية الحزب دعمها. على نطاق واسع من القضايا الاقتصادية، من الضرائب إلى التنظيم المالي، يحمل الديمقراطيون ذوو الدخل المرتفع آراء ليبرالية أكثر باستمرار من الديمقراطيين ذوي الدخل المنخفض، وهو ما يعكس أن التعليم الجامعي أصبح محركاً للأيديولوجيا الليبرالية.

هنا يكمن تحذير هايدمان الأخير. الحزب الديمقراطي في حالة انتقالية. البنية القائمة على مجموعات المصالح التي حافظت عليه متماسكاً لنصف قرن تضعف، مع تزايد ليبرالية الناخبين المتعلمين وانتخاب ديمقراطيين مساواتيين أكثر تشدداً في دوائر يغلب عليها هؤلاء الناخبون. طاقات 2016 و2020 التي أطلقتها حملات ساندرز لم تتبدد، بل هي في حالة سبات حتى 2024، ومن غير المرجح أن تتبدد ببساطة. الديمقراطيون قد يسيرون على طريق الاستقطاب الذي شقه الجمهوريون، لكن بفارق زمني.

أما الجمهوريون، فيختم هايدمان، فهم أيضاً في حالة انتقالية، لكن من نوع آخر. ترامب غير الحزب بعمق، لكن ابتكاره لم يكن في كونه أكثر رجعية من ريغان وبوش، فحزب ريغان وبوش كان حزب رد فعل عنصري وبلطجة إمبريالية وكان مرتاحاً تماماً لتجاهل القانون حين يناسبه. ابتكار ترامب الحقيقي هو الحكم الشخصي personalist rule على الحزب ومحاولة ممارسة نفس النمط على الحكومة الأمريكية نفسها. هذا الحكم الشخصي وضع موضع تساؤل مكان المحافظة نفسها في الحزب الجمهوري الجديد. منذ 2016، حل الولاء لترامب، ومهما يدعي أنه يؤمن به في اللحظة، محل الأيديولوجيا المحافظة كقوة دافعة في سياسة الحزب الجمهوري. في 2020، لم يكلف الحزب نفسه عناء كتابة برنامج حزبي، كان البرنامج هو كل ما يقوله ترامب. في 2024، أصدر وثيقة سماها برنامجاً، لكنها أظهرت بالكاد اهتماماً برؤية سياسية أكثر مما أظهرت في 2020.

بهذا المعنى، فإن “الفيل الجامح” ليس مجرد كتاب عن ترامب، بل هو كتاب عن نهاية الأيديولوجيا كآلية لتماسك حزب، وبداية الولاء الشخصي كبديل. وهو كتاب ينجح في تقديم تفسير مادي مؤسسي لما بدا للكثيرين جنوناً ثقافياً غير قابل للتفسير. إنه يذكرنا بأن الأحزاب لا تموت لأن الناخبين غاضبون، بل تموت لأن المؤسسات التي كانت تضبط هذا الغضب – الأحزاب نفسها ومنظمات الطبقة التي كانت تقف خلفها – قد ماتت قبلها بوقت طويل، تاركة الساحة لرواد أعمال سياسيين يبيعون الفوضى كسلعة، ويجدون من يشتريها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى