خارج حدود الفقه

في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر، وحيث تتلاطم أمواج الحداثة مع صخور التراث، يبرز كتاب “العلماني الإسلامي” The Islamic Secular (Sherman A. Jackson) ، للمفكر شيرمان أ. جاكسون، الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد، كمحاولة تتحدى المسلمات المستقرة، ليس فقط في الدوائر الأكاديمية الغربية، بل وحتى في الوعي الإسلامي المعاصر، مقدماً رؤية تسعى لتحرير المفاهيم من سياقاتها الغربية، وإعادة توطينها في بنية العقل الفقهي الإسلامي.
يفتتح جاكسون رحلته الفكرية بتسليط الضوء على ما يسميه “عدو اللغة” أو أزمة المصطلحات. مستلهماً رؤى الكاتب الأمريكي الشهير جيمس بالدوين والفيلسوف المغربي المعاصر طه عبد الرحمن، يفكك جاكسون الاغتراب الذي يعيشه المفكر عندما يضطر للتعبير عن ذاته وهويته باستخدام لغة ومصطلحات شُكلت تاريخياً لطمس هذه الهوية أو تشويهها. لقد أدرك بالدوين بعبقريته أن الكاتب الذي يولد في كنف اللغة الإنجليزية يجب أن يدرك أن افتراضات هذه اللغة هي في جوهرها خصم له، ويجب عليه أن يطوعها ويغيرها. وفي ذات السياق، يؤكد طه عبد الرحمن أن المجتمع المسلم سيظل تائهاً في صحراء فكرية قاحلة ما لم يبتكر أدواته المفاهيمية الخاصة، أو يعيد إنتاج مفاهيم الآخرين لتصبح وكأنها نبتت في تربته الأصلية. يطبق جاكسون هذه الرؤية العميقة على مصطلح “العلماني”، مشيراً إلى أن الفهم الغربي السائد يفرض علاقة تضاد حتمية وعدائية مع ما هو “ديني”.
غير أن جاكسون يرفض هذا الاستسلام المعرفي، مجادلاً بأن التراث الفقهي الإسلامي، وتحديداً علم أصول الفقه، يقدم مقاربة بديلة تماماً. لا يسعى جاكسون هنا لمجرد إيجاد مرادف عربي للمفهوم الغربي، بل يؤكد أنه عند قراءة مصطلح “العلماني” عبر الخلفية الفكرية للإسلام، فإنه يكتسب دلالة مختلفة جذرياً، دلالة لا تجعله نقيضاً للدين، بل جزءاً من منظومته الشاملة. هذا المفهوم البديل والعميق هو ما يطلق عليه المؤلف تسمية “العلماني الإسلامي”.
ترتكز الفرضية الأساسية لمفهوم “العلماني الإسلامي” على فكرة محورية مفادها أنه في حين أن النظرة الإلهية لرب الإسلام هي نظرة شمولية وكلية تحيط بالكون بأسره، فإن التواصل الإلهي الملموس والمحدد، والذي يتجلى في “الشريعة”، هو في طبيعته محدود ومؤطر. وبناءً على هذا التصور، تنشأ مساحة رحبة بين محيط الشريعة بحدودها المرسومة، وبين محيط الإسلام كدين شامل. في هذه “المساحة” البينية، يتحرك المسلمون ويتخذون قراراتهم دون الاعتماد الحصري على إملاءات إلهية ملموسة، ولكنهم في الوقت ذاته لا ينفصلون أبداً عن الوعي العميق بحضور الله ورقابته وحاكميته.
لتجسيد هذه الفكرة ، يسوق جاكسون أمثلة تاريخية حية من الحضارة الإسلامية. فعندما قام المعماري العثماني العظيم سنان بتصميم وبناء تلك الصروح التي أصبحت توقيعاً معمارياً للحضارة الإسلامية، أو عندما أسس أولوغ بيك مرصده الفلكي الشهير في سمرقند، لم يكن أي منهما يستقي تعليماته الهندسية أو الفلكية بشكل مباشر وملموس من نصوص الشريعة أو مصادرها الفقهية. ورغم ذلك، سيكون من العبث والافتئات على التاريخ الافتراض بأن جهودهم وإبداعاتهم كانت خالية من الوعي العميق بالرقابة الإلهية أو الرغبة في نيل الرضا الرباني. لقد كانت أعمالهم “علمانية” بمعنى أن الوحي الإلهي لم يتدخل في تحديد تفاصيلها التقنية والمادية، لكنها ظلت أعمالاً “دينية” بامتياز لأنها نُفذت بنية تعبدية صادقة وتوجه روحي خالص. هذا التداخل البديع يضرب في صميم الافتراض الغربي السائد الذي يفصل قسراً بين ما هو علماني وما هو ديني.
يواصل جاكسون ليؤكد أن الإسلام، بوصفه ديناً، لا يتكون من مسار تديني واحد، بل يتألف من مسارين متميزين ولكنهما متداخلان ومترابطان بشكل لا يقبل الانفصام. المسار الأول هو المسار “الشرعي” الذي يستمد قواعده ومرجعيته من الشريعة ومصادرها المباشرة. أما المسار الثاني فهو المسار “اللاشرعي” أو المتميز، وهو مسار “علماني” لا تشكل إملاءات الشريعة نسيجه المادي الملموس. ويجادل المؤلف بقوة بأن أنشطة حيوية مثل صناعة الثقافة، وتطوير التكنولوجيا، وبناء المؤسسات، وصناعة القرارات الدنيوية اليومية، بل وحتى الخوض في تخصصات عقلانية بحتة مثل الطب وعلم الفلك والاقتصاد والهندسة والجبر، هي كلها أنشطة أصيلة ومتجذرة في الإسلام كدين. ورغم أن الاشتباك التأويلي مع نصوص الشريعة لا يحدد الجوهر المادي لهذه المجالات، إلا أنها تظل في قلب اهتمام الإسلام وتندرج تحت مظلته الواسعة.
ويشن جاكسون هجوماً على التصور الذي يصور الشريعة ككيان شمولي مستبد يتدخل في كل شاردة وواردة، وهي نظرة رسخها الاستشراق الغربي وتبناها،، بعض المسلمين. يتتبع المؤلف جذور هذا التصور المضلل إلى كتابات المستشرق الهولندي كريستيان سنوك هورخرونيه، الذي اختزل الفقه الإسلامي في مجموعة غير متمايزة من الواجبات الدينية، معتبراً إياها مجرد وصايا مقدسة تهبط من السماء، وهو التصور الذي تلقفه لاحقاً جوزيف شاخت وماكس فيبر. لقد بُنيت هذه النظرة على افتراض ساذج مفاده أن القانون المقدس يجب أن يكون ذو ولاية عالمية شاملة، انطلاقاً من وهم كماله وشموليته اللانهائية.
في مواجهة هذا ، يغوص جاكسون في الفلسفة المقارنة للقانون الإلهي، مستعيناً برؤى كريستين هايز التي كشفت الفروق الجوهرية بين الفهم اليوناني والفهم الكتابي والفهم الإسلامي السني للقانون الإلهي. فبينما كان الفكر اليوناني يرى أن ما يضفي صفة الألوهية على القانون هو تعبيره عن الهياكل العميقة لنظام طبيعي كوني ثابت وعقلاني، وبالتالي شموليته المطلقة، اتخذ اللاهوت السني مساراً مغايراً تماماً. بالنسبة للسنة، لا يستمد القانون الإلهي قدسيته من تطابقه مع نظام كوني عقلاني مسبق الوجود، بل من كونه صادراً عن الإرادة الأحادية الحرة والمستقلة لله عز وجل المشرّع. وإذا كان القانون نابعاً من إرادة حرة، فإن هذه الإرادة يمكنها ببساطة وبشكل متعمد أن تحدد نطاق خطابها وأوامرها. إن صمت الشارع عن مساحات معينة لا يعني خروج هذه المساحات عن دائرة الاهتمام الإلهي، بل يتركها لمساحة الاجتهاد الإنساني المحكوم بالرؤية الكلية للدين. وهنا، ينحاز “العلماني الإسلامي” للرؤية السنية التي تعتبر الشريعة كياناً محدوداً ومؤطراً، رافضاً النظرة اليونانية الشمولية.
كما يحلل جاكسون النزعات المعاصرة التي تحاول إعادة إحياء ما يشبه “الواقعية الأنطولوجية” في قراءة الشريعة، حيث يتم تصوير الشريعة كمثال إلهي معلق في الهواء، معصوم من الخطأ، بينما يعتبر الفقه مجرد محاولة إنسانية قاصرة لفهم هذا المثال. بالعودة إلى تنظيرات فقهاء كبار مثل الإمام أبي حامد الغزالي، يوضح جاكسون أن السعي لمرضاة الله لا يقتصر دائماً على الوصول إلى قاعدة إلهية مسبقة ومثالية. يشير الغزالي في أصوله إلى أن العديد من القضايا تفتقر إلى أدلة قطعية، وفي مثل هذه الحالات، يعتبر “حكم الله” هو ما يصل إليه المجتهد بعد استنفاد وسعه العقلاني. بهذا المعنى العملي العبقري، يذيب الغزالي الفوارق الصارمة بين الفقه أي الجهد الإنساني والشريعة أي الحكم الإلهي الحقيقي، جاعلاً من الإخلاص في البحث وعملية الاجتهاد بحد ذاتها قيماً أخلاقية سامية.
تخلص هذه الرؤية إلى أن السعي لتحقيق مرضاة الله، وكذلك السعي لتحقيق المصالح الإنسانية المعتبرة شرعاً، لا يقتصران بشكل صارم على الإملاءات الملموسة والمباشرة للشريعة أو الفقه. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن على المسلمين الخروج من عباءة الإسلام لتحقيق هذه المصالح. إن عبارة “خارج إملاءات الفقه” لا تعني إطلاقاً “خارج اهتمام الإسلام”، وهو ما يؤكد عليه “العلماني الإسلامي” بقوة. بل إن ازدهار الشريعة ذاتها وبقائها حية عبر العصور لم يكن ليعتمد فقط على جهود الفقهاء، بل تطلب دعماً ثقافياً وفكرياً ومؤسسياً ومالياً هائلاً من المجتمع، وهو ما لم تقدم الشريعة بشأنه توجيهات مفصلة. من رعاية الأوقاف إلى تطوير علوم الآداب واللغة والتاريخ، كانت هذه الجهود “اللاشرعية”، أي غير المستمدة من نصوص الأحكام المباشرة، شرياناً حيوياً لبقاء الإسلام كحضارة ودين، مما يثبت بشكل قاطع أن الأنشطة التي تُصنف عادة كعلمانية تحمل في طياتها قيمة دينية وإسلامية عظيمة لا ينبغي تهميشها.
يتضح إذن أن المشروع الفكري لجاكسون يحمل أبعاداً مزدوجة، فهو من ناحية يفند المركزية الغربية في تعريف المصطلحات، ومن ناحية أخرى يعالج أزمة الوعي الإسلامي المعاصر الذي سقط فريسة لثنائية ضيقة تجعله ينظر إلى أي نشاط دنيوي غير منصوص عليه فقهياً وكأنه مقطوع الصلة بالدين. إن استبعاد مفهوم “العلماني الإسلامي” من المنظورين الأكاديمي الغربي والدعوي الإسلامي أدى إلى فقر مدقع في فهم كيفية تنزيل الإسلام كمنهج حياة على أرض الواقع المادي. يحذر جاكسون من أن هذا التجاهل قد يدفع المسلمين نحو “علمنة” قسرية بالمعنى الغربي، حيث يتم حصر “الديني” في الشعائر والأحكام الفقهية الضيقة، وتوصيف كل ما عداها بأنه “غير ديني”، مما يولد انفصاماً حضارياً خطيراً. ولعل أبلغ تعبير عن هذا هو ما نقله المؤلف عن أحد الأئمة في أمريكا الذي برر عدم اكتراث المصلين بمشروع اقتصادي ضخم بأنه “ليس فيه دين”.
انطلاقاً من هذه النقطة الحرجة المتمثلة في مقولة “ليس فيه دين” التي تختزل الوجود الإسلامي في حيز ضيق من الشعائر وتبعده عن فاعليته الحضارية، يدرك شيرمان جاكسون أن هذه الأزمة لا تقتصر على العوام أو الأئمة المحليين، بل تضرب بجذورها عميقاً في بنية الأكاديميا الغربية التي تدرس الإسلام، وفي طرق التفكير التي يتبناها الأكاديميون المسلمون أنفسهم في الغرب. ولذلك، يفتتح جاكسون مساراً جديداً للاشتباك مع التحديات الأكاديمية، معترفاً بوضوح بأن مشروعه الفكري يحمل أبعاداً “اعترافية” أو طائفية لا يخجل منها ولا يحاول إخفاءها خلف ستار من الموضوعية أو العقلانية العالمية المتعالية. فهو يرى أن إقصاء “العلماني الإسلامي” من المنظور التحليلي قد أفقر الفهم الغربي للإسلام، ودفع المسلمين المعاصرين إلى فهم ثنائي حاد للعلاقة بين الديني والعلماني، وهو فهم يخدم في النهاية الهيمنة العلمانية الغربية. وفي هذا السياق، يتوقف جاكسون عند الانتقادات الحادة التي يوجهها باحثون مثل آرون هيوز للأكاديميين المسلمين في الجامعات الغربية، حيث يتهمهم هيوز بتجاوز حدود البحث الأكاديمي الموضوعي والانخراط في “سياسات الهوية” ومحاولة تجميل الإسلام وتقديمه كدين ليبرالي شامل ومتسامح كرد فعل على الضغوط الأيديولوجية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ورغم أن جاكسون يتفق مع هيوز في ضرورة الحفاظ على النزاهة والانضباط الأكاديمي، إلا أنه يرفض بشدة الفكرة القائلة بأن الأكاديمية الغربية يجب أن تمنع المسلمين من المساهمة في تشكيل الفهم المعياري لدينهم، متسائلاً عن سبب السماح للباحثين الماركسيين أو النسويين بالتنظير لصالح انتماءاتهم في حين يُحرم المسلمون من ذلك. وكبديل منهجي، يطرح جاكسون مفهوم “الدراسات الإسلامية 2.0” (Islamic Studies 2.0)، وهو نهج يجمع بين الحفر التاريخي النقدي الذي يشكل جوهر “الدراسات الإسلامية 1.0” (والذي يمكن للباحثين غير المسلمين المساهمة فيه بفعالية بل وتصحيح أخطاء الباحثين المسلمين)، وبين توظيف هذه المعطيات التاريخية لبناء مواقف معيارية معاصرة تلبي احتياجات المسلمين وتصحح مساراتهم الفكرية.
بعد إرساء هذه القواعد المنهجية،يصل جاكسون في عمق الفصل الأول ليفكك المكونات الثلاثة لمصطلحه الإشكالي، مبدئياً بتحليل مفهوم “العلماني” (The Secular) وتطوره التاريخي في السياق الغربي. يرفض جاكسون الاستسلام للهيمنة المعرفية التي تجعل من العلمانية نقيضاً حتمياً للدين، ويقوم بتشريح العلمانية إلى نمطين أساسيين: النمط الكلي (Macro-Secular) والنمط الجزئي (Micro-Secular). يشير النمط الكلي للعلمانية إلى تلك الأيديولوجيات التي تستهدف الدين برمته، إما بسعيها النشط لاجتثاثه من حياة البشر كما فعلت الماركسية، أو بالاعتماد على سيرورة التحديث التي تؤدي تلقائياً إلى ذبول الدين، وهو ما يتجلى في مفهوم “نزع السحر عن العالم” (Disenchantment) الذي نظّر له فلاسفة وعلماء اجتماع مثل ماكس فيبر وتشارلز تايلور وبيتر بيرغر. في هذا النمط الكلي، يُفترض أن الإيمان بالله يعتمد على رؤية كونية تعج بالقوى الخارقة والأرواح، ومع تقدم العلم الوضعي وتفسير الظواهر طبيعياً، يُفرغ العالم من سحره، مما يؤدي بالضرورة إلى تراجع الدين وتطبيع الإلحاد. يؤكد جاكسون بحسم أن الإسلام لم ينتج أبداً علمانية كلية من هذا النوع، فرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، رغم أنها سعت لـ “نزع سحر” الخرافات الوثنية في الجزيرة العربية، إلا أنها لم تفرغ العالم من فاعلية القوة الإلهية، بل وجهت الشعور الديني نحو الإله الخالق الذي يتدخل في التاريخ والطبيعة بإرادته الحرة. وحتى التمييز القرآني الواضح بين “الدنيا” و”الآخرة”، والذي تناوله فلاسفة وفقهاء كبار مثل الغزالي، لا يمثل علمانية كلية؛ لأن النشاط الدنيوي البحت يبقى مشمولاً بالرعاية والرقابة الإلهية، ويمكن تحويله بالنية إلى عبادة، فالدنيا كما يقول الغزالي هي “مزرعة للآخرة”، وليست نقيضاً للدين.
أما النمط الثاني، وهو النمط الجزئي (Micro-Secular)، فهو لا ينكر وجود الله أو يرفض الدين من حيث المبدأ، بل يركز بدلاً من ذلك على تحجيم النطاق الذي يلتزم فيه البشر بما يقوله الله أو يأمر به بشكل ملموس. في هذا النمط، تُحدَّد مساحة معينة تتقلص فيها سلطة الأوامر الإلهية المباشرة (التكليف)، لتفسح المجال أمام الأفكار والمؤسسات العلمانية للنمو، دون أن يعني ذلك بالضرورة هدم “المظلة المقدسة” الشاملة. إن جوهر هذه العلمانية الجزئية يكمن في مبدأ “التمايز” (Differentiation)، وهو المفهوم الذي يعتبره علماء الاجتماع، مثل خوسيه كازانوفا، القلب النابض لنظرية العلمنة، حيث تنفصل مجالات الدولة والاقتصاد والعلوم عن المجال الديني، وتستقل بمعاييرها وقيمها الخاصة. ورغم أن هذا التمايز قد اتخذ طابعاً عدائياً تجاه الدين في مراحل لاحقة من الحداثة الغربية، إلا أن فلاسفة مثل إيمانويل كانط استخدموه لحماية الدين نفسه، عبر حصر الدين في دائرة “الأخلاق” وتمايزه عن العلم التجريبي.
هنا يوجه جاكسون ضربته ، مبيناً أن “العلماني الإسلامي” ينتمي بالفعل إلى فصيلة “العلماني الجزئي” لأنه يعترف بوجود مساحات من النشاط البشري لا تحدد الشريعة أو نصوص الوحي تفاصيلها المادية الملموسة أو معايير تقييمها الدنيوية. ولكن، يبرز فارق جوهري وحاسم بين العلمانية الجزئية الغربية والعلماني الإسلامي؛ ففي حين أن التمايز الغربي يفصل “العلماني” عن “الديني” ويجعل منهما نقيضين، فإن التمايز في المنظور الإسلامي يفصل المساحة “اللاشرعية” (أي التي لا يحكمها نص مباشر أو قياس فقهي) عن المساحة “الشرعية”، وليس عن الدين نفسه. وبما أن “الشرعي” لا يتطابق بالضرورة مع حدود الإسلام كدين ، فإن هذا التمايز يخلق مساحة شاسعة تبقى خارج الإملاءات المباشرة للشريعة، ومع ذلك تظل قابعة بالكامل داخل حدود الإسلام كدين، وهذا ما يمنحنا مفهوماً قد يبدو متناقضاً للوهلة الأولى للعقل الغربي، وهو مفهوم “العلماني الديني”.
لتعميق هذا التمييز، ينتقل جاكسون لتشريح مفهوم “الدين” (Religion) ذاته، مبدياً دهشته من الارتباك الدلالي الذي يحيط بهذا المصطلح في الفكر الغربي. يستعرض جاكسون الجدل التاريخي حول الأصل اللاتيني للكلمة، مشيراً إلى التباين بين نظرة الفيلسوف الروماني شيشرون الذي اعتبر الدين “حالة نفسية” أو توجهاً داخلياً يتسم بالرهبة والقلق الدائم لضبط العلاقة مع الآلهة (Religion-as-psychodynamic-orientation)، وبين نظرة الكاتب المسيحي لاكتانتيوس الذي صاغ الدين كنظام من العقائد والطقوس المحددة والملموسة التي تربط الإنسان بالإله الحق (Religion-as-concrete-doctrine-and-practice). ويوضح جاكسون أن النخب الفكرية الأوروبية في العصر الحديث تبنت وجهة نظر لاكتانتيوس، فحوّلت الدين إلى “شيء” أو نظام هيكلي ملموس يسهل استهدافه وفصله عن مجالات الحياة الأخرى كالاقتصاد والسياسة. وعندما توجه المستشرقون لدراسة الإسلام، أسقطوا هذا الفهم الغربي المتبلور على مصطلح “الدين” الإسلامي، فاختزلوه في مجموعة الأوامر والنواهي الصارمة، أي “الشريعة”، جاعلين منها الكيان الشمولي الذي لا يترك شاردة ولا واردة إلا وتدخل فيها. هذا الاختزال لم يقتصر على المستشرقين، بل تبناه للأسف العديد من رواد الإصلاح الإسلامي وحركات الإسلام السياسي المعاصرة، الذين رأوا في هذا الفهم الشمولي للشريعة طوق النجاة الوحيد لمقاومة الطوفان العلماني الغربي.
إلا أن جاكسون يرفض هذا الاختزال بشدة، مستعيناً برؤى الباحث الياباني توشيهيكو إيزوتسو وعلماء مسلمين كبار كالغزالي وابن تيمية والشاطبي، ليؤكد أن مصطلح “الدين” في الإسلام هو مصطلح متعدد الدلالات (Polysemic) يحمل في طياته تناقضات ظاهرية بديعة، فهو يعني “الطاعة الخضوعية” من جهة البشر، ويعني “السيادة المطلقة” من جهة الله. والأهم من ذلك، أن الدين في الإسلام لا يُفصل قسراً إلى “إيمان داخلي” و”ممارسة خارجية” كمتناقضين، بل يجمع بين المسارين في كلٍ متكامل. فبينما تمثل الشريعة البعد المتمثل في النظام والعقيدة والممارسة الملموسة، يمثل “الدين” في مفهوم “العلماني الإسلامي” التوجه النفسي العميق، واستشعار الحضور الإلهي المستمر، والوعي بالرقابة الكلية لرب العالمين. هذا البعد الذي يعتمد بشكل رئيسي على مفهوم “التقوى” ودافع “القربة” إلى الله، يجعل المسلم يتحرك في مساحات الحياة المتنوعة (التي لا تحكمها نصوص فقهية تفصيلية) بوعي ديني حيوي. هذا الوعي يوسع أفق الدين ليتجاوز مجرد الامتثال الحرفي للأوامر (الطاعة / Obedience) إلى ما يسميه جاكسون بـ (الإذعان أو الامتثال الروحي / Obeisance)، حيث يسعى المؤمن لنيل رضا الله حتى في المجالات التي لم تنزل فيها توجيهات محددة. هكذا، يتحول أي نشاط “علماني” أو دنيوي غير منصوص عليه شرعاً، سواء كان بناء مؤسسات، أو تطوير تقنيات، أو صياغة نظريات علمية، إلى نشاط “ديني” وإسلامي بامتياز، طالما أنه يُمارس تحت مظلة التقوى والسعي المستمر لابتغاء مرضاة الله، وهو ما ينسف الثنائية الغربية التي تجعل من العلمانية بالضرورة نفياً للدين، ويفتح باباً واسعاً لفهم جديد للفاعلية الحضارية الإسلامية.
استكمالاً لهذا وبعد أن حرر مفهوم “الدين” من أسره الغربي وربطه بالوعي والمقصد، ينتقل إلى المكون الثالث والأخير من مصطلحه ، وهو مفهوم “الإسلامي” (Islamic). يستهل جاكسون هذه المقاربة بتوضيح لغوي ومفاهيمي بالغ الأهمية، مفرقاً بين صفتي “المسلم” (Muslim) و”الإسلامي” (Islamic) عند استخدامهما كنعوت للأفعال والأفكار. فبينما تحمل صفة “مسلم” طابعاً وصفياً تقريرياً يخبرنا بما هو كائن في الواقع، تحمل صفة “إسلامي” طابعاً معيارياً يوجهنا نحو ما ينبغي أن يكون وما يُرتجى من مثالية. ولتوضيح هذا الفارق، يشير المؤلف إلى أنه من السهل لغوياً وواقعياً التحدث عن “جريمة قتل يرتكبها مسلم” أو “زنا يقع فيه مسلم”، لكن من التناقض الصارخ الحديث عن “جريمة قتل إسلامية” أو “زنا إسلامي”. بناءً على هذا، يرفض جاكسون الاكتفاء بمصطلح “العلماني المسلم” بديلاً عن مصطلحه، لأن أي فعل دنيوي لا يصبح إسلامياً بمجرد أن فاعله يعتنق الإسلام؛ بل يحتاج هذا الفعل إلى تلك الشحنة الروحية من التقوى، ودافع القربة، و”الإذعان” الواعي للرقابة الإلهية، ليتحول من مجرد نشاط علماني محايد إلى نشاط يندرج تحت مظلة “العلماني الإسلامي”. إن تشجيع فريق رياضي كالمنتخب الباكستاني في مباراة للكريكيت، على سبيل المثال، قد يكون مجرد فعل علماني قومي بحت، لكن إذا اقترن بنية تعزيز هيبة المسلمين ودعم بنيتهم الثقافية وثقتهم بأنفسهم، فإنه يكتسب صفة المعيارية ويصبح فعلاً “إسلامياً”.
هذا الفهم لمصطلح “الإسلامي” لم يكن وليد اللحظة لدى جاكسون، بل هو ثمرة تطور فكري وتراجع شجاع عن مواقف سابقة اتخذها في كتاباته الأولى. يعترف المؤلف بأنه في بداياته كان يحمل عداءً صريحاً ومبرراً للاستخدام الفضفاض لصفة “الإسلامي”، متأثراً في ذلك بنزعات سلفية ومقاربات أكاديمية، كتلك التي تبناها المؤرخ المعروف مارشال هودجسون والمفكر إسماعيل الفاروقي، وهي مقاربات كانت تقصر إطلاق وصف “الإسلامي” حصراً على ما هو ديني محض ومستمد مباشرة من النصوص الشرعية التأسيسية. كان جاكسون يرى آنذاك أن إطلاق لفظ “إسلامي” على خيارات ثقافية وتاريخية معينة يمنح النخب المهاجرة في الغرب سلطة احتكار المعيارية الدينية وتهميش التجربة الخاصة بالمسلمين الأصليين (كالأمريكيين السود). إلا أن جاكسون أدرك لاحقاً قصور هذه النظرة ، خاصة عند مواجهتها للواقع المعقد الذي يتطلبه بقاء الأديان واستمرار فاعليتها الحضارية. هنا، يستعير جاكسون مفهوم “البنية التحتية للمعقولية” (Plausibility Structure) من عالم الاجتماع بيتر بيرغر، ليوضح أن الدين لا يملك القدرة على إعالة نفسه ذاتياً في فراغ ثقافي، بل يحتاج إلى نظام بيئي ثقافي واجتماعي متكامل يجعله حياً ومقنعاً وواقعياً للأجيال المتعاقبة. ومن هذا المنطلق، تصبح عناصر الثقافة والفنون والعمارة، كالقباب والمآذن بل وحتى الأطعمة المحلية المرتبطة بالهوية، أجزاء لا تتجزأ من الكيان “الإسلامي” ككل، ليس لأنها منصوص عليها في أصول الشريعة، بل لأنها تشكل الحاضنة الثقافية والرمزية التي تحافظ على بقاء الدين وتمنحه جاذبيته ومصداقيته في الواقع المعيش.
ومن بوابة هذا الوعي الجديد، يدخل جاكسون في اشتباك نقدي مع اثنين من أبرز من حاولوا تعريف مصطلح “الإسلامي” في الأكاديميا الغربية، بدءاً بالمؤرخ المرموق مارشال هودجسون في موسوعته الشهيرة “مغامرة الإسلام”. كان هودجسون قد اقترح تقسيماً ثلاثياً ذائع الصيت: “الإسلامي” (Islamic) للإشارة إلى الدين الخالص المستمد من الوحي، و”الإسلاميات” (Islamicate) للإشارة إلى الثقافة والحضارة التي أنتجتها المجتمعات المسلمة وشارك فيها غير المسلمين بفعالية، و”العالم الإسلامي” (Islamdom) للإشارة إلى المجال الجغرافي والسياسي الذي يهيمن عليه المسلمون. ورغم أن جاكسون يثمن هذا التقسيم لقدرته التحليلية على التمييز بين ما هو شرعي نصي وما هو غير ذلك، إلا أنه يأخذ على هودجسون تضييقه الشديد لمفهوم “الدين”؛ حيث حصر هودجسون الديني في الاستجابة الأخلاقية الفردية لتحدي الوحي، معتبراً كل الإنجازات الثقافية والحضارية والفنية (الإسلاميات) أنشطة “علمانية” لا تمت بصلة جوهرية للدين بالمعنى الدقيق. يعارض جاكسون هذا الفصل التعسفي بقوة، مؤكداً أن كل الأنشطة الثقافية والأدبية والمؤسسية التي تعمل على صيانة الدين وتعزيزه يجب أن تُعتبر أنشطة “دينية” و”إسلامية” في جوهرها، لأنها تسهم في إبقاء الدين حياً وفعالاً، وبالتالي تذوب تلك الهوة المصطنعة والمجحفة التي حفرها هودجسون بين ما هو ديني وما هو ثقافي أو علماني. إن اعتبار الثقافة والحضارة مجرد نتاج “علماني” غير ديني يعني تجريد الإسلام من قدرته على تشكيل الحياة وصياغة الإنسان، وهو ما يتناقض مع طبيعة الإسلام التكوينية.
ثم ينتقل جاكسون لمقارعة أطروحة المفكر الراحل شهاب أحمد في سفره الضخم والمثير للجدل “ما هو الإسلام؟”. حاول شهاب أحمد الهروب من قبضة “التفوق القانوني” للفقهاء من خلال توسيع مفهوم الإسلام ليشمل الفلسفة والتصوف والفن، معتبراً أن هذه المجالات تنتج معاني وحقائق إسلامية حقيقية. ولتجنب السقوط في ثنائية (الديني والعلماني) التي فرضتها الحداثة الغربية، ادعى شهاب أحمد أن هذه الممارسات الفنية والفلسفية ليست دينية وليست علمانية، بل هي ببساطة تتجاوز هذا التصنيف لتصبح “إسلامية” فحسب. يرى جاكسون أن شهاب أحمد قد بالغ في تصوره لشمولية الفقه وتسلط الفقهاء، ونتيجة لذلك، ذهب بعيداً في اختراع مفاهيم هلامية مثل “ما قبل النص” (Pre-Text) لتبرير خروج الفلاسفة والمتصوفة عن أحكام الشريعة بحجة وصولهم إلى “حقيقة” كونية أعلى من النص القرآني ذاته، ومستقلة عن الوحي. ينتقد جاكسون بشدة هذه “الواقعية الأنطولوجية” المتطرفة التي تجعل الحقيقة الكونية سابقة على إرادة الله ومستقلة عنها، مؤكداً أن الرؤية الإسلامية السنية لا تعترف بحقيقة ميتافيزيقية مستقلة يمكن أن تلغي أو تتجاوز الوحي المباشر لله، وأن اعتبار مساهمات أرسطو وأفلاطون “إسلامية” بشكل مباشر دون تمريرها عبر مصفاة القبول الإسلامي هو تبسيط مخل. وبدلاً من ابتكار طرق ملتوية للالتفاف على الشريعة وكسر حاكميتها النصية كما فعل شهاب أحمد، يقدم “العلماني الإسلامي” حلاً أبسط وأكثر أصالة واتساقاً مع التراث: الاعتراف بأن الشريعة نفسها تضع حدوداً لصلاحياتها وتعلن عن مناطق لا تتدخل فيها، وأن هناك مجالات دنيوية وعقلانية كاملة تقع خارج نطاق الإلزام الشرعي، ولكنها تظل تقبع بكل أريحية داخل النطاق الإسلامي الواسع كدين، حيث تُحكم هذه المجالات بمعايير الكفاءة والمنفعة والجمال والفاعلية وليس بالضرورة بمعايير الحلال والحرام الفقهية الصارمة.
ولكي يبرهن جاكسون على أن هذا الفهم ليس مجرد تنظير فلسفي مجرد يعيش في أبراج الأكاديميا العاجية، بل هو واقع متجذر وممارس في صميم التراث الفقهي والتاريخي، يفتتح الفصل الثاني من كتابه بقصة تاريخية كاشفة ومثيرة من العصر المملوكي، بطلها المؤرخ والفقيه والمحتسب البارز تقي الدين المقريزي. ففي مطلع القرن التاسع الهجري، عصفت بمصر أزمة اقتصادية طاحنة نتيجة ندرة مناجم الفضة محلياً وشحها في الأسواق العالمية، مما دفع السلطان المملوكي فرج بن برقوق إلى تغيير جذري في السياسة النقدية، تمثل في إصدار مراسيم تعتمد على سك العملات النحاسية (الفلوس) لتكون العملة الأساسية والمعيارية في التعاملات اليومية. أدى هذا القرار، مصحوباً بالاضطرابات السياسية واحتكار المعادن النفيسة، إلى تضخم مروع وانهيار كارثي في القوة الشرائية، مما هدد المجتمع المصري بأسره بالفقر المدقع والإفلاس. أمام هذه الكارثة الاقتصادية والاجتماعية، لم يكتفِ المقريزي بوصف هذه السياسة بأنها سياسة اقتصادية فاشلة أو فاسدة إدارياً، بل انطلق من موقعه كفقيه شافعي ليسبغ عليها حكماً دينياً قاطعاً، معتبراً أن الاعتماد على النحاس كعملة نقدية هو أمر “محرم شرعاً” وبدعة شنيعة، ومخالف للنظام الطبيعي الشرعي الذي ادعى أنه يقتصر على الذهب والفضة حصراً.
هنا يضع شيرمان جاكسون أصبعه على مكمن الخلل المنهجي الذي ارتكبه المقريزي، وهو الخلط المتعسف والخطير بين ما هو “سيء أو فاشل اقتصادياً” وما هو “محرم أو محظور شرعاً”. يكشف جاكسون، مستنداً إلى آراء فقهاء عظام معاصرين ولاحقين للمقريزي، مثل العيني والسيوطي بل والرملي والأنصاري، أن التعامل بالفلوس النحاسية كعملة كان أمراً جائزاً شرعاً بإجماع الفقهاء، وأن الشريعة لم تحرم ذلك قط بل أجازته لتيسير المعاملات. المشكلة الحقيقية لم تكن أبداً في مشروعية استخدام الفلوس من الناحية الفقهية التجريدية، بل في الكفاءة الاقتصادية للسياسة النقدية المملوكية وطريقة إدارتها لسعر الصرف. إن انفعال المقريزي الصادق وغيرته المحمودة على الصالح العام أعمياه عن إدراك حقيقة جوهرية: وهي أن الشريعة الإسلامية لا تملك، ولم تدعِ يوماً أنها تملك، الإجابات التقنية أو المعادلات الرياضية التفصيلية لحل الأزمات الاقتصادية وتحديد السياسات النقدية. إن معرفة الحكم الشرعي بـ “إباحة” أو “جواز” التعامل بعملة معينة لا يعني بأي حال من الأحوال أن هذا التعامل سيكون “مفيداً” أو “كفؤاً” أو “صالحاً” من الناحية العملية في ظروف اقتصادية بعينها. هذه الحادثة التاريخية تضيء بوضوح ساطع الفارق الحاسم والمنهجي بين المعيار الأخلاقي أو الفقهي الذي يحدد الجواز والمنع، وبين المعيار العملي أو النفعي الذي يحدد الكفاءة والنجاح، وهو ما يثبت أن الشريعة بأحكامها المنصوصة لا تغطي كل شيء في الوجود، وأن ثمة حاجة ماسة لعلوم دنيوية وعلمانية محضة (كالاقتصاد والإدارة والطب والهندسة) لضبط حركة الحياة، وهي علوم تقع بوضوح خارج نطاق الإملاءات المباشرة لنصوص الوحي.
تتأكد هذه الحقيقة الباهرة وتترسخ في الوعي الأصولي من خلال المقولة الذهبية العميقة التي صاغها الإمام شهاب الدين القرافي، فقيه المالكية الفذ وعالم الأصول البارز، عندما قرر بعبارة موجزة وحاسمة أن “الحَسَن أعم من الحكم الشرعي”. تعني هذه القاعدة الأصولية المحورية أن دائرة الصلاح والمنفعة والخير في الحياة الإنسانية هي دائرة أوسع وأرحب بكثير من الدائرة الضيقة التي تغطيها الأحكام الفقهية التكليفية المباشرة (الوجوب، التحريم، الندب، الكراهة، الإباحة). إن الالتزام الحرفي والمجرد بالقواعد الفقهية الصارمة لا يمثل بالضرورة وفي كل سياق كل الممارسة المعيارية المطلوبة في الإسلام لضمان سعادة الدارين، بل لا بد من ترك مساحة فسيحة تتحرك فيها الخبرة البشرية والتجربة الإنسانية والعقلانية العملية لتقدير المآلات وتحقيق المصالح الحقيقية. ويضرب جاكسون مثالاً معاصراً وعملياً لفهم هذه الآلية الدقيقة، فبينما تقرر الشريعة بشكل قاطع حق المرأة في طلب فسخ النكاح من القاضي بسبب إعسار الزوج وعجزه عن النفقة، فإن هذا الحكم الشرعي (الجواز) لا يضمن بالضرورة أن يكون قرار الفسخ هو الخيار الأفضل أو الأكثر نفعاً أو الأكثر استقراراً لتلك المرأة في حالة فردية واجتماعية معينة. إن تحديد ما هو “جيد” أو “كفء” عملياً وحياتياً يتطلب في كثير من الأحيان الخروج من دائرة الحكم الشرعي المجرد ذي البعد الأخلاقي والقانوني، إلى رحاب التخصصات الدنيوية كالخبرة المالية، والرعاية الاجتماعية، والسياسة الشرعية الواسعة، وهذا الفضاء الرحب والمستقل نسبياً هو بالضبط النطاق الحيوي الذي يتحرك فيه وينمو من خلاله “العلماني الإسلامي” كإطار مفاهيمي وعملي.
ويمضي شيرمان جاكسون في إقامة الدلائل العقلية والنقلية على هذه المحدودية المعرفية للفقيه، مستحضراً نقاشاً أصولياً دقيقاً حول مدى إمكانية تساوي حكمين شرعيين في مرتبة “الإباحة” مع تباين عواقبهما العملية والمادية بشكل جذري، مستدلاً في ذلك بحادثة الإسراء والمعراج الشهيرة حين خُيِّر النبي محمد صلى الله عليه وسلم بين الشرب من كأس الخمر وكأس اللبن، فاختار اللبن بالفطرة، ليخبره الوحي المتمثل في جبريل عليه السلام بأنه لو اختار الخمر لغوت أمته وابتعدت عن الصراط. يعلق الإمام القرافي على هذه الحادثة المحورية مبيناً بذكاء أصولي أن كلا الخيارين (الخمر واللبن) كانا في تلك اللحظة وقبل تحريم الخمر مباحين تماماً من حيث الحكم الشرعي الصرف، حيث لم يكن قد نزل حكم بتحريم الخمر بعد، لكن العواقب والنتائج المترتبة على الفعل، والتي اطلع عليها الوحي وأخبر بها، تقع في دائرة أوسع لا يتحكم فيها أو يحددها الحكم الشرعي بمفرده. إن هذا التفريق بين تحديد “الوضع القانوني” أو التشريعي للفعل (وهو الحكم الشرعي)، وبين تقييم “العواقب العملية والتاريخية والمادية” المترتبة على تنفيذه (وهي مساحة متروكة للخبرة البشرية العلمانية ولمقاصد الدين العليا)، يمثل ضربة لسردية “التفوق القانوني المطلق” للفقهاء التي تنتقدها العلمانية الغربية والتي تحتكر الحقيقة والفاعلية الإسلامية في جلباب الفقه الصارم وحده. هذا التمييز الجوهري.
تأسيسًا على هذا التمايز بين ما هو شرعي وما هو غير شرعي، يغوص شيرمان جاكسون في العُمق التاريخي لعلم أصول الفقه، ليتتبع المسار التطورِي الذي قطعَه هذا المفهوم الجوهري، مبرهناً على أن حدود الشريعة لم تُفرض عليها من الخارج كما حدث مع الدين في الغرب الحديث، بل كانت حدوداً ذاتية وضعها واعترف بها فقهاء الإسلام وأصوليوه بأنفسهم. يستهل جاكسون هذا التحليل التاريخي بالوقوف عند الأطروحات الأولى في الفقه الإسلامي، حيث ظهرت الشريعة في كتابات الرعيل الأول وكأنها كيان مطلق لا حدود له. تجلى هذا التوجه بوضوح في “رسالة” الإمام الشافعي الذي قرر أن ما من حادثة تنزل بأحد من أهل دين الله إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، وهي مقولة استند إليها لاحقاً ابن سريح والشرّاح الأوائل للقول بأن أفعال العباد لا تخلو جميعها من حكم شرعي. يتقاطع هذا الطرح المبكر مع التأويل الذي قدمه الأكاديمي المرموق جورج مقدسي، والذي رأى في أصول الفقه الشافعية محاولة أهل الحديث والمحافظين للتصدي للمعتزلة والعقلانيين، من خلال تأكيد كفاية النص وشموليته المطلقة لجميع الحوادث والوقائع دون حاجة إلى مصادر عقلية خارجية. غير أن جاكسون يرى أن هذه الرؤية المبكرة، رغم بريقها، لم تستقر كقول نهائي في مسار التطور الأصولي، بل شهدت القرون التالية تحولاً مفصلياً ونوعياً نحو تحديد معالم الحكم الشرعي ورسم حدوده الحاكمة بوضوح لا لبس فيه.
يبدأ هذا التحول التاريخي بالظهور الجلي مع أواخر القرن الرابع الهجري وبداية القرن الخامس، حين بدأ الأصوليون يضمّنون مصنفاتهم تعريفات دقيقة ومانعة للفقه والحكم الشرعي تميزه عن غيره من المعارف العقلية والتجريبية. يبرز في هذا السياق القاضي ابن القصار المالكي في مقدمته الأصولية، حيث فرق بين تحديد الحكم الشرعي كمسألة أصولية مناطة بالفقيه، وبين تحديد “الواقعة” كمسألة جغرافية أو حسية تخرج عن اختصاص الفقيه بما هو فقيه، كمسألة تحديد زوال الشمس لمعرفة وقت الصلاة؛ إذ يملك أي إنسان غير متخصص معرفتها بحواسه دون حاجة لتقليد الفقيه. ثم تتبلور هذه التفرقة المنهجية بصورة أكثر نضجاً مع القاضي أبي بكر الباقلاني في تعريفه للفقه بأنه معرفة الأحكام الشرعية دون العقلية، مبيناً أن العلم بالأحكام الشرعية لا يستلزم العلم بالأحكام العقلية كعلم الطب والهندسة والنحو واللغة. ويتوج الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه “المستصفى” هذا المسار المعرفي بتعريفه الخالد للحكم الشرعي بأنه “خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين”، مشدداً عبارته الشهيرة على أنه “حيث لا يوجد هذا الخطاب فلا حكم شرعي”. يوضح الغزالي أن الشريعة لا تتدخل بنصوصها التفصيلية لإثبات العلوم العقلية أو نفيها، بل تتركها لمجالاتها الخاصة، محذراً من “أصدقاء الإسلام الجهلاء” الذين يحاربون العلوم العقلية والتجريبية بدعوى الدفاع عن الدين. بل إن الغزالي يذهب إلى أبعد من ذلك حين يستنهض همم المسلمين للتدرب على الطب والعلوم الدنيوية، معتبراً إياها من فروض الكفاية التي يثمّنها الدين، رغم أن جوهرها المادي غير مستمد من نصوص الشريعة. وقد شارك الفقهاء الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل في هذا التوجه، فحصروا الفقه في أحكام المكلفين الشرعية واستبعدوا منه الطب والفلسفة والفلك.
على أن نقطة التحول الكبرى في تاريخ علم أصول الفقه، وفقاً لجاكسون، قد تحققت على يد الإمام الفخر الرازي في كتابه الفذ “المحصول في علم أصول الفقه”. لقد تمثل الابتكار التنظيمي العبقري للرازي في كونه أول من جمع شتات الأحكام التكليفية (الوجوب، التحريم، الندب، الكراهة، الإباحة) والأحكام الوضعية (السبب، الشرط، المانع) وصاغ منها مفهوماً واحداً مركباً ومحدداً هو “الحكم الشرعي”. هذا التجميع المنهجي وضع حداً للاستخدامات الفضفاضة، وجعل الشريعة تتحدد كبناء معرفي محصور في مجموع هذه الأحكام المركبة. وبتحديد الحكم الشرعي كوحدة بناء أساسية للشريعة، أضحت الحدود الفاصلة بين ما هو شرعي وما هو غير شرعي مرسومة بدقة متناهية. وقد أتاح هذا الابتكار التأسيسي للفقهاء اللاحقين دحض أي ادعاء يخلط بين خلق الله الكوني للأشياء وبين خطابه التشريعي؛ وهو ما تجلى في رد شهاب الدين القرافي على الفقيه النجم النمشواني الذي زعم أن كل شيء في العالم شرعي لأن الله خالقه ومشرعه، فرد عليه القرافي بأن خلق الله للأشياء (الأمر الكوني) يختلف عن خطابه التكليفي (الأمر الشرعي)، فليس كل ما خلقه الله في الكون يحمل حكماً شرعياً تكليفياً أو وضعياً بالضرورة.
وقد بلغت هذه النظرية الأصولية أوج نضجها واكتتمالها على يد الإمام شهاب الدين القرافي، الذي بنى على تنظيرات الرازي وصاغ نسيج ما يسميه جاكسون بـ “نموذج القانون الخالص” (Pure-Law Model). أضاف القرافي لتعريف الحكم الشرعي عبارته الحاسمة “أو ما يوجب ثبوت الحكم أو نفيه” وليستوعب الأسباب والشروط والموانع بشكل كامل، واستنبط تفرقة أصولية غير مسبوقة بين “أدلة المشروعية” التي يستقي منها الفقيه الحكم الشرعي الكلي، وبين “أدلة الوقوع” الحسية والتجريبية التي يُثبت بها الواقع المادي. كشف القرافي عن أن أدلة المشروعية محصورة في المصادر الفقهية المعروفة، بينما أدلة الوقوع لا حصر لها وتعتمد على الطب والهندسة والحساب والعرف والحواس. وبناءً على ذلك، قرر القرافي أن قرارات الحاكم أو الفقيه في المسائل الاستراتيجية كخطط الحروب أو تدابير الاقتصاد لا تحمل سلطة شرعية إلزامية لمجرد صدورها عن فقيه، لأن مصدرها هو الخبرة الدنيوية وليس الاستنباط من الوحي. وقد استمر هذا التمييز الأصولي الدقيق في أدبيات المذاهب الفقهية المتأخرة، كما نجد عند ابن الحاجب، وصدر الشريعة المحبوبي والتفتازاني من الحنفية، وصولاً إلى ابن عابدين في العصر الحديث، والشيخ وهبة الزحيلي الذي أكد في مصنفاته الحديثة أن الحكم الشرعي يخرج من حيزه المعارف الحسية والعقلية والطبية والهندسية، مما يؤكد أن القول بوجود مساحة علمانية غير شرعية داخل الدين هو أصل أصيل في الفكر الأصولي الإسلامي وليس وافداً غريباً عليه.
في هذا السياق، يتصدى جاكسون للتحديات المنهجية الداخليّة التي قد تُثار ضد أطروحتِهِ من داخل التراث الإسلامي نفسه، مفرقا بين مشروعه وبين توجهين بارزين: الحد الأدنى الشريعي (Sharī’ah Minimalism) لدى الظاهرية، والحد الأقصى الشريعي (Sharī’ah Maximalism) لدى ابن تيمية وابن قيم الجوزية. يتجلى الحد الأدنى لدى ابن حزم الظاهري في نفيه للقياس وتضييق مصادر التشريع للحد من نطاق الأحكام الجازمة واعتبار كل ما لم ينص عليه معفوا عنه أو مباحاً؛ غير أن جاكسون يوضح أن “العلماني الإسلامي” لا يهدف لتضييق الشريعة أو إلغاء القياس كما يفعل الظاهرية، بل يعمل حتى داخل الحدود التي تنظمها الشريعة عبر استكشاف المساحات السفلية الكائنة تحت الحكم الشرعي، ويعطي النشاط غير الشرعي قيمة دينية وإيجابية بوصفه سعياً لابتغاء مرضاة الله، وهو ما يغفل عنه الطرح الظاهري الجاف. وعلى الضفة المقابلة، يبرز التحدي الأكبر المتمثل في “الحد الأقصى الشريعي” لدى ابن قيم الجوزية وتلميذه ابن تيمية، حيث سعى ابن القيم في كتاباته كـ “الطرق الحكمية” إلى توسيع مفهوم الشريعة ليستوعب كل ما يحقق العدل، فيعلن قوله الشهير: “حيثما ظهرت أمارات العدل فثم شرع الله ودينه”، وذلك بهدف إغلاق الباب أمام التغول السلطوي للسياسة غير الشرعية. إلا أن جاكسون يبين أن ابن القيم نفسه لم يلغِ الفرق الجوهري بين ما نص عليه الشرع صراحة وبين ما يوافق الشرع ولا يخالفه، كما أن ابن تيمية بدوره، رغم حمله الهجومي على الفلسفة والمتكلمين وتوسيعه لمفهوم الشريعة ليشمل العقائد، يفرق بدقة بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، ويعترف صراحة بأن هناك معارف وصناعات كالطب والحساب والزراعة والبناء تقع خارج النطاق المباشر للخطاب الشرعي، وأن المعرفة بالواقع المادي (فهم الواقع) شرط رئيس لتطبيق الحكم الشرعي السليم.
بتأسيس هذه المرتكزات النظريّة الصلبة، ينتقل جاكسون في الفصل الثالث ليتناول التطبيقات العملية والمفهومية للـ “العلماني الإسلامي” تحت عنوان “الإسلام ما وراء الحكم الشرعي”. يفتح جاكسون النار على السردية السوداوية (Dystopian Narrative) التي هيمنت على دراسة تاريخ القانون الإسلامي في الأكاديميا الغربية والشرقية، والتي تصور تاريخ الفقه كمسار متصل من الانهيار والجمود والانفصال عن الواقع نتيجة التصلب الفقهي. يكشف جاكسون أن هذا التقييم المأزوم يعود إلى خلط فادح بين مفهوم “الشريعة” ومفهوم “القانون الإسلامي”؛ فالقانون الإسلامي في التاريخ الفعلي لم يكن مقصوراً يوماً على الفقه الشرعي الصرف، بل ضم في أحشائه أجهزة وتنظيمات قانونية وإدارية كانت تعتبر “قانونية” ولها سلطة إلزامية وعقابية دون أن تكون مستمدة المادة الجوهرية من نصوص الفقه التكليفي، مثل أحكام السياسة الشرعية، وديوان المظالم، ونظام الحسبة. لقد أدرك الفقهاء والمؤرخون المسلمون قديماً أن هذه النظم الموازية تدير المساحات الدنيوية بكفاءة وتستند إلى المصلحة والعدل دون أن تُعتبر خروجاً عن الإسلام، وأن اتهام هذه الأنظمة بالردة أو العلمنة الغربية ناتج عن العجز عن فهم المرونة للمجال العلمي الإسلامي.
ويصل جاكسون إلى نتيجة متناولاً وهم اعتبار “الاجتهاد الفقهي” المخرج الوحيد والأوحد من أزمات الأمة الإسلامية. يوضح جاكسون أن العجز الذي يعاني منه المسلمون في العصر الحديث ليس عجزاً في إنتاج الأحكام الشرعية الفقهية، بل هو عجز مادي وفكري وتكنولوجي واقتصادي وثقافي؛ والاجتهاد الفقهي (الاجتهاد الشرعي) مهما بلغت قوته لن ينتج سوى أحكام شرعية (حلال، حرام، واجب)، ولكنه لن يبتكر نظرية اقتصادية كفؤة، ولن يصمم سلاحاً متطوراً، ولن يبني مؤسسة إدارية ناجحة، ولن ينتج أدباً وفناً راقياً يحفظ على الأمة معقوليتها وثقتها بنفسها. إن الشريعة الإسلامية لم تعتمد في تاريخها على جهود الفقهاء وحدهم، بل كانت تتغذى وتستند على الإبداع غير الشرعي – أي العلمي الإسلامي – الذي أبدعه العلماء والمهندسون والتجار والأدباء والإداريون. ومن ثم، فإن حصر الحل المرتجى في “الاجتهاد” وحده هو قصر نظر يغفل الدور المحوري الذي تؤديه المساحة العلمانية الإسلامية في صيانة بنية المعقولية للإسلام وحفظ هيبته وفاعليته في العالم الحديث.
*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة




