العدالة المؤجلة: كيف ضاع الوقت وجاء ترامب

في مساء السادس من يناير، حين كانت رائحة الغاز المسيل للدموع لا تزال عالقة في أروقة الكابيتول، وحين كانت آثار الزجاج المحطم والأوراق المبعثرة تشهد على يوم لم تشهد واشنطن مثله منذ حرب أهلية بعيدة، كان السؤال الذي يطارد المدينة كلها لا يتعلق بما حدث فقط، بل بما سيحدث بعده. هل تستطيع الدولة التي اهتزت أركانها أن تحاسب من دفعها إلى حافة الهاوية، أم أنها ستكتفي بمعاقبة من كسروا النوافذ ودخلوا القاعات، وتترك من خططوا وحرّضوا وكتبوا البيانات خارج دائرة الحساب؟ من هذا السؤال المعلق، ومن ذلك الفراغ المخيف بين الجريمة والعقاب، يبدأ كتاب «ظلم: كيف هزمت السياسة والخوف وزارة العدل الأمريكية Injustice: How Politics and Fear Vanquished America’s Justice Department» للصحفيتين كارول ليونيج وآرون سي ديفيس، الصادر عن دار بنغوين بريس في عام 2025، رحلته الطويلة داخل واحدة من أخطر المؤسسات في الولايات المتحدة وأكثرها حساسية، وزارة العدل، ليروي كيف تحولت هذه المؤسسة التي تأسست لتكون حارس القانون بعيدا عن السياسة، إلى ساحة تتقاذفها الحسابات والخوف والتردد، في لحظة كان فيها القانون نفسه على المحك.
ليس هذا الكتاب محاولة للصراخ في وجه السلطة، ولا بيانا حزبيا يبحث عن إدانة سريعة، بل هو تحقيق محكم، يعتمد على مئات المقابلات والوثائق والرسائل الداخلية التي ظلت لسنوات حبيسة المكاتب المغلقة في الطابق السادس من مبنى وزارة العدل. وتكمن قوة الكتاب في أنه لا يبدأ من النهاية التي نعرفها جميعا، وهي عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، بل يعود إلى البداية، إلى تلك الأيام الأولى التي كان فيها الجميع يظن أن العدالة ستأخذ مجراها الطبيعي، وأن ما حدث في الكابيتول سيقود حتما إلى محاسبة شاملة. ومن خلال هذا العود إلى البداية، تكشف المؤلفتان أن ما حدث لم يكن مجرد سلسلة من الأخطاء الفردية أو سوء التقدير، بل كان منظومة كاملة من الحذر المفرط والخوف من أن تبدو الوزارة مسيسة، حتى صار الخوف من الاتهام بالتسييس أخطر على العدالة من التسييس نفسه.
كارول ليونيج ليست اسما عابرا في الصحافة الأمريكية، فقد حازت جائزة بوليتزر أكثر من مرة عن تغطيتها للبيت الأبيض والخدمة السرية ووزارة العدل، وعرفت بقدرتها على النفاذ إلى ما وراء التصريحات الرسمية والوصول إلى ما يدور في الغرف المغلقة. وشريكها في هذا الكتاب آرون سي ديفيس، وهو أيضا من صحفيي «واشنطن بوست» المخضرمين، الذين عايشوا لسنوات تفاصيل التحقيقات الفيدرالية وتشابكاتها مع السياسة. وهذا التاريخ المهني الطويل يمنح الكتاب مصداقية خاصة، فهو لا يعتمد على مصدر واحد أو على تسريبات متقطعة، بل على تراكم شهادات مدعين عامين وعملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي ومسؤولين كبار كانوا شهودا على القرارات لحظة بلحظة، بعضهم تحدث لأول مرة، وبعضهم قرر أن يروي ما رآه لأنه شعر بأن الصمت صار نوعا من التواطؤ. ولذلك يقرأ الكتاب أحيانا كرواية، وأحيانا كمحضر تحقيق، وأحيانا كمرثية لمؤسسة كانت تعتقد أنها فوق السياسة فاكتشفت أنها غارقة فيها حتى أذنيها.
في قلب هذا السرد يقف رجل واحد، هو ميريك غارلاند، وزير العدل في عهد الرئيس جو بايدن، الذي يرسمه الكتاب بصورة معقدة ومؤلمة في آن واحد. فغارلاند ليس هنا الشرير الذي يخفي الحقيقة، ولا البطل الذي حاول إنقاذ الجمهورية، بل هو القاضي الوقور الذي جاء إلى الوزارة محملا بإرث ووترغيت، ومؤمنا بأن استقلال القضاء هو أقدس ما يمكن حمايته، وأن أي خطوة تبدو سياسية ستدمر ثقة الأمريكيين في مؤسستهم إلى الأبد. كان غارلاند يضع على طاولة مكتبه نسخة مهترئة من «مبادئ الادعاء الفيدرالي»، تلك الوثيقة التي ساعد في صياغتها بعد فضيحة ووترغيت، وكأنه يريد أن يذكر نفسه وزواره في كل لحظة بأن القانون يجب أن يسير وفق الأدلة . وكان يرفض أن يتحدث إلى البيت الأبيض إلا عبر القنوات الرسمية الضيقة، ويقطع علاقته حتى مع صديقه القديم رون كلاين، كبير موظفي البيت الأبيض، حتى لا يقال إن هناك تنسيقا بين السياسة والقضاء. وفي نظر كثيرين، كان هذا السلوك نموذجا للنزاهة في زمن انهارت فيه الحدود، لكن الكتاب يطرح سؤالا أكثر قسوة: هل يمكن للنزاهة أن تتحول إلى عجز حين تصبح الغاية الوحيدة هي حماية صورة المؤسسة لا أداء وظيفتها؟
الإجابة التي يقدمها الكتاب، هي أن وزارة العدل في عهد غارلاند اختارت نهجا أطلقت عليه «من الأسفل إلى الأعلى»، أي أن تبدأ بمحاكمة صغار المشاركين في اقتحام الكابيتول، واحدا واحدا، ثم تصعد تدريجيا، إن سمحت الأدلة، إلى القادة والمنظمين، ثم في النهاية إلى من كانوا في قمة الهرم السياسي. وكان هذا النهج يبدو من الناحية النظرية سليما، ومن الناحية القانونية حذرا، ومن الناحية الأخلاقية عادلا، لأنه لا يقفز فوق الأدلة ولا يستبق الأحكام. لكنه من الناحية العملية، كما تثبت ليونيج وديفيس عبر تفاصيل دقيقة ومحادثات مسجلة داخل الوزارة، كان نهجا بطيئا إلى حد الشلل، يستهلك شهورا في مراجعة كل اتفاق إقرار بالذنب، وأسابيع في التدقيق في كل تهمة، ويعيد النظر مرارا في قرارات كان يمكن حسمها في أيام. فبينما كان المدعون في واشنطن يطاردون مئات المقتحمين، كان الزمن السياسي يمضي بسرعة مختلفة تماما، وكان ترامب يعيد بناء نفوذه، ويعيد كتابة رواية السادس من يناير على أنها «نزهة» و«عناق وقبلات» مع الشرطة، ويحول أنصاره الذين أدينوا إلى «أسرى سياسيين» و«وطنيين» في خطابه الانتخابي، بينما كانت الوزارة لا تزال تناقش في غرفها المغلقة ما إذا كان من المناسب توجيه تهمة «التآمر الفتنوي» إلى قادة ميليشيات «أوث كيبرز» و«براود بويز» الذين ظلوا أحرارا لأشهر طويلة بعد الهجوم.
وما يميز هذا الكتاب أنه لا يكتفي بتصوير البطء، بل يغوص في جذور الخوف الذي أنتجه. فالخوف هنا ليس خوفا شخصيا من رجل واحد، بل خوف مؤسسي عميق من أن تتهم الوزارة بأنها تنفذ انتقاما سياسيا لحزب ديمقراطي ضد خصمه الجمهوري، وخوف من أن يؤدي أي خطأ إجرائي إلى إسقاط القضية كلها أمام المحكمة العليا، وخوف من أن تتحول أي محاكمة لترامب إلى محاكمة للوزارة نفسها في الإعلام وفي الكونغرس. وقد أدى هذا الخوف إلى مفارقة قاسية، وهي أن الوزارة التي كانت تريد أن تبدو محايدة تماما، صارت بقراراتها المترددة طرفا في الصراع السياسي دون أن تقصد، لأن الامتناع عن التحرك في لحظة حاسمة هو في حد ذاته قرار سياسي له نتائج سياسية. وتروي المؤلفتان كيف أن قسم النزاهة العامة في الوزارة قرر في مرحلة مبكرة عدم ملاحقة قضية الضغط على مسؤولي انتخابات جورجيا، وكيف أن هذا القرار لم يرفع أصلا إلى غارلاند، وكيف أن التحقيقات في المخططات الموازية، مثل وثائق الناخبين المزيفين في الولايات المتأرجحة، ظلت لفترة طويلة خارج اهتمام المحققين الفيدراليين، بينما كانت مجموعات رقابية ولجان في الكونغرس هي التي تجمع الأدلة وتدق ناقوس الخطر.
وعلى مدار الصفحات الأولى، يبني الكتاب عالمه ، فلا يقدم غارلاند وحده، بل يقدم حوله شبكة كاملة من الشخصيات التي شكلت مصير العدالة في تلك السنوات، من نائبته ليزا موناكو التي كانت تدير التفاصيل اليومية بحزم، إلى المدعي العام في واشنطن مايكل شيرون الذي كان يريد التحرك بسرعة أكبر، إلى المحققين الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام أكبر تحقيق في تاريخ الوزارة دون موارد كافية، إلى عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي الذين كانوا يشعرون بأنهم يطاردون مئات القضايا الصغيرة بينما القضية الكبرى تتسرب من بين أيديهم. ومن خلال هذه الشخصيات، يتحول الكتاب من مجرد سرد لقرارات إدارية إلى دراما إنسانية عن أشخاص كانوا يريدون فعل الصواب، لكنهم كانوا أسرى قواعد وضعوها لأنفسهم، حتى صارت هذه القواعد قيدا يمنعهم من رؤية الصورة الكاملة. وفي هذا المعنى، فإن عنوان الكتاب «ظلم» لا يشير فقط إلى غياب العدالة عن الضحايا، بل إلى الظلم الذي يقع عندما تتحول المؤسسة المكلفة بتحقيق العدالة إلى مؤسسة تخاف من العدالة نفسها.
يترك الكتاب قارئه أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: هل كان ممكنا أن تسير الأمور على نحو مختلف لو أن الوزارة تحركت في الأشهر الأولى، حين كانت الأدلة ساخنة والشهود مستعدين والرأي العام لا يزال مصدوما؟ أم أن طبيعة النظام الأمريكي نفسه، ببطئه القضائي وانقسامه السياسي ومحكمته العليا التي تميل إلى توسيع الحصانة الرئاسية، كانت ستقود إلى النتيجة نفسها مهما فعل غارلاند؟ هذا السؤال هو الخيط الذي ستمسك به المؤلفتان في الفصول التالية، حين تنتقلان من اقتحام الكابيتول إلى تحقيقات الوثائق السرية في مارالاغو، ومن قضية هانتر بايدن إلى تعيين المحقق الخاص جاك سميث، ومن محاولات اللحاق بالزمن إلى لحظة الانهيار التي عاد فيها ترامب إلى السلطة وقلب الطاولة على كل من حاول محاسبته.
في الأشهر التي تلت اقتحام الكابيتول، بينما كانت واشنطن تحاول أن تستعيد أنفاسها وتقنع نفسها بأن الأسوأ قد مضى، كانت وزارة العدل تعيش في زمنين مختلفين لا يلتقيان أبدا. زمن الشارع الذي كان يتحرك بسرعة الصواريخ، حيث يعيد دونالد ترامب بناء حركته السياسية حجرا فوق حجر، ويحوّل الهزيمة الانتخابية إلى أسطورة عن تزوير وسرقة، ويجمع الأموال ويعقد التجمعات ويختار مرشحيه للانتخابات المقبلة، وزمن الوزارة الذي كان يتحرك ببطء السلحفاة، حيث كل مذكرة تحتاج إلى مراجعة، وكل تهمة تحتاج إلى إجماع، وكل خطوة إلى الأمام تحتاج إلى ثلاث خطوات من التأكد إلى الوراء. وتكشف كارول ليونيج وآرون سي ديفيس في هذه المرحلة من كتابهما أن المشكلة لم تكن في نقص الأدلة، فقد كانت الأدلة تتدفق من كل مكان، من هواتف المقتحمين ومن مقاطع الفيديو ومن شهادات مسؤولي الانتخابات في الولايات المتأرجحة، بل كانت في طريقة التعامل مع هذه الأدلة، وفي غياب من يملك الشجاعة ليقول إن القضية الكبرى لا يمكن أن تنتظر حتى تنتهي القضايا الصغيرة. كان هناك من يهمس داخل الوزارة بأن التركيز على مقتحمي الكابيتول وحدهم يشبه مطاردة من أشعلوا النار في الغابة بينما يترك من صبّ البنزين عليها حرا طليقا، لكن هذا الهمس كان يضيع في أروقة البيروقراطية، ويصطدم بجدار من القواعد التي وضعها غارلاند لنفسه منذ اليوم الأول.
ولم يكن غارلاند وحده في هذا التردد، بل كان محاطا بفريق يشاركه الفلسفة نفسها، وعلى رأسه نائبته ليزا موناكو، التي كانت تدير الوزارة بصرامة إدارية نادرة، وتؤمن بأن أي خطأ في الإجراءات سيمنح ترامب فرصة ذهبية للادعاء بأنه ضحية مطاردة سياسية. ومن خلال محادثات داخلية تنقلها المؤلفتان، نرى كيف كانت موناكو تراجع كل قرار وكأنها تستعد لعرضه أمام المحكمة العليا، وكيف كانت تطلب مزيدا من الأدلة حتى في القضايا التي بدت مكتملة، وكيف كان هذا الحرص، رغم نواياه النبيلة، يتحول إلى تأجيل دائم. وفي المقابل، كان هناك في مكتب المدعي العام في واشنطن من يشعر بالاختناق، وعلى رأسهم مايكل شيرون الذي كان يرى الملفات تتكدس على مكتبه، ويرى زملاءه الشباب يعملون ليلا ونهارا على قضايا اقتحام، بينما القضايا التي تتعلق بالمخطط الأوسع للبقاء في السلطة لا تجد من يفتحها بجدية. وقد وصل التوتر بين الطابق السادس في وزارة العدل ومكتب المدعي العام إلى حد أن بعض المدعين بدأوا يتحدثون عن «وزارتين» داخل وزارة واحدة، وزارة تريد أن تتحرك بسرعة ووزارة تريد أن تتأكد من كل حرف قبل أن تتحرك.
وفي قلب هذا التوتر، تبرز في الكتاب واحدة من أكثر اللحظات كاشفة، وهي قضية الوثائق السرية في مارالاغو. ففي ربيع عام 2022، حين اكتشف الأرشيف الوطني أن ترامب احتفظ بعد مغادرته البيت الأبيض بعشرات الصناديق التي تحوي وثائق مصنفة على أعلى درجات السرية، بعضها يتعلق بقدرات نووية لدول أجنبية وبخطط عسكرية حساسة، بدا الأمر وكأنه قضية واضحة لا تحتمل التأويل. فهنا لم يكن الحديث عن خطاب سياسي أو عن تفسير دستوري ملتبس، بل عن وثائق مادية موجودة في نادٍ خاص في فلوريدا، يمر به الضيوف والعمال، ويمكن لأي شخص أن يطلع عليها. ومع ذلك، تروي المؤلفتان كيف أن وزارة العدل تعاملت مع هذه القضية بنفس الحذر الذي تعاملت به مع قضية السادس من يناير، فأرسلت رسائل مهذبة، وطلبت إعادة الوثائق طوعا، وانتظرت شهورا، وسمحت لمحامي ترامب بأن يوقعوا على إقرار كاذب بأن جميع الوثائق قد أعيدت، بينما كان ترامب نفسه، بحسب شهادات مساعديه التي ينقلها الكتاب، يأمر بنقل الصناديق من مكان إلى آخر، ويخفي بعضها في غرفة تخزين، ويتباهى أمام ضيوفه بأنه لا يزال يحتفظ بأسرار الدولة. ولم يتحرك مكتب التحقيقات الفيدرالي لتفتيش مارالاغو إلا في أغسطس 2022، بعد أن استنفدت كل الوسائل الدبلوماسية، وبعد أن صار واضحا أن التأدب مع السلطة السابقة لن يعيد الوثائق.
وتقدم ليونيج وديفيس مشهد التفتيش بوصفه لحظة انكسار في العلاقة بين الوزارة وترامب، وبداية مرحلة جديدة من الحرب المفتوحة. فالصور التي التقطها العملاء الفيدراليون لصناديق مكدسة في قاعة رقص وفي حمام وفي غرفة تخزين، والتي نشرت لاحقا، هزت الرأي العام الأمريكي، وأعطت للقضية بعدا ماديا لم يكن موجودا في قضية الانتخابات. لكنها في الوقت نفسه منحت ترامب سلاحا جديدا، فقد حوّل التفتيش إلى قصة عن «مداهمة» و«اقتحام» و«اضطهاد»، وبدأ أنصاره يهاجمون عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي علنا، حتى أن أحدهم حاول مهاجمة مكتب في سينسيناتي، بينما كان ترامب نفسه يطالب باستعادة وثائقه بدعوى أنها ملكه الشخصي. وهنا يظهر الكتاب بجلاء كيف أن كل تأخير في اتخاذ القرار يتحول إلى فرصة للطرف الآخر لإعادة تأطير القصة، وكيف أن الوزارة التي كانت تريد أن تحمي نفسها من الاتهام بالتسييس، وجدت نفسها متهمة بالتسييس أكثر من أي وقت مضى، لأنها حين تحركت أخيرا، بدت وكأنها تتحرك في توقيت انتخابي، بينما لو تحركت مبكرا لبدت وكأنها تتحرك بدافع قانوني صرف.
وبالتوازي مع قضيتي الانتخابات والوثائق، كانت هناك قضية ثالثة تكشف وجها آخر من وجوه الحذر الذي أصاب الوزارة، وهي قضية هانتر بايدن، نجل الرئيس. ففي الوقت الذي كان فيه الجمهوريون يتهمون الوزارة بأنها تحمي عائلة بايدن، كان المدعي العام ديفيد وايس يحقق منذ سنوات في الشؤون الضريبية والتجارية لهانتر، دون أن يصل إلى نتيجة حاسمة. وتروي المؤلفتان كيف أن هذا التحقيق تحول هو الآخر إلى ساحة للخوف المتبادل، فالمدعون كانوا يخشون أن يتهموا بالتساهل إن لم يوجهوا تهما قاسية، ويخشون أن يتهموا بالانتقام إن وجهوا تهما قاسية في وقت كان فيه والده في البيت الأبيض. وقد أدى هذا الخوف إلى سنوات من التردد، وإلى صفقة إقرار بالذنب انهارت أمام القاضية في اللحظة الأخيرة، وإلى تعيين وايس محققا خاصا في اللحظة التي كان فيها الجميع يطالب بالشفافية. وفي هذا الفصل، يقدم الكتاب واحدة من أقوى مفارقاته، وهي أن محاولة الوزارة إثبات حيادها عبر التشدد مع نجل الرئيس، لم تقنع الجمهوريين ولم ترض الديمقراطيين، بل زادت من شعور الطرفين بأن العدالة تُدار بحسابات سياسية لا قانونية.
وفي خضم هذه العاصفة، جاء القرار الذي كان يفترض أن يغير كل شيء، وهو تعيين المحقق الخاص جاك سميث في نوفمبر 2022. كان سميث معروفا بأنه مدعٍ شرس لا يعرف التردد، وقد حقق في جرائم حرب في لاهاي، وطارَد سياسيين فاسدين في أمريكا، وكان يملك سمعة بأنه لا يخشى المواجهة. وقد رأى كثيرون في تعيينه إشارة إلى أن غارلاند قرر أخيرا أن يترك الحذر جانبا وأن يسلّم القضيتين الكبريين إلى رجل يمكنه أن يتحرك بسرعة. وتصف المؤلفتان لحظة وصول سميث إلى واشنطن، وهو يأتي على كرسي متحرك بعد إصابة في ركبته أثناء ركوب الدراجة في هولندا، ليجد أمامه فريقا مرهقا وملفات متكدسة وساعة سياسية تدق بسرعة مخيفة. وفي الشهور الأولى، بدا سميث وكأنه العاصفة التي كانت الوزارة تحتاجها، فقد وسّع التحقيقات، واستدعى شهودا كبارا، وطلب سجلات هواتف، ووجه تهما إلى ترامب في قضية الوثائق في يونيو 2023، ثم في قضية الانتخابات في أغسطس من العام نفسه. ولأول مرة، شعر المدعون بأن العدالة تتحرك، وأن القانون لم يعد ينتظر إذنا من أحد.
لكن الكتاب لا يترك القارئ طويلا في نشوة هذا التحرك، بل يعود ليذكره بأن الزمن الذي أُهدر لا يمكن استعادته. فحين وجه سميث اتهاماته، كان ترامب قد أعلن ترشحه للرئاسة، وصارت كل خطوة قضائية تُقرأ في سياق انتخابي، وصارت المحاكم نفسها ساحة للمعركة السياسية. وكانت القاضية آيلين كانون في فلوريدا، التي عينها ترامب، تعرقل قضية الوثائق بجلسات مطولة وقرارات مثيرة للجدل، بينما كانت المحكمة العليا تنظر في مسألة الحصانة الرئاسية بطريقة ستغير مجرى القضية كلها. وهكذا، يرسم الكتاب صورة مؤلمة لوزارة عدل وصلت متأخرة إلى المعركة، بعد أن كان خصمها قد اختار أرض المعركة وتوقيتها وأسلحتها. ومع نهاية هذه القسم، يترك القارئ أمام سؤال جديد: هل كان تعيين سميث محاولة حقيقية للحاق بالزمن، أم كان محاولة من غارلاند للتنصل من المسؤولية وتسليم الملف الساخن إلى شخص آخر يتحمل تبعات القرار؟
حين بدأ جاك سميث عمله فعليا، كان يدرك أنه لا يطارد مجرما عاديا، بل يطارد رجلا حوّل كل قاعة محكمة إلى منصة انتخابية، وكل لائحة اتهام إلى فرصة لجمع التبرعات، وكل جلسة استماع إلى مشهد تلفزيوني يخاطب فيه أنصاره مباشرة. وتروي كارول ليونيج وآرون سي ديفيس كيف أن سميث دخل المعركة بعقلية المحقق الذي لا يهتم بالضجيج، بل بالأدلة والشهود والوثائق، وكيف أنه بنى فريقه من مدعين شباب كانوا مستعدين للعمل ليلا ونهارا، وكيف أنه في الأسابيع الأولى كان يطلب من مساعديه أن ينسوا كل ما قيل في الصحف، وأن يبدأوا من الصفر، كأن القضية لم تبدأ من قبل. وقد أثمر هذا الأسلوب عن تحرك سريع لم تعرفه الوزارة من قبل، ففي قضية الوثائق، استطاع سميث أن يثبت أن ترامب لم يحتفظ بالوثائق عن طريق الخطأ، بل تعمد إخفاءها، وأمر مساعديه بنقلها، وحاول خداع المحققين، وعرض وثائق عسكرية سرية على أشخاص لا يملكون تصريحا أمنيا في ناديه للغولف. وفي قضية الانتخابات، استطاع أن يرسم خريطة كاملة لمخطط البقاء في السلطة، من الضغط على نائب الرئيس مايك بنس لرفض التصديق على النتائج، إلى الضغط على مسؤولي الانتخابات في جورجيا وأريزونا وميشيغان لتغيير النتائج، إلى صناعة قوائم مزيفة من الناخبين البديلين، إلى التحريض على الحشد الذي انتهى باقتحام الكابيتول. ولأول مرة، بدا أن هناك رواية قانونية متماسكة، لا تعتمد على الشعارات، بل على مكالمات مسجلة ورسائل نصية وشهادات من داخل البيت الأبيض نفسه.
لكن هذا التقدم القانوني كان يصطدم في كل مرة بجدار لم يكن سميث قد حسب حسابه بالكامل، وهو جدار السياسة والقضاء معا. فالقاضية آيلين كانون، التي أسندت إليها قضية الوثائق في فلوريدا، لم تكن تدير القضية كقاضية محايدة تريد الوصول إلى الحقيقة بسرعة، بل، كما يوثق الكتاب عبر قراراتها وجلساتها المطولة، كانت تمنح فريق الدفاع كل ما يطلبه من وقت، وتقبل طلبات التأجيل واحدا بعد الآخر، وتستمع إلى حجج قانونية كان قضاة آخرون يرفضونها من الجلسة الأولى. وقد وصل الأمر إلى حد أن مدعين في فريق سميث بدأوا يتساءلون في رسائلهم الداخلية عما إذا كانت كانون تحاول عمدا تأجيل المحاكمة إلى ما بعد الانتخابات، لأنها تعرف أن عودة ترامب إلى السلطة ستعني نهاية القضية. وفي المقابل، كانت المحكمة العليا، التي يميل أغلب أعضائها إلى المحافظين، تنظر في قضية الحصانة الرئاسية بطريقة أثارت قلق فريق الادعاء، فقد كان القضاة يطرحون أسئلة توحي بأنهم يريدون توسيع الحصانة إلى حد لم يكن معروفا من قبل في التاريخ الأمريكي، وكأنهم يكتبون قاعدة جديدة تقول إن الرئيس يمكنه أن يفعل ما يشاء طالما قال إنه يتصرف بصفته الرسمية. وقد استغل محامو ترامب هذا التوجه بذكاء، فطلبوا تأجيل كل شيء إلى حين بت المحكمة العليا في الحصانة، وتحول التأجيل إلى استراتيجية كاملة، هدفها ليس الفوز في المحكمة، بل الفوز بالزمن.
وفي واشنطن، كانت لجنة السادس من يناير في مجلس النواب قد سبقت وزارة العدل بخطوات واسعة، وهو ما يكشف عنه الكتاب بوصفه واحدة من أكثر المفارقات إيلاما في القصة كلها. فبينما كانت الوزارة تتردد، كانت اللجنة تعقد جلسات علنية يتابعها الملايين، وتستمع إلى شهود من قلب إدارة ترامب، مثل كاسيدي هاتشينسون، المساعدة الشابة في البيت الأبيض التي روت كيف حاول ترامب أن يقود موكبه إلى الكابيتول بنفسه، وكيف ألقى بطبق الغداء على الحائط حين علم أنه خسر الانتخابات، وكيف كان يعرف أن أنصاره مسلحون ومع ذلك أراد أن يدخلوا إلى محيط الكابيتول. وكانت اللجنة تكشف وثائق ورسائل لم تكن الوزارة قد طلبتها بعد، حتى أن بعض المدعين في وزارة العدل كانوا يشاهدون الجلسات على التلفزيون ويكتشفون أدلة جديدة لم تكن في ملفاتهم. وقد أدى هذا إلى توتر غير مسبوق بين اللجنة والوزارة، فاللجنة كانت تتهم الوزارة بالبطء والتردد، والوزارة كانت تتهم اللجنة بأنها تفسد التحقيقات بنشر الأدلة قبل أن تكتمل، وبأنها تسعى إلى الاستعراض الإعلامي أكثر من سعيها إلى العدالة. وتروي المؤلفتان كيف أن هذا الخلاف وصل إلى ذروته حين طلبت الوزارة من اللجنة تسليمها كل ما لديها من وثائق، ورفضت اللجنة في البداية، لأنها كانت تخشى أن تدفن الوزارة الأدلة في أدراجها كما فعلت من قبل.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، كان ميريك غارلاند يجد نفسه محاصرا من كل الجهات. فالديمقراطيون كانوا يتهمونه بالضعف والتردد، ويقولون إنه لو كان وزيرا جمهوريا في مواجهة رئيس ديمقراطي لكان قد تحرك بسرعة أكبر، والجمهوريون كانوا يتهمونه بأنه أداة في يد بايدن لتصفية خصمه السياسي، ووسائل الإعلام كانت تطارده في كل مؤتمر صحفي بسؤال واحد: لماذا لم توجه الاتهام إلى ترامب بعد؟ وكان غارلاند يجيب بنفس الجملة الهادئة في كل مرة، وهي أنه لن يتحدث عن تحقيقات جارية، وأن الوزارة ستتبع الحقائق والقانون أينما قاداها، دون خوف أو محاباة. لكن الكتاب يكشف أن وراء هذا الهدوء كان هناك رجل يشعر بثقل التاريخ على كتفيه، ويخشى أن يكون هو الوزير الذي حوّل وزارة العدل إلى سلاح سياسي، ويخشى في الوقت نفسه أن يكون هو الوزير الذي سمح لرئيس سابق بالهروب من العدالة. وقد نقلت المؤلفتان عن مقربين منه أنه كان يستيقظ ليلا ويفكر في قراراته، وأنه كان يقول لأصدقائه إن أصعب ما في منصبه ليس اتخاذ القرار الصعب، بل معرفة أن أي قرار سيتخذه سيُقرأ على أنه قرار سياسي، حتى لو كان قرارا قانونيا صرفا.
ومع اقتراب انتخابات 2024، صارت هذه المعضلة أكثر حدة، لأن وزارة العدل لديها قاعدة غير مكتوبة تقول إنها يجب أن تتجنب اتخاذ خطوات كبرى في الأشهر التي تسبق الانتخابات حتى لا تؤثر على الناخبين. وقد التزمت الوزارة بهذه القاعدة بحذافيرها، حتى أنها أوقفت عمليا كثيرا من التحقيقات العلنية في خريف 2024، بينما كان ترامب يستغل كل يوم في حملته الانتخابية للهجوم على الوزارة ووصفها بأنها «وزارة الظلم» و«الدولة العميقة». وهنا يطرح الكتاب سؤاله الأكثر مرارة: هل يمكن لمؤسسة أن تكون محايدة حين يكون أحد المرشحين متهما في قضيتين فيدراليتين، وحين يكون فوزه معناه إلغاء القضيتين وملاحقة من حققوا معه؟ وهل كانت قاعدة الصمت الانتخابي، التي وُضعت لحماية الانتخابات من تأثير القضاء، قد تحولت في هذه الحالة إلى حماية المرشح المتهم من القضاء؟ ويجيب الكتاب بأن هذا هو بالضبط ما حدث، ففي الوقت الذي كان فيه سميث ينتظر قرار المحكمة العليا، وكان غارلاند يلتزم الصمت، كان ترامب يخوض الانتخابات بحرية كاملة، ويعد أنصاره بأنه في اليوم الأول من عودته سيعفو عن جميع المدانين في قضية الكابيتول، وسيطرد المدعين الذين حققوا معه، وسيعيد كتابة تاريخ السادس من يناير من جديد.
وحين صدر قرار المحكمة العليا في صيف 2024، كان بمثابة الزلزال الذي توقعه فريق سميث. فقد قضت المحكمة بأن الرئيس يتمتع بحصانة واسعة عن أعماله الرسمية، وأن كثيرا من الأدلة التي جمعها سميث، مثل محادثات ترامب مع مسؤولي وزارة العدل ومع نائبه، لا يمكن استخدامها في المحاكمة. وقد اضطر سميث إلى إعادة صياغة لائحة الاتهام كلها، وحذف فقرات كاملة، والبحث عن أدلة جديدة لا تعتمد على الأعمال الرسمية، وهو ما استهلك شهورا إضافية كان فيها السباق الانتخابي يحسم. وفي فلوريدا، استغلت القاضية كانون قرار الحصانة لتعميق الشك في شرعية تعيين سميث نفسه، ثم أصدرت قرارها الصادم بإلغاء قضية الوثائق كلها بدعوى أن تعيين المحقق الخاص كان غير دستوري، وهو قرار وصفه كثير من الخبراء القانونيين بأنه يتعارض مع عقود من السوابق القضائية، لكنه كان كافيا لدفن القضية حتى إشعار آخر. وهكذا، في غضون أسابيع قليلة، انهارت القضيتان الفيدراليتان الكبريان اللتان كان يُنظر إليهما على أنهما الأمل الأخير للمساءلة، ليس لأن الأدلة كانت ضعيفة، بل لأن النظام القضائي نفسه، ببطئه وتسييسه، منح المتهم ما لم يكن يحلم به، وهو الوقت.
إنها لحظة الفراغ التي سبقت الانتخابات، حيث كانت العدالة قد وصلت إلى طريق مسدود، والسياسة قد أخذت مكانها بالكامل. فقد كان واضحا أن مصير ترامب لن يتحدد في قاعة المحكمة، بل في صناديق الاقتراع، وأن وزارة العدل التي أرادت أن تحمي نفسها من السياسة، قد صارت رهينة للسياسة إلى حد أن مستقبلها كله صار معلقا على نتيجة انتخابات واحدة. وهذا هو الجسر الذي ستعبر منه المؤلفتان إلى ليلة الانتخابات وما بعدها، حين يعود ترامب إلى البيت الأبيض، وتبدأ مرحلة الانتقام التي كان الجميع يخشاها، والتي ستكشف أن الخوف الذي حكم وزارة العدل لسنوات لم يكن خوفا وهميا، بل كان نبوءة تحققت بالكامل.
في ليلة الخامس من نوفمبر 2024، حين بدأت النتائج تتوالى من الولايات المتأرجحة، وحين صار واضحا أن دونالد ترامب في طريقه للعودة إلى البيت الأبيض، لم يكن في مبنى وزارة العدل من يحتفل أو يبكي علنا، بل كان هناك صمت ثقيل يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة. وتروي كارول ليونيج وآرون سي ديفيس أن عددا من المدعين الذين عملوا على قضيتي ترامب ظلوا في مكاتبهم حتى ساعات الفجر، لا لأنهم كانوا ينتظرون تعليمات، بل لأنهم كانوا يعرفون أن كل ما بنوه خلال سنوات على وشك أن ينهار، وأن التاريخ الذي حاولوا كتابته في قاعات المحاكم سيُعاد كتابته في اليوم التالي في البيت الأبيض. فقد كان واضحا للجميع أن عودة ترامب لن تعني فقط إغلاق القضيتين الفيدراليتين ضده، بل ستعني قلب المعادلة كلها، بحيث يتحول المحققون إلى متهمين، والمتهمون إلى أبطال، والوزارة التي حاولت أن تحمي نفسها بالحذر، إلى وزارة ستُعاقب على حذرها نفسه. وفي تلك الليلة، كما ينقل الكتاب عن شهود عيان، أرسل جاك سميث رسالة قصيرة إلى فريقه، لم تكن رسالة استسلام، بل رسالة وداع مهنية، يقول فيها إنهم قاموا بعملهم وفق القانون، وإن التاريخ سيحكم على ما فعلوه، حتى لو لم تحكم المحاكم.
وفي الأيام التي تلت الانتخابات، بدأت عملية التفكيك المنهجي لكل ما بناه سميث. فقد طلب سميث من المحاكم وقف الإجراءات، ليس لأنه تراجع عن اتهاماته، بل لأن وزارة العدل لديها قاعدة قديمة تقول إنه لا يمكن محاكمة رئيس في منصبه، وهي القاعدة نفسها التي حالت دون توجيه الاتهام إلى ترامب في تحقيق مولر قبل سنوات. وقد اضطر سميث إلى إغلاق القضيتين، واحدة تلو الأخرى، وأن يكتب تقريرا نهائيا يلخص الأدلة، وهو التقرير الذي منع ترامب نشره بكل الوسائل القانونية، حتى أن جزءا منه لم ير النور إلا بعد معركة قضائية طويلة. وتقدم المؤلفتان هذه اللحظة بوصفها ذروة المأساة، لأن الرجل الذي كان يملك أقوى الأدلة ضد رئيس سابق، وجد نفسه مجبرا على طي ملفاته بنفسه، لا لأن الأدلة كانت ضعيفة، بل لأن الناخبين قرروا أن يمنحوا المتهم الحصانة التي لم تمنحها له المحاكم. وهنا يطرح الكتاب سؤالا لا يمكن تجاهله: هل يمكن للعدالة أن تنتصر في بلد يختار فيه الناخبون أن يعفوا عن المتهم قبل أن يحاكموه؟ وهل كان تأخير الوزارة هو الذي منح الناخبين فرصة اتخاذ هذا القرار، لأنه لو كانت المحاكمات قد انتهت قبل الانتخابات، لكان الناخبون قد ذهبوا إلى صناديق الاقتراع وهم يعرفون الحقيقة القانونية كاملة؟
ومع عودة ترامب إلى السلطة في يناير 2025، تحولت المخاوف التي كانت تدور همسا في أروقة الوزارة إلى واقع يومي مرير. ففي اليوم الأول، وقّع الرئيس الجديد عفوا شاملا عن جميع المدانين في قضية اقتحام الكابيتول، حتى أولئك الذين اعتدوا على رجال الشرطة بالعصي ورشوا الغاز في وجوههم، والذين حكم عليهم بالسجن لسنوات بتهم التآمر الفتنوي. وتروي المؤلفتان كيف أن هذا العفو لم يكن مجرد قرار قانوني، بل كان رسالة سياسية تقول إن ما حدث في السادس من يناير لم يكن جريمة، بل كان عملا وطنيا، وإن كل من شارك فيه هو بطل يستحق التكريم لا العقاب. وقد كان وقع هذا القرار على المدعين وعملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي مدمرا، فقد أمضوا سنوات يجمعون الأدلة ويستمعون إلى الشهود ويقفون أمام عائلات رجال الشرطة الذين أصيبوا، ليجدوا أن كل ذلك قد محي بتوقيع واحد، وأن الرجال الذين أدينوا خرجوا من السجون ليستقبلوا كنجوم في حفلات ومهرجانات، بينما ظل رجال الشرطة الذين دافعوا عن الكابيتول يعانون من إصاباتهم الجسدية والنفسية دون أي اعتراف بتضحياتهم.
ولم يتوقف الأمر عند العفو، بل بدأت مرحلة التطهير التي كان الكتاب قد حذر منها في فصوله الأولى، وكأنها نبوءة تحققت. فخلال أسابيع، طُرد أو أُجبر على الاستقالة عشرات من المدعين وعملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي الذين عملوا على قضايا السادس من يناير وقضيتي ترامب، وأُرسلت قوائم بأسمائهم إلى الإدارة الجديدة، وطُلب منهم أن يبرروا مشاركتهم في تحقيقات كانت في وقتها تحقيقات رسمية بأمر من الوزارة نفسها. وتروي ليونيج وديفيس مشاهد مؤلمة لعملاء فيدراليين خدموا البلاد لعشرين عاما، وطاردوا الإرهابيين وتجار المخدرات، يجدون أنفسهم فجأة متهمين بأنهم جزء من مؤامرة ضد الرئيس، وأن ملفاتهم الشخصية تُفحص، وأن زملاءهم يخشون حتى التحدث معهم في الممرات. وقد وصل الأمر إلى أن بعض المدعين بدأوا يحتفظون بنسخ من ملفاتهم في منازلهم، خوفا من أن تُمحى الأدلة من خوادم الوزارة، بينما كان آخرون يلجأون إلى محامين للدفاع عن أنفسهم، بعد أن كانوا هم من يدافعون عن الدولة. وفي هذا الفصل، يتحول الكتاب من رواية عن تردد وزارة العدل إلى رواية عن انهيارها، لأن المؤسسة التي كانت تخاف من أن تبدو مسيسة، صارت الآن مسيسة بالكامل، ولكن لصالح الطرف الآخر.
وفي قلب هذا الانهيار، تقدم المؤلفتان صورة مفصلة للإدارة الجديدة لوزارة العدل، وعلى رأسها الوزيرة الجديدة بام بوندي، ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الجديد كاش باتيل، اللذين جاءا إلى منصبيهما بخطاب واضح يقول إن مهمتهما ليست حماية استقلال الوزارة، بل «تطهيرها» و«استعادة العدالة» من وجهة نظر الرئيس. وتكشف المؤلفتان كيف أن بوندي، التي كانت من أشد المدافعين عن ترامب في محاكماته، حولت الوزارة إلى أداة لملاحقة خصوم الرئيس، من المدعين السابقين إلى مسؤولي الانتخابات إلى الصحفيين الذين غطوا التحقيقات، وكيف أن باتيل بدأ في إعادة هيكلة مكتب التحقيقات الفيدرالي بطريقة أثارت قلق حتى بعض الجمهوريين، لأنه كان يتعامل مع المكتب كأنه فرع من فروع الحملة الانتخابية، لا كمؤسسة أمنية مستقلة. وتروي المؤلفتان كيف أن الاجتماعات التي كانت في عهد غارلاند تدور حول الأدلة والقانون، صارت تدور حول الولاء والانتقام، وكيف أن عبارة «دعنا نتبع الحقائق» التي كان يرددها غارلاند، استبدلت بعبارة «من معنا ومن ضدنا». وفي هذا التحول، يرى الكتاب أن الخوف الذي حكم الوزارة في عهد غارلاند لم يكن مبالغا فيه، بل كان تقديرا دقيقا لما سيحدث إذا عاد ترامب، لكن المفارقة هي أن هذا الخوف نفسه هو الذي ساعد على عودته، لأنه منع الوزارة من التحرك في الوقت المناسب.
وعلى الرغم من هذا المشهد القاتم، لا يترك الكتاب قارئه دون أن يقدم له شهادات من داخل الوزارة عن المقاومة الصامتة التي حاول بعض العاملين فيها أن يمارسوها. فهناك مدعون رفضوا التوقيع على مذكرات يرونها غير قانونية، وهناك عملاء رفضوا تسليم أسماء زملائهم، وهناك قضاة فيدراليون رفضوا الانصياع لضغوط الإدارة الجديدة، وهناك محامون في وزارة العدل قرروا الاستقالة علنا وكتابة رسائل يشرحون فيها لماذا لا يمكنهم الاستمرار. وتقدم المؤلفتان هذه الشهادات بوصفها دليلا على أن المؤسسة لم تمت بالكامل، وأن هناك من لا يزال يؤمن بأن القانون يجب أن يكون فوق الرئيس، حتى لو كان الثمن هو الوظيفة والمستقبل المهني. لكنها في الوقت نفسه لا تبالغ في التفاؤل، بل تذكر القارئ بأن هؤلاء المقاومين هم أقلية، وأن الأغلبية اختارت الصمت أو التكيف، لأنها تعلمت من تجربة السنوات السابقة أن الشجاعة في واشنطن لها ثمن باهظ، وأن من يتحدث قد يجد نفسه في اليوم التالي خارج الوزارة، ومن يصمت قد ينجو.
ومع اقتراب الكتاب من نهايته، يعود إلى شخصية غارلاند ليطرح عليه السؤال الأخير الذي ظل معلقا طوال الصفحات، وهو: هل كان غارلاند رجلا جيدا في زمن سيئ، أم كان رجلا سيئا لمنصب يحتاج إلى رجل شجاع؟ وتجيب المؤلفتان بأن الحقيقة تقع في مكان ما بين الاثنين، فغارلاند كان رجلا نزيها ومخلصا للقانون، لكنه كان يملك تصورا للمؤسسة ينتمي إلى زمن مضى، زمن كان فيه الجمهوريون والديمقراطيون يتفقون على أن وزارة العدل يجب أن تكون مستقلة، وأن الرئيس لا يمكن أن يكون فوق القانون. وقد حاول غارلاند أن يحكم الوزارة وفق قواعد ذلك الزمن، بينما كان خصمه يلعب وفق قواعد زمن جديد، لا يعترف بالقواعد ولا بالمؤسسات ولا بالحقائق. وفي هذا المعنى، فإن مأساة غارلاند ليست مأساة شخصية فقط، بل مأساة جيل كامل من المسؤولين الأمريكيين الذين ظنوا أن المؤسسات قوية بما يكفي لتحمي نفسها، فاكتشفوا أن المؤسسات لا تحمي نفسها، بل يحميها الأشخاص الذين يملكون الشجاعة للدفاع عنها في اللحظة الحاسمة. وهذا هو الجسر الذي سيعبر منه الكتاب إلى السؤال الأكبر: ماذا بقي من وزارة العدل الأمريكية، وهل يمكن إصلاح ما انكسر، أم أن الظلم الذي يرويه الكتاب صار هو القاعدة الجديدة؟
حين يصل القارئ إلى الصفحات الأخيرة من كتاب «ظلم»، يشعر بأنه لم يقرأ مجرد تحقيق عن وزارة عدل بعينها، بل قرأ مرثية لطريقة كاملة في الحكم كانت أمريكا تتباهى بها أمام العالم لعقود طويلة. فالكتاب لا يتحدث فقط عن ميريك غارلاند أو جاك سميث أو دونالد ترامب، بل يتحدث عن فكرة أن القانون يمكن أن يقف على مسافة واحدة من الجميع، وأن هناك مؤسسة يمكنها أن تقول للرئيس «لا» حين يتجاوز حدوده، وأن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات تُجرى كل أربع سنوات، بل هي شبكة من القواعد والمؤسسات والأعراف التي تحمي الانتخابات نفسها من أن تتحول إلى وسيلة للهروب من العدالة. وتكمن قوة هذا الكتاب في أنه يريك كيف تنهار هذه الشبكة ليس بضربة واحدة قوية، بل بتآكل بطيء، بقرار تأجيل هنا، وبمذكرة لم تُرفع هناك، وباجتماع أُلغي في اللحظة الأخيرة، وبخوف صغير يتراكم فوق خوف صغير حتى يصير جبلا يسد الطريق على العدالة. ولذلك، فإن القارئ الذي يغلق الكتاب لا يسأل نفسه فقط «ماذا حدث في أمريكا؟»، بل يسأل نفسه «ماذا يحدث حين تخاف المؤسسات من أداء وظيفتها؟» وهو سؤال يتجاوز حدود واشنطن، ويصل إلى كل بلد يحاول أن يبني دولة قانون في مواجهة رئيس قوي أو حزب حاكم أو رأي عام منقسم.




