أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

مواسم الغضب:حكايات أربع عائلات مسلمة خاضت معركة الوجود والمصير في أمريكا

جذور التوجس ومآلات الاندماج.. قراءة في التاريخ المنسي لمسلمي أمريكا 

تقوم الكاتبة والصحفية البارزة روزينا علي في كتابها: “Seasons of Fury Four Families and the Rise of Islamophobia in America (Rozina Ali) “. بمراجعة بمناسبة مرور ربع قرن على احداث الحادي عشر من سبتمر، لتروي قصة أمريكا من زاوية غالباً ما يتم تهميشها أو تسطيحها في السرديات الإعلامية السائدة.

يفتتح الكتاب المشهد بتمهيد (Prologue) ، حيث تضعنا روزينا علي أمام مرآة ذاكرتها الشخصية في وادي سان جواكين بولاية كاليفورنيا. في ذلك اليوم المفصلي من تاريخ العالم، الحادي عشر من سبتمبر 2001، كانت الكاتبة لا تزال مراهقة تعيش في بلدة زراعية هادئة، محاطة بحقول اللوز والعنب التي تبدو وكأنها معزولة عن صخب العالم الخارجي وأزماته. تعتقد روزينا حينها أن تداعيات الهجمات الإرهابية المروعة التي ضربت نيويورك وواشنطن ستظل بعيدة عن عالمها الصغير، وأن ارتداداتها ستُشعر في مدن أجنبية عبر المحيط قبل أن تصل إلى عتبة بابهم. لكن الوهم يتبدد سريعاً عندما يستدعيها والدها في مساء ذلك اليوم نفسه، وبصوت خفيض مثقل بالرعب المتراكم من ذكريات قديمة في كراتشي إبان التوترات مع الهند، يلقي عليها تعليمة قاطعة ستغير مجرى وعيها: “لا تخبري أحداً أنك مسلمة”. ويضيف أنه إذا سألها أي غريب، فليكن الرد بأنهم “هندوس”.

هذه اللحظة الصادمة من الإنكار القسري للذات تشكل شرارة الانطلاق لهذا العمل الضخم. تتساءل الكاتبة بمرارة عن هذا الخوف الأبوي الذي بدا لها في البداية نوعاً من “البارانويا” غير المبررة، خاصة وأنها نشأت على الإيمان الراسخ بوعود المساواة والحقوق المدنية الأمريكية. لكن الأيام والسنوات اللاحقة أثبتت أن رعب والديها كان له ما يبرره، حيث أصبحت عبارة “للجدران آذان” قانوناً يومياً يحكم حياة عائلتها والعديد من العائلات المسلمة في جميع أنحاء الولايات المتحدة. لقد تحولت أمريكا فجأة في عيون هؤلاء المهاجرين إلى نسخ مستنسخة من الأنظمة القمعية التي هربوا منها، سواء كانت دولة باكستان الأمنية، أو قبضة الدولة المصرية الثقيلة، أو العيون الساهرة للنظام السوري.

من هذا المنطلق الشخصي العميق، تبني روزينا علي هيكل كتابها حول تتبع حيوات أربع عائلات مسلمة في الولايات المتحدة (جبارة، شودري، سراج، وعمر). الجميل والمميز في هذا الاختيار المنهجي هو أن مسارات هذه العائلات لا تتقاطع بالضرورة، ولا تدعي الكاتبة أنها تمثل عينة إحصائية نمطية تختزل جميع المسلمين الأمريكيين. بل على العكس، تنحدر هذه الشخصيات من خلفيات عرقية وسياسية واقتصادية شديدة التنوع، وتحمل درجات متفاوتة من الالتزام الديني. البعض منهم وُلد على الأراضي الأمريكية، والبعض الآخر قدم إليها مهاجراً باحثاً عن حياة أفضل. ومعاً، يشكلون نسيجاً متكاملاً يعكس التجربة الإسلامية الأمريكية في العقود الأخيرة، وهي تجربة صاغتها سياسات خارجية مضطربة، ومراقبة حكومية خانقة أدت إلى ترحيل الآلاف، وشكوك واسعة النطاق تجاه الإسلام، فضلاً عن تصاعد أعمال العنف وجرائم الكراهية التي ارتفعت بنسبة خيالية بلغت 1600 بالمائة في الأشهر التي تلت أحداث سبتمبر.

في القسم الأول من الكتاب (1940-2000)، تأخذنا المؤلفة في رحلة زمنية لتعريفنا بعائلة “جبارة”، مسلطة الضوء على البدايات المبكرة للتواجد العربي والإسلامي في أمريكا، وهو تاريخ يسبق بكثير كليشيهات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر. نتعرف على الجد “سام” (الذي كان اسمه الأصلي محمد علي جبارة)، الشاب الذي غادر قريته في سوريا الكبرى (والتي أصبحت لاحقاً جزءاً من لبنان) قاصداً الولايات المتحدة. دفع والداه جزءاً من أرضهما لتمويل رحلته عبر البحر من بيروت إلى مرسيليا ثم نيويورك، لينتهي به المطاف بائعاً متجولاً وعاملاً في مصنع للجلود، قبل أن يستقر في بلدة “مانسيلونا” الصغيرة في شمال ميشيغان ويفتتح متجر بقالة خاصاً به.

ترسم الكاتبة  تفاصيل زواجه من “ميموني”، الفتاة المنحدرة من أسرة سورية استقرت في أراضي نورث داكوتا الزراعية القاسية. نرى من خلال قصة سام وميموني كيف حاول هؤلاء الرواد الأوائل الموازنة بين الاندماج في مجتمعهم الجديد المتمثل في الغرب الأوسط الأمريكي، وبين الحفاظ على شظايا من هويتهم الأصلية. كان سام يجلب السجاد والمصابيح النحاسية من دمشق لتزيين منزله، ويستمع بشغف إلى الأسطوانات الموسيقية العربية التي تصله من بروكلين، ويرنم بصوت خافت مواويل “العتاب” القديمة خلال قيادته لسيارته. في الوقت ذاته، كانوا جزءاً لا يتجزأ من نسيج بلدة مانسيلونا، لدرجة أنهم وجدوا في “المعبد الماسوني” المحلي بديلاً اجتماعياً لغياب المسجد، وربما جذبهم في ذلك بعض الرموز التي استعارتها الماسونية من الشرق مثل “الطربوش”.

تتعمق روزينا علي في استعراض المشهد الأوسع للهجرة العربية إلى ديترويت، حيث جذب وعود “هنري فورد” بدفع خمسة دولارات يومياً آلاف المهاجرين للعمل في مصانع السيارات. تصف الكاتبة كيف تحولت شوارع قريبة من المصانع إلى مجتمعات تنطق بالعربية، وكيف برزت شخصيات دينية مبكرة مثل الإمام حسين أديب كاروب، الذي قدم من سهل البقاع ليكون مرجعاً روحياً يزوج الناس ويقيم شعائر الدفن ويجمع التبرعات لبناء أول مساجد ديترويت. بل إن الإمام كاروب فتح أبوابه للمتحولين السود من الجنوب الأمريكي الذين لجأوا إلى الإسلام هرباً من التمييز العنصري الممنهج في وظائفهم ومساكنهم، مما يعكس تداخلاً تاريخياً مبكراً بين حركات الحقوق المدنية والهوية الإسلامية في أمريكا.

تتخذ القصة منعطفاً مأساوياً ومحورياً مع الوفاة المفاجئة للأب “سام” في حادث سير مروع عام 1951، بينما كان يقود شاحنته وإلى جانبه ابنه الصغير “عبدين”. هذه الحادثة تركت عبدين يتيماً يعاني من إصابات جسدية بالغة، لكنها تركت أيضاً ندوباً نفسية عميقة شكلت مسار حياته لاحقاً. في غياب الأب الذي كان يمثل الجسر الرابط مع “العالم القديم” ولغته التي لم يتقنها الأبناء جيداً، وجد عبدين نفسه يبحث بشغف عن هويته. تأثر بشدة بصعود المد القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر في الخمسينيات، ورأى فيه نموذجاً للكرامة والعدالة والاستقلال، لدرجة أنه ألقى خطاباً حماسياً باللغة العربية في مسابقة مدرسية محلية تمجد القومية العربية.

يتسع نطاق الكتاب ليغطي فترة الستينيات المضطربة، حيث نرافق عبدين جبارة الشاب الذي تخرج لتوه من كلية الحقوق وانتقل للعيش في ديترويت. هناك، تصطدم مثالياته بواقع الانقسام العنصري والفقر الحضري في أمريكا، وهو ما تجلى بوضوح في انتفاضة ديترويت الدامية صيف عام 1967، التي اندلعت إثر غارة عنيفة للشرطة على حي للأمريكيين السود، وأسفرت عن مقتل العشرات وتدمير آلاف المباني. في خضم هذه النيران المشتعلة محلياً، تندلع حرب الأيام الستة في الشرق الأوسط (يونيو 1967)، لتشكل زلزالاً سياسياً ونفسياً عميقاً لعبدين وللجالية العربية في أمريكا. الهزيمة العسكرية الساحقة للجيوش العربية أمام إسرائيل، والدعم الأمريكي غير المشروط للأخيرة، دفعا النخب والمثقفين العرب الأمريكيين إلى إعادة تنظيم صفوفهم. نرى في الكتاب كيف تأسست “رابطة الخريجين الجامعيين العرب الأمريكيين” (AAUG) بمشاركة شخصيات أكاديمية بارزة مثل إدوارد سعيد وإقبال أحمد، بهدف تغيير السردية الأمريكية حول الصراع في الشرق الأوسط ونشر الوعي بالقضية الفلسطينية.

إلا أن عبدين، المحامي العملي، أدرك أن المعركة الحقيقية لا تقتصر على الحرم الجامعي والمؤتمرات الأكاديمية، بل يجب أن تُخاض في الشوارع والمصانع والأحياء العمالية، وتحديداً في حي “ساوث إند” (South End) بديربورن. هذا الحي الذي تقطنه أغلبية كادحة من المهاجرين العرب وتتوسطه مصانع فورد، كان يواجه تهديداً وجودياً من قبل عمدة المدينة العنصري أورفيل هوبارد، الذي سعى لهدم منازلهم تحت ستار “التجديد الحضري”. هنا، تبرز شخصية “رون أمين” (Ron Amen)، الشاب الأمريكي من أصل لبناني والعائد للتو من جحيم حرب فيتنام حاملاً صدمات نفسية عميقة وشعوراً بالذنب لقتاله في حرب اعتبرها “أكبر مضيعة للجهد البشري”. يعود رون ليجد مجتمعه مهدداً، فينخرط مع رفاقه في تأسيس حراك شعبي مقاوم أثمر لاحقاً عن إنشاء “المركز العربي للخدمات الاقتصادية والاجتماعية” (ACCESS).

من خلال هذه التحركات، يوثق الكتاب بداية تبلور وعي سياسي عربي أمريكي يتحدى السياسات الداخلية والمحلية التعسفية، وفي الوقت نفسه يرفع صوته ضد السياسة الخارجية الأمريكية المنحازة. ينجح هؤلاء النشطاء في تنظيم إضرابات عمالية ومسيرات احتجاجية، مثل المظاهرة الحاشدة ضد شراء نقابة عمال السيارات (UAW) لسندات إسرائيلية. ولكن هذا الصعود في النشاط السياسي لم يمر دون ثمن باهظ، إذ سرعان ما وجدت هذه القيادات الشابة، وعلى رأسهم المحامي عبدين جبارة، أنفسهم تحت مجهر المراقبة الحكومية الصارمة.

في أوائل السبعينيات، وتحت إدارة ريتشارد نيكسون وإدارة جي. إدغار هوفر لمكتب التحقيقات الفيدرالي، أطلقت الحكومة عملية تنصت ومراقبة واسعة النطاق عُرفت باسم “عملية بولدر” (Operation Boulder) في أعقاب عملية ميونيخ عام 1972. الهدف المعلن كان محاربة “الإرهاب”، لكن التنفيذ على الأرض تحول إلى حملة ترهيب وتنميط عنصري استهدفت الطلاب والناشطين والمواطنين العرب الأمريكيين لمجرد نشاطهم السياسي السلمي أو تعاطفهم مع الحقوق الفلسطينية. يكتشف عبدين جبارة بالصدفة أن حسابه البنكي وخطوطه الهاتفية تخضع للمراقبة الفيدرالية، وأنه مصنف ضمن قوائم المراقبة الرسمية.

بدلاً من الرضوخ والخوف، يقرر عبدين مقاضاة مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) مدعوماً باتحاد الحريات المدنية الأمريكي. تكشف المعركة القانونية الطويلة عن مفاجآت صادمة: الحكومة كانت تتجسس عليه منذ عام 1967 (أي قبل عملية بولدر بسنوات)، وقامت بتمرير معلوماته الشخصية إلى وكالات أجنبية وإسرائيلية، بل إن وكالة الأمن القومي (NSA) تورطت في اعتراض اتصالاته الدولية، في سابقة خطيرة لاستهداف مواطن أمريكي.

هذه الأحداث المعقدة التي تسردها روزينا علي في الفصول الأولى ، لا تمثل مجرد توثيق لتاريخ عائلة أو فرد، بل هي تشريح دقيق للجذور التاريخية والمؤسسية لظاهرة “الإسلاموفوبيا” وتجريم الهوية العربية في الولايات المتحدة. إنها تبرهن على أن ما حدث بعد 11 سبتمبر لم يكن انحرافاً مفاجئاً عن القيم الأمريكية، بل كان تصعيداً لسياسات وممارسات رقابية وإقصائية تم زرع بذورها ورعايتها على مدى عقود طويلة.

إن الانتقال من الحراك السياسي المتقد في الستينيات والسبعينيات، والذي جسدته مسيرة المحامي عبدين جبارة ومعاركه القانونية ضد المراقبة الحكومية، إلى العقود اللاحقة، يمثل في كتاب روزينا علي انتقالاً من مرحلة المواجهة المكشوفة إلى مرحلة التأسيس الهيكلي والمؤسسي للتوجس الممنهج. في المرحلة من قراءتنا التحليلية العميقة، نركز على التحولات في الثمانينيات والتسعينيات، وهي الحقبة التي مهدت الأرضية التشريعية والنفسية والسياسية للانفجار الأكبر الذي سيلي أحداث الحادي عشر من سبتمبر. تنقلنا الكاتبة ببراعة سردية من صخب الشوارع العمالية في ديترويت إلى هدوء الضواحي الأمريكية الحالمة، حيث نحاول استكشاف الوجه الآخر للتجربة الإسلامية في الولايات المتحدة: وجه السعي الحثيث نحو الاندماج المطلق، ومعانقة ما يُعرف بـ “الحلم الأمريكي”، من خلال قصة عائلة شودري، وتحديداً شخصية محمد علي شودري.

يمثل محمد علي شودري في هذا العمل النقيض السيكولوجي والاجتماعي لنموذج الناشط المتمرد. إنه المهاجر الذي قدم إلى الولايات المتحدة يحمل في حقيبته طموحات أكاديمية ومهنية واسعة، ومستعداً للعب وفقاً لقواعد المجتمع الجديد بكل حذافيرها. تستعرض روزينا علي مسيرة شودري وكيف استطاع، بفضل تعليمه وعمله الدؤوب، أن يتسلق السلم الاجتماعي والاقتصادي، ليستقر في إحدى الضواحي الراقية، منخرطاً في الحياة المدنية والسياسية المحلية بكل شغف. كان يرى في أمريكا أرض الفرص التي لا تكترث بخلفية الفرد بقدر ما تكترث بكفاءته ومساهمته في مجتمعه. لقد انخرط شودري في لجان المدارس، والمجالس البلدية، وحاول جاهداً أن يكون التجسيد الحي لنموذج “الأقلية الناجحة” التي تثبت ولاءها من خلال العمل العام والخدمة المجتمعية. غير أن المأساة التي تنسجها الكاتبة ببطء من خلال هذه الشخصية تتمثل في الاكتشاف التدريجي والقاسي بأن هذا الاندماج، مهما بلغ عمقه وصدقه، يظل هشاً وقابلاً للانهيار عند أول منعطف أمني أو أزمة سياسية كبرى. إن قصة شودري تطرح تساؤلاً فلسفياً واجتماعياً حارقاً يمتد عبر صفحات الكتاب: هل يمكن للمسلم الأمريكي، مهما اجتهد في إثبات أمريكيته، أن يتخلص نهائياً من عبء “الآخر” الذي يُنظر إليه دائماً بعين الريبة؟

لتفسير هذا التوجس المتجذر، لا تكتفي روزينا علي بسرد القصص الشخصية، بل تغوص عميقاً في التحولات الجيوسياسية والتشريعية التي صاغت نظرة المؤسسة الرسمية الأمريكية تجاه المواطنين والمقيمين من أصول عربية وإسلامية. وتضع يدها على الجرح الغائر المتمثل في الدور الحاسم الذي لعبته الصراعات في الشرق الأوسط، وعلى رأسها الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، في تشكيل هذه السردية العدائية. توضح الكاتبة كيف أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية المتنامية والمنظور الذي تبنته واشنطن تجاه الشرق الأوسط قد انعكس بشكل مباشر على السياسات الداخلية، حيث بدأت عملية “أنسنة” أو “شيطنة” الأفراد بناءً على مواقفهم من هذا الصراع. لقد تم تأطير القضية الفلسطينية، ومجمل قضايا العالم الإسلامي، بشكل حصري عبر عدسة “الأمن القومي” والإرهاب، مما أدى حتمياً إلى وضع الجاليات العربية والإسلامية في أمريكا تحت طائلة الشك المستدام.

هذا الربط العضوي بين السياسة الخارجية والممارسات الداخلية تجلى بوضوح في التسعينيات، وهي الحقبة التي تعتبرها الكاتبة مفصلية في تاريخ التشريعات الأمريكية المتعلقة بالإرهاب. ففي تلك الفترة، سُنت قوانين وتشريعات وسعت بشكل خطير ومطاطي من تعريف “الإرهاب” والارتباط بمنظمات إرهابية. هذه القوانين لم تكن مجرد نصوص قانونية جافة، بل كانت بمثابة شباك واسعة تم إلقاؤها لتجريم مجموعة واسعة من الأنشطة المدنية، مثل التبرعات الخيرية، وحرية التعبير، والتنظيم السياسي السلمي. لقد خلقت هذه التشريعات بيئة قانونية تسمح باستهداف أفراد لا علاقة لهم بالعنف، فقط بسبب روابطهم العرقية أو الدينية أو القومية، مما مهد الطريق لانتهاكات واسعة النطاق للحريات المدنية، وهو ما سيتصاعد بشكل دراماتيكي لاحقاً.

وفي خضم هذه البيئة المشحونة بالترقب والتشريعات الفضفاضة، تبرز قصة عائلة سراج، وتحديداً شاهينا وماتين سراج، كشهادة حية ومؤلمة على الثمن الإنساني الباهظ لسياسات المراقبة والاختراق. تنتقل بنا روزينا علي إلى الأحياء الحضرية التي تقطنها الطبقات العاملة والمتوسطة من المسلمين، لتكشف لنا عن ظاهرة بالغة الخطورة دمرت النسيج الاجتماعي لهذه المجتمعات: ظاهرة المخبرين السريين والعملاء الاستفزازيين. لم تكتفِ الأجهزة الأمنية، كوكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي وأقسام الشرطة المحلية، بالمراقبة عن بُعد، بل قامت بزرع عملاء ومخبرين داخل المساجد، والمقاهي، والتجمعات الطلابية، والجمعيات الخيرية.

تصف الكاتبة كيف تحولت دور العبادة وأماكن التجمع الآمنة إلى مصائد أمنية. لم يكن دور هؤلاء المخبرين يقتصر على جمع المعلومات السلبية، بل تعداه إلى “التحريض” (Entrapment)، حيث كانوا يقتربون من الشباب المهمشين أو المضطربين، ويقومون بتلقينهم أفكاراً متطرفة، ويوفرون لهم خططاً وهمية ووسائل لتنفيذها، ثم يلقون القبض عليهم في اللحظة الأخيرة ليصنعوا نصراً أمنياً استعراضياً أمام وسائل الإعلام. تعكس قصة عائلة سراج حالة البارانويا والرعب اليومي التي اجتاحت العائلات المسلمة؛ ذلك الشعور الخانق بأن “شخصاً ما يراقبنا” دائماً. لقد أدى هذا الاختراق الممنهج إلى انهيار الثقة داخل المجتمعات المسلمة، فأصبح الجار يخشى جاره، وأصبح الحديث في السياسة أو حتى في شؤون الدين داخل المسجد محفوفاً بالمخاطر، مما فرض حالة من العزلة والرقابة الذاتية القاسية التي وأدت حرية التعبير في مهدها.

ولكن كيف أمكن تمرير كل هذه الانتهاكات وتطبيعها في مجتمع يتغنى بالديمقراطية والحريات؟ هنا تكشف روزينا علي عن طبقة أخرى من طبقات صناعة الإسلاموفوبيا، وهي الطبقة الفكرية والإعلامية التي وفرت الغطاء الأخلاقي والنظري لهذه السياسات. تسلط الكاتبة الضوء على صعود شبكة معقدة وممولة تمويلاً جيداً من المؤسسات البحثية، والمنظمات غير الربحية، والشخصيات الإعلامية، التي أخذت على عاتقها مهمة زرع الذعر المنهجي ونشر الهلع الأخلاقي حول “التهديد” الذي يمثله الإسلام بحد ذاته. هذه الصناعة، كما تسميها الكثير من الأدبيات السياسية، لم تكن مجرد رد فعل عفوي، بل كانت جهداً منظماً لتأطير الإسلام ليس كدين سماوي، بل كأيديولوجية شمولية ومعادية للقيم الغربية.

لقد نجحت هذه المؤسسات في ترويج سردية “الصراع الحضاري” التي تضع الإسلام والغرب في حالة عداء وجودي حتمي. ومن خلال نشر التقارير، واستضافة الندوات، والظهور المكثف في القنوات الإخبارية، تمكنت هذه الأصوات من التأثير على الرأي العام وصناع القرار على حد سواء. لقد تم تصوير المسلم الأمريكي كطابور خامس، وكخلايا نائمة تتحين الفرصة للانقضاض على المجتمع الذي آواها. هذا الضخ الإعلامي والأكاديمي الموجه لم يكتفِ بتبرير سياسات المراقبة القاسية والتضييق القانوني، بل أدى أيضاً إلى تهيئة المزاج الشعبي العام لتقبل الانتهاكات الجسيمة التي ستُرتكب لاحقاً، وجعل من العنف اللفظي والجسدي ضد المسلمين في الشوارع وأماكن العمل أمراً يمكن تبريره، أو على الأقل غض الطرف عنه.

إن الفحص الدقيق الذي تقدمه روزينا علي لعقد التسعينيات يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن ما يسمى بـ “الحرب على الإرهاب” في الداخل الأمريكي لم تبدأ صبيحة الحادي عشر من سبتمبر 2001، بل إن ذلك اليوم المأساوي كان مجرد محفز ومسرع أدى إلى إطلاق العنان لآلة قمعية كانت قد أُسست وتم اختبارها تشريعياً واستخباراتياً وإعلامياً على مدى عقود. من خلال استعراض التناقضات بين سعي عائلة شودري للاندماج السلمي والمواطنة الصالحة، وبين الوقائع الصادمة للاختراق الأمني الذي عانت منه عائلات مثل عائلة سراج، ترسم الكاتبة لوحة قاتمة لمجتمع يتم فيه تفكيك العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها بناءً على الهوية الدينية والعرقية.

إن هذه المرحلة التي نتناولها هي مرحلة تراكم الغضب، وتكريس الصور النمطية، وبناء السجون التشريعية والنفسية التي سيُزج فيها مئات الآلاف من المسلمين الأمريكيين. وفي الدفعة الثالثة القادمة، سنرى كيف أدت صدمة انهيار البرجين التوأمين إلى اشتعال هذه الأرضية الممهدة، وكيف تحولت القوانين الفضفاضة والمراقبة السرية إلى حملات اعتقال جماعي، وعمليات ترحيل قسرية، وتحول جذري في مفهوم العدالة الأمريكية، متتبعين في ذلك تأثير هذه الزلازل على حياة العائلات التي اتخذتها الكاتبة محوراً لسرديتها التاريخية.

تتأجج التطورات وتصل المأساة إلى ذروتها الدراماتيكية  مع حلول صبيحة الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهو التاريخ الذي يمثل في السردية التاريخية للكتاب انفجاراً لمشهد كان يُهيأ ويُعد له في الظل عبر عقود طويلة. نلج إلى جحيم السنوات الأولى التي تلت الهجوم على برجي التجارة العالمي ومبنى بنتاغون، لنشهد كيف تحول “الخوف القومي” إلى تشريعات قمعية، وكيف تحولت الأجهزة الأمنية إلى أداة للهندسة الاجتماعية والتفتيش في ضمائر ومصائر مئات الآلاف من المسلمين الأمريكيين. لم تعد المراقبة مجرد ملفات سرية تُحفظ في أدراج مكتب التحقيقات الفيدرالي كما كان الحال مع عبدين جبارة في السبعينيات، بل أصبحت مداهمات لمنازل العائلات الأمنة في غسق الليل، واعتقالات بلا تهم، ورحلات ترحيل قسرية تمزق أطراف الأسر، واستدراجاً أمنياً مصمماً بعناية لاصطياد الشباب المهمشين.

تفتتح الكاتبة هذه المرحلة المظلمة بتقديم صورة حية للرعب الاجتماعي الذي اجتاح الأحياء المأهولة بالمهاجرين والعمال المسلمين في نيويورك ونيوجيرسي وشيكاغو. ففي حي “جاكسون هايتس” أو “بايريدج”، اختفت مظاهر الحياة والبهجة فجأة؛ أُغلقت المحال، وتوارى النساء بملابسهن التقليدية عن الشوارع، وأصبحت الأعلام الأمريكية والأدعية الدينية المكتوبة باللغات الأوردية والعربية تُعلق على النوافذ كنوع من الحماية والتمسح بالولاء الوطني إزاء نوبات العنف والشغب العنصري التي اندلعت في مختلف الولايات. وسط هذا الهلع، تشكلت منظمات حقوقية عمالية وشبابية من الرحم الجماعي للجالية، كمنظمة “دروم” (DRUM – Desis Rising Up and Moving) التي قادها فاعلون مثل مونامي موليك وفهد أحمد، حيث تحولت هواتف هذه المنظمات الصغيرة إلى خطوط ساخنة لا تتوقف عن الرنين على مدار الساعة، تلتقي عليها صرخات الزوجات والأمهات اللاتي يستغثن بحثاً عن أزواجهن وأبنائهن الذين اختفوا فجأة دون أثر.

من بين أروقة هذا التغييب القسري، تخوض روزينا علي في تفاصيل قصة عائلة أنسر محمود وزوجته أوزما أمهيد في مدينة بايون بولاية نيوجيرسي. كان أنسر مهاجراً كادحاً يعمل في قيادة الشاحنات ونقل البضائع، يسعى لتربية أطفاله الأربعة وتوفير حياة كريمة ومسكن دافئ لهم. وفي صبيحة الثالث من أكتوبر 2001، اقتحم أكثر من عشرة عناصر من مكتب التحقيقات الفيدرالي منزل العائلة، وقاموا بتفتيش الخزانات والعبث بالمقتنيات الشخصية، قبل أن يقتادوا أنسر مكبل اليدين أمام أعين أطفاله الصغار، لمجرد أن وضعه الهجري لم يكن مكتملاً ولشبهات واهية لا أساس لها من الصحة. دخل أنسر في نفق مظلم من الاحتجاز في سجن “MDC” في بروكلين، حيث وُضع في جناح الحبس الفردي المخصص لمعتقلي الحادي عشر من سبتمبر الذائعي الصيت، وتعرّض للضرب والتنكيل والإهانة على أيدي الحراس، بينما كانت زوجته أوزما تخوض رحلة معاناة مريرة بين المحاكم وإدارات السجون والمكاتب الحكومية بحثاً عن زوجها المُغيب، دون أن تتمكن لأسابيع طويلة حتى من سماع صوته أو معرفة التهمة الموجهة إليه.

تظهر الكاتبة كيف استخدمت إدارة الرئيس جورج بوش ووزير عدله جون أشكروفت التشريعات الاستثنائية، وعلى رأسها “قانون الوطنية” (Patriot Act)، لمنح الأجهزة الفيدرالية صلاحيات مطلقة لا تخضع لمراقبة القضاء. ولم يتوقف الأمر عند الاعتقالات العشوائية، بل تجاوز ذلك إلى إطلاق “سجل التسجيل الخاص للأجانب” المعروف بـ (NSEERS)، وهو البرنامج الذي ابتكره المحامي المحافظ كريس كوباخ. فرض هذا البرنامج على جميع الرجال والفتية من سن السادسة عشرة فما فوق، القادمين من أربع وعشرين دولة ذات أغلبية مسلمة، الحضور الإجباري إلى مكاتب الهجرة لأخذ أختام الأصابع، والتصوير، والخضوع لاستجوافات مطولة حول معتقداتهم وممارساتهم الدينية ومواقفهم السياسية.

تصف الكاتبة المشاهد المفجعة أمام مركز “فيدرال بلازا” في نيويورك، حيث وقف آلاف الرجال والشباب، ومنهم الشاب ماتين سراج ووالده سراج اللذان ينتميان لعائلة سراج الباكستانية، في طوابير طويلة تحت البرد القارس منذ ساعات الصباح الأولى. كان هؤلاء المهاجرون يواجهون خياراً أحلى طعميه مر: إما الخضوع للتسجيل والمخاطرة بالاعتقال والترحيل الفوري إذا تبين وجود أي نقص في وثائق الإقامة، وإما الامتناع عن الحضور وتحمل خطر تصنيفهم كـ “إرهابيين فارين” ومطاردتهم أمنياً. لقد أسفر هذا البرنامج الاستئصالي عن إخضاع أكثر من ثلاثة وثمانين ألف رجل للتسجيل، وصدرت أوامر بترحيل أكثر من ثلاثة عشر ألف شخص، ودُمرت أسر بأكملها وأُجبرت على الفرار نحو الحدود الكندية أو العودة إلى بلدانها الأصلية، دون أن يسفر هذا السجل الضخم عن اكتشاف خلية إرهابية واحدة أو توجيه تهمة إرهاب واحدة لأي من المسجلين، مما يثبت أن الهدف الحقيقي كان العقاب الجماعي وفرض السيطرة بالرعب.

ولم تسلم حتى العائلات المسلمة التي حاولت الهروب من حواضر المدن الكبرى والعيش في هدوء الضواحي الأمريكية من شظايا هذا الجو المسموم، وهو ما يتجلى في قصة عائلة “عمر” (جانيت وبسام وأطفالهما ريهام وخليل وحسن). انتقلت هذه العائلة المكونة من أم أمريكية معتنقة للإسلام وأب فلسطيني أصل إلى منزل جميل ذي حديقة ومدخنة قرميدية، طامحين في براءة الحلم الأمريكي ورغبة في توفير بيئة هادئة لتربية أطفالهم. غير أنهم اصطدموا منذ الأيام الأولى بجارهم العسكري المتقاعد الذي أطلقوا عليه لقب “مستر هابي” (Mr. Happy) للتخفيف من حدة الرعب الذي يسببه لهم. بدأ هذا الجار بتوجيه التهديدات والتحذيرات بضرورة “التخفي”، ثم تطور الأمر إلى نزع زينة العيد من حديقتهم، وإطلاق النار ببندقية خرز على سيارتهم، وملاحقة الأم وأطفالها بالسيارة في الشوارع. هذا الترهيب اليومي أجبر الأطفال الصغار على تطوير آليات دفاعية نفسية مؤلمة؛ فجمعت الابنة ريهام “حقيبة طوارئ” صغيرة أبقتها بجوار الباب لسنوات، تحتوي على العابها ومذكراتها وكتبها المفضلة، استعداداً لليوم الذي توقعت فيه أن تدق السلطات بابهم لتساق العائلة إلى “معسكرات الاعتقال الجماعي” كما حدث مع اليابانيين الأمريكيين في الحرب العالمية الثانية.

 تنتقل الكاتبة إلى قضية الشاب ماتين سراج، والعملية الاستخباراتية الشائكة التي شنتها شرطة نيويورك (NYPD) ومكتب التحقيقات الفيدرالي لاصطياده. كان ماتين شاباً ساذجاً وبسيطاً في مقتبل العمر، يعمل في مكتبة تسجيلات إسلامية صغيرة في حي “بايريدج” ببروكلين، ويمضى وقته بين أحلام الزواج من فتاة في باكستان والعمل على أجهزة الكمبيوتر. ومع تصاعد التغطية الإعلامية للغزو الأمريكي للعراق وانتشار الصور المروعة لفضائح التعذيب في سجن “أبو غريب” ومقتل الأطفال في فلسطين، امتلات نفس الشاب بمشاعر العجز والغضب الأخلاقي الشديد.

هنا تدس الأجهزة الأمنية في حياة ماتين مخبراً سرياً أربعينياً يدعى “أسامة الداودي”، وهو رجل متعلم ذو حضور قوي أظهر للشباب الصغار مظاهر الصلاح والورع الديني. استغل الداودي مشاعر الغضب والاندفاع لدى ماتين وصديقه جيمس الشافعي، وبدأ في تغذية أفكار الانتقام لديهم، وتلقينهم أدبيات حماسية، وتوفير الخرائط والخطط لتفجير محطة مترو الأنفاق في “هيرالد سكوير” بمنهاتن. تتبعت روزينا علي التسجيلات الصوتية والمحادثات السرية لتكشف كيف كان المخبر الحكومي يضغط على ماتين ويستدرجه لإكمال المخطط، بينما كان ماتين يتردد ويحاول التراجع والتملص، مصرحاً بصراحة في التسجيلات بأنه لا يريد إيذاء الأبرياء أو قتل المدنيين، وأنه يجب أن يستأذن أمه قبل القيام بأي عمل. غير أن آلة الاستدراج الأمنية أصرت على دفعه إلى النقطة التي تسمح بتوجيه اتهام ثقيل بالإرهاب، لتعلن السلطات لاحقاً في إيجاز صحفي استعراضي عن إحباط مخطط إرهابي كبير، صانعة نصرًا أمنياً وهمياً على حساب حياة شاب كادح وساذج.

 يتضح كيف تحولت الأجهزة الأمنية والقوانين الاستثنائية من أدوات لحماية المجتمع إلى أدوات لصناعة الجريمة واستهداف الضحايا بناءً على هويتهم ودينهم. إن قصص أنسر محمود، وعائلة عمر، وماتين سراج، تعكس زوايا مختلفة لمأساة واحدة: مأساة مجتمع كامل أُخرج من مظلة العدالة وحمايتها، وأصبح أفراده يتحركون في فضاء من الريبة والخوف والترصد الممنهج.

تتواصل السردية التاريخية والتحليلية  لتلج بنا إلى مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ الجالية المسلمة في الولايات المتحدة؛ وهي الحقبة الممتدة بين عامي 2008 و2015. إنها الفترة التي شهدت التحول الانتقالي من جحيم الاعتقالات العشوائية والمداهمات المباشرة التي وسمت عهد جورج بوش الابن، إلى مرحلة مأسسة القوانين الأمنية وإعادة إنتاجها تحت غطاء “المحاكمات العادلة” وبرامج “مكافحة التطرف العنيف” في ظل إدارة باراك أوباما.نتابع كيف تحولت أروقة المحاكم الفيدرالية إلى مسارح لإعادة تدوير الخوف القومي، وكيف تحول أمل التغيير السياسي إلى استمرار أعمق وأكثر نضجاً لآليات المراقبة والتجريم الممنهج.

تبدأ هذه الفترة بالوقوف عند أروقة القضاء الفيدرالي الأمريكي خلال محاكمة الشاب ماتين سراج، وهي المحاكمة التي مثلت تجسيداً صارخاً لكيفية صناعة “المجرم الإرهابي” وتثبيت التهم عليه في الوجدان الجمعي الأمريكي. لم تكن جلسات المحاكمة مجرد إجراءات قانونية للفصل في وقائع مادية، بل تحولت إلى مواجهة ناطقة بين روايتين: رواية هيئة الدفاع التي حافرت لإثبات وقوع موكلها في فخ “الاستدراج الأمني” (Entrapment) الممنهج الذي أدارته شرطة نيويورك ومكتب التحقيقات الفيدرالي عبر المخبر أسامة الداودي، ورواية الادعاء العام الذي صور الشاب الساذج والأناني والمضطرب كخطر داهم يهدد أمن الأمة. ورغم أن الدفاع قدم تسريبات وتسجيلات تُظهر بوضوح تردُّد ماتين، ورفضه الصريح لنقل أية متفجرات، وتصريحه المتكرر بأنه لا يريد إيذاء أي مدني، إلا أن هيئة المحلفين، المشحونة بصور الحروب والخوف المستدام، رفضت الأخذ بدفع الاستدراج الأمني. صدر الحكم القاسي بالسجن لمدة ثلاثين عاماً، ليُزج بماتين سراج خلف جدران السجون الفيدرالية العالية الحراسة، بعيداً عن أسرته وأحلامه البسيطة.

تقف روزينا علي عند العمق الإنساني لهذه الفاجعة، متتبعةً أثر الحكم على والدته شاهينا سراج وزوجها. تحطمت آمال العائلة التي جاءت إلى أمريكا بحثاً عن الأمان والاستقرار لأبنائها هرباً من العنف المذهبي في كراتشي. تحولت الأم شاهينا من امرأة بسيطة تخشى الحديث باللغة الإنجليزية في وسائل المواصلات العامة إلى صوت صارخ ينادي بالعدالة، تجوب المنصات والتظاهرات لتفضح التكلفة الإنسانية لسياسات الاستدراج والتنميط. لقد أدركت شاهينا، كما أدرك الكثيرون، أن ابنها لم يكن يُحاكم على جريمة ارتكبها بالفعل، بل على “نوايا” تم تشكيلها وتغذيتها ورعايتها استخباراتياً، لتقديم كبش فداء جديد يقنع الشارع الأمريكي بجدوى الأموال الهائلة التي تُنفق على أجهزة الأمن الداخلي.

ومع حلول عام 2008 وانتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة، استبشرت الجاليات المسلمة والأقليات الملونة خيراً بوعود التغيير، وخطابات التسامح، والوعود بإغلاق معتقل غوانتانامو وإنهاء حقبة التخويف البوشية. غير أن الكتاب يكشف بجلاء عن الوهم الكبير الذي اكتنف هذا التغيير السطحي. ففي الوقت الذي خفتت فيه النبرة الخطابية الصدامية وعبارات “الحرب الصليبية”، كانت الأجهزة الأمنية تُطور استراتيجيات أكثر دهاءً ومأسسة لمراقبة المسلمين، تحت عنوان عريض يُعرف بـ “برنامج مكافحة التطرف العنيف” (CVE – Countering Violent Extremism).

توضح المؤلفة كيف اعتمد هذا البرنامج الجديد على نظريات أمنية مثيرة للجدل صيغت داخل أروقة أجهزة الشرطة، وعلى رأسها قسم الاستخبارات بشرطة نيويورك (NYPD) تحت قيادة رايموند كيلي وديفيد كوهين. افترضت هذه النظريات أن هناك “مساراً محدوماً للتطرف” يمر به الفرد المسلم، يبدأ من الممارسات الدينية العادية كارتداء اللحية، وتأدية الصلاة في أوقاتها، وقراءة الأدبيات الإسلامية، أو الامتناع عن شرب الكحول، وينتهي حتماً بالعنف والإرهاب. وبناءً على هذه الفرصية الخاطئة، تم تحويل المجتمع المسلم بأكمله إلى “بيئة حاضنة مشبوهة”، وبات التدين الطبيعي في حد ذاته دليلاً مبكراً على الخطر الاستباقي.

وتكشف روزينا علي عن واحد من أضخم برامج الجاسوسية المحلية في التاريخ الأمريكي الحديث، وهو برنامج “رسم الخرائط الاستخباراتي” (Demographics Unit) الذي أدارته شرطة نيويورك بالتعاون مع ضباط سابقين في وكالة المخابرات المركزية. جرى من خلال هذا البرنامج التجسس الشامل وغير المشروط على الحياة اليومية لمئات الآلاف من المسلمين في ولايات نيويورك ونيوجيرسي وكونيتيكت. أرسلت الشرطة مخبرين وعملاء إلى المطاعم الحلال، والمقاهي العربية، والمكتبات، ومحلات الجزارة، والمساجد، والجمعيات الطلابية المسلمة في الكليات والجامعات. تم تسجيل المحادثات اليومية العادية، وتوثيق أسماء الأشخاص الذين يرتدون الملابس التقليدية، وتبادل أطراف الحديث حول الأخبار السياسية أو قضايا العالم الإسلامي. كشف التحقيق الاستقصائي الذي أجرته وكالة “أسوشيتد برس” لاحقاً عن هذا البرنامج، أنه رغم سنوات طويلة من التجسس الخانق وانتهاك الحرمات المدنية، لم يؤد هذا البرنامج إلى إيقاف إرهابي واحد أو تقديم خطة عمل أمنية واحدة، بل أدى فقط إلى تسميم أصول الثقة المتبادلة وتفريغ الفضاءات الدينية والاجتماعية من الأمان.

على الجانب الآخر من المشهد السياساتي، تتتبع الكاتبة مسار محمد علي شودري، الذي واصل سعيَه الدؤوب للعمل من داخل المنظومة السياسية والمجتمعية الرسمية. كثرت مشاركات شودري في المنتديات الحوارية، وتأسيسه لـ “مركز فهم الإسلام”، ووصوله إلى منصب رئيس بلدية “برناردز” في نيوجيرسي، كمثال حسي يُحتذى به لـ “المسلم الصالح والمترسخ في الوطنية الأمريكية”. غير أن تجربة شودري واجهت صدمة جدارية عنيفة عندما شرع المجتمع المسلم المحلي في تقديم طلب لبناء مسجد ومركز إسلامي في بلدة “باسكينج ريدج” (Basking Ridge).

فجأة، تحول المجتمع المحلي الناعم والودود إلى ساحة للمواجهة الشرسة والصريحة ضد إنشاء المسجد. استخدم المعارضون حججاً ظاهرة تتعلق بالتنظيم العمراني، وحركة المرور، والبيئة، لكن النوايا الحقيقية تجلت في الاجتماعات العامة والعرائض، حيث ظهر التوجس الصريح من الوجود الإسلامي ذاته. تزامنت هذه الأزمة المحلية مع الزلزال الوطني الذي أحدثته المعارضة الشعبوية الشديدة لبناء المشروع الإسلامي “بارك 51” (Park51) بالقرب من موقع برجي التجارة العالمي في نيويورك، والذي أسماه الإعلام المعاد “مسجد جروند زيرو”. أثبتت هذه النزاعات لشودري وللنخب المسلمة أن تقديم نموذج “المسلم المعتدل” و”المواطن الصالح” لم يكن كافياً لدرء موجات الخوف والرفض؛ فالأزمة لم تكن تكمن في سلوك المسلمين أو مدى اندماجهم، بل في تمثل المخيال الجمعي الأمريكي للإسلام كتهديد حضاري غير قابل للاستيعاب.

وفي غضون ذلك، لم تكن عائلة “عمر” بمعزل عن هذه الارتدادات الممتدة. تشرح المؤلفة كيف كَبُر الأطفال (ريهام، وخليل، وحسن) في ظل هذه التهديدات والاعتداءات المستمرة من جارهم “مستر هابي” ومن بيئة اجتماعية متوجسة. لقد تركت تجربة النمو في أمريكا ما بعد سبتمبر ندوباً نفسية وصدمات تراكمية على هؤلاء الشباب، الذين وجدوا أنفسهم يطرحون أسئلة جبلية حول معنى الانتماء والهوية في وطن يتعامل معهم كأعداء محتملين حتى يثبتوا عكس ذلك. أصبحت مذكرات ريهام وحقيبتها الجاهزة للفرار رمزاً لجيل كامل تشكل وعيه على الهامش، وفي حالة تحفز دائم لمواجهة القدر المجهول.

تختتم روزينا هذه الحقبة  بالربط  بين مأسسة السياسات الأمنية في عهد أوباما وبين التمهيد للمرحلة التالية الأكثر راديكالية. إن شرعنة الرقابة التمييزية، وتكريس ثنائية “المسلم الصالح والمسلم الطالح”، وإطلاق العنان للآلة الإعلامية لربط الإسلام بالتطرف، قد وفرت المادة الخام التي ستبني عليها التيارات الشعبوية المباشرة خطابها في السنوات اللاحقة. فلم تكن الممارسات الأمنية مجرد استجابة لتهديدات خارجية، بل كانت عملية تصنيع مستمرة لخصم داخلي يُستدعى عند كل استحقاق سياسي أو أزمة اقتصادية.بهذا الفهم العميق، تضعنا الكاتبة أمام حقيقة ناصعة مفادها أن الاستهداف المؤسسي للجالية المسلمة في أمريكا لم يكن زلة عابرة أو رد فعل مؤقت ارتبط بإدارة واحدة، بل كان تحولاً بنيرياً ساخت فيه الحقوق المدنية وتآكلت فيه وعود المواطنة المتساوية.

تصل بنا روزينا إلى الذروة الصادمة والمحصلة النهائية لرحلة العائلات الأربع، وهي الحقبة الممتدة من عام 2015 حتى عام 2022 وما بعدها. لم تعد الإسلاموفوبيا في هذه المرحلة مجرد سياسات أمنية تُدار خلف الأبواب المغلقة للوكالات الفيدرالية أو ثنائيات تُنظَّر في أروقة مراكز الأبحاث، بل تحولت إلى خطاب سياسي صريح وعارٍ يتصدر المنصات الانتخابية، ويتوج بقرارات رئاسية غير مسبوقة استهدفت الوجود الإسلامي في جوهره. هنا نصل إلى نقطة الانكشاف الكامل لشبكة المراقبة والتهميش التي تتبعنا تشكلها عبر ستة عقود من التاريخ الأمريكي في صفحات هذا العمل التوثيقي.

تُحلل الكاتبة التحول الدراماتيكي الذي رافق صعود دونالد ترامب في حملته الانتخابية عام 2015 والرئاسية عام 2016، حيث تجرأت البلاغة السياسية الرسمية على قول ما كان يُمارس حثيثاً وبشكل مستتر لعقود. أعلن ترامب جهاراً دعوته إلى “حظر كامل وشامل لدخول المسلمين إلى الولايات المتحدة”، مستدعياً الخوف والكره كأدوات مجربة للتحشيد السياسي وجمع الأصوات الانتخابية. ولم يلبث أن تحول هذا التهديد الشفاهي بمجرد وصوله إلى البيت الأبيض في يناير 2017 إلى أمر تنفيذي نُفذ فوراً، وهو القرار المعروف بـ “حظر المسلمين” (Muslim Ban). أدى القرار إلى حالة من الفوضى العارمة في المداخل والمطارات الأمريكية، واحتجاز المسافرين، وتشتيت العائلات، وإلغاء تأشيرات الدخول، مما أعاد إلى الأذهان ذكريات عمليات الترحيل والتسجيل القسري التي شهدها عهد بوش عقب أحداث سبتمبر. تجسد هذا القرار كشرعنة رسمية لجميع مشاعر الكراهية والتوجس السائدة في الشارع، وأدى إلى تصاعد قياسي في جرائم الكراهية والاعتداءات اللفظية والجسدية ضد المسلمين ومؤسساتهم والمساجد والأفراد الملونين، متجاوزاً حتى الذروة التي سجلتها البلاد عام 2001.

وفي قلب هذا المشهد المشحون، يبلغ النضال الميداني والقانوني لعائلة شودري ذروته الحاسمة. فبعد سنوات طويلة من المماطلة والرفض البيروقراطي والحروب الكلامية التي شنتها مجالس بلدة “برناردز” في نيو جيرسي لمنع بناء مسجد “باسكينج ريدج”، قرر علي شودري رفقة الجمعية الإسلامية بالبلدة اتخاذ خطوة تاريخية ومواجهة المنظومة أمام القضاء الفيدرالي. رفع شودري دعوى قضائية حاسمة ضد البلدية مستنداً إلى قانون حماية الاستخدام الديني للأراضي والأشخاص المحتجزين (RLUIPA)، متهماً إياها بالتمييز الديني الصريح وانتهاك الدستور الأمريكي. تخوض الكاتبة في تفاصيل هذه الملحمة القانونية التي استمرت سنوات، والتي أظهرت كيف اضطر المسلمون الأمريكيون إلى استخدام أدوات القانون ذاتها التي طالما استُخدمت ضد جيل كامل منهم. انتصرت العدالة في النهاية، وحكمت المحكمة لصالح بناء المسجد، وفرضت على البلدية تسوية مالية ضخمة بلغت ملايين الدولارات تعويضاً عن الأضرار والتكاليف. كان هذا الانتصار القانوني بمثابة لحظة تجلٍ لمحمد علي شودري؛ أثبتت أن الحقوق والمواطنة في أمريكا لا تُمنح كمنّة أو مكافأة على الاندماج والوداد، بل تُكتزع كسباً عن طريق القانون والمواجهة الصريحة والمثابرة التي لا تلين.

غير أن مرارة التجربة لا تغيب عن الخاتمة الإنسانية للقصص الأخرى التي يرصدها الكتاب. تأخذنا روزينا علي إلى النهايات المؤثرة لعائلة سراج، حيث يظل الابن ماتين قابتاً خلف جدران السجن الفيدرالي، يدفع ثمن شبابه المسلوب وسذاجته ومخطط الاستدراج الأمني الذي أسقطه في الفخ. بينما تتحول أمه شاهينا، رغم تقدم العمر والمحن الصحية وفقدان زوجها سراج، إلى رمادية تتنفس الصبر واليقين والشعر. تغدو شاهينا صورة ناصعة للأم التي أخذت على عاتقها ألا تصمت، مكرسةً ما تبقى من حياتها للمطالبة بالعدالة لابنها ولجميع ضحايا سياسات الاستدراج والظلم الأمني. إن رحيل الجيل الأول وصمود الجيل الثاني يرسمان لوحة بالغة الشجن للثمن الباهظ الذي دفعه هؤلاء المهاجرون لمجرد البحث عن الأمان والاستقرار.

وعلى صعيد عائلة عمر، ينضج الأطفال ريهام وخليل وحسن وسط التحديات، حاملين في ذاكرتهم نسيج الذكريات المركبة؛ بدءاً من صدمات الجار العنصري “مستر هابي” وحقيبة الطوارئ الجاهزة للفرار، وصولاً إلى بناء الوعي السياسي المستقل والصلب. تحاول ريهام وإخوتها إعادة صياغة موقعهم في هذا الوطن، متجاوزين ثنائية الخوف والانكفاء، ومؤكدين على حقهم الراسخ في الانتماء والتعبير والمقاومة دون أن يخلعوا هويتهم الدينية أو يتخلوا عن حقوق أمتهم وقضاياها العادلة في فلسطين وحول العالم.

أما المحامي القدير عبدين جبارة، الذي يمثل الخيط التاريخي الناظم للكتاب، فيرقب هذه التحولات بكثير من الحكمة والأسى الشفيف. فمنذ بداياته الأولى في الحركة القانونية المناهضة للحرب والحقوق المدنية في الستينيات، مروراً بمواجهاته السابقة مع تقنيات المراقبة الفيدرالية في عهد نيكسون وهوفير، وصولاً إلى عالم ما بعد سبتمبر وما تلاه، يدرك جبارة أن النضال من أجل الحرية والمساواة ليس خطاً مستقيماً، بل هي معركة مستمرة لا تنتهي. يرسم جبارة بعين الخبرة التاريخية لوحة تُظهر أن استهداف المسلمين والعرب لم يكن مجرد حادث عرضي، بل هو امتداد لبنية استعمارية وتفريغ منظم لمفاهيم الحريات الفردية وحقوق الإنسان عندما تتعارض مع مصالح السلطة والسياسة الخارجية الأمريكية.

تصل روزينا علي في الفصل الختامي والخاتمة (Epilogue) إلى تكثيف الرؤية المركزية لعملها الاستقصائي المرجعي. تؤكد المؤلفة أن التركة الحقيقية لـ “الحرب على الإرهاب” لا تقتصر على حروب الخارج أو الاعتقالات القسرية والمراقبة واسعة النطاق التي عانت منها المجتمعات المسلمة، بل تكمن في ذلك الخسران العميق والموجع: فقدان السيطرة على المصير الشخصي والاستلاب القسري لإمكانية تقرير الإرادة الذاتية. لقد أمضت العائلات المسلمة في الولايات المتحدة أجيالاً وعقوداً وهي تصارع من أجل استعادة زمام التحكم بحياتها ومستقبل أبنائها، في ظل واقع يُصر على اختزال وجودها وتأطيره كخطر غريب لا يُطاق.

تُفند الكاتبة الأطروحات السطحية التي تنظر إلى حقبة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر باعتبارها مرحلة معزولة أو زماناً مضى وانتهى بانتهاء الحروب المعلنة؛ إذ تدلل على أن السلسلة الممتدة من التمييز والعنصرية كانت تغتذي وتتأسس عبر الفصول والإدارات المتعاقبة، أكانت جمهورية أم ديمقراطية. وفي الوقت الذي تشير فيه إحدى القراءات لقصة أمريكا إلى أن صعود الإسلاموفوبيا كان أمراً حتمياً ونتيجة طبيعية لعنصرية متجذرة، تطرح روزينا علي قراءة أخرى أكثر أثراً وأملاً، مفادها أن التاريخ ليس قدراً محتوماً ومقدراً مسبقاً، بل هو حصيلة وخلاصة الخيارات والقرارات الجماعية والفردية التي نتخذها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى