أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

جذور الإستبداد الصيني

يُعد كتاب “الوعي المظلم والتقليد الديمقراطي” (幽暗意识与民主传统) الصادر عن دار “نيو ستار برس” (新星出版社) واحداً من أبرز الروائع الفكرية التي قدمها الباحث والمفكر  تشانغ هاو. وقد أثار هذا العمل منذ ظهوره جدلاً  واسع النطاق، ونقاشات فكرية ، وذلك بفضل طرحه لمفاهيم محورية ة مثل “الوعي المظلم” و”عصر التحول”. ولا يقتصر دور هذا الكتاب على كونه مجرد سرد تاريخي، بل إنه يفتح آفاقاً جديدة تماماً، ويوفر زاوية رؤية مبتكرة لفحص وتقييم الثقافة الصينية التقليدية، والتاريخ الصيني في العصرين الحديث والمعاصر، مما يجعله عملاً مؤهلاً لترك بصمة عميقة ومستدامة. ولعل القوة الدافعة وراء هذا الإنجاز الفكري تكمن في التجربة الحياتية العميقة للمؤلف، حيث أن التاريخ ليس مجرد أحداث مجردة بالنسبة له، بل هو تجربة معيشة.

تتشابك الجذور الأولى لهذا الوعي التاريخي العميق لدى تشانغ هاو مع ذكرياته الشخصية ومشاعره تجاه حقبة مضطربة، وتحديداً في عشية مغادرته للبر الرئيسي الصيني في عام 1949. في ذلك الوقت، كان المؤلف لا يزال في الثانية عشرة من عمره، وكان عقله غضاً وطفولياً يجعله غير قادر على الاستيعاب الكامل للمغزى السياسي والتاريخي للتحولات الهائلة التي كانت تعصف بالبلاد. ومع ذلك، فإن الأجواء المشحونة التي كانت تنذر بهبوب عاصفة عاتية قد تسللت إلى حدسه الداخلي، تاركة في نفسه انطباعات غامضة ولكنها قوية وراسخة. يستذكر المؤلف تلك الأيام بوضوح، ففي ربيع ذلك العام، انهارت محادثات السلام بين الحزبين الوطني والشيوعي، وزحفت الجيوش الشيوعية مقتربة من نهر اليانغتسي، مما أدى إلى غرق مدينة نانجينغ في فوضى عارمة. يتذكر كيف توقفت المدارس عن العمل، وكيف جال مع أصدقائه في أحياء نانجينغ الراقية التي كانت تضم قصوراً فخمة لمسؤولين كبار في الحكومة القومية، ليفاجأ بأنهم يستطيعون الركض واللعب بحرية تامة في تلك القصور دون أن يعترضهم أحد، لأن الجميع كان قد فر وترك المدينة. لقد تحولت نانجينغ في غضون أيام قليلة إلى مدينة أشباح فارغة، وهو مشهد أثار في نفس الصبي ارتباكاً وخوفاً لا يوصفان. ذلك الربيع الساطع والمشرق في منطقة جيانغنان، بحدائقه الخضراء وأزهاره المتفتحة، ترك في داخله شعوراً غريباً بالوحشة وثقلاً نفسياً، وكأنه كان نذيراً بزوال وشيك لكل أشكال الازدهار والعمران التي كانت تحيط به.

تتابعت الأحداث بعد ذلك، حيث غادرت عائلة المؤلف نانجينغ متجهة إلى شنغهاي، وهناك، خلال فترة قصيرة استمرت شهرين فقط، التحق بمدرسة تقع في ضواحي المدينة. يتذكر تشانغ هاو كيف كان يرى خلال رحلاته الأسبوعية بين الضواحي ووسط المدينة حركة الشاحنات العسكرية التي لا تهدأ، والجنود الذين يعملون بجد لبناء التحصينات الدفاعية في الحقول، مما خلق مشهداً يجسد اقتراب كارثة الحرب وحلول الخراب. كما يتذكر الأمسيات في المدرسة، حيث كان طلاب المدارس الثانوية يتجمعون في الحرم الجامعي في مجموعات وسط ظلال الليل، يغنون أغانٍ تقدمية تعكس جواً من الترقب والحماس المثقل بالتوتر، في حين تُسمع نداءات الحراس وأوامرهم من بعيد. كل هذه المشاهد رسخت في وجدانه إحساساً غريزياً بأن عاصفة كبرى على وشك الوقوع. لاحقاً، انتقل المؤلف إلى تايوان، التي كانت تقبع آنذاك تحت وطأة “الإرهاب الأبيض” والضغط السياسي الخانق، وهو ما أثر على وعيه السياسي ونموه الفكري خلال سنوات مراهقته. ورغم ذلك، ظلت تلك الانطباعات البصرية والحسية التي حملها معه من نانجينغ وشنغهاي حية في ذاكرته، تتخمر وتنمو كالمياه الجوفية التي تغذي إحساسه بالعصر. وبدافع من هذا الإحساس العميق، التحق بقسم التاريخ في جامعة تايوان الوطنية، حيث تتلمذ على يد المفكر يين هايغوانغ، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليجد هناك فضاءً أكاديمياً أرحب سمح له بتحويل شعوره المتراكم بالعصر إلى تساؤل مركزي قاد مسيرته الفكرية: كيف يمكن استكشاف الجذور والخلفيات الفكرية لتلك العاصفة الكبرى التي اجتاحت عصره؟.

من هذا المنطلق الشخصي والتاريخي العميق، يغوص الكتاب في تحليل منهجي للإجابة على سؤال جوهري: لماذا عجزت الثقافة الصينية التقليدية عن شق طريق نحو الديمقراطية الدستورية؟. للإجابة على هذا التساؤل، يقدم تشانغ هاو تحليلاً مقارناً، حيث يُميز بين الجوانب الإيجابية والسلبية للتقاليد الثقافية الكونفوشيوسية من خلال تسليط الضوء على مفاهيم “الوعي المتعالي” و”الوعي المظلم”. يجادل المؤلف ببراعة بأن التاريخ الغربي كان يمتلك دائماً وبشكل مستمر ما يُعرف بـ “الوعي المظلم”، وهو حالة من اليقظة الدائمة والترقب الحذر تجاه قوى الشر المتأصلة في الطبيعة البشرية. هذا الوعي الحاد بفساد الإنسان وقابليته للانحراف هو الذي شكّل، ببطء ولكن بثبات، الحاضنة التي نمت فيها التقاليد الديمقراطية الغربية. وفي المقابل، على الرغم من أن الديانة الكونفوشيوسية في الصين كانت تمتلك بعض الرؤى والبصائر حول هذه الجوانب المظلمة، إلا أنها في جوهرها كانت تتبنى وتحتضن “نظرية متفائلة للطبيعة البشرية”. وهذا التفاؤل المفرط في صلاح الإنسان هو الذي دفع الفكر السياسي الصيني التقليدي إلى التعويل الكامل على مفهوم “حكم الحكماء والقديسين”، بدلاً من الاعتماد على الضمانات المؤسسية والقانونية.

ولكن، ما هو التفسير الدقيق لمفهوم “الوعي المظلم”؟ يشرح الكتاب أن هذا الوعي ينبع في الأساس من الإدراك الصريح والاعتراف العميق بقوى الظلام المتأصلة والجذور العميقة للشر الموجودة في الطبيعة البشرية وفي الكون بأسره. إنه الاعتراف بأن هذا العالم، وبسبب هذه القوى المتجذرة، هو عالم معيب وغير مكتمل، وأن الحياة الإنسانية مليئة بالتشوهات والقبح وخيبات الأمل. ومع ذلك، فإن هذا الاعتراف المباشر بالجوانب المظلمة للحياة والكون لا يمثل إقراراً بقيمتها أو قبولاً أخلاقياً بها؛ بل على العكس تماماً، ينبع هذا الوعي من إحساس أخلاقي قوي ورفيع. فبفضل هذا الإحساس الأخلاقي فقط، يمكن للمرء أن يرى هذه القوى كـ “ظلام” و”عيوب” تستوجب الحذر. لذلك، يختلف هذا الوعي المظلم اختلافاً جذرياً في روحه ومضمونه عن مختلف أشكال الواقعية التي ظهرت في التقاليد الثقافية الصينية والغربية، مثل المدرسة القانونية في الصين، أو أفكار ميكيافيلي وتوماس هوبز في الغرب. كما أنه يتعارض تماماً مع النفعية الحديثة ومذهب الأنانية الأخلاقية في الغرب، والتي تقبل الرغبات والمصالح الأنانية للإنسان كقيمة أساسية وتعتمد عليها في النظر إلى قضايا الفرد والمجتمع. أما الوعي المظلم، فهو ينفي ويرفض الدوافع الأنانية للإنسان من الناحية القيمية، وينطلق من هذا الرفض للبحث عن سبل لصدها، وتوجيهها، والتخفيف من آثارها المدمرة.

يُشير المؤلف إلى أن العديد من الحضارات القديمة قد امتلكت درجات متفاوتة من هذا الوعي المظلم، ولكنه كان عميقاً بشكل خاص في الثقافتين الهندية والغربية. ورغم عمقه في الثقافة الهندية، إلا أن الروح الأساسية لتلك الثقافة كانت تميل إلى التجرد من العالم المادي، مما منع هذا الوعي من إحداث تأثير إيجابي ونشط على التطور السياسي والاجتماعي هناك. أما في الثقافة الغربية، فقد تفاعل هذا الوعي مع روح الانخراط في العالم الدنيوي، مما أدى إلى تأثيرات هائلة ومباشرة على التطور السياسي والاجتماعي، وخاصة في مسار تطور الليبرالية. يعود المصدر الرئيسي لهذا الوعي في الثقافة الغربية إلى الحضارة الدينية العبرية القديمة. تتمحور الفكرة المركزية في هذا التراث حول أن الله خلق الإنسان على صورته، وبالتالي فإن كل إنسان يمتلك في فطرته شرارة من “النور الإلهي”، ولكن هذا النور قد طُمس بسبب تمرد الإنسان على الله، مما سمح لقوى الظلام بالتمدد والتسبب في سقوط البشرية. ورغم أن هذا الوعي المظلم تم التعبير عنه بلغة أسطورية في البداية، إلا أن رمزيته تعكس فهماً عميقاً للطبيعة البشرية المزدوجة. هذا الفهم يقر بأن الإنسان، كونه مخلوقاً إلهياً، يمتلك كرامة مقدسة لا تُنتهك، ولكنه في الوقت ذاته يحمل ميلاً فطرياً للسقوط وقدرة كامنة على ارتكاب الخطيئة. هذه “الازدواجية” تجعل الإنسان كائناً يقف في منزلة وسطى، قادراً على الارتقاء الروحي، ولكنه مقيد بحدود تمنعه من الوصول إلى الكمال المطلق الذي ينفرد به الإله، بينما قدرته على الانحدار والفساد تظل مفتوحة وممكنة في أي وقت.

وقد انتقل هذا المفهوم المسيحي عن الطبيعة البشرية ليلعب دوراً حاسماً في تطور الليبرالية الغربية. فقد أشار الباحثون، مثل أستاذ تاريخ الفكر السياسي كارل فريدريش، إلى أن الدستورية الحرة في الغرب استندت في الأساس إلى خلفية فكرية مسيحية. وفي حين يؤكد الكثيرون على الجانب الإيجابي للمسيحية المتمثل في الإيمان بـ “الشرارة الإلهية” والعقل، والذي أسس لمفاهيم الكرامة الفردية والقانون الطبيعي، يسلط تشانغ هاو الضوء على الجانب الآخر: الواقعية والوعي المظلم. فبفضل هذا الوعي، لم تعتقد المسيحية أبداً بإمكانية تجسيد الخير الأسمى على الأرض أو وصول الإنسان إلى الكمال المطلق، لأن الخطيئة متجذرة فيه. هذا الاعتقاد بأنه لا يوجد “إنسان كامل” أدى إلى عواقب سياسية ضخمة؛ إذ جعل من فكرة البحث عن “ملك قديس” أو “ملك فيلسوف” لتولي السلطة فكرة غير قابلة للتحقق في التراث المسيحي، على عكس التقاليد الكونفوشيوسية أو الفكر الأفلاطوني. وبدلاً من التعويل على الأخلاق الداخلية للحاكم لتنقية السلطة من الشوائب، أدرك المفكرون الغربيون أن السلطة في أيدي البشر تشكل خطراً بالغاً وقابلاً لأن “يفيض ويتسبب في كوارث”، مما دفعهم نحو الاعتماد على المؤسسات القانونية والموضوعية كضمانة وحيدة.

يتجلى هذا بوضوح في التطور المبكر لليبرالية في إنجلترا وأمريكا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، والذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالمذهب البروتستانتي، وتحديداً الكالفينية. فقد حمل التطهيريون (البيوريتان) وعياً مظلماً شديداً، مبنياً على التناقض بين كمال الإله وخطيئة الإنسان. وتُرجم هذا الوعي سياسياً إلى “نظرية العهد” (covenantal theology)، التي أسست فكرة أن الحكومة وجدت لمنع تدهور الإنسان وكبح خطاياه. وكان التطهيريون يدركون تماماً أن الميل نحو الفساد الأخلاقي يستقر في قلب كل إنسان، بغض النظر عن مكانته أو حجم سلطته، مما جعلهم في حالة تأهب دائم ضد طغيان أصحاب النفوذ. وقد عبّر الشاعر الإنجليزي جون ميلتون، وهو أحد قادة الفكر التطهيري، عن هذا بوضوح عندما أكد أن الملوك والمسؤولين التنفيذيين هم بشر معرضون للخطيئة، ولذا يجب إخضاعهم لسيادة القانون الذي يضعه الشعب. هذا الوعي المظلم شكل القوة الدافعة وراء الثورة التطهيرية في القرن السابع عشر، وأثر لاحقاً على جون لوك، أبو الليبرالية الحديثة، الذي كان هو نفسه بروتستانتياً كالفينياً. وقد أشار فريدريش إلى أن مبدأ “فصل السلطات والرقابة المتبادلة” هو انعكاس مباشر للوعي المظلم المسيحي؛ فبما أن الطبيعة البشرية لا يمكن الوثوق بها، فإن أفضل طريقة لمنع الاستبداد هي تقسيم السلطة مؤسسياً لضمان عدم تركزها.

ولم يتوقف هذا التأثير عند حدود إنجلترا، بل امتد عبر المحيط إلى المستعمرات في أمريكا الشمالية، حيث أسس التطهيريون مجتمعاتهم حاملين معهم أفكارهم السياسية الدستورية التي أصبحت لاحقاً من أهم المنابع الفكرية للثورة الأمريكية وبناء الدولة. وعلى الرغم من تأثير حركة التنوير الأوروبية في القرن الثامن عشر بأفكارها المتفائلة على القارة الجديدة، إلا أنها لم تنجح في محو الوعي المظلم الذي تركه التطهيريون. يتجلى هذا الواقع المزدوج بوضوح في تفكير الآباء المؤسسين للولايات المتحدة. على سبيل المثال، أظهر جون آدامز، الرئيس الثاني للولايات المتحدة، يقظة مستمرة تجاه الجوانب المظلمة للطبيعة البشرية. وعندما اجتمع الآباء المؤسسون في صيف عام 1787 في فيلادلفيا لصياغة الدستور، كانت أفكارهم، كما وصفها المؤرخ البريطاني جيمس برايس، مشبعة بوعي مظلم عميق، حيث مزجوا بين المثالية والشعور العالي بالواقعية والحذر. وفي “الأوراق الفيدرالية”، صرح ألكسندر هاميلتون بضرورة افتراض أن كل إنسان يمكن أن يتصرف كوغد يسعى فقط وراء مصلحته الشخصية. والأهم من ذلك هو طرح جيمس ماديسون، الذي يُعتبر “أبو الدستور”، حيث اعتبر التحزب والسعي وراء المصالح الخاصة سمة إنسانية عامة يجب مواجهتها. وقد تساءل ماديسون بوضوح: أليس وجود الحكومة هو أفضل دليل على طبيعة الإنسان؟ فلو كان كل البشر ملائكة، لما كانت هناك أي حاجة لوجود حكومة. هذا الخوف من تركز السلطة، سواء في يد ديكتاتور أو دكتاتورية الأغلبية، هو ما ألهم ماديسون لترسيخ نظام “فصل السلطات والتوازن والرقابة المتبادلة”، إيماناً منه بأن تفريق السلطات يسمح بتحييد المصالح الأنانية لبعضها البعض، مما يضمن في النهاية تحقيق الصالح العام.

وفي السياق ذاته، يبرز المؤرخ البريطاني اللورد أكتون في أواخر القرن التاسع عشر كمثال حي على استمرار الوعي المظلم في توجيه الفكر الليبرالي الغربي ضد مخاطر السلطة. فبالنسبة لأكتون، الكاثوليكي المتأثر بعقيدة الخطيئة الأصلية، لم يكن التاريخ مجرد تقدم خطي نحو الحرية، بل كان مساراً مليئاً بالدماء والظلام. لقد منحته هذه العقيدة حساسية مفرطة تجاه جذور الشر التي تكمن في كل مكان، وجعلته يدرك أن السلطة، كونها تنبع من البشر، تحمل في طياتها سموماً يصعب التخلص منها. بناءً على ذلك، استنتج أكتون أن أصحاب المناصب العليا هم أكثر عرضة للفساد من غيرهم، مما دفعه لإطلاق مقولته الخالدة: “السلطة تميل إلى الإفساد، والسلطة المطلقة تفسد بشكل مطلق”. ولم يقتصر حذر أكتون على الأفراد ذوي النفوذ، بل حذر أيضاً من “ديكتاتورية الأغلبية” في المجتمعات الديمقراطية، حيث تستغل الجماهير قوتها العددية لقمع الأقليات.

وعلى الجانب الآخر، عند النظر إلى التقاليد الكونفوشيوسية في الصين، نجد تفاعلاً مختلفاً تماماً مع مسألة الطبيعة البشرية، حيث بدأت الكونفوشيوسية من نقطة التأكيد الإيجابي على إمكانية اكتمال الفضيلة، بدلاً من التركيز على غرق الإنسان في الخطيئة. ومع ذلك، فإن هذه النظرة الإيجابية لا تخلو من وجهها الآخر؛ فالتأكيد المستمر على الحاجة إلى صقل الذات وتهذيبها يعكس إقراراً مبطناً بأن الحياة الواقعية تعاني من غياب الفضيلة وتتسم بالتخبط والظلام الذي يحتاج إلى تنقية. وبالتالي، يمكن القول إن “الوعي المظلم” قد تعايش جنباً إلى جنب مع “الوعي بالفضيلة” في الفكر الكونفوشيوسي منذ بداياته، كما يظهر في كتاب “المختارات” (Lunyu) لكونفوشيوس، الذي يعكس إحساساً عميقاً بـ “القلق” لغياب الطريق الصحيح في العالم، وهو قلق تحول تدريجياً إلى وعي مظلم يربط بين الاضطراب الخارجي والقصور الأخلاقي الداخلي. وقد تطور هذا الوعي بشكل غير مباشر في أعمال فلاسفة مثل منسيوس، الذي رغم تفاؤله الشهير بأن “الجميع يمكن أن يصبحوا مثل يائو وشون” بفضل بذور الخير الفطرية، كان يدرك تماماً أن الخط الفاصل بين الإنسان والحيوان دقيق للغاية، مما يتطلب يقظة وحذراً مستمرين للحفاظ على هذا الجانب الخيّر.

“الوعي المظلم” لم يتوقف عند حدود القلق الضمني أو الإشارات المبطنة لدى كونفوشيوس ومنسيوس، بل اتخذ شكلاً أكثر صراحة وراديكالية مع الفيلسوف البارز شون زي (Xunzi). فإذا كان منسيوس قد بنى نسقه الفكري والسياسي على فرضية “خيرة الطبيعة البشرية” وميلها الفطري نحو الصلاح، فإن شون زي قد قلب هذه المعادلة تماماً من خلال نظريته الشهيرة والجريئة التي تنص على أن “الطبيعة البشرية شريرة” (性恶论 – Xing e lun). لقد نظر شون زي ببرود  وواقعية  إلى الدوافع الغريزية للإنسان، ورأى أن الرغبات الحسية، والمادية، والغرائز الأنانية، إذا تُرکت دون تهذيب قاهر أو كبح مؤسسي، فإنها ستؤدي حتماً إلى الصراع الشرس، والفوضى العارمة، وتدمير كامل للنظام الاجتماعي. هذا الإدراك الحاد للقوة التدميرية الكامنة في الرغبات البشرية يمثل تجسيداً واضحاً للوعي المظلم في أبهى وأقوى صوره داخل التقاليد الكونفوشيوسية الكلاسيكية. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا التشخيص المتشائم والمظلم لحالة الإنسان الأصلية، لم ينزلق شون زي إلى مستنقع العدمية الوجودية أو اليأس المطلق الذي قد يعقب عادةً مثل هذا الإدراك الفلسفي. بل على العكس من ذلك تماماً، استخدم هذا التشخيص كنقطة انطلاق حاسمة للتأكيد على الأهمية القصوى للجهد الواعي المكتسب (Wei)، والتعليم الصارم، والالتزام المطلق بالطقوس (Li) كأدوات وحيدة لتقويم هذا الاعوجاج الفطري. لقد آمن شون زي إيماناً لا يتزعزع بأن الإنسان، رغم طبيعته الأنانية والشريرة، قادر من خلال التراكم الثقافي والتربية القاسية على تجاوز دوافعه الحيوانية والارتقاء تدريجياً إلى مرتبة الحكيم. وهنا تبرز المفارقة في الفكر الكونفوشيوسي: حتى عندما يبلغ الوعي المظلم ذروته في الاعتراف بشرور النفس البشرية وقابليتها للانحراف، فإنه يظل محكوماً وملفوفاً بغلاف سميك من التفاؤل الأخلاقي النهائي، المتمثل في إمكانية بلوغ الكمال المطلق عبر الجهد الإنساني الخالص، دون الحاجة إلى تدخل إلهي أو كابح دستوري منفصل عن الإرادة البشرية.

هذا الاختلاف الجوهري بين شون زي والوعي المظلم الغربي، وتحديداً في جذوره العبرية والمسيحية، يمثل نقطة ارتكاز محورية في تحليل المفكر تشانغ هاو لمسارات التطور السياسي المتعارضة بين الحضارتين. ففي التراث المسيحي،  تُعتبر الخطيئة الأصلية وصمة أنطولوجية لا يمكن محوها بالجهد البشري الذاتي مهما بلغ حجم التنسك أو التعلم؛ فالإنسان يحتاج دائماً إلى الخلاص الإلهي، وحتى مع هذا الخلاص، يظل محكوماً بالعيش في عالم دنيوي معيب ومبتسر لا يمكن ترقيته بأي حال من الأحوال إلى مستوى الفردوس الأرضي. هذا العجز التكويني يفرض بطبيعته تواضعاً سياسياً ويقظة مؤسسية دائمة تجاه أي ادعاء بشري بامتلاك الحقيقة المطلقة أو الفضيلة الكاملة. أما في حالة شون زي، وبقية فلاسفة التيار الكونفوشيوسي، فإن الشر ليس قدراً حتمياً أبدياً لا فكاك منه، بل هو مجرد حالة مؤقتة قابلة للعلاج والتحويل الجذري. إن غياب مفهوم “الإله المتعالي” المنفصل تماماً عن العالم المادي في الفلسفة الصينية جعل التركيز ينصب بالكامل على قدرة الإنسان الفائقة على استيعاب “طريق السماء” (Dao) في داخله. هذا الإيمان الراسخ بقابلية التحول الأخلاقي اللامحدود للإنسان، وتحقيق الوحدة الاندماجية بين السماء والإنسان (Tianren Heyi)، أدى في النهاية إلى تقزيم الوعي المظلم وجعله مجرد مرحلة عابرة في رحلة البحث الأبدية عن الكمال، وليس حقيقة  دائمة ومستقرة تحكم هندسة المجتمع وتنظم آليات السياسة. ونتيجة لذلك، لم يُنتج التشاؤم المبدئي لشون زي فكراً سياسياً يبحث عن ضمانات مؤسسية ضد طغيان السلطة، بل أنتج تأكيداً مفرطاً على دور الدولة كمعلم أخلاقي أسمى، يمتلك سلطة أبوية مطلقة لفرض الطقوس والقوانين بهدف “تقويم” الرعايا وإرشادهم قسراً نحو الفضيلة.

وبالانتقال التاريخي والفكري إلى حقبة أسرتي سونغ ومينغ، حيث بلغت الفلسفة الكونفوشيوسية الجديدة (Neo-Confucianism) ذروة تعقيدها النظري والميتافيزيقي، نلاحظ استمرار هذا الصراع الفكري العنيف بين الوعي المظلم والتفاؤل الأخلاقي، ولكن بصياغات أكثر تجريداً وعمقاً. لقد قدم فلاسفة عظام مثل تشو شي (Zhu Xi) إطاراً كونياً صارماً يقوم على الثنائية المتوترة بين “المبدأ السماوي” (Tianli) الذي يمثل الخير المطلق، والنظام الكوني الصافي، والعقلانية الأخلاقية المجردة، وبين “الرغبات البشرية” (Renyu) التي تمثل الجانب المظلم، والفوضوي، والأناني، والمادي في النفس الإنسانية. لقد امتلك مفكرو هذه الحقبة الكلاسيكية وعياً مظلماً شديد الحساسية تجاه أدق خلجات النفس، وأدركوا بوضوح مرعب مدى سهولة انزلاق العقل البشري في شراك الأنانية، والغرور، والمصالح الضيقة. كانت الدعوة المستمرة والصارمة لـ “الحفاظ على المبدأ السماوي وإبادة الرغبات البشرية” (Cun Tianli, Mie Renyu) تعبيراً صارخاً عن مدى خطورة تلك الرغبات وقوتها التدميرية المتغلغلة. لقد خاض الكونفوشيوسيون الجدد معارك روحية طاحنة داخل عقولهم وقلوبهم، يراقبون أفكارهم بدقة متناهية لمنع تسلل أي شائبة من شوائب الأنانية في طور التكوين. هذا المستوى العالي والمكثف من الاستبطان، والمحاسبة الذاتية، والشعور بالذنب تجاه الأفكار قبل الأفعال، يشبه إلى حد كبير، وربما يتطابق في شدته، مع القلق الروحي والجلد الذاتي الذي ميز التطهيريين (البيوريتان) في الغرب. كلاهما أدرك قوة الشر الكامنة في الذات البشرية، وكلاهما سعى إلى الانضباط الصارم للسيطرة عليها.

ومع ذلك، يفترق المساران الحضاريان مجدداً وبشكل درامي حاسم عند نقطة النهاية المأمولة من هذا الصراع الروحي. فبينما كان التطهيري الغربي يرى أن هذا الصراع مع الخطيئة هو صراع أبدي ومستمر يستمر حتى الرمق الأخير من الحياة، ولا يمكن حسمه نهائياً في هذا العالم المادي المعيب، كان الكونفوشيوسي الجديد، وخاصة في تيار مفكر بارز مثل وانغ يانغ مينغ (Wang Yangming)، يؤمن إيماناً قاطعاً وحاسماً بأن “القلب هو المبدأ” (Xin ji Li)، وأن الإنسان يمتلك في أعماقه السحيقة “معرفة فطرية صالحة” (Liangzhi) قادرة، إذا تم جلاؤها وإزالة الغبار الكثيف عنها، على الإشعاع بنور أخلاقي مبهر لا تشوبه أي شائبة. لقد اعتقد وانغ يانغ مينغ أن أي إنسان عادي، مهما كان شأنه، يمتلك القدرة الذاتية الكامنة ليصبح قديساً كامل الأوصاف، تماماً كالحكماء والملوك الأوائل الأسطوريين. هذا التفاؤل الاستثنائي وغير المسبوق بقدرة الإنسان على تحقيق النقاء الأخلاقي المطلق والكامل في حياته الدنيا، أدى مرة أخرى إلى تذويب الوعي المظلم وامتصاصه بالكامل داخل بوتقة المثالية الكونفوشيوسية الشاملة. فالوعي بالجانب المظلم لم يكن سوى أداة تحفيزية مؤقتة للوصول إلى النور المطلق، ولم يكن يشكل اعترافاً بعجز الإنسان البنيوي أو نقصانه الأبدي. وهذا الاختلاف الفلسفي العميق لم يكن في يوم من الأيام مجرد ترف فكري أو جدل نظري منعزل في الأكاديميات، بل كانت له تداعيات هائلة ومزلزلة على بنية التفكير السياسي والاجتماعي وتشكيل الدولة في الصين التقليدية.

لقد تُرجم هذا التفاؤل الأخلاقي العميق في الفكر السياسي الصيني بشكل مباشر وصريح إلى المبدأ المحوري والأساسي المعروف بـ “القداسة الداخلية والملكية الخارجية” (Neisheng Waiwang). جوهر هذا المبدأ العريق يقوم على فكرة أن السلطة السياسية المشروعة يجب أن تكون مجرد امتداد طبيعي وحتمي للكمال الأخلاقي الداخلي للحاكم. فالحاكم المثالي، والشرعي، ليس الشخص الذي يستمد شرعيته من عقد اجتماعي توافقي، أو تفويض ديمقراطي، أو توازن مؤسسي يكبح جماحه، بل هو “الملك القديس” (Sage-King) الذي استطاع، من خلال عمليات صقل ذاته الطويلة، أن يصل إلى مستوى من الفضيلة المتسامية يجعله متناغماً تماماً مع النظام الكوني و”طريق السماء”. وفي ظل هذه الرؤية المثالية الخالصة، يُفترض ضمنياً أن الحاكم القديس لا ينطق إلا بالحق الصراح، ولا يتصرف إلا بدافع المصلحة العامة المطلقة، مما يجعله منزهاً تماماً عن الدوافع الأنانية أو الأغراض الشخصية التي تتطلب في العادة الرقابة، أو المحاسبة، أو تقييد الصلاحيات. نتيجة لذلك، تركز جل الاهتمام السياسي في الصين التقليدية على آليات كيفية اختيار هذا الحاكم الأخلاقي، وكيفية استمرار تثقيفه، ونصحه، ومناشدة ضميره لضمان بقائه على طريق الفضيلة، متجاهلين بذلك السؤال المظلم والأهم الذي طرحه الوعي الغربي بقوة: ماذا لو فسد الحاكم؟ وماذا لو تحول الملك القديس المبجل إلى طاغية مستبد يسحق العباد والبلاد؟

هنا بالتحديد، وفي هذه الفجوة الحرجة، يتجلى الفشل  الذريع للفكر السياسي الكونفوشيوسي في تطوير آليات مؤسسية فاعلة للحد من طغيان السلطة المطلقة. فعندما يكون الافتراض التأسيسي الأول هو إمكانية بل وحتمية تحقيق الكمال الأخلاقي في شخص الحاكم الفرد، فإن وضع قيود دستورية أو مؤسساتية صارمة على ممارسته للسلطة قد يُنظر إليه بازدراء كعقبة تعيق تدفق الفضيلة والنعم من الأعلى إلى الأسفل. لقد آمن الكونفوشيوسيون إيماناً مطلقاً بأن “حكم الرجال” (Ren Zhi) الأخيار والفضلاء أفضل وأكثر مرونة وفعالية من “حكم القانون” (Fa Zhi) الجامد والبارد. فرغم أنهم نجحوا في تأسيس نظم إدارية وإمبراطورية بالغة التعقيد والتطور، وابتكروا نظام امتحانات إمبراطورية بالغ الصعوبة لاختيار البيروقراطيين بناءً على جدارتهم الأخلاقية ومعرفتهم بالنصوص الكلاسيكية، ورغم وجود نظام متفرد للرقابة الذاتية تمثل في مؤسسة “الرقباء” أو “المناصحين” (Censors) الذين كان من واجبهم المهني توجيه النقد اللاذع للإمبراطور إذا حاد عن الطريق المستقيم، إلا أن كل هذه الآليات المعقدة كانت تعتمد في النهاية والبدء على السلطة الأخلاقية والضمير الفردي المهتز، ولم ترقَ أبداً في أي مرحلة من مراحل التاريخ الصيني لتشكل قوة قانونية أو مؤسسية مستقلة قادرة فعلياً على نقض قرارات الإمبراطور، أو إبطال أوامره، فضلاً عن الإطاحة به إذا ما تحول إلى الاستبداد المطلق المفتقر لأي رادع. لم يكن هناك توازن قوى مادي صلب، بل مجرد مناشدات أخلاقية هشة تذروها رياح النفوذ.

إن الغياب التام لهذا التوازن المؤسسي المستقل يُفسر بجلاء كيف تحولت الإمبراطورية الصينية، حتى في فترات ازدهارها الحضاري الاستثنائي، إلى آلة سلطوية هائلة تتمركز كل خيوطها المادية والروحية في يد شخص الإمبراطور الأوحد. لقد أدى طغيان التفاؤل الأخلاقي إلى ما يمكن تسميته بـ “العمى السياسي” المتعمد تجاه الطبيعة الشيطانية والمفسدة للسلطة المطلقة التي لا تخضع للرقابة. فعلى عكس المسار الغربي الذي، مدفوعاً بوعيه المظلم، رأى في السلطة السياسية وحشاً ضارياً يجب ترويضه وتقييده فوراً بسلاسل الدستور المتينة وفصل السلطات الصارم، بناءً على إيمانه بفساد الطبيعة البشرية، نظر الفكر الصيني التقليدي إلى السلطة كأداة مقدسة طيعة بيد الحكيم لنشر الفضيلة وتحقيق الانسجام الكوني المرتجى. هذا التناقض الصارخ والمأساوي بين النوايا الفلسفية بالغة النبل والواقع السياسي البالغ القسوة جعل التاريخ الصيني يدور لعشرات القرون في حلقات مفرغة ومرهقة من صعود الأسر الحاكمة وتوطيدها للسلطة المطلقة، ثم انحطاطها وسقوطها المروع عبر تمردات وثورات فلاحية دموية كارثية، دون أن ينجح هذا التاريخ المديد في اختراق سقف الاستبداد المنيع وتأسيس تقاليد ديمقراطية مؤسسية مستدامة تحمي الفرد والدولة معاً. فالوعي المظلم الذي كان من الممكن أن يكون البذرة الأولى لليقظة الدستورية، تم خنقه باستمرار تحت وطأة الإيمان الرومانسي بقدرة الإنسان اللامحدودة على التأله الأخلاقي.

ومع ولوج الصين إلى العتبات المضطربة للعصر الحديث، وتحديداً منذ منتصف القرن التاسع عشر وما تلاه من هزائم عسكرية وسياسية قاسية أمام القوى الاستعمارية الغربية، دخلت الإمبراطورية الصينية العريقة في أتون أزمة وجودية شاملة لم يسبق لها مثيل في تاريخها الطويل. لم تكن هذه الأزمة مجرد تراجع عسكري أو انهيار اقتصادي، بل كانت، كما يصفها المفكر تشانغ هاو ببراعة تحليلية فائقة، انهياراً كاملاً للنموذج الكوني والمعرفي الذي استندت إليه الحضارة الصينية لآلاف السنين. في هذا “عصر التحول” (Transitional Era) الحاسم، والذي يمتد تقريباً من أواخر عهد أسرة تشينغ وحتى العقد الثالث من القرن العشرين، وجد المثقفون الصينيون أنفسهم يقفون على أنقاض التراث الكونفوشيوسي المتهاوي، محاطين بشعور خانق بالضياع الروحي والقلق الوجودي العميق. لقد تحطمت قناعاتهم الراسخة بأن الصين هي “إمبراطورية الوسط” ومركز الحضارة الإنسانية، وتهاوت ثقتهم المطلقة في تفوقهم الأخلاقي والثقافي أمام التفوق المادي والتقني الكاسح للغرب. هذا الانهيار المدوي لمؤسساتهم التقليدية، والذي تُوج بإلغاء نظام الامتحانات الإمبراطورية في عام ألف وتسعمائة وخمسة، لم يسلبهم فقط مراكزهم الاجتماعية والسياسية، بل سلبهم أيضاً بوصلتهم المعنوية، تاركاً فراغاً أيديولوجياً هائلاً كان لا بد من ملئه بأي ثمن لإنقاذ الأمة من خطر الفناء المحدق.

في خضم حالة الذعر القومي والبحث المحموم عن سبل الخلاص، اتجهت أنظار النخبة المثقفة الصينية، وخاصة رواد “حركة الثقافة الجديدة” و”حركة الرابع من مايو” (May Fourth Movement)، نحو استيراد الأفكار الغربية الحديثة كطوق نجاة أخير. انفتحت الأبواب على مصراعيها لتدفق سيل عارم من النظريات والفلسفات الغربية، وارتفعت الشعارات المدوية التي تنادي بتبني “السيد ديمقراطية” و”السيد علم” كأصنام جديدة تُعبد في محراب الحداثة. ولكن، وهنا تكمن المفارقة المأساوية الكبرى التي يسلط تشانغ هاو الضوء عليها ، فإن عملية الاستيراد الفكري هذه لم تكن عملية محايدة أو موضوعية، بل كانت محكومة ومفلترة بشكل لا شعوري عبر العدسات التقليدية الموروثة، وتحديداً عبر ذلك “التفاؤل الأخلاقي” العتيد وغياب “الوعي المظلم” الذي ناقشناه في الدفعات السابقة. لقد نظر المثقفون الصينيون إلى عصر التنوير الغربي ككتلة واحدة متجانسة تمثل التقدم المطلق، متجاهلين تماماً التناقضات العميقة والتيارات المتصارعة داخل الفكر الغربي نفسه. لم يدركوا أن التنوير الغربي كان يحمل في طياته مسارين متباينين أشد التباين: مسار أنجلو-أمريكي متجذر في الوعي المظلم المسيحي، ينظر بتشاؤم وحذر شديدين إلى الطبيعة البشرية، ويسعى لبناء ديمقراطية دستورية تقوم على الكوابح والتوازنات لمنع طغيان السلطة؛ ومسار فرنسي-قاري، متأثر بشدة برومانسية جان جاك روسو، ينطلق من تفاؤل جذري بطبيعة الإنسان الخيرة، ويؤمن بـ “الإرادة العامة” (General Will)، ويسعى لبناء يوتوبيا سياسية عبر التدمير الثوري الشامل للماضي.

وبدلاً من أن يستوعب المثقفون الصينيون الحكمة المؤسسية والواقعية السياسية للمسار الأنجلو-أمريكي الذي يمثله مفكرون من أمثال جون لوك وجيمس ماديسون، انجذبوا بشكل سحري وقاتل نحو المسار الفرنسي الراديكالي الذي يمثله روسو وروبسبيير، ولاحقاً نحو الراديكالية الماركسية اللينينية. لماذا حدث هذا الانجذاب الانتقائي؟ يجيب تشانغ هاو بأن ذلك يعود إلى التناغم  الخفي بين الإرث الكونفوشيوسي القائم على التفاؤل بإمكانية بلوغ الكمال الإنساني، وبين اليوتوبيات الغربية الحديثة التي تعد بجنة على الأرض. لقد تم علمنة فكرة “الملك القديس” التقليدية وتحويلها إلى فكرة “الحزب الطليعي” أو “الزعيم الثوري المعصوم” الذي يجسد الإرادة العامة للأمة بشكل لا يقبل الخطأ. وبسبب غياب الوعي المظلم، لم يمتلك المثقفون الصينيون الراديكاليون أي مناعة فكرية ضد إغراءات السلطة المطلقة، بل اعتقدوا بسذاجة خطيرة أنه بمجرد الإطاحة بالنظام الإمبراطوري الفاسد، وإزالة العوائق الهيكلية القديمة، ونقل السلطة إلى أيدي “الشعب” أو “الطبقة العاملة” الممثلة في طليعتها الثورية، فإن الخير المطلق سيسود تلقائياً، ولن تكون هناك أي حاجة ملحة لبناء آليات دستورية معقدة لتقييد هذه السلطة الشعبية الجديدة. لقد اعتبروا أن الديمقراطية الدستورية الغربية بمفاهيمها حول فصل السلطات وحماية حقوق الأقليات هي مجرد تعقيدات برجوازية تعيق سرعة التعبئة الجماهيرية اللازمة لإنقاذ الوطن من براثن الإمبريالية.

إن غياب الوعي المظلم أدى إلى تشويه مفهوم الديمقراطية ذاته في الوعي الصيني الحديث. فبينما كانت الديمقراطية في جذورها الغربية العميقة تمثل آلية دفاعية في المقام الأول، هدفها الأسمى حماية الفرد من تغول الدولة ومنع تركز السلطة في يد جماعة تحتكر الحقيقة، تحولت الديمقراطية في الخطاب الصيني الحديث إلى مجرد “أداة تعبئة” جماعية، غايتها توحيد الإرادة الوطنية وصهر الأفراد في بوتقة الدولة القومية القوية القادرة على استعادة الثروة والقوة (Fuqiang). لم يكن الهدف تحرير الفرد لذاته، بل تحرير طاقاته لخدمة المجموع. وفي هذا السياق الجماعي المحموم، تم تهميش فكرة الحقوق الفردية الطبيعية التي لا يجوز انتهاكها، وتم التضحية بالحرية الشخصية على مذبح المصلحة القومية العليا والوعود الطوباوية المستقبلية. لقد آمن دعاة التحديث في الصين أن المشكلة لا تكمن في طبيعة السلطة نفسها وميلها الفطري للإفساد كما حذر اللورد أكتون، بل تكمن فقط في من يمسك بزمام هذه السلطة. وإذا كانت السلطة في أيدي قادة “أخيار” يحملون وعياً ثورياً نبيلاً، فإن منحهم سلطة مطلقة لن يكون خطراً، بل سيكون ضرورة تاريخية حتمية لتسريع عجلة التقدم وتجاوز المراحل التاريخية للوصول المباشر إلى المجتمع المثالي.

هذا المزيج المتفجر من القلق الوجودي العميق، والتفاؤل الأخلاقي الموروث، واليوتوبيا الراديكالية المستوردة، هو ما صاغ المأساة السياسية للصين في القرن العشرين. لقد تحول البحث عن الخلاص الوطني إلى اندفاع أعمى نحو تجارب هندسة اجتماعية وسياسية كلية (Totalitarian)، لم تعترف بأي حدود لقدرة الإرادة البشرية على إعادة تشكيل الواقع وخلق “إنسان جديد” نقي من كل شوائب الأنانية والبرجوازية. وفي ظل غياب التواضع المعرفي الذي يفرضه الوعي المظلم، سادت عقلية الإلغاء والاستئصال تجاه كل من يختلف مع الخط الأيديولوجي السائد، حيث تم شيطنة المعارضين السياسيين ليس فقط كمجرد خصوم في الرأي، بل كأعداء مطلقين للخير وللشعب ولحركة التاريخ نفسها. إن الافتقار إلى الإدراك العميق بأن الشر ليس مجرد نتيجة لظروف خارجية سيئة أو هياكل اقتصادية استغلالية يمكن إزالتها بمرسوم ثوري، بل هو عنصر متأصل في الطبيعة البشرية ذاتها لا يمكن استئصاله بالكامل، جعل النخبة الثورية الصينية تعتقد أن العنف الشامل والتطهير السياسي المستمر هما أدوات مشروعة وضرورية لبلوغ النقاء الطوباوي المنشود.

يجد الكتاب لزاماً علينا أن نتوقف  أمام النخبة الفكرية الرائدة التي تصدرت مشهد التحديث في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. لقد كان هؤلاء المفكرون، الذين تشربوا التراث الكونفوشيوسي حتى النخاع، يقفون على خط المواجهة الأول مع الصدمة الحضارية الغربية، وحاولوا بكل ما أوتوا من طاقة فكرية أن يترجموا المفاهيم السياسية الحديثة إلى لغة يمكن للثقافة الصينية استيعابها. وفي قلب هذه المحاولة الجريئة واليائسة في آن واحد، يبرز اسم كانغ يووي (Kang Youwei)، ذلك المفكر الإصلاحي الذي حاول أن يمزج بين الرؤية الكونية الكونفوشيوسية الكلاسيكية وبين تطلعات التحديث والمؤسساتية الغربية. لقد قدم كانغ يووي في كتابه الشهير “كتاب التناغم العظيم” أو “الطوباوية الكبرى” (Datong Shu) رؤية مستقبلية مذهلة سعت إلى تجاوز كل أشكال المعاناة الإنسانية والتقسيمات الاجتماعية والسياسية. لقد حلم بعالم بلا حدود، بلا دول، بلا طبقات، وبلا حتى قيود عائلية تقليدية، عالم يسوده التناغم المطلق والمساواة التامة. ورغم أن كانغ يووي كان يدرك، من خلال مفهومه لـ “الرخاء الأدنى” أو “السلام الأصغر” (Xiaokang)، أن العالم الواقعي مليء بالصراعات والشرور التي تتطلب مؤسسات وقوانين لضبطها، إلا أن نظره كان دائماً وأبداً شاخصاً نحو تلك اليوتوبيا النهائية المطلقة في “التناغم العظيم”. هذا الحنين الجارف إلى الكمال المطلق على الأرض لم يكن سوى امتداد طبيعي وراديكالي لـ “التفاؤل الأخلاقي” الكونفوشيوسي الذي يرفض الاعتراف بالقصور البنيوي للإنسان كحقيقة أبدية. لقد نظر كانغ يووي إلى الشر والأنانية كأعراض جانبية مؤقتة ناتجة عن الهياكل الاجتماعية الفاسدة والمؤسسات العتيقة، وليس كجزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية. وبالتالي، فإن إزالة هذه الهياكل، وفقاً لرؤيته، ستؤدي تلقائياً إلى تحرير الخير الفطري اللامحدود في الإنسان، مما يجعل الحاجة إلى كوابح مؤسسية دائمة أو ديمقراطية دستورية مبنية على الحذر والريبة أمراً غير ضروري في مرحلة الاكتمال النهائي. هذا العمى الطوباوي، رغم نبل مقاصده الإنسانية والفلسفية، كان بمثابة حجر عثرة ضخم أمام تأسيس وعي مظلم حقيقي قادر على استيعاب الفلسفة الدفاعية المتشائمة التي تقوم عليها الديمقراطية الدستورية في نسختها الأنجلو-أمريكية.

وبالانتقال إلى تلميذه الأبرز وأحد أهم المفكرين الصينيين في العصر الحديث، ليانغ تشيتشاو (Liang Qichao)، نجد أنفسنا أمام محاولة أكثر تعقيداً وواقعية، ولكنها تظل في النهاية أسيرة لنفس البنية العقلية الموروثة. لقد أدرك ليانغ تشيتشاو، بعد تجاربه المريرة في الإصلاح وفشله في إقامة ملكية دستورية قوية، أن المشكلة الحقيقية للصين لا تكمن فقط في تقادم مؤسساتها السياسية أو تخلف تقنياتها العسكرية، بل تكمن في الجوهر الروحي والأخلاقي للشعب الصيني نفسه. من هنا، أطلق مشروعه الفكري الضخم لبناء “مواطنون جدد” (Xinmin)، داعياً إلى ضرورة زرع “الفضيلة العامة” أو “الأخلاق المدنية” (Gongde) التي تجعل الفرد قادراً على العمل من أجل الصالح العام للأمة، متجاوزاً حدود الولاءات العائلية والعشائرية الضيقة التي كرستها الكونفوشيوسية التقليدية بتركيزها المفرط على “الفضيلة الخاصة”. لقد كان ليانغ من أوائل من استوعبوا مفاهيم الحقوق، والحرية، والمشاركة السياسية، وحاول جاهداً أن يؤسس لوعي مدني حديث. ومع ذلك، وكما يشير تحليل تشانغ هاو ببراعة، فإن ليانغ تشيتشاو لم ينجح في الفكاك من قبضة التفاؤل الأخلاقي. لقد كان يعتقد أن بناء الدولة الديمقراطية الحديثة يعتمد في المقام الأول على “التثقيف الأخلاقي” وتحويل الروح الداخلية للمواطنين، وليس على هندسة مؤسسية باردة تفترض مسبقاً الأنانية والفساد. لقد أراد أن يصنع مواطناً مثالياً يندمج كلياً مع إرادة الدولة الأمة، متجاهلاً التحذير الليبرالي الغربي العميق بأن السلطة، حتى لو مُنحت لأمة من القديسين، فإنها ستميل حتماً نحو الفساد إذا لم تُقيد بسلاسل دستورية صارمة. إن تركيز ليانغ تشيتشاو على “تجديد الشعب” كشرط مسبق للديمقراطية أدى عملياً إلى تأجيل المطالبة بالضمانات المؤسسية الدستورية، مما فتح الباب لاحقاً أمام الأنظمة السلطوية لتبرير استبدادها بحجة أن “الشعب غير ناضج” ويحتاج إلى وصاية أبوية حتى يكتمل وعيه الأخلاقي والوطني.

وتزداد الصورة قتامة  عندما نصل إلى ذروة التنوير الصيني في “حركة الثقافة الجديدة” و”حركة الرابع من مايو” (May Fourth Movement) عام ألف وتسعمائة وتسعة عشر. لقد انطلق رواد هذه الحركة، أمثال تشين دو شيو (Chen Duxiu) ولي داتشاو (Li Dazhao)، بهجوم كاسح ولا هوادة فيه ضد التقاليد الكونفوشيوسية برمتها، معتبرين إياها جذراً لكل تخلف وانحطاط أصاب الصين. لقد رفعوا شعارات “العلم والديمقراطية” كأدوات سحرية قادرة على اقتلاع المرض من جذوره وبعث أمة صينية جديدة وحديثة بالكامل. ولكن المفارقة العظمى تكمن في أن هذه القطيعة الراديكالية مع الماضي كانت قطيعة شكلية، بينما استمرت البنية العميقة للتفكير الكونفوشيوسي المتمثلة في اليوتوبيا والتفاؤل الجذري بالطبيعة الإنسانية في توجيه بوصلتهم بشكل خفي. لقد استوردوا الديمقراطية الغربية، ولكنهم جردوها من “وعيها المظلم” ومن شكوكها العميقة حول الطبيعة البشرية. لم ينظروا إلى الديمقراطية كآلية لتقييد السلطة ومنع طغيان الأغلبية، بل اعتبروها تعبيراً مباشراً وفورياً عن إرادة الجماهير الخيرة بطبيعتها. وحينما خاب أملهم في الديمقراطيات الغربية، خاصة بعد خذلان الغرب للصين في مؤتمر فرساي، سرعان ما تحولوا بحماس منقطع النظير نحو الماركسية اللينينية. لماذا كان هذا التحول سريعاً وحاسماً؟ الإجابة تكمن في أن الماركسية، برؤيتها التاريخية الحتمية وبوعدها الطوباوي بإقامة مجتمع شيوعي خالٍ من الطبقات والدولة والاستغلال، قد ضربت وتراً حساساً وعميقاً في الوجدان الصيني الذي طالما حلم بـ “التناغم العظيم”. لقد قدمت الماركسية نسخة علمانية حديثة وراديكالية لليوتوبيا الكونفوشيوسية المفقودة، حيث تم استبدال “الملك القديس” بـ “الحزب الطليعي” الذي يحتكر الحقيقة التاريخية والأخلاقية، والذي يُفترض فيه الكمال الثوري الذي يعصمه من الخطأ والانحراف. وفي ظل هذه الرؤية الشمولية التي تعد بخلاص نهائي ومطلق، تم تهميش كل الأصوات الليبرالية الخجولة التي كانت تحذر من مغبة تركز السلطة، واعتُبرت المطالبة بالحقوق الفردية والحريات الدستورية مجرد ترف برجوازي يعيق مسيرة التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية.

إن هذه السردية  تقودنا إلى تشريح مأساة التيار الليبرالي الصيني الحديث، والذي حاول أن يغرد خارج السرب الراديكالي ولكنه لم يمتلك القوة الكافية أو الجذور العميقة ليصمد أمام العواصف الأيديولوجية الكبرى. دعونا نتأمل مسيرة مفكرين ليبراليين بارزين مثل هو شي (Hu Shi) أو لاحقاً يين هايغوانغ (Yin Haiguang)، أستاذ تشانغ هاو نفسه. لقد حاول هؤلاء المفكرون الدفاع عن القيم الليبرالية المتمثلة في الحرية الفردية، التسامح، التدرج، واحترام المؤسسات. ولكن دفاعهم كان يفتقر في كثير من الأحيان إلى الأساس الفلسفي الصلب الذي يوفره “الوعي المظلم”. لقد استند الليبراليون الصينيون غالباً إلى المدرسة البراغماتية الأمريكية (كما في حالة هو شي الذي تأثر بشدة بجون ديوي)، والتي تميل بدورها إلى تفاؤل علمي وتعليمي يرى أن المشكلات الإنسانية قابلة للحل التدريجي من خلال العقل والتجربة، متجاهلة بذلك البعد الأنطولوجي العميق للشر والتدمير الكامن في الإرادة البشرية. لم يمتلك الليبراليون الصينيون تلك النظرة المأساوية العميقة التي ميزت مفكري التنوير الأنجلو-أمريكي الأوائل، الذين بنوا قلاع الديمقراطية انطلاقاً من خوف أصيل من الجانب الشيطاني في الإنسان. وبسبب غياب هذا البعد المأساوي، بدا دفاع الليبراليين الصينيين عن المؤسسات الدستورية وكأنه مجرد دفاع أداتي نفعي، يفتقر إلى تلك الحرارة الروحية والضرورة الوجودية التي تجعل الديمقراطية مسألة حياة أو موت في مواجهة طغيان السلطة. لقد وقفوا عاجزين أمام المد الطوباوي الراديكالي الذي استثمر في المشاعر القومية الغاضبة ووعد بحلول سحرية فورية لآلام الصين المبرحة، فكانت النتيجة هي انحسار الليبرالية وتهميشها لصالح تيارات استبدادية شمولية لم تتردد في استخدام أقصى درجات العنف لفرض رؤيتها الطوباوية على المجتمع.

هذا الإخفاق الليبرالي في الصين لم يكن مجرد فشل سياسي ظرفي، بل كان فشلاً ثقافياً ومعرفياً بامتياز، نتج عن عدم القدرة على نقد البنية الفكرية التقليدية التي كانت ترفض الاعتراف بالنقص البشري كحقيقة غير قابلة للتجاوز. لقد ظل العقل الصيني الحديث، رغم تمزقه وقطيعته مع الماضي، أسير الوهم القائل بأن الإنسان قادر بقواه الذاتية الصرفة، سواء عبر التثقيف الأخلاقي أو التعبئة الثورية الشاملة، على خلق جنة أرضية لا مكان فيها للصراع أو الانقسام. وهذا الوهم بالتحديد هو ما منع تبلور قناعة راسخة بضرورة وجود مجتمع مدني مستقل يقف في مواجهة الدولة، وبضرورة وجود قوانين تحمي الأقلية من طغيان الأغلبية. لقد كانت الثقافة السياسية الصينية، في معظم تجلياتها الحديثة، تنحو نحو إضفاء طابع القداسة على الدولة الحديثة، سواء كانت دولة الحزب القومي الحاكم أو دولة الحزب الشيوعي الحاكم، معتبرة إياها الوكيل الحصري للفضيلة والمصلحة العامة، تماماً كما كان الإمبراطور في الماضي السحيق يعتبر نفسه “ابن السماء” والوسيط الأوحد بين النظام الكوني والبشر.

*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى