تحقيقات وتقاريرأبرز المواضيع

حين يخرج الدين إلى السوق: لوك والعلمنة المعكوسة

يقدم كتاب “الدين في المجال العام: لاهوت لوك السياسيReligion in Public: Locke’s Political Theology” للكاتبة إليزابيث إيه. بريتشارد، الصادر عن مطبعة جامعة ستانفورد، مراجعة نقدية للسرديات التقليدية التي تتناول مسألة العلمانية وفصل الدين عن الدولة. تتجه الكاتبة في هذا المؤلف إلى قلب الحكمة التقليدية رأساً على عقب، حيث تقدم قراءة مغايرة لمفهوم العلمنة، لا باعتبارها عملية تتطلب بالضرورة خصخصة الدين وحصره في النطاق الفردي، بل بوصفها تعزيزاً للطابع الدنيوي للدين. وفي هذا السياق، تطرح بريتشارد فكرة مركزية مفادها أن العلمنة تعني وضع الدين في دائرة التداول العام، وأن هذا المشروع تحديداً هو ما دافع عنه الفيلسوف الإنجليزي جون لوك كجزء من لاهوته السياسي.

غالباً ما يتم استدعاء جون لوك لتبرير القراءات التي تربط العلمنة بخصخصة الدين، حيث يُربط تمييزه بين الدولة والكنيسة بالتمييز بين العام والخاص، وبين الجسد والروح. وتكمن المشكلة، كما توضح الكاتبة، في أن هذه التمييزات الفئوية والمعاني المترتبة عليها تؤخذ كمسلمات غير قابلة للنقاش، حيث يُفترض أنها تمثل تناقضات ثنائية وأنظمة واضحة ومتميزة ظلت دون تغيير يذكر لأكثر من ثلاثمائة عام. بدلاً من حصر الدين في مساحة خاصة وداخلية، تجادل بريتشارد بأن لوك يعيد صياغة الدين ليكون هو الأساس الذي يقوم عليه التمييز بين الخاص والعام. يمنح لاهوت لوك السياسي البشر، بصفتهم ملكية إلهية، تجاوزاً غير قابل للتصرف يؤسس للحقوق، ويعزز تحويل الدين إلى قناعات وأنماط قابلة للتداول والنقاش وإصدار الأحكام في المجال العام.

من المثير للاهتمام أن لوك لم يستخدم التمييز بين العام والخاص بشكل منتظم في كتاباته، كما أن هذين المفهومين لا يتطابقان بسهولة مع تمييزه بين السلطة المدنية والسلطة الكنسية. يشير لوك إلى أن الأمور الخاصة هي تلك التي لا تؤثر على الآخرين، مما يوحي بأنه يعتبر المجال العام كل ما له تأثير على الآخرين، وهو ما يتضح في إصراره على أن صلاحيات الحاكم يجب أن توجه نحو الصالح العام. تتفق الكاتبة مع تشارلز تايلور في أن المجال العام الحديث يعمل كرقيب مستقل على السلطة السياسية، وترى أن لوك كان يسعى إلى تعزيز مجتمع مدني منفصل عن الدولة، معبراً عن ذلك بإشارته إلى الاجتماعات العامة في المدن والأسواق والمحاكم. علاوة على ذلك، يرفض لوك الافتراض القائل بأن التجمعات المدنية تكون دائماً عامة ومفتوحة، في حين أن التجمعات الدينية يجب أن تكون خاصة بالضرورة. ويؤكد بشكل قاطع أن الواجب الأسمى لكل فرد، بما في ذلك الحاكم، هو محاولة إقناع الآخرين بما يعتبره حقيقة دينية، مما يدل على أنه ينظر إلى الدين والاختلاف الديني كأمور يجب أن تُطرح في المجال العام.

لا تغفل الكاتبة الإشارة إلى السياق التاريخي الذي كتب فيه لوك، حيث كان الدين يمتلك قدرة لا تضاهى على ربط الأجساد أو فصلها، وكان يحدد من يأكل مع من، ومن يتاجر، ويصلي، ويتزوج. لذلك، كان التحدي يكمن في كيفية تمكين الأجساد والأفكار المختلفة من التداول والترابط دون التسبب في إساءة أو أذى. وفي هذا الإطار، يسعى لوك إلى فك الارتباط بين الدين والأجساد، معتبراً أن الدين الحقيقي ليس سلاحاً موجهاً نحو الأجساد، ولا يتجسد في الجهد المهدر في الطقوس الدينية، بل تكمن قيمته في الرأي والحجة والإقناع.

تقدم بريتشارد تعريفاً للعلماني بأنه “الدنيوي”، وهو ما يسمح بقطع الروابط المتكررة بين العلماني وغير الديني. لا تنظر الكاتبة إلى العلماني باعتباره تراجعاً أو زوالاً للسحر، ولا تتفق مع الروايات التي تصوره كنقطة تحول فريدة نحو التنوير والتحرر. بدلاً من ذلك، ترى أن ما يقوله لوك عن الدين يعكس السياق الأوسع لإنجلترا في أوائل العصر الحديث، والذي اتسم بتوسع السوق، والحكم الاستعماري، وتوحيد السياسات النقدية، والنمو الهائل في عدد السكان وحركة النشر. كان لوك يسعى لتوسيع السوق الرأسمالية الإنجليزية، ولتحقيق ذلك، دعم تخفيف قيود الهجرة، ومكافأة العائلات الكبيرة والمنتجة، وتوسيع الاستعمار. أراد للأجساد المختلفة أن تتواصل وتتاجر وتنتج، ولئلا يقف الدين عائقاً أمام هذا التداول، عمل على إعادة تشكيله. جادل لوك بأن الدين لا يترسب في الأجساد أو الإرادات المتعنتة، ولا ينتقل عبر العائلات كالممتلكات الموروثة، لكنه في الوقت ذاته لم يختزله في مجرد اعتقاد داخلي أو خاص. لم يدفن لوك الدين في العقل، بل وضعه في دائرة التداول، محتفظاً بطابعه كشكل من أشكال التواصل والقوة، حتى يصبح متاحاً للاستهلاك من قبل جمهور أوسع وأكثر تنوعاً.

في لاهوت لوك السياسي، لم يعد الدين يدمج الأجساد السياسية ويضفي عليها طابعاً مقدساً، ولم يعد يبرر إلحاق الأذى بها. يتصور لوك أعضاء الأنظمة السياسية وهم يتأرجحون بين التوافق والاختلاف، ولذلك يسعى لتحقيق التوازن بين الانتماء والاختلاف. يصر لوك على وجود إجماع لاهوتي كأساس للاختلاف الديني العام؛ فالإجماع على أن البشر هم ملكية غير قابلة للتصرف لإله خالق ومحسن، يغذي تصوراً للذات بامتلاكها مساحات مصونة تستدعي السلطة السياسية لحمايتها كما تتجلى في أدوات حقوق الإنسان المختلفة. يعمل هذا الإجماع كإجراء وقائي ضد الاختلاط العشوائي والنقاش الصاخب في المجتمعات الحديثة. بعبارة أخرى، لا يقوم لاهوت لوك السياسي بخصخصة الدين، بل يستمد منه الأساس للتمييز بين الخاص والعام، ويبني الفرق بين ما هو قابل للتصرف وما هو غير قابل للتصرف.

يشكل الإله الأب مركز الجاذبية في سوق لوك الديني، فهو الذي يدعي ملكية البشر كخالق لهم. وبينما يروج لوك للدين باعتباره أمراً قابلاً للتصرف والتحويل، فإن هذه التجارة النشطة تستقر بفضل الإجماع على أن كل إنسان، بصفته مخلوقاً لله، يحمل سمواً غير قابل للتصرف لا يمكن إخضاعه أو استعباده أو تدميره. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الإله قد تنازل عن سلطة العقاب للبشر ولم يعد يهددهم بشبح العقاب الأبدي، وليس بحاجة لمن ينتقم لشرفه، فلا حاجة لمعاقبة أو قتل من يُعتبرون هراطقة. يمثل لاهوت لوك السياسي شكلاً مخففاً من الأبوية، حيث أصبح البطريرك البشري، سواء في السياسة أو الأسرة، ملزماً بحماية أجساد البشر وممتلكاتهم. بناءً على ذلك، لا تعتبر الدولة محايدة تماماً، بل تستمد شرعيتها من اعترافها بالمواطنين كمخلوقات منحهم الله حقوقاً غير قابلة للتصرف.

يقدم لوك إعادة تفكير شاملة في قوة الله لتكون مكملة لفلسفته السياسية القائمة على الرضا والقبول. تتناول كتاباته حول الدين واللاهوت والنظرية السياسية ومبحث المعرفة مسألة القوة باستمرار، ويصر على أن الفرق بين الكنيسة والدولة هو فرق في نوع القوة المستخدمة، حيث تستخدم الكنيسة والجمهور السلطة الإقناعية، بينما تنفرد الدولة باستخدام السلطة العقابية. ومع ذلك، يصف لوك قوة المعرفة التجريبية والصدمات العاطفية بأنها قاهرة، ويشير إلى قوة تجارب الطفولة، كما يستحضر حرية التعبير والرقابة العامة التي يرمز إليها مفهوم الموضة أو الأنماط الرائجة. يدرك لوك تفاصيل القوة في السلطة الإقناعية التي قد تبدو قاسية، ويعترف بأن الكلمات يمكن أن تكون أسلحة، ويصر على ضرورة الموافقة عند مواجهة هذه التحديات.

تم توجيه انتقادات عديدة لليبرالية التي يُعتبر لوك من مؤسسيها، حيث اتهمها البعض، مثل بول موريس، بتبني ثنائية ميتافيزيقية بين العقل والجسد، يتم فيها خصخصة الدين بينما تتولى السياسة إدارة الأجساد. كما يُلقى باللوم على إرث لوك في سعي المنظرين الليبراليين المعاصرين لإبعاد المشاركين الدينيين وحججهم عن العملية السياسية. يجادل النقاد بأن التسامح يصبح بلا معنى إذا تم إخفاء الدين خلف الأبواب المغلقة أو حصره في القلوب والعقول. وفي رده على مثل هذه التوجهات، يتساءل لوك في رسالته حول التسامح عن سبب السماح لليهود بامتلاك منازل خاصة بينما يُمنعون من بناء مجامع عامة، مؤكداً أن اجتماعاتهم العامة لا تشكل خطراً على السلام المدني يفوق خطر اجتماعاتهم الخاصة.

يؤكد لوك أن الرعاية الخيرية التي تتمثل في التعليم والإنذار والإقناع لا يمكن إنكارها على أي إنسان، معتبراً أن الجهد المستمر لإقناع الآخرين بخطأ مسارهم هو الواجب الأعظم. لم يكن لوك يسعى لعزل الدين، بل لتغيير نوع القوة المرتبطة به، جاعلاً إياه قوة إقناعية. ولم يكتفِ بالسماح بوجود الدين في المجال العام، بل أصر على ذلك، مشيراً إلى أن الخطر يكمن في تجمع الناس في طوائف سرية معزولة عن الجمهور. كان يرى أن أفضل طريقة لتنظيم الآراء الدينية الخاطئة هي تشجيع إخضاعها لرقابة الرأي العام. فمن الأفضل أن يتم طرح المواقف الدينية علناً وتحديها بدلاً من تركها تتفاقم وتضلل الناس في الخفاء.

تتماشى هذه الرؤية مع التغيرات التي شهدتها إنجلترا في القرن السابع عشر فيما يتعلق بممارسات الاتصال وحركة النشر، والتي ميزت ظهور المجال العام الحديث. شهدت تلك الفترة تحولاً من معايير السرية إلى اللجوء للرأي العام، وفرضت الطباعة نظاماً حوارياً على الصراع الديني والسياسي. اعتبر لوك شاهداً على هذا التداول المتزايد للدين في المواد المطبوعة، ودافع عن تحويل وسيط الدين من الأجساد إلى الكلام والنصوص، مؤكداً أن الدين هو مادة للنقاش والحجج التي يمكن أن تتداول بأمان بعيداً عن الأجساد البشرية الضعيفة.

لتحقيق هذا التحول، كان على لوك أن يفك ارتباط الدين بالجسد والإرادة والروابط العائلية. جادل بأن الدين الحقيقي لا يمكن فرضه بالقوة لأنه يخاطب الفهم وليس الإرادة. وأكد أن الإنسان لا يولد عضواً في أي كنيسة، وأن الدين لا ينتقل بالوراثة كالممتلكات. بالنسبة للوك، تُصنع الذوات الدينية ولا تولد، والدين لا يتعلق بالدم أو الأرض، بل بالكلمات والإقناع. يرى لوك أن التسامح يتطلب النظر إلى الدين كأفعال كلامية قابلة للتداول والتغيير، وليس كإرث عائلي أو هوية ثابتة. من خلال فصل الكلمات عن الأجساد، يسعى لوك للسماح لهذه الكلمات بالتداول بحرية دون إلحاق الأذى، مما يفتح الباب أمام فرص جديدة لإعادة نشر وتجميع هذه الأجساد في سياقات اقتصادية وسياسية أوسع.

استمراراً في فصل ارتباط الدين بالهويات الثابتة، يعمد لوك إلى تشبيه الاختلافات الدينية بمسائل الموضة أو الأزياء. في محاولة منه للتقليل من حدة الصراعات الدينية، يرى أن تغيير المعتقدات الدينية يشبه إلى حد ما تغيير قبعة فرنسية أو اختيار قصة شعر معينة. لا يعني هذا التشبيه أن تغيير الدين أمر يسير كارتداء ملابس مختلفة، بل يهدف إلى إيضاح أن القناعات الدينية، وإن لم تكن خاضعة تماماً لإرادة الفرد الحرة، إلا أنها قابلة للتغيير والتعديل تماماً كالآراء والأنماط الرائجة. يرى لوك أن الاختلافات في طرق العبادة، مثل الجلوس أو الركوع، لا ينبغي أن تشكل تهديداً للسلام المدني أكثر مما يشكله ارتداء معطف في السوق.

يعكس استخدام لوك لمفهوم الموضة انشغالاً واسعاً في عصره، حيث عبرت العديد من المصادر في القرن السابع عشر عن قلق متزايد إزاء سيطرة الموضة وتقلباتها على الدين، الذي يُفترض أن يكون ثابتاً وأبدياً. أشار نقاد، مثل الزعيم الكويكري جورج فوكس، إلى أن الموضة تمثل زينة دنيوية سطحية تزول مع الوقت، في حين أن المسيحية الحقيقية هي طبيعة وتصرف داخلي. لكن تحويل الدين إلى ما يشبه الموضة عند لوك يحمل أبعاداً أعمق من مجرد التسطيح، فهو يشير إلى طبيعة الدين التواصلية وقابليته للتقييم والمقارنة والتبادل في سوق الأفكار. وكما أن الموضة تخضع لرقابة المجتمع وحكمه، فإن الدين كنمط قابل للتداول يخضع أيضاً لانضباط الرأي العام.

بالإضافة إلى ذلك، فإن لوك لا ينكر تماماً القوة المرتبطة بالخطاب الديني، بل يستخدم استعارات القوة بوضوح، متحدثاً عن حرب مسيحية تُخاض بأسلحة الإرشاد والنصح، وعن قوة الحجج التي تدحض الأخطاء. وفي الوقت ذاته، يعبر عن قلقه من الاستخدام القاسي للكلمات ومن التعصب الذي لا ينفث سوى النار والسيف، محذراً من أن الأقلام قد تكون مذنبة كالسيوف. يوضح هذا الغموض في موقف لوك أنه كان يعي تماماً القوة الكامنة في الخطاب الإقناعي، ولكنه أصر على ضرورة أن تُمارس هذه القوة عبر الموافقة والقبول.

ترتكز بريتشارد في تحليلها على كتابات لوك اللاهوتية والسياسية، وعلى رأسها كتاب “معقولية المسيحية” ورسائله في التسامح، لتبيان كيف قام الفيلسوف الإنجليزي بتسخير أدوات الهرمنيوطيقيا والنقد النصي لنزع الحصرية الكهنوتية عن تأويل الكتاب المقدس. لم تكن الغاية من هذه المقاربة النقدية إفراغ النص الديني من محتواه الإيماني أو تقديمه كوثيقة تاريخية هامشية، بل كانت تهدف بالأساس إلى تخليصه من المقولات التجريدية المعقدة والسجالات الميتافيزيقية التي أججت الحروب الدينية والنزاعات الطائفية في إنجلترا وأوروبا خلال القرن السابع عشر. عبر التأكيد على أن الرسالة الجوهرية للمسيحية تتميز بالبساطة والوضوح والمتاحة لكل عقل سليم، تحول النص عند لوك من سلطة احتكارية تحرسها المؤسسات الكنسية وتفرض بها هيمنتها، إلى وثيقة قابلة للقراءة المباشرة والفهم الشخصي والمناقشة المفتوحة بين المواطنين. ينسجم هذا التحول مع الأطروحة الرئيسة لبريتشارد، حيث تتجلى دنيوة الدين هنا في نقله من أروقة السدانة المغلقة إلى الفضاء المفتوح للتداول والمناقشة العقلانية.

يتوسع التحليل ليشمل موقف لوك من الشعائر والطقوس الدينية، ولا سيما المعمودية والعشاء الرباني، وهي المساحات التي شكّلت عبر التاريخ الحديث نقاط تماس ملتهبة ومصادر جليلة لتأطير الولاءات الجماعية والتجييش المادي. تجادل بريتشارد بأن لوك صب اهتمامه على سلب الفاعلية السحرية أو المادية القسرية عن الطقس الديني، رافضاً الفكرة القائلة بأن الممارسات الشعائرية تمتلك بذاتها قدرة ذاتية على التأثير المباشر في الأجساد أو إلزام الأفراد بانصياع سياسي محدد. بدلاً من ذلك، يعيد لوك تعريف الطقوس بوصفها أفعالاً رمزية وتعبيرية ترتبط بالقناعة الفردية والاختيار الحر. هذا التفكيك الوظيفي للطقس ينزع عنه القدرة على تقسيم المجتمع إلى تكتلات مادية متصارعة في الأسواق والميادين العامة، ويرفعه إلى مستوى الخيارات الشخصية والتعبير المفتوح الذي يمكن ممارسته علناً دون أن يملك حق التعدي على حقوق الآخرين أو مصادرة المجال العام. وبهذا المعنى، فإن تحويل الطقس من فعل قسري ذي حمولة مادية إلى أداء رمزي خاضع للإقناع والاختيار يمثل ركيزة جوهرية في جعل الدين نشاطاً تواصلياً ينشط في المجال العام دون أن يهدد استقرار الدولة المدنية.

تنتقل بريتشارد بعد ذلك إلى فحص الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية في لاهوت لوك السياسي، معتمدة على قراءة متأنية لكتابه “رسالتان في الحكم المدني”. توضح الباحثة أن النظرية اللوكية في العمل والملكية الفردية لا تنفصل عن الرؤية اللاهوتية الشاملة التي تحكم فلسفته؛ فالإنسان في نظر لوك ليس كائناً مستقلاً بذاته استقلالاً مطلقاً، بل هو ملكية إلهية خالصة لا يجوز استعبادها أو تدميرها أو التنازل عن حريتها الأساسية. إن هذا المفهوم لملكية الله للبشر يشكل القاعدة الميتافيزيقية التي تنشأ عنها الحقوق غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق الحياة والحرية والملكية. ومن هذا المنطلق، يصبح عمل الإنسان وجسده ونشاطه الإنتاجي وسيلة لتحقيق الإرادة الإلهية في عمران الأرض واستصلاح الموارد. ترى بريتشارد أن لوك نجح عبر هذا الربط اللاهوتي في توجيه الطاقات البشرية نحو النشاط الاقتصادي المادي والتجارة، مستبدلاً بالنزاع اللاهوتي حول العقائد جهداً إنتاجياً يخدم الصالح العام ويعزز نمو السوق الرأسمالية الإنجليزية في ذلك العصر. وهكذا تظهر دنيوة الدين كعملية إعادة توجيه للسلوك الإيماني نحو التطوير المادي والتفاعل الاجتماعي المثمر.

تولي الكاتبة عناية خاصة لمسألة حدود التسامح في لاهوت لوك السياسي، حيث تتوقف عند استثنائه الشهير للملحدين والكاثوليك في “رسالة في التسامح”. تقدم بريتشارد تحليلاً يبتعد عن التبرير السطحي كما يتجنب الإدانة العابرة للتاريخ، محاولةً فهم هذا الاستثناء من خلال المنطق الداخلي للمجال العام الذي يسعى لوك لتأسيسه. ترى الكاتبة أن رفض التسامح مع الملحدين لا ينبع من تعصب عقائدي مجرد، بل من كون الملحد، في المنظور اللوكي، يفتقر إلى المرجعية اللاهوتية التي تعطي للعهود والمواثيق والأيمان قيمتها الإلزامية، وهي أدوات لا غنى عنها لبناء الثقة وتوقيع العقود في مجتمع مدني واقتصادي يقوم على التبادل والتداول. أما استبعاد الكاثوليك، فيعود إلى أن التبعية لمرجعية البابوية الخارجية تُدخل ولاءً سياسياً منافساً لسيادة الدولة المدنية، مما يخل بمبدأ التزام المواطن بالصالح العام للجمهورية. توضح بريتشارد أن هذه الحدود تكشف عن طبيعة التسامح عند لوك بوصفه إطاراً وظيفياً وُضع لحماية حرية التداول الفكري والاقتصادي وضمان استقرار المجتمع الرأسمالي الناشئ، وليس مجرد تساهل مطلق مع كل موقف فكري يهدد المبادئ التأسيسية لهذا النظام.

يسلط المؤلف الضوء أيضاً على كيفية إسهام لاهوت لوك السياسي في تشكيل مفهوم العقل العام وتحديد قواعد النقاش في المجتمع المفتوح. تشير بريتشارد إلى أن لوك لم يكن يجد خطورة في إظهار المعتقدات الدينية في الفضاء العام، بل كان يرى أن الخطورة الحقيقية تكمن في انزلاق الجماعات الدينية نحو السرية والانعزالية الكنسية. فعندما تُطرح المعتقدات والآراء علناً في مجتمع النشر والطباعة والأسواق، فإنها تخضع تلقائياً لقواعد النقد والرقابة الاجتماعية والتفنيد العقلاني، مما يضعف نزعات التعصب ويحد من قدرة الجماعات المتطرفة على التجييش الخفي. إن إصرار لوك على نقل الصراع الديني من ساحات المواجهة المادية والأجساد إلى مساحة الحجج والمساجلات المطبوعة كان ينطوي على رهان واثق بإمكانية ضبط الاختلاف عبر آليات الحوار والحرية الإقناعية. وبذلك ينشأ فضاء عمومي يتعلم فيه الأفراد كيفية التفاعل مع التنوع العقائدي والفكري باعتباره خيارات قابلة للمناقشة المستمرة والتعديل تحت تأثير الرأي العام والخبرة المتبادلة.

تصل بريتشارد في هذا السياق إلى صياغة موقف نقدي تجاه النظريات العلمانية المعاصرة التي تميل إلى تصوير الحداثة كعملية إقصاء تام للاهوت من الشأن العام. تؤكد الباحثة أن قراءة لاهوت لوك السياسي تبين بشكل واضح أن المؤسسات العلمانية والحدود الفاصلة بين الدين والدولة لم تنشأ كقطيعة جذرية مع الإيمان، بل جرى تصميمها بواسطة لاهوت سياسي محدد عمل على إعادة توزيع الأدوار وتكييف الفعالية الدينية مع حاجات المفهوم الجديد للدولة والسوق. إن العلمانية، بحسب هذا الطرح، ليست حياداً مطلقاً أو تفريغاً كاملاً للمجال العام من الغايات الميتافيزيقية، بل هي نظام يمارس ضغوطاً لتوجيه الأديان نحو أشكال تواصلية غير قسرية تتوافق مع التداول الحر وحماية الحقوق الفردية. وهذا الإدراك يعيد فتح النقاش حول الأصول اللاهوتية للمفاهيم السياسية الحديثة، ويحث على إعادة فحص العلمانية لا بوصفها غياباً للدين، بل بوصفها نمطاً خاصاً من تنظيم الدين وحضوره العام.

توضح بريتشارد أن المشروع اللوكي لم يقتصر على إعادة تعريف العلاقة بين الكنيسة والدولة أو تنظيم أشكال النقاش في المجال العام فحسب، بل امتد ليرسم ملامح نظام اجتماعي واقتصادي شامل تتكامل فيه الالتزامات اللاهوتية مع متطلبات السوق الرأسمالية الناشئة والدولة الحديثة. فالواقع العلمي المقترن بدنيوة الدين عند لوك يتجاوز مجرد الحرية الفكرية، ليتصل اتصالاً وثيقاً بالحاجة إلى تحريك الأجساد والأموال، وإيجاد شبكات ثقة مستقرة تمكن المجتمع من التوسع والإنتاج والتجارة دون معوقات.

تبدأ بريتشارد تحليلها لهذا البعد الاقتصادي اللاهوتي بالوقوف عند كتابات لوك المتعلقة بالنقد والعملة، وخاصة مساهماته خلال أزمة إعادة سك العملة الإنجليزية في تسعينيات القرن السابع عشر. ترى الباحثة أن دفاع لوك المستميت عن القيمة الفعلية والوزن الثابت للفضة في القطع النقدية لم يكن مجرد موقف تقني في علم الاقتصاد السياسي، بل كان ينبع من رؤية لاهوتية وميتافيزيقية أعمق تنظر إلى الثقة والأمانة كشرطين أساسيين لقيام المجتمع المدني والتداول العام. كان لوك يرى أن تزييف العملة أو تخفيض قيمتها الاسمية بقرار تحكمي من الحاكم يشبه إفساد اللغة وتشويه الحقائق الدينية والأخلاقية؛ فهو اعتداء على المعايير الموضوعية للقيم التي أودعها الله في العالم الطبيعي. وكما أن الدين يستلزم الصدق والإقناع والالتزام بالعهود، فإن التجارة والتبادل النقدي يتطلبان وسيطاً نقدياً ثابتاً يعبر عن حقيقة القيمة ولا يخضع للأهواء السياسية أو الشطط السلطوي. وبذلك يظهر أن التداول المالي عند لوك يتوازى بشكل كامل مع التداول الفكري والديني في الفضاء المفتوح؛ فكلاهما يحتاج إلى معايير واضحة تضمن الاستقرار وتمنع الخداع وتصون حقوق الأفراد.

امتداداً لهذا المنطق الاقتصادي المتصل باللاهوت، تتطرق بريتشارد إلى الموقف اللوكي من التوسع الاستعماري واستصلاح الأراضي في العالم الجديد. تبيّن الباحثة كيف أسهمت النظرية اللوكية في العمل والملكية في صياغة تبرير لاهوتي وأخلاقي للسياسات الاستعمارية الإنجليزية في شمال أمريكا. فمن وجهة نظر لوك، أهدى الله الأرض للبشرية مشاعاً، إلا أن هذه الهداية الإلهية تحمل في طياتها أمراً تكليفياً بالعمل والتحسين والاستزراع. إن الأرض غير المستغلة التي تترك بوراً بلا تحسين يُنظر إليها في المنظور اللوكي كإهدار للنعم الإلهية، بينما يعيد العمل البشري تشكيل هذه الأرض ويخلع عليها قيمة حقيقية تجعلها ملكية خاصة ومشروعة. ترى بريتشارد أن هذا البناء الفكري سمح للوك بتأطير النشاط الاستعماري لا بوصفه غصباً أو استيلاءً قهرياً، بل بوصفه تحقيقاً للإرادة الإلهية في استصلاح العالم وتحويل الموارد المعطلة إلى ثروة منتجة تفيد الإنسانية. ومن خلال فك ارتباط الحق في الأرض بالروابط القبلية أو السلالية القديمة ورابطه بالعمل المباشر والاستثمار الإنتاجي، أصبحت العقيدة الدينية عند لوك محركاً لفتح آفاق جديدة للتجارة الحرة وتوسيع نطاق الممتلكات عبر البحار.

لا يقف التحليل عند حدود النقد والاستعمار، بل يتجاوز ذلك إلى فحص الموقف اللوكي من إدارة السكان وضبط الشرائح الاجتماعية الهامشية. تدرس بريتشارد مقترحات لوك حول إصلاح قوانين الفقراء وإدارة دور العمل، مبيّنة كيف جرى تحويل قيم الرعاية والخير الدينية التقليدية إلى آليات للانضباط الاجتماعي والدمج الاقتصادي. لم يعد التصدق والإحسان الفردي في منظور لوك عملاً أخلاقياً عفوياً يبتغي الثواب الباطني فحسب، بل أصبح نظاماً موحداً يهدف إلى تحويل الفقر والبطالة إلى طاقات إنتاجية نافعة. كان لوك ينظر إلى الفقر الجماعي والتسول بوصفهما نتيجة لتدهور الأخلاق وضعف الانضباط الفردي وليس فقط كعجز اقتصادي طارئ، ولذا اقترح تدابير صارمة لتدريب أطفال الفقراء وتشغيل القادرين منهم، بما يضمن دمجهم في الدورة الرأسمالية ومنعهم من تحويل الفقر إلى وسيلة لزعزعة الاستقرار الاجتماعي. تعيد بريتشارد قراءة هذه المقترحات لتؤكد أن دنيوة الدين عند لوك كانت تتطلب صياغة أساليب جديدة لإدارة الأجساد وضمان إنتاجيتها، حيث يتكامل التدريب الأخلاقي مع التأهيل العملي لإنشاء مواطنين قادرين على المساهمة الفعالة في الصالح العام.

وفي إطار تشكيل هذا المواطن الحديث، تخصص بريتشارد مساحة لدراسة أفكار لوك حول التربية والتنشئة الأخلاقية كما تجلت في مؤلفه “بعض أفكار عن التربية”. تراقب الباحثة كيف يسعى لوك إلى استبدال العقاب البدني والقسر الخارجي بآليات تربوية باطنية تعتمد على بناء الرغبة الذاتية والضبط الداخلي. يُعتبر “قانون الرأي أو السمعة” عند لوك أحد أقوى وسائل ضبط السلوك البشري؛ فالإنسان بطبعه يتأثر بتقدير أقرانه ومجتمعه أو زجرهم. ومن خلال تنمية الحس بالشرف والحياء لدى الطفل، يمكن إحداث التحول المطلوب نحو سلوك عقلاني وأخلاقي دون الحاجة إلى استخدام العنف المادي. ترى بريتشارد أن هذه الرؤية التربوية تتقاطع تماماً مع لاهوت لوك السياسي؛ فكما أن الدولة لا ينبغي لها استخدام القوة القسرية لتغيير المعتقدات الدينية، فإن المربي لا ينبغي له استخدام الضرب المادي لتشكيل العقل والضمير. وفي الحالتين، يُستبدل القسر بآليات الإقناع، والتشجيع، وتوجيه الإرادة نحو القبول الاختياري، مما ينشئ ذواتاً مستقلة قادرة على ممارسة حريتها في المجال العام بمسؤولية واتزان.

تتعمق بريتشارد بعد ذلك في تحليل المفهوم اللوكي الشهير المعروف بـ “النداء إلى السماء”، وهو المفهوم الذي يؤطر فيه لوك حق الشعب في مقاومة الاستبداد والثورة على الحاكم الجائر في كتاباته السياسية. توضح الكاتبة أن حق المقاومة عند لوك لا يعود إلى نزعة ثورية فوضوية أو رغبة في تقويض السلطة المدنية، بل يتأسس على مرجعية لاهوتية حاسمة ترى أن الحاكم والمحكوم يخضعان معاً لشريعة إلهية أسمى. عندما يتجاوز الحاكم التفويض الممنوح له ويتحول إلى مستبد يعتدي على أجساد المواطنين وممتلكاتهم وحرياتهم، فإنه يحول العلاقة مع الشعب من حالة مدنية قائمة على القانون والموافقة إلى حالة حرب قسرية. وفي غياب قاضٍ أرضي محايد يفصل بين الطرفين، لا يبقي أمام الشعب سوى “النداء إلى السماء”، وهو التعبير اللوكي عن الاحتكام إلى الشريعة الإلهية والحق الطبيعي للذود عن بقائه. تبين بريتشارد أن هذا المفهوم يظهر الجانب الأكثر حماية لحقوق الأفراد في لاهوت لوك السياسي؛ فالدين هنا لا يعمل كأداة لخنوع الرعية كما كان الحال في نظريات الحق الإلهي للملوك، بل يتحول إلى السند الأخلاقي واللاهوتي الأخير الذي يشرعن المناهضة ضد الظلم ويحمي الحريات المادية والفكرية للأفراد في مواجهة توغل السلطة السياسية.

تستعرض بريتشارد بعد ذلك موقع لاهوت لوك السياسي ضمن النقاشات المعاصرة حول العلمانية والمجال العام، مقترحة مقارنة نقدية بين الطرح اللوكي والتنظيرات الحديثة الصادرة عن مفكرين بارزين مثل يورغن هابرماس وتشارلز تايلور وطلال أسد. ترى الباحثة أن النموذج اللوكي يقدم بديلاً يتجاوز القصور الموجود في بعض النظريات الحديثة التي تصر على إبعاد الدين كلياً عن لغة الحوار السياسي الرسمي أو اختزاله في مشاعر باطنية معزولة. فبينما يرى البعض أن الحداثة العلمانية تتطلب حظراً تاماً للحجج الدينية في النقاشات العامة، يثبت لوك أن الاعتقاد الإيماني يمكن أن يكون مصدراً رئيسياً لصياغة المفاهيم التأسيسية للحقوق والكرامة والحرية، بشرط أن يُطرح هذا الاعتقاد بلغة حوارية تتوسل الإقناع العقلاني وتتخلى عن وسائل الإكراه المادي. وفي الوقت ذاته، تبتعد بريتشارد عن التبسيط الذي يصور لوك كأب روحي للعلمانية المحايدة تماماً، مشيرة إلى أن نموذجه ظل محمولاً على افتراضات لاهوتية حول الخالق والملكية الإلهية والتزام الكائنات البشرية بعمران الأرض والتواصل والتداول.

تُبرز الكاتبة كذلك كيف يختلف لوك عن المنظورات الاستبدادية السابقة التي كانت تجعل الدين وسيلة لتأطير الطاعة المطلقة. لقد استطاع لوك أن يحول الخطاب الديني من وسيلة لإخضاع العقول والأجساد إلى وسيلة لفتح مجالات التفاعل الاجتماعي والتجاري والثقافي. فالدين الحقيقي في منظور لوك هو ما يعزز التسامح والتواصل المفتوح، وما يقبل الخضوع لرقابة النقد العمومي دون خوف. إن هذا الفهم يجعل من لاهوت لوك السياسي تجربة مبكرة وفريدة لإدماج التنوع العقائدي في بنية مجتمع حديث يتسم بحركة النشر والطباعة وتداول البضائع والأفكار.

تتناول الكاتبة كيف يتكامل البناء المعرفي اللوكي مع أطروحتها الأساسية حول دنيوة الدين وتأسيس الفضاء العام الحديث؛ إذ ترى بريتشارد أن نظرية المعرفة التجريبية عند لوك لم تكن مجرد اشتغال فلسفي نقي على حدود العقل البشري، بل كانت في جوهرها استجابة لاهوتية وسياسية أملتها الحاجة إلى إنهاء الصراعات الدينية المستعرة وتأمين مساحة آمنة للتداول العام. إن حصر لوك لمنابع المعرفة الإنسانية في الحس والتجربة والتفكر، وإصراره على أن العقل البشري يولد كصفحة بيضاء، يتضافران مع سعيه لنزع السحر والتصوف القسري عن المقولات الإيمانية. فالدين، في إطار هذه النظرية المعرفية، يجب أن يتقدم أمام العقل كفروض وحجج قابلة للفحص والتمحيص، وليس كحقائق ملهمة بشكل قاطع ومغلق تتجاوز أساليب البرهنة والنقاش المدني.

تخصص بريتشارد تحليلاً  لموقف لوك من ظاهرة “الحماس الديني” أو ما يُعرف بالولع الروحي الإلهامي الذي انتشر بين العديد من الفرق والجماعات الدينية في القرن السابع عشر. ترى الباحثة أن لوك كان ينظر إلى هذا النوع من الادعاء الإلهامي المباشر بوصفه تهديداً جذرياً لبنية المجال العام؛ فالمتحمس الذي يدعي تلقي الوحي المباشر من الله دون حاجة إلى دليل عقلي أو نصي مطبوع، يرفع مقولاته فوق مستوى النقاش والتفنيد، ويطالب الآخرين بالانقياد الأعمى لإلهامه الباطني. إن هذا الادعاء، في نظر لوك، يلغي إمكانية التداول الحقيقي ويعيد إنتاج الاستبداد والعنف؛ إذ يتحول الضمير الفردي المتكتل حول ذاته إلى سلطة قاهرة تسعى لإخضاع الآخرين. لذلك، صب لوك جام غضبه الفلسفي على الحماس الديني، مبيناً أن الوحي الحقيقي لا يمكن أن يناقض العقل، وأن المعيار الوحيد لتمييز الإلهام الإلهي عن أوهام النفس والرغبات الذاتية هو خضوعه للأدلة والبراهين القابلة للمشاركة والنقد. ومن خلال إجبار الادعاء الديني على المرور عبر مصفاة الفحص العقلاني أمام الجمهور، يضمن لوك حماية الفضاء العام من الهزات الانفعالية والتعصب الناجم عن المزاعم الروحية المغلقة.

تنتقل الكاتبة بعد ذلك إلى فحص البعد الاجتماعي والأسري في لاهوت لوك السياسي، متوقفة عند سجاله الفكري الحاد مع السير روبرت فيلمر صاحب كتاب “البطريركا”. تبيّن بريتشارد أن تفكيك لوك لنظرية الحق الإلهي للملوك لم يقتصر على نقد السلطة السياسية المطلقة، بل امتد ليعيد تنظيم الروابط الأسرية والعلاقات بين الجنسين داخل المنزل. كان فيلمر يقيم مماثلة حاسمة بين سلطة الأب في الأسرة وسلطة الملك في الدولة، معتبراً أن كليهما يمارسان سلطة مطلقة ومستمدة من السلطة التي منحها الله لآدم. غير أن لوك، في “الرسالة الأولى في الحكم المدني”، يعمل على تفكيك هذه المماثلة الأبوية؛ فيبين أن السلطة الوالدية ليست ملكية مطلقة للآباء، بل هي تكليف ورعاية مؤقتة تهدف إلى إيصال الأبناء إلى مرحلة النضج العقلاني واستقلال الإرادة. علاوة على ذلك، يصر لوك على مشاركة الأم للأب في هذه السلطة الوالدية، مقتطعاً بذلك جزءاً من الهيمنة الأبوية التقليدية. ترى بريتشارد أن إعادة صياغة العائلة عند لوك تحولها من مؤسسة إقطاعية مغلقة قائمة على التراتبية الأبدية إلى عقد اجتماعي ومدني منظم، يستند إلى التراضي والمسؤولية المتبادلة، مما يسهم في تحرير أجساد النساء والأبناء من التبعية المطلقة، وتهيئتهم للمشاركة كذوات مستقلة في التبادل الاقتصادي والاجتماعي.

وفي مسار متصل بتنظيم المجال العام، تدرس بريتشارد موقف لاهوت لوك السياسي من الجغرافيا والمكان المقدس. توضح الكاتبة كيف يسهم المنظور اللوكي في تحويل الفضاء الجغرافي من مساحة محملة بالقداسة اللاهوتية والتراكيب المزارية التقليدية إلى مساحة مجردة وعلمانية تتيح حرية التنقل والتداول للأفراد والبضائع. ففي العالم القديم والوسيط، كانت الأماكن المقدسة والكنائس والمحارم تتمتع بحصانات مادية وجغرافية تفرض قيوداً على الحركة وتحدد مسارات الأجساد بناءً على انتمائها الديني والطائفي. غير أن لوك ينزع القدسية الذاتية عن الأماكن؛ فالمسجد أو الكنيسة أو المعبد ليس سوى مكان لتجمع الأفراد الحاضرين ملء إرادتهم للعبادة والتداول. إن تحرير الفضاء المادي من القيود اللاهوتية الكنسية يخدم في المقام الأول متطلبات السوق الحديثة وحرية حركة العمالة والتجارة؛ إذ تصبح الأرض برمتها ساحة مفتوحة للاستثمار والتفاعل الإنساني الخالي من المعوقات الدينية. وبذلك تظهر دنيوة الدين كعملية إعادة تنظيم للفضاء المادي، تضمن عدم عرقلة الشؤون الدنيوية والرأسمالية بالصراعات المكانية ذات الخلفيات المقدسة.

تستعرض بريتشارد كذلك كيفية إعادة تعريف الضمير الديني في الفلسفة اللوكية. ترى الكاتبة أن الضمير لم يعد عند لوك ملجأً باطنياً معزولاً أو حصناً منيعاً يرفض التواصل، بل أصبح قوة تواصلية ترغب في التأثير والإقناع العملي داخل المجتمع المدني. كان الفكر الديني التقليدي ينظر إلى الضمير كقاضٍ باطني مطلق يلتزم الفرد باتباعه حتى لو أدى ذلك إلى الصدام المادي مع السلطة أو المجتمع. لكن لوك يعمل على تحويل الضمير من مقولة سكونية ومغلقة إلى نشاط تفاعلي يسعى لتقديم حجج ساطعة أمام الرأي العام. فالضمير الحقيقي لا يخاف العلنية، بل يجد في التداول العام والمناقشة المفتوحة فرصته الثمينة لإقناع الآخرين بصدق مقولاته. ومن خلال هذا التحول، يتحول الضمير من مصدر محتمل للتمرد المسلح أو العزلة الطائفية إلى عنصر نشط يشارك في بناء المعايير الأخلاقية للمجتمع المفتوح، معتمداً في ذلك على وسائل النشر والحوار الشفهي والمكتوب.

تسلط الباحثة الضوء أيضاً على كيفية معالجة لوك للشهوات والانفعالات البشرية، محولةً الانضباط الأخلاقي إلى عنصر أساسي لخلق المواطن النافع. تلاحظ بريتشارد أن لوك لم يكن يهدف إلى كبت الرغبات الإنسانية أو إطفاء الشغف المادي لدى الأفراد، بل كان يسعى لتوجيه هذه الطاقات وتحويلها من نزوات عشوائية أو صراعات مدمرة إلى رغبة في تحسين الذات واكتساب الثروة ونيل احترام الأقران. تلعب “سلطة الرأي” أو السمعة الاجتماعية دوراً مركزياً في هذا السياق؛ فالإنسان يبحث بطبعه عن المديح ويتجنب اللوم والعار في مجتمعه. ومن خلال تنظيم هذه السلطة الأدبية وتوجيهها نحو كفالة السلوك العقلاني، يمكن دفع الأفراد إلى ضبط أهوائهم الذاتية والتكيف مع متطلبات العمل والإنتاج والصالح العام. وهكذا تندمج التربية الأخلاقية بالاهتمام الاقتصادي، ليصبح السلوك الصالح ميزة تجارية واجتماعية تضمن للفرد موقعاً مرموقاً في مجتمع المبادلات.

 لا تتوانى بريتشارد عن تقديم قراءة نقدية تتناول حدود هذا النموذج وما يكتنفه من أشكال الهيمنة الضمنية. تجادل الباحثة بأن الفضاء العام الذي يسعى لوك لبنائه، والذي يظهر في الظاهر كفضاء محايد ومفتوح لجميع الذوات العقلانية، يحمل في طياته شروطاً معيارية واضحة تستبعد بشكل غير مباشر كل من لا يستطيع أو لا يرغب في التكيف مع قواعده. إن إصرار لوك على العقلانية التداولية، وعلى اختزال الدين في أفعال كلامية وإقناعية، ينطوي على انحياز لصالح الطبقات المتعلمة ومالكي العقارات والمشاركين في حركة النشر والسوق. أما المجموعات التي تعبر عن إيمانها الديني عبر ممارسات شعائرية جسدية مكثفة، أو تصر على الجمع بين السلطة الدينية والسياسية، فإنها تجد نفسها مهددة بالإقصاء أو التضييق. تبيّن بريتشارد أن هذه الهيمنة الضمنية تكشف عن أن دنيوة الدين في لاهوت لوك السياسي لم تكن مجرد تحرير للجميع، بل كانت أيضاً عملية إعادة فرز وتشكيل تعيد توزيع أدوار القوة داخل المجتمع.

تستكمل الكاتبة  بالإشارة إلى أن فهم لاهوت لوك السياسي يلقي بظلاله على الإشكاليات المعاصرة التي تواجه المجتمعات الليبرالية الحديثة في تعاملها مع التنوع الثقافي والديني. فالتحديات التي يطرحها حضور الدين في الفضاء العام اليوم لا تبتعد كثيراً عن التحديات التي واجهها لوك في عصره. تتساءل بريتشارد عما إذا كانت النماذج العلمانية الحالية، التي تصر على التجرد التام من الحجج الإيمانية في المجال العام، تفقد بذلك المرجعية اللاهوتية الأخلاقية التي استخدمها لوك ذاته لتأسيس الحقوق غير القابلة للتصرف وحماية الكرامة الإنسانية. وتؤكد أن الذي سعى لوك لتحقيقه بين الإجماع اللاهوتي على ملكية الله للبشر والتسامح مع الاختلافات العقائدية يظل مادة غنية للتأمل الفلسفي والسياسي حول أصول الفكر الليبرالي وحدوده.

*الآراء المنشورة لا تمثل رأي نايل بوست بالضرورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى